
سَبَبُ الخُضُوعِ لِلأَصْنَام
لم يكن سبب هذا الخضوع في البداية خوفاً، لأن الوثنية في بدايتها لم تكن قوية ومخيفة، بل على العكس، فلقد كانت ضعيفة جداً لا تصمد أمام أية مواجهة من قبل مجموعة صغيرة من الناس.
وإذا كانت الوثنية آنذاك بهذا الحجم من الضعف والوهن والخلل، فما هي العوامل التي ساعدت هذا المعتقد الشيطاني على الإستمرار والتكاثر بهذا الشكل المخيف؟
هناك عدة عوامل كانت السبب في نشر هذا المعتقد الفاسد بين الناس بعد أن كانوا يعبدون الله الواحد الأحد.
العامل الأول
إِسْتِهْتَارُ جِهَةٍ كُبْرى في مُقَابِلِ اهْتِمَامِ جِهَةٍ قَلِيلَة
لقد ووجهت تلك الظاهرة باستهتار الغالبية من الناس لعدم إدراكهم لما سوف ينتج عن هذه الحالة الشاذة التي خرجت على قوانين الرسالات السماوية كلها.
فإما أن يكون هذا الإستهتار نابعاً من منطلق الفهم الخاطئ للحرية، ولا يوجد في الأديان السماوية والقوانين الإلهية شيئ إسمه(الحرية المطلقة) لا يوجد في المنطق الديني العام مسلك بهذا العنوان، وإنما ورد هذا العنوان مشروطاً، ولا نريد أن نذكر تلك الشروط هنا كيلا نخرج عن صلب البحث، ولكننا نؤكد على وجود قيود في الحريات.
ويمكن للإنسان فيما بينه وبين نفسه أن يدرك تلك القيود من دون اللجوء إلى الكتب السماوية، لأنه مفطور على الشعور بالمسؤولية تجاه ما يقول ويفعل.
وقد استغل المعنيون بالوثنية هذا الإستهتار لنشر معتقداتهم، أو بمعنى آخر لنشر ما قامت عليه مصالحهم الخاصة، ولكنهم لو وجدوا من الأساس من يقف في وجوههم لما استمرت تلك الظاهرة، ولما استقرت ساعات بعد المواجهة.
لم يلقوا معارضة سوى من الأنبياء(عليهم السلام) الذين كانوا يشكِّلون مع أتباعهم القلة القليلة التي لا تخيف الآخرين، ولا تؤثر فيهم شيئاً.
وقد أشار القرآن المجيد إلى هذه الحالة التي كان عليها الأنبياء، وإلى نظرة الوثنيين إلى أتباعهم، حيث قال القرآن حاكياً عن تلك الحالة(مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) وفي آية ثانية(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)
ولعلهم لم يقصدوا بالرذيل ما نفهمه نحن اليوم من هذا اللفظ، وإنما قصدوا به الضعف والفقر، بل لعلهم قصدوا معنى الخروج عن العقيدة، حيث كانت أنفسهم تستعظم خروج واحد منهم عن الوثنية، فلقد كانوا يُظهرون التعجب من هذا الفعل الذي كانوا يرونه بعيداً عن الواقع، إذ كيف يعبد الإنسان رباً لا يراه بعينه ولا يسمع صوته بأذنه.
العامل الثاني
إِخْتِيَارُ العِبَادَاتِ السهْلَة
من الطبائع التي نشأ عليها الإنسان واستسلم لها في حياته هي اختيار الأمور السهلة رغم علمه بأن اختيارها سوف ينعكس عليه سلباً في المستقبل، ونعني بالمستقبل: المستقبل المرتبط بعمر الإنسان في هذه الحياة.
فهناك أمور سهلة فرضها علينا ربُّنا عز وجل، وهي تحمل من المنفعة لنا ما لا يمكن أن ندركه بعقولنا، كالصلاة والدعاء وقراءة القرآن والتصدق على الفقراء بالميسور.
وهناك فرائض تحمل نسبة معينة من الصعوبة، وهي تتفاوت بين أمر وأمر، فالصوم من الأمور الصعبة نسبياً على بعض الناس ممن لا يطيقون تحمل الجوع وألم العطش، والصعوبة في هذه الفريضة مرتبطة بالمناخ الجوي، لأن الصوم قد يحصل في فصل الصيف، وقد يأتي في فصل الشتاء، وهذا الأمر مرتبط بالمراحل الزمنية، وذلك لكون شهر رمضان من الأشهر القمرية التي تقل بمجموعها عن الأشهر الشمسية ما يقرب من عشرة أيام في السنة وهذا هو السبب في اختلاف نسبة الصعوبة بين صوم وصوم.
وهناك فرائض أكثر صعوبة وأعظم مشقة من الصوم، كفريضة الحج التي فرضها الله تعالى على المستطيع من ناحية الكلفة المالية والطاقة الجسدية والظروف الملائمة، حيث قد تتحقق القدرة المالية والجسدية ولكنه قد يعجز عن تأدية هذه الفريضة لظروف أمنية أو ما شاكلها.
وهناك فرائض تصل نسبة الصعوبة فيها إلى أن يبذل الإنسان ماله ونفسه وولده في سبيل الله تعالى كفريضة الجهاد.
ونفس ما طرحناه حول الفرائض السابقة نطرحه هنا، لأن الجهاد لا يعني الموت دائماً، إذ قد يجاهد الإنسان في سبيل الله ويرجع إلى أهله ووطنه سالماً كما كان حال النبي(ص) والمسلمين عندما كانوا يخوضون المعارك في سبيل الله، فمنهم من ينال شرف الشهادة ومنهم من كان يرجع إلى دياره سالماً وغانماً.
ويجب أن نضع نصب أعيننا أن الله سبحانه قد فرض علينا جميع الواجبات ضمن القانون العادل الذي يحكي عنه الله في القرآن بقوله(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)
إذن.. هناك فرائض تتطلب بعض الصعوبات، وفرائض تترجم بكل بساطة وسهولة، وفي كل الأحوال يجب على المرء أن يخضع لأوامر خالقه مهما كانت نسبة الصعوبة عالية وكبيرة، فإن سعادة الإنسان قد تكون متوقفة على الصعوبة في بعض الأحيان.
فموضوع السهولة أو الصعوبة لا يحدده الإنسان وإنما يحدده الخالق سبحانه وتعالى.
وأما الذين ساروا في ركب الوثنية وقدموها على العقيدة الصحيحة فقد حددوا أدوارهم في هذه الحياة بأنفسهم، تلك الأنفس التي من طبيعتها أن تختار السهل، وإن كان في هذا الإختيار خروج عن القانون السماوي الحق.
وهؤلاء(طلاب السهولة) باختيارهم للوثنية من هذا المنظار شكَّلوا عاملاً أساسياً في استمرارية تلك العقيدة الباطلة، ومدوا يد العون لمؤسسيها بطريق غير مباشر.
ونحن على اعتقاد بأن كثيراً من طلاب الإلتزامات السهلة كانوا على علم بالنتيجة التي كانت أكبر خدمة يقدمونها للوثنيين، ومع ذلك أصروا على متابعة هذا الطريق المظلم الذي ينتهي بالجحيم.
ونلاحظ بأن كل الأديان السماوية تتعارض مع هذا المبدأ، حيث كان لكل دين واجبات معينة تتفاوت مع باقي الواجبات في الأديان الأخرى، ولكن المبدأ الأساسي في كلامنا هنا هو معارضة الأديان لمبدأ السهولة في العبادة.
ولو لم تكن الأديان معارضة لهذا المبدأ لكان عدد الأديان على الأرض بعدد الأشخاص، حيث أنه سوف يختار كل واحد منهم عبادته الخاصة التي تنسجم مع أهوائه ورغباته.
هناك التزام وانسجام بين لفظي الدين والإمتحان، ولا يمكن أن يكون هناك دين من غير امتحان، وإلا لم يكن ديناً.
وقد خلق الله الإنسان من أجل الإمتحان، والإنسان هو الذي يحدد موقعه في الآخرة عن طريق الإمتحان، وبغير الإمتحان كان كل شيئ في هذا الوجود لغواً وعبثاً، والعقل بتجرده لا يقر باللغوية في الخلق.
وبناءاً على ذلك نصل إلى نتيجة تختص بالوثنية، وهي: أن الوثنية لم تخالف الأديان فحسب وإنما خالفت العقول والمشاعر والحاسيس الإنسانية.
إن مسألة طلب السهولة في العبادة ما زال قائماً، فإن كثيراً من المسلمين وغيرهم يمارسون هذا المبدأ، وذلك عندما يلتزم الواحد منهم ببعض الواجبات ويهمل الواجبات المتسمة بنوع من أنواع المشقة.
مثال ذلك: شخص يصلي ويقرأ القرآن، ولكنه لا يصوم مع قدرته على الصيام وهو حاضر وصحيح الجسد.
أو كشخص يلتزم بجميع الفرائض ولا يلتزم بالفرائض التي تمس جيبه وماله، فهو يطيع الله في كل شيئ إلا بموضوع الحقوق المالية المفروضة عليه.
الشيخ علي فقيه



