
هذه الحياة محاطة بالأسرار الإلهية التي كُشف عن بعضها، وما زال الكثير منها غامضاً، إن في كل ما نراه ونسمعه أكثر من سر، ففي الأرض أسرار وفي الإنسان أسرار وفي باقي المخلوقات أسرار وعبر، والرابح هو الذي ينظر في الأعماق ويكتشف بعض تلك الأسرار التي كانت دليلاً على الوحدانية وحجة على الخلق.
والجاهل الحقيقي هو الذي يريد أن يعرف كل شيء، فإن البشر عبر تاريخهم لم يدركوا من أسرار الخلق سوى الشيء اليسير الذي أشار إليه الأنبياء(ع) بوحي من الله تعالى.
إن العاقل ينظر إلى الشجرة فيتفكر في أصلها ويتأمل فيها عندما كانت حبة، ويتأمل في الحبة عندما لم تكن شيئاً يُذكر، فمن الذي أعطاها الحياة ومنحها النمو، وكذا يفعل عند النظر إلى أي مخلوق في هذا الوجود.
ففيما نراه يوجد أسرار غامضة، وفيما لا نراه يوجد من الأسرار ما هو أكثر وأخفى، وحديثنا هنا يتمحور حول ملك الموت وأعوانه، والكلام عنهم كثير ولكننا سوف نختار منه موضع الحاجة لنا، وقد لفت نظري كلام في المقام لأمير المؤمنين(ع) الذي وصف ملك الموت بقوله:هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟ أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بَإِذْنِ رَبِّهَا؟ أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوق مِثْلِهِ:
وما يقوله الإمام هنا إنما هو الواقع والحقيقة حيث لا يرى أحد منا ملك الموت حين يأتي لقبض روح غيره، بل يراه عندما يأتي ليقبض روحه، ولكنه حينئذ لا يقدر على الكلام ولا يستطيع أن يصف ما يشاهده ويعاينه في تلك اللحظات، وهذا ما أشار إليه الإمام علي(ع) في بعض خطبه حيث قال: فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ: يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ:
فموضوع كيفية دخول ملك الموت هو من الأسرار الإلهية التي لا يمكن أن تُكتشف عن طريق القياس أو التكهن أو الإستحسان، ولا ندري أهو يأتينا أم نحن نذهب إليه أم أنه موجود بداخلنا مدى الحياة.
وبعد هذا الكلام يرد علينا السؤال التالي: من الذي يتوفانا؟
لا شك بأن هذا السؤال قد طُرح من قبل على الأنبياء والأئمة، ولا شك أيضاً بأن إجاباتهم كانت واضحة وشافية، وهو من الأسئلة الهامة على صعيد البشرية بشكل عام وعلى الصعيد الإسلامي بشكل خاص.
والجواب عليه يتكفل بالكشف عن إحدى الحقائق الكبرى حول مسألة الموت، وقد طُرح هذا السؤال أيضاً من قبل أشخاص يتربصون الشر بالدين وأهله، وهم يحاولون من خلال طرحه تشكيك الناس بالقرآن الكريم وذلك من خلال نسب التناقض إليه حيث ورد فيه ثلاث مجموعات من الآيات الكريمة التي تتحدث عن الوفاة.
المجموعة الأولى: وهي الآيات الكريمة التي تنسب عملية الوفاة إلى الله سبحانه مع ملاحظة معنيي الوفاة، الموت والنوم، أما ما يراد به النوم فإنه منسوب إلى الله دائماً مثل قوله تعالى(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) وقوله(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) فالآية الأولى أشارت إلى كلا المعنيين النوم والموت، وكلاهما بيد الله عز وجل، أما الآية الثانية فقد أشارت إلى معنى النوم فقط بدليل السياق لأن تقييد الوفاة بالليل دال على معنى النوم وذلك على نحو الأعم الأغلب، ولا يضر بهذا المعنى نوم كثير من الناس في النهار لأن النوم الأساسي إنما هو ما يحصل في الليل لأغلب الناس، ولا يمكن حمل معنى الوفاة في هذه الآية على الموت لأنه لا ينحصر بالليل فهو يأتي بالليل والنهار.
وهناك آية في سورة يونس ورد فيها لفظ الوفاة بشكل عام فهو يصلح للدلالة على كلا المعنيين، وهي قوله تعالى(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) فقد يكون المراد به النوم وقد يكون الموت وكلاهما صحيح لعدم ورود قرينة تصرف الذهن إلى خصوص أحدهما.
وهناك آية في سورة النحل استعملت لفظ الوفاة للدلالة على الموت بقرينة ما سبق لفظ الوفاة فيها وما لحقه، وهي قوله تعالى(وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) ففي هذه الآية يوجد قرينتان على كون المراد بالوفاة إنما هو الموت، الأولى: قوله(وَاللّهُ خَلَقَكُمْ) فأتى لفظ الوفاة بعدها مشيراً إلى ما يعقب الخلق، وهو الموت، وأما القرينة الثانية فهي قوله(وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) وهي أيضاً تشير إلى كون المراد بالوفاة هنا هو الموت لأن الذي لا يُرد إلى أرذل العمر هو الذي يموت قبل ذلك.
ففي هذه الآيات نسب الله تعالى عملية الوفاة إلى نفسه، ونحن نعلم بأن الله تعالى أوكل هذه المهمة إلى ملك الموت وأعوانه من الملائكة.
المجموعة الثانية: وهي التي تنسب عملية الوفاة إلى خصوص ملك الموت من دون الإشارة إلى الله تعالى ولا إلى أعوان ملك الموت مثل قوله سبحانه(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)
المجموعة الثالثة: وهي التي تنسب الوفاة إلى الملائكة:
منها قوله تعالى في سورة الأنعام(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)
ومنها قوله في سورة النحل(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ومنها قوله في نفس السورة(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ومنها قوله في سورة محمد(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)
أما نسبة الوفاة لله تعالى فهي صحيحة، لأنه هو الذي يأمر بقبض الأرواح، فيصح أن ننسب ذلك إليه، وهذا من الإستعمالات المتبعة في لسان العرب، كما نقول: لقد هجم أبرهة على الكعبة، وهو في الحقيقة لم يباشر الهجوم بنفسه، وإنما هو الآمر بالهجوم، فصح أن ننسبه له.
وأما نسبة قبض الروح لملك الموت فصحيحة أيضاً لأنه إما أن يباشر عملية قبض الروح بنفسه، ولا إشكال في نسبة الوفاة إليه، وإما أن يأمر أعوانه بذلك.
وأما نسبة الوفاة للملائكة فصحيحة، لأنهم في الغالب هم الذين يباشرون عملية قبض الأرواح، وقد فسر لنا الإمام علي(ع) هذا الأمر عندما ادعى أحد الزنادقة التناقض في القرآن حول قوله تعالى(الله يتوفى الأنفس حين موتها) وقوله(يتوفاكم ملك الموت) وقوله(توفته رسلنا) فلقد كان كثير من الزنادقة يتسللون إلى قلوب الضعفاء من خلال هذه الإستعمالات التي لا محل للشك فيها، فقال(ع): فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفِعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولى قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة يَصدُرون عن أمره وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذاً كان فعلهم فعل ملك الموت وفعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء:
وقد أشار الإمام الصادق(ع) إلى هذه الحقيقة أيضاً فقال في بيان الآيات المذكورة: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه، فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاها الله عز وجل من ملك الموت:



