دروس في الوعظ والإرشاد الدرس السابع

الدرس السابع
حُضُوْرُ المَلائِكَةِ عِنْدَ قَبْضِ الرُّوْح
أيها المؤمنون والمؤمنات.. لكي تكون الموعظة نافعة فلا بد من أن تستحضروا صورة ذهنية خاصة حولها ليكون أثرها آكد على الروح، فعندما تستمعون إلى الموعظة أو تقرؤنها فعليكم أن تعيشوا معها بجميع تفاصيلها ومراحلها، فإذا كانت الموعظة حول العذاب فعليكم أن تشعروا وكأنكم في العذاب تتألمون حتى تعملوا بجد وإخلاص لكي تنجوا من ذلك العذاب، وإذا كانت الموعظة تتحدث عن النعيم فعليكم أن تشعروا وكأنكم في الجنة تتنعمون حتى يشجعكم هذا الشعور على التطبيق العملي لإرادة الله التشريعية.
وقد جاء في كلام أمير المؤمنين علي(ع) عند وصفه لأهل التقوى قوله: أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُو ا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ:
وموعظتنا هنا تتركز حول عملية حضور الملائكة لقبض روح الإنسان، وحول الصورة التي تأتي بها والبشرى التي تحملها، فإما أن يأتوا ببشرى النعيم، أو ببشرى الجحيم، وما على العاقل سوى أن يجعل صورتهم كما يريد، وباستطاعته أن يغيّر مجرى الأمور ويجيّرها لصالحه، وذلك من خلال عمله الصالح، فبالعمل الصالح يأتيك ملَك الموت كعبدٍ ذليل بين يدي مولاه، وبدون العمل الصالح الله وحده يعلم مدى الشعور بالخوف عند مجيئهم لقبض الروح، فلا شك بأنها ستكون عملية مخيفة ومرعبة وشاقة، وقد جاء في الدعاء:فلو لم يكن إلا الموت لكفى، فكيف وما بعد الموت أدهى:
لقد صوّر لنا القرآن الكريم كلتا الصورتين لتكون الحجة بالغة والموعظة كبيرة علّنا نخاف ونخشع ونعمل صالحاً فقال سبحانه(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) وقال تعالى(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) هذا بالنسبة للكافرين وظالمي أنفسهم بركوب الحرام، والمنغمسين في شهوات الدنيا المحرّمة، وأما بالنسبة لحضور الملائكة عند المؤمن فقد قال سبحانه في نفس السورة(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
هناك فرق كبير بين الصورتين، ففي الصورة الأولى تأتي الملائكة وهي تحمل معها الحكم بالعذاب الخالد، وفي الصورة الثانية تأتي حاملةً معها البشرى بدخول الجنة.
ولا شك في اختلاف الأسلوب لدى مَن يأتيك ليبشرك بالجنة، وبين من يأتيك ليبشرك بالعذاب، ولا شك بأن الملائكة عندما تحمل معها البشرى بالعذاب فسوف تكون مناظرهم لا تطاق بسبب غضب الله على هذا المحتضَر الذي سوف يقول الله لملائكته في يوم الحساب(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ)
وقال سبحانه(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ)
وأما في المقلب الآخر فسوف تأتي الملائكة بوجوه ناعمة ضاحكة يعرف الإنسان المؤمن مصيره من خلال احترام الملائكة له ورفقها به وطريقتها في التعامل معه، وسوف يرى في وجوهها معنى قوله تعالى(وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
وقال تعالى واصفاً عاقبة كلتا الحالتين أيضاً(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
فلو فكّر الإنسان قليلاً في تلك اللحظات الحاسمة لنهى النفس عن الهوى واتبع رضوان الله تعالى وطرد الشيطان من روحه، وسدّ بابها في وجهه.
فكروا في اليوم الذي تأتيكم فيه الملائكة وتفارقون فيه الأحباب والأزواج والأولاد والأقارب، واعملوا ليوم الحاجة والفاقة، ومهدوا قبوركم بالطاعة وافرشوه بالعمل الصالح وأضيؤوه بالرضا.
وتعالى الآن نقرأ معاً كلاماً للإمام السجاد(ع) يصف فيه حال الإنسان في تلك المرحلة حيث يقول في دعائه: فَمَنْ يَكُونُ اَسْوَأ حالاً مِنّي إنْ اَنَا نُقِلْتُ عَلى مِثْلِ حالي اِلى قَبْري، لَمْ اُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتي، وَلَمْ اَفْرُشْهُ بِالْعَمَلِ الصّالِحِ لِضَجْعَتي، وَمالي لا اَبْكي وَلا اَدْري اِلى ما يَكُونُ مَصيري، وَاَرى نَفْسي تُخادِعُني، وَاَيّامي تُخاتِلُني، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأسي اَجْنِحَةُ الْمَوْتِ، فَمالي لا اَبْكي اَبْكي، لِخُُروجِ نَفْسي، اَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، اَبْكي لِضيقِ لَحَدي، اَبْكي لِسُؤالِ مُنْكَر وَنَكير اِيّايَ، اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري عُرْياناً ذَليلاً حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري، اَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَميني وَاُخْرى عَنْ شِمالي، اِذِ الْخَلائِقِ في شَأن غَيْرِ شَأني (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأنٌ يُغْنيهِ * وُجوُهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجوُهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ:



