
مَاذَا حَصَلَ بَعْدَ خُروْجِ الإمَامِ(ع) مِنَ المَدِيْنَة؟
لقد خرج الإمام(ع) من المدينة المنورة إلى مكان أكثر أمناً ليتحرك بحرية ويؤسس لثورة يقضي بها على الظلم تماماً كما فعل جده الأعظم(ص) عندما خرج من مكة متوجهاً إلى المدينة المنورة، وكان خروج الإمام الحسين(ع) في منتصف عام ستين للهجرة، أي قبل معركة كربلاء بما يزيد على ستة أشهر، وما صنعه في تلك الأشهر القليلة كان بمثابة ما يفعله غيره عبر عشرات السنين حيث هيّأ جميع الظروف المناسبة للثورة الناجحة.
وبخروجه من المدينة فتح النار على يزيد من جبهات عديدة لأنه ترك في المدينة مناصرين لنهجه تابعوا عمله في فترة غيابه عنها، وكذا كان يصنع في كل منطقة حلّ بها وخصوصاً في مكة المكرمة إلى أن أتاه خبر بأن يزيداً أمر باغتياله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة فغيّر شيئاً من خطته، وقد تغيّرت تلك الخطة بالكامل عندما ورده خبر استشهاد مسلم بن عقيل في الكوفة.
لقد خرج الإمام من المدينة مخلفاً وراءه نماذج طيبة من الموالين الذين حرصوا على خروجه بسلام موطنين أنفسهم على تحمّل التبعات القاسية، إذ لا يمكن إفراغ المدينة من جميع الموالين لأن الغياب الكلي عنها يمنعه من معرفة ما يدور فيها.
ورغم حرصهم على إخفاء مسألة خروجه منها إلا أن الأمر سرعان ما انكشف لأن غياب الإمام عن الساحة كان له تفاسير كثيرة في نظرهم، ولا أعتقد بأن إخفاء الأمر عنهم دام أكثر من يوم، ولذا بدأت المطاردة عقيب خروجه منها بوقت وجيز، فكان كلما خرج من منطقة وصل إليها جواسيس يزيد حتى التقوا به في مكة لأنه كان دائماً يسلك الطرق التي ليس من عادة القوم أن يعبروها ليساعده ذلك على الوصول إلى هدفه بسلام.
ومنذ أن خرج الإمام(ع) من المدينة بدأت الحرب النفسية والدعائية تأخذ مأخذها حتى استطاع يزيد وأعوانه أن يحرضوا أغلبية المسلمين على إمامهم بعد أن اتهموه باتهامات باطلة كخذله لمواليه وتركه للواجب وتنازله عن الحق ليزيد وما شاكلها من أنواع الحروب النفسية.
إن جميع ما حصل قبل الثورة وعندها وبعدها يرتبط بعضه بالبعض الآخر، ولذا فإننا من خلال ربط شيء بشيء وحمل شيء على شيء نستطيع أن ندرك الكثير من أسرار تلك الثورة الكبيرة، وإن ما ذكرناه في البحوث المتقدمة له صلة مباشرة بالسؤال الأساسي في هذا البحث، وهو أنه هل كان الإمام(ع) يسعى من خلال ثورته إلى طلب الملك؟
هناك فرق كبير بين أن يطلب الإنسان الملك لأجل الملك والسلطة، وبين أن يطالب بإرجاع الحق إلى أهله، ويختلف المعنى باختلاف تراكيب العبارات، وهناك الكثير من العبارات الملغومة التي توقع الناس في حيرة من معانيها والمراد منها، والجواب على هذا السؤال من دون أن نأتي بالمقدمات المطلوبة لا يمكن أن يفي بالغرض ويحدد الجواب الصحيح حيث أن كثيراً من المسائل لا تُدرك إلا عبر مقدمات مرتبطة بواقعها.
فقبل أن نقول بأن الحسين(ع) خرج من أجل الملك وجب علينا أن نبيّن حقيقة الملك الذي طالب به، وهل هو ملكٌ كملك الملوك والأمراء أم أنه نوع آخر من الملك؟
فإذا فرّقنا بين الأمرين فقد استطعنا أن نضع الإصبع على الجرح ونحدد المطلوب.
وأنا شخصياً أوجّه اتهاماً مباشراً لطارحي هذا السؤال بهذه الكيفية لأن نفس استعمال هذه العبارات في طرحه فيها شيء من التوبيخ والإتهام للإمام(ع) الذي كان طلبه مبايناً كلياً لمل يقصدونه بالسؤال الملغوم.
وأنا طرحت هذا السؤال بنفس الكيفية التي طرحه بها السائلون كي ألفت الأنظار إلى حقيقة الخلفية السيئة من وراء طرحه بهذا الأسلوب.
وإلا فهو سؤال باطل من الأساس حيث لم يطلب الإمام الملك بالمفهوم الشائع الذي ينقل الذهن مباشرة إلى معنى السلطة والعرش وحياة الترف والبذخ.
نعم هناك العديد من الثوار ثاروا من أجل قضايا خاصة لا علاقة لها بمصلحة الأمم والأديان والقضايا العامة، وإن هذا السؤال يمكن طرحه عن هؤلاء وليس عن إنسان ترك الدنيا بما فيها من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
إن الملك الذي يقصدونه بسؤالهم كان موجوداً عند الإمام(ع) بل كان بإمكانه أن يعتلي عروشاً لم تطأها أقدام غيره من الملوك والأمراء، ولم تكن كلفة هذه المنصب سوى كلمة مداهنة أو تقديم بعض التنازلات ليزيد ويحصل ذلك بلمح البصر، وقد كانت أمنية يزيد أن يسمع شيئاً مثل ذلك من فم الإمام(ع) الذي نزّهه ربه تعالى عن كل صفة نقص.
فتارة يُقصد بالملك مطلق الحكم من دون تحديد الحقيقة، وأخرى يطلق ويراد به أمر عظيم وشريف ونزيه، والإمام(ع) لم يطالب بالملك لينعم به وبالإمتيازات الخاصة به بل طلب من الغاصب أن يتنحى عما ليس له، والخلافة التي اغتصبها يزيد ليست ملكاً أو عرشاً بل هي تكليف ومسؤولية كبرى يصعب حملها على غير المعصوم.
وقد رأينا كيف فشل بإدارة شؤون البلاد والأمة كل من اغتصب الخلافة وأبعد عنها أهلها، وعرفنا كيف أنهم كانوا يلجؤون دائماً إلى الخليفة الحق ليحل لهم بعض القضايا المصيرية.
فالملك الذي طالب به الإمام الحسين(ع) هو ملك إلهي لا يُكتسب بكثرة المال والعتاد لأنه تنصيب من الخالق سبحانه، ومن هنا ندرك الفرق بين منصب الخلافة الشرعية وغيرها من المناصب الأخرى.
فالخلافة ملك لأهل البيت(ع) بالمعنى العقائدي وليس بالمصطلحات الخاصة في لسان العرب.
وليس في مطالبة الإمام الحسين بهذا النوع من الملك أي أثر سلبي بل إن ما طالب به الإمام(ع) إنما كان تنفيذاً لأمر الله عز وجل.
ولا يمكن لصاحب الحق الشرعي أن يبقى ساكتاً عن إرجاع الحق لأهله وخصوصاً إذا كان الحق حساساً ودقيقاً كمسألة الخلافة التي يتوقف عليها الكثير من الأمور العقائدية والفقهية والأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية وغير ذلك.
إن الخلافة منصب شامل لكثير من المسؤوليات العامة والخاصة، وفي مقدمتها بيان الشريعة والقضاء بين الناس والحكم بينهم بما أنزل الله سبحانه وتعالى.
إن ما أراد الإمام أن يُرجعه إنما هو الحق الذي لا يجوز أن يبقى ضائعاً لأن ضياعه يعنى ضياع الدين وتشرذم الأمة وتفكيكها وتشتيتها.
فليس من العيب يا طارحي هذا السؤال(مهما كان هدفكم من طرحه) أن يطالب الإمام بهذا الحق ويدفع روحه ثمناً له، بل العيب هو أن نكبّر ونهلّل للغاصب ونعينه على ظلمه وتماديه في محو معالم الدين الحنيف الذي لولا ثورة الإمام الحسين لعاد غريباً كما بدأ.
وخلاصة الجواب: هي أن الإمام طالب بإرجاع الحق المغصوب، وما على الذين يريدون الإستنقاص من شأن الإمام إلا أن يتراجعوا عن غيهم ويتوبوا إلى الله تعالى من ذنوبهم.
ولأن الخلافة ملك إلهي فقد رجعت إلى أهلها بألف طريق وطريق رغم المحاولات العدائية من قبل دول عظمى على إلغائها والتي دامت عبر مئات السنين، فلقد تمتع بها من ليس أهلاً لها ولكن في نهاية الأمر كان المعتدون من المقبوحين في الدنيا والآخرة وفي صفحات التاريخ وفي نظر أصحاب الضمائر الحرة، وها هي الخلافة قد تماشت حتى وصلت إلى قائم آل محمد(ع) الذي سوف يُظهره الله تعالى في آخر الزمان وهو خليفة المسلمين، فلقد انقرض كل من اغتصبوها ورجعت إلى أهلها لأنهم أهلها الحقيقيون.
الشيخ علي فقيه



