أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء
آدمُ عليه السلام

بِدَايَةُ القِصة
تبدأ قصة البشر من اللحظة التي تكوَّن منها أبو البشر الأول آدم(ع) من طين لازب على أرض الجنة، وقد بدأت هذه الحكاية بالعديد من التساؤلات حول الخليفة الجديد الذي سوف يسكن الأرض، وقد حدّثنا الكتاب المجيد عن هذه البداية التي لم تنته بعدُ حيث قال(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
لقد اختصرت هذه الكلمات القصيرة في تلك الآيات القليلة من سورة البقرة حكاية طويلة لا نعلم مدتها مع اعتقادنا بطول المدة، وذلك اعتماداً منّا على بعض النصوص الواردة عن أهل البيت(ع) والتي أكدت لنا أن آدم(ع) عاش حياة طويلة رغيدة في الجنة قبل عملية الهبوط إلى الأرض.
وقد أشرنا في الجزء الأول إلى مسألة البداية بشكل موجز لا يفي بالغرض حيث لم يكن هناك محله، ولكنني بإذن الله تعالى سوف أطيل الشرح في هذا الجزء لنصل إلى الغاية المرجوّة من هذا البحث الذي نطال فيه أصل وجودنا.
ومن هذه الآيات الكريمة القليلة نستوحي أكثر من عشرة مواضيع عقائدية وغير عقائدية تُظهر لنا حقيقة التكوين وجزءاً من مدى القدرة الإلهية التي ابتدعت الخلق ابتداعاً، وفي ذات الوقت فإن هذه الآيات تشير إلى بعض العلاجات لبعض الأوهام حول عملية الخلق.
وقد اعتمدت هذه الطريقة الجديدة في الحديث عن تواريخ الأنبياء وأحداثهم وأحوالهم لأنني بهذه الطريقة أستطيع أن أرد على بعض الأوهام وأجيب على العديد من التساؤلات وأحلّ الكثير من الإشكالات التي فُرضت على تلك القضية بألف طريق وطريق، فلا أريد أن أكتفي بالسرد التاريخي الذي اعتاد عليه كثير من المؤلفين والمؤرخين والغالبية الساحقة من القرّاء الذين نظروا إلى تواريخ الأنبياء على أنها قصص خيالية وسحرية تشبه بعض الروايات النابعة من محض الخيال.
إِخْبَارُ المَلائِكَةِ بِالخَلْقِ الجَدِيْد
كانت مسألة خلق آدم وجميع المسائل موجودة في علم الله تعالى منذ الأزل، فلم يكن الأمر حديث عهد لديه عز وجل أو فكرة جديدة عنده حيث أن موضوع البَداء خاصٌ بالبشر وليس بالله عز وجل.
ولحكمة منه سبحانه أخبر ملائكته بأنه سوف يتخذ خليفة في الأرض، ولعل الإخبار هنا شمل جميع الملائكة لأن الجميع كانوا معنيين بهذا الأمر، ولا ندري السبب في إخبارهم، هل هو مشاركة في الأمر؟ أم اختبار لهم ليبيّن لهم حقيقة معيّنة؟ فلم يكن استشارة، لأنه تعالى ليس بحاجة إلى ذلك، بل هو الفعّال لما يريد، ولا يسأله أحد عن فعله، بل هو يسأل الجميع عن أفعالهم.
لقد قال لهم ربهم تعالى(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) وما عليهم سوى أن يهيؤوا أنفسهم لعملٍ جديد ومهمات غير التي كانوا مكلّفين بها قَبلاً.
ومع نظرة بسيطة لهذه الكلمات الخمس في هذه الفقرة من الآية الكريمة يلفت أنظارنا أمرٌ عقائدي حسّاس ودقيق تتوقف على معرفته حلول للعديد من الإشكالات، فنلاحظ بأن الله سبحانه قد أخبر ملائكته بأنه سوف يجعل في الأَرْضِ خليفة، وقد خلق هذا الخليفة في الجنة وأسكنه فيها، فهل المراد بلفظ(الأَرْضِ) هنا أرض الجنة؟ أم أنه تعالى أخبرهم بالنتيجة والعاقبة التي سيؤول إليها أمر هذا الخليفة بعد أن يخالف ويأكل من الشجرة؟ فهنا احتمالان:
الإحتمال الأول: وهو ربما يكون المراد بلفظ(الأَرْضِ) الجنة التي قال الله تعالى في شأنها(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ){الزمر/74}
الإحتمال الثاني: وهو ما أشرنا إليه عند طرح الأسئلة، فلربما أخبر الله ملائكته بالنتيجة لعلمه تعالى بأن مقرّ آدم وذريته سوف يكون على الأرض التي نحن عليها، فكلا الإحتمالين وارد، ولا نرجّح أحدهما على الآخر، وإن كان البعض قد رجّح الإحتمال الثاني.
وعلى أي حال فإن نفس إخبار الله ملائكته بما سوف يكون هو دليل على عظمة ربنا سبحانه الذي كرّم ملائكته بهذا الإخبار ووضعهم في الأجواء كيلا يكونوا غافلين عما سوف يكون.
مَعْنَى الخَلِيْفَة
الخليفة هو النائب عن الغير، وقد جعل الله تعالى وجود الإنسان في الأرض خلافة عنه يترجم تعاليم ربه على نفسه وبين قومه وفي مجتمعه، وإن نفس استخلاف الإنسان على هذا الكوكب إنما هو تكريمٌ له من قِبَل خالقه سبحانه وتعالى، وعلى الإنسان أن يكون بمستوى تلك الخلافة التي لا تتناسب مع الكفر والعصيان، فلا يجوز لخليفة الله في الأرض أن يكون مخالفاً للمستخلِف، وقد تناول القرآن الكريم مسألة الإستخلاف في العديد من آياته.
ففي سورة الأعراف قال سبحانه(وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
وفي سورة النمل(وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
وفيها أيضاً(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ)
وفي سورة ص(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)
وقد أوضع لنا رسول الله محمد(ص) شيئاً عن معنى الخلافة حيث قال:مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله:
وفي نهج البلاغة تحدث الإمام علي(ع) عن مسألة الإستخلاف حيث قال” ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، وَ أَكْرَمَهُ عَنْ دَارِالدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَامِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الْأَنْبيَاءُ في أُمَمِها، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْر طَريقٍ واضِحٍ، ولاَعَلَمٍ قَائِمٍ”
تَعْلِيْمُ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلهَا
قال عزَّ مِن قائل(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) وهنا لا بد من الوقوف قليلاً علىحقيقة تلك الأسماء لأن القرآن الكريم في هذه الآية وما بعدها قد أشرك أمرين في وقت واحد حيث انتقل بخطابه الرائع والجذاب من حديث إلى آخر مما أوهم البعض في أن المراد بتلك الأسماء أسماء خاصة لا تشمل جميع المسميات، ولذا ينبغي أن نقف على المراد بهذه الأسماء ثم نتابع البحث فيما بعدها ونربطه بها لنصل إلى المعنى المراد.
لقد ورد في هذه الفقرة تأكيد، وهو قوله سبحانه(كُلَّهَا) وهذا التأكيد هو الذي جعلنا نجزم بأن المراد بالأسماء هو كل مسمّى من الموجودات من دون استثناء، ولولا ورود هذه الكلمة لسار البحث في اتجاه آخر.
فعندما أخذت الملائكةَ الدهشةُ من خلق خليفة جديد أراد الله سبحانه أن يبيّن لهم ما يخالف نظرتهم إلى هذا الخليفة وأن لا يقيسوه بغيره إن كان هناك مخلوقات فاسدة قد ظلمت في الأرض وسفكت الدماء، فبيّن الله لهم جوهر هذا الخليفة وأشار إلى عظمته وشأنه من خلال معجزة أجراها له هناك حيث عرّفه على كل الأشياء وعلّمه أسماءهاز
وقد تمّ هذا التعليم بطريقة نحن والملائكة نجهلها لأن الملائكة لو اطلعت على كيفية تعليم الله الأسماء لآدم لما أخذتهم تلك الهشة وخصوصاً عندما سمعوا من آدم أسماء الأشياء كلها.
وفي بيان حقيقة تلك المسميات وشمولها لكل شيء جاء في تفسير العياشي عن أبي العباس عن الصادق(ع) قال: سألته عن قول الله(وعلّم آدم الأسماء كلها) ماذا علّمه؟ قال(ع): الأرضين والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه:
وهذا يعني أن الله عز وجل قد علّم خليفته أسماء كل مسمى مهما ذهبنا بمخيلتنا، والله تعالى أعلم بكيفية هذا التعليم ومدته، فلربما تم ذلك بلحظة واحدة كما حصل مع نبينا الأعظم محمد(ص) عندما علّمه الله القرآن من أول نزول الوحي عليه.
ومن نعم الله تعالى على خليفته آدم أنه علّمه القابلية لإطلاق الأسماء على الأشياء بدلاً من إحضار عينها.
ولا يبعد أن تكون الأسماء شاملة للأشخاص أيضاً أو بعضهم على أقل تقدير.
ثم إن الملائكة لا تملك القدرة على تعلّم تلك الأسماء لأنهم خُلقوا لهدف آخر، وهذا ما ميّز بينهم وبين الخليفة الجديد الذي نال هذا الشرف من الله دونهم.
ثُم عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ
بعد الفقرة التي أشارت إلى تعليم آدم الأسماء كلها تابع القرآن الكريم حديثه عن تلك الحادثة حيث أثبت للملائكة خلاف ما كان يدور في أذهانهم حول حقيقة آدم فقال سبحانه(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ)
أريد منكم الآن أن تتأملوا معي في هذه الفقرة، فهل ما عرضَه الله تعالى على الملائكة هي الأسماء التي علّمها لآدم؟ أم أن ما عرضه عليهم كان غير تلك الأسماء؟
فلو كان ما عرضه الله عز وجل على الملائكة هي الأسماء التي علّمها لخليفته لكان الأجدر أن يقال(ثم عرضها على الملائكة) وليس(عرضهم على الملائكة) فالإسم لفظٌ مُذكَّر، وجَمْعُه أسماء، وهذا الجمع حكمه في التخاطب معه حكم المؤنث، فتقول عن الأسماء عرفتها أو قرأتها أو رأيتها أو عرضتها، ولا تقول ذلك بصيغة الجمع، فإذا أدركنا هذه المعلومة أمكن لنا أن ندخل في صلب الموضوع وجوهر البحث، ثم إن قوله تعالى(هَؤُلاء) فيه إشارة إلى أن ما عرضهم على الملائكة إنما هم مخلوقات عاقلة لأن لفظة(هَؤُلاء) تُستعمل للعاقل غالباً.
إن مفهوم عرْض الأشياء يختلف مع مفهوم تعليمها، إذ لعل العرْض هو إحضار الشيء بعينه، على خلاف التعليم والتعلّم فهو إحضار معنى الشيء عن طريق التسمية، وهذا يعني أن ما عُرض على الملائكة لم يكن أسماءاً وإنما كان غير ذلك.
وهنا أتى دور أهل العصمة(ع) الذين أخبرونا بأن ما عرضه الله تعالى على الملائكة إنما هو أنوار آل محمد(ص) التي خُلقت قبل الملائكة، فلم تتعرف الملائكة على تلك الأشباح، بخلاف آدم الذي عرفهم بقدرة الله عز وجل.
جَهْلُ الْمَلاَئِكَةِ بِمَا عُرِضَ عَلَيْهَا
قال سبحانه وتعالى(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وأنا شخصياً لم أفهم معنى الصدق هنا على أنه ما يقابل الكذب إذ لا يوجد اتهامٌ للملائكة بذلك لأن الملائكة لا تكذب تكويناً، ولعل معنى الآية إن كنتم صادقين بأنكم أفضل من الخليفة، وقد ظنوا ذلك نتيجة جهلهم بجوهر هذا المخلوق ليس أكثر، وليس في الآية لسان تهديد أو لهجة وعيد حيث انحصر لسانها بالبيان لما كان مجهولاً لديهم.
لقد أحضر الله تعالى أشباحاً وعرضهم أمام الملائكة وسألهم عن أسماء أصحاب تلك الأنوار فلم يعرفوا حقيقتهم واعترفوا بجهلهم، وهنا جاءت اللحظة الحاسمة ليُظهر الله تعالى قدرته مرة أخرى للملائكة عندما طلب من خليفته آدم بأن يخبر الملائكة عن أسماء أصحابها فأجاب فوراً فاندهشت الملائكة لذلك ثم قالوا لله تعالى(قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ولا مانع من ان يكون قد أنبأهم بأسماء الموجودات كلها أيضاً.
قال العلامة الطباطبائي “ان هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السموات والارض من نورها وبهائها، وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الافراد، ولا يتفاوتون تفاوت الاشخاص، وانما يدور الامر هناك مدار المراتب و الدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء انما هو بهذا القسم من النزول”
(قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)
سُجُوْدُ المَلائِكَةِ لآدَمَ(ع)
لم يُرِد الله تعالى من خلال هذا الأمر الذي وجّهه إلى الملائكة أن يذلهم أو يوبخهم، وإنما أراد به اختبارهم وبيان عظمة الشخص الذي تساءلوا عن موضوع خلقه وظنوا به بما ليس فيه.
والسجود لغير الله حرام ما لم يأمر الله به وإلا كان مردّه إلى إطاعة الله حتى لو أمرهم بالسجود للحجر أو لأي مخلوق صغير أو حقير، ولكن كان يوجد من وراء هذا الأمر حكمة إلهية وبداية مرحلة جديدة من مراحل هذا الوجود.
وعقب هذا الأمر الإلهي انكشف القناع عن مخلوق خطير ربما كانت تظن الملائكة بأنه أفضل منها لطاعته وعبادته، وهو إبليس اللعين، فعقب هذا الأمر سجدت الملائكة كلهم من دون استثناء لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم.
وهناك وهمٌ مزروع في عقول كثير من الناس حول إبليس فهم يظنون أنه من الملائكة، فلو كان منهم لسجد مثلهم، ولكنه لم يكن من جنس الملائكة وإنما كان من الجن بصريح قوله تعالى في سورة الكهف(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) وفي سورة ص(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) ففي الآية الأخيرة يوجد تأكيدان على أن جميع الملائكة سجدوا فوراً من دون استثناء، أما استثناء إبليس فلم يكن استثناءأص من الملائكة بل كان استثناءاً من تلبية الأمر الإلهي، والآية الأولى صريحة الدلالة على كون إبليس ليس من جنس الملائكة بل من جنس الجن.
إِمْتِنَاعُ إِبْلِيْسَ عَنْ السجُوْد
لقد امتنع إبليس من السجود بداعي الحسد والتكبّر، وجلب لنفسه الشقاء الأبدي بتلك المعصية حيث غضب الله عليه وأعدّ له عذاباً أليماً.
وقد ورد في القرآن الكريم أكثر من آية تكشف لنا عن سبب امتناعه من السجود، ففي سورة الإسراء قال سبحانه(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) وفي سورة ص قال تعالى(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) وفي سورة الحجر(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)
إِبَاحَةُ الجَنَةِ لآدَمَ(ع)
شاءت حكمة الله العزيز أن يبقى آدم في الجنة يتمتع بعيشها الرغيد ويهنأ بما فيه من خيرات وبركات وما لم تره العيون وتسمع به الآذان.
لقد كان آدم فرحاً مسروراً سعيداً في ذلك المكان الجميل، خصوصاً وأن الله تعالى خلق له زوجته حواء لتؤنسه ويسكن إليها وتطمئن بها نفسه، وقد أشار الله تعالى إلى هذين الأمرين في كتابه الكريم.
ففي الأمر الأول قال سبحانه(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) وقال في سورة الأعراف(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا)
وفي الأمر الثاني قال تعالى في سورة النساء(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) وفي سورة الأعراف(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) وفي سورة الزمر(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)
خَلْقُ آدَمَ(ع)
إن من آيات الله سبحانه خَلقُ الإنسان الذي تمّ على عدة مراحل:
المرحلة الأولى: وهي خَلق الروح في عالَم الذر، وقد حصلت عملية الخلق هذه قبل إيجاد أي خَلْق آخر، أي قبل أن يخلق الله تعالى السموات والأرض، وهناك خلق الله تعالى أرواح كل الخلائق وأخذ منهم الميثاق وشهدوا له بالبوبية والوحدانية، وبقي هذا الشعور مختلطاً بالروح حتى أودعها ربها جسداً تستخدمه في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ){الأعراف/172}
المرحلة الثانية: خَلْق المادة التي كُوّن منها آدم(ع) من العدم، وهي التراب الذي أخذه الملَك من الأرض من مختلف الألوان لحكمة منه سبحانه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى مسألة الإيجاد من التراب حيث قال سبحانه(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ){آل عمران/59} وقال تعالى(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا){الكهف/37} وقال سبحانه في سورة الحج(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ)
وقال في سورة الروم(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ){الروم/20}
المرحلة الثالثة: تصوير الجسد بعد مزج ترابه بالماء، وإلى هذه المرحلة يشير القرآن الكريم بقوله(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ){الصافات/11} وفي سورة الرحمن(خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)
وإلى هذه المرحلة يشير الإمام علي(ع) بقوله”ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ،فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ، وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأجَلٍ مَعْلُومٍ”
فهذا التراب الذي كُون منه جسد آدم(ع) كان مجموعاً من السهول والمرتفعات ومن أكثر من نوع ولون، وقد قيل في سبب تسميته بآدم أنه سمي بهذا الأسم لأنه خُلق من أديم الأرض.
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة إلقاء الروح في هذا الجسد وتحويله بقدرة الله سبحانه من تراب إلى لحم وعظام ودم وعروق وكل هذه الأنظمة الموجودة في جسد الإنسان، أما سبب خلقه من تراب فهو لغاية نحن لا نعلمها لأنه تعالى كان قادراً على إيجاده كذلك من دون تلك المقدمات، ولعل الحكمة من وراء ذلك هو بيان أصل الإنسان وأنه من التراب الذي هو أرخص شيء على الأرض، وكذا فقد بيّن لنا المزيد من قدرته عن طريق التحويل من تراب إلى ما هو يغايره تماماً، وهو الدم واللحكم والعظام، وإلى هذه المرحلة يشير الإمام علي(ع) بقوله”ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، والأَذْوَاقِ والْمَشَامِّ، وَالْأَلْوَانِ وَالْأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ ،والْأَخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ، مِنَ الْحَرِّ والْبَرْدِ، وَالْبَلَّةِ وَالْجُمُودِ”
خَلْقُ حَواْء
في مسألة تكوين آدم من تراب وردت لنا الكثير من الأحاديث حول هذه العملية، أما مسألة خلق حواء فإن التاريخ قد سكت عنها، وكذا القرآن الكريم، وغاية ما ذُكر عنها هو أن الله تبارك وتعالى قد خلقها من فاضل التراب الذي خُلق منه آدم، فهما من طينة واحدة، ولكن الطريقة التي خُلقت منها حواء فهي مجهولة لدينا، فهل خلقها الله من فاضل التراب دون أن يصورها من تراب كما صوّر آدم من قبل؟ وليس أمامنا خيار سوى السكوت عن هذه القضية كيلا نتعدى حدود معرفتنا، ولعل القرآن الكريم أشار إلى كونها من آدم حيث قال(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ){الروم20/21} وقال تعالى(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)
ثم إن الفترة التي عاشها آدم في الجنة وحده ليست واضحة فلربما كانت يوماً أو مئات السنين، فالله تعالى يعلم ذلك، فلا ينبغي أن نعتقد بأنه خلقت في اليوم الذي خُلق فيه آدم، ولا يجوز لنا أن نجزم بأي رقم آخر.
النَهْيُ عَنْ الأَكْلِ مِنَ الشجَرَة
بعد أن خلق الله تعالى خليفته آدم وخلق له حواء أباح له الجنة بما فيها يأكل ما يشاء ويفعل ما يريد ويقوم بأي عملٍ من الأعمال، وجعل الملائكة خدماً له ولزوجته، وبقي الحال على هذا المنوال مدة من الزمن لا نعلمها، فقد تكون قصيرة وقد تكون طويلة جداً.
فالجنة فيها ما تشتهي الأنفس وما تلذ الأعين وفيها من الشجر والنبات ما لا يعلمه سوى الله تبارك وتعالى فأباح له الله عز وجل كل ما فيها بشرط أن لا يأكلا من شجرة واحدة، قال تعالى(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ){البقرة/35}
وحقيقة هذا النهي لم يكن الإقتراب من تلك الشجرة فلهما أن يقتربا منها وينظرا إليها، ولكن النهي هنا كان عن الأكل من ثمارها، وهنا عدة نقاط يجب البحث فيها ليتم بيان المراد من خلال طرح هذا الموضوع.
النقطة الأولى: لماذا نهاهما ربهما عن الأكل من تلك الشجرة؟
قد لا يكون في الأكل منها ضررٌ أو فائدة، فلربما امتحن الله آدم بتلك الشجرة كما يمتحننا بأمور قد نراها غير نافعة وغير ضارّة لأن الله تعالى يمتحن عباده بأمور هي في الواقع صغيرة، ولكنها تعظم وتكبر لأن التكليف الإلهي قد وقع عليها، فلقد امتحننا الله تعالى بالصلاة وجعلها عمود الدين، والصلاة عبارة عن بعض الأفعال والأقوال بغض النظر عن موضوع النية أو الخشوع فيها أو التفكر وما شاكله مما هو صفة كمالٍ لها وليس شرطاً في صحتها، وكذا فقد امتحننا الله تعالى بأحجار لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع وأمرنا بالطواف حولها في وقتٍ محدد، وإلى هذا المعنى يشير الإمام علي(ع) بقوله” ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً). ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلاَءً عَظِيماً، وَامْتِحاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ، وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ، جَمَّ الْأَشْجَارِ، دَانِيَ الِّثمارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءٍَ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، وَريَاضٍ نَاضِرَةٍ، وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاَءِ، وَلَوْ كَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍِ خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَنُورٍ وَضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ الْنَّاسِ. وَلكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهمْ، وَلِيَجْعَلْ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ”
ولعلّ الحكمة من امتحاننا بفريضة الحج وغيرها من الإختبارات الإلهية هي نفسها الحكمة من امتحان آدم بتلك الشجرة، ولكن الغاية من ورائهما مختلفة والعاقبة متفاوتة، فلقد كانت عاقبة الأكل منها الهبوط إلى الأرض، أما العاقبة من إهمال الفرائض فهي العذاب.
ولعله تعالى أراد أن يُجري الأمور بأسبابها الطبيعة كما هو شأنه في الكثير من الأمور فجعل باب الهبوط إلى الأرض هو تلك المخالفة حيث كان تعالى يعلم بها قبل حدوثها، ولا يوجد في الأمر أي نوع من أنواع الظلم لأنه تعالى يفعل في خلقه ما يريد، وقد أخبر الله ملائكته من الأساس أنه سيجعل في الأرض خليفة، ولعل المراد بالأرض هي هذه الأرض التي أُهبط إليها آدم، ولعله أيضاً يراد بها أرض الجنة، وكلاهما صحيح.
لقد تساءل البعض حول مسألة الأكل من الشجرة الذي كان سبباً ظاهرياً في إنزال آدم إلى الأرض فقالوا: هل يستحق آدم كل هذا العناء أو العقاب لأنه أكل من تلك الشجرة؟ وأنا أقول: لماذا ترك ملايين الأشجار ومختلف الثمار ولم يحلو له إلا الأكل من هذه الشجرة المنهي عنها؟
فإذا أجبتم على سؤالي فسوف أجيبكم حينئذ على سؤالكم.
وفي مسألة نهي الله تعالى خليفته آدم عن الأكل من تلك الشجرة قال سبحانه(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ){البقرة/35} وقال تعالى(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ){الأعراف/19} وقال عز وجل(أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ){الأعراف/22}
النقطة الثانية: حقيقة تلك الشجرة:
لقد أسهب البعض في الشرح فتناول أمراً لم يُشر القرآن إليه ولم تحدده الأدلة الصحيحة فراح يقول بأنها شجرة تفاح، ومنهم من قال غير ذلك، وما استوقفني في الأمر هو أن بعضهم لم يُسهب فقط وإنما أوقع نفسه في مأزق كان بالغنى عنه من الأساس فادعى بأن النهي وقع على سنابل القمح، وهذا باطل بالضرورة لأن القرآن الكريم قد حدّثنا عن شجرة وليس عن سنابل، والمفهومان مختلفان، فالشجرة شيء والسنبلة شيء آخر، وهذا الرأي في الحقيقة هو مهزلة حقيقية وعبرة لكل باحث ومؤرخ أن لا يُقدم على بيان شيء أو تبنِّي أمر إلا بعد الحصول على الدليل، وعلى الأقل ينبغي أن يكون الدليل عقلياً ومنطقياً.
المهم في الأمر هو أن الله تعالى اختبر خليفته آدم بشيء مهما تكن حقيقة هذا الشيء فلا ينبغي الوقوف على تلك المسائل التي تضر ولا تنفع، وليس من البطولة والفذاذة أن تصل إلى نتيجة هي في الواقع عار عليك كعاقل بالدرجة الأولى.
فإذا لم يكن الكلام منطقياً ولم يكن الدليل موجوداً فالأجدر أن نبقى ساكتين عن الأمر، ولو كان في بيان حقيقة تلك الشجرة منفعة للبشر لبيّنها الله تعالى قبل أن يسأله أحد، ولعل إخفاء حقيقة تلك الشجرة عنا هو امتحان لنا كما امتحن الله آدم في مسألة الأكل منها.
ولو فرضنا بأنها كانت شجرة تفاح وأنه ثبت ذلك بالدليل فسوف يدخل هؤلاء في موضوع حجم التفاحة وطعمها ولونها فهل هي حمراء أو صفراء أو ذات ألوان مختلفة، وهل أنها كانت شجرة كبيرة أو صغيرة، وهل كان وقتها موسم تفاح أم لا، وكذا فإنهم سوف يتعبون ويُتعبون غيرهم معهم في بحوث لا فائدة منها، وأنا بدوري أنصح هؤلاء بأن يوفروا الوقت على أنفسهم ويتخلوا عن الكلام في مثل هذه المجالات الغامضة من جهة، وغير االنافعة من جهة ثانية.
النقطة الثالثة: مَنْ هو المُخالف الحقيقي في تلك الحادثة؟
على مَنْ نلقي اللوم في تلك المخالفة؟ هل نلقيها على إبليس الذي وسوس لهما، أم نلقيها على حواء التي حرّكت آدم نحو التذوق من تلك الشجرة التي ربما وجدوا بأن طعم ثمارها أقل لذّة من طعم غيرها، أم أننا نلوم آدم بالدرجة الأولى لأنه هو النبي وهو الخليفة الأولى وهو من كرّمه ربه حين أمر الملائكة بأن تسجد له؟
إن طرْحَنا لهذه الأسئلة ليس من باب التشعيب الفارغ بل إن سببه آياتٌ كريمة وردت في الكتاب العزيز، ولكننا نلاحظ عاقبة الأكل من الشجرة، فإن القرآن لم يلقِي اللوم على إبليس لأنه مرجوم ومطرود من الرحمة والجنة بسبب امتناعه من السجود لآدم، وهذا ما سوف نقف عليه في محله إن شاء الله تعالى، ومع إخراج إبليس من الدائرة انحصر اللوم في شخصين(آدم وحواء) فمن هو المسؤول منهما؟
في البداية نذكر النتيجة فنقول: إن كليهما مسؤول عن تلك المخالفة التي اشتركا فيها، ولكننا نلاحظ وجود نوعين من الآيات حول هذه المسألة:
النوع الأول: آياتٌ لامتهما معاً ووجّهت الخطاب إلى كليهما مثل قوله سبحانه(وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) والخطاب هنا موجّه لآدم وحواء، ومثل قوله أيضاً(فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
النوع الثاني: آيات وجّهت الخطاب إلى آدم وحده، ولم ترد آيات خصّصت الحديث عن حواء لوحدها مما يُشعر بأن المسؤول الأول عن تلك الحادثة إنما هو آدم لأنه المعني الأول في كل ما حدث سواء كان هو سببه أم أن الله تعالى جعله سبباً طبيعاً لتحقيق إرادته عز وجل، وذلك مثل قوله تعالى(فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) فهل أن الله تعالى تاب عن آدم دون حواء؟ إن السياق يدل على أن التوبة قد شملتهما معاً لأنهما شريكان في الأمر فهما خالفا معاً وتاب الله عليهما معاً، والله تعالى أعلم، ولدى الحديث عن تبرئة آدم لا بد أن تُبرّأ معه حواء وذلك بدليل المنطق السليم وخبرتنا الواسعة برحمة الله تعالى.
وبما أن الأمر حساس ودقيق إلى هذا الحد كان لا بدّ من الوقوف على أكبر قدر ممكن من البحوث المتعلقة بهذا الشأن، ولذا فإنني سوف أفرّع أكثر من عنوان حتى تتضح لنا تفاصيل تلك الحادثة التي توقّف عليها إدراك أكثر من أمرٍ عقائدي.
حِوَارُ اللهِ تَعَالَى مَعْ إِبْلِيْسَ اللعِيْن
قبل أن أبدأ ببيان ما يتعلق بحوار الله عز وجل مع إبليس اللعين أذكر لكم الآيات حول هذا الأمر لأن الحديث عنه قد تكرر في القرآن مع ملاحظة أمور زائدة من وراء هذا التكرار لأن الغاية من التكرار كانت التأكيد على الأمر وبيان ما لم يبيَّن قبله.
قال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ){الأعراف11/18}
وقال سبحانه(إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ){الحجر31/43}
وقال عز وجل(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا){الإسراء61/64}
وقال تعالى(إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ){ص74/83}
وقال تعالى(لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا){النساء118/120}
عندما أمر الله تعالى ملائكته أجمعين بالسجود لآدم لبوا الأمر فوراً إلا إبليس تكبّر وامتنع لظنه بأنه أفضل من الخليفة الجديد حيث عبد الله تعالى فترة طويلة من الزمن وأنه مخلوق من النار وأن النار أعلى رتبة من الطين فعمِل بالقياس الباطل والقاتل فكانت النتيجة أن غضب الله عليه وواعده الخلود في نار جهنم هو ومن أطاعه من الجن والإنس.
ولكي يكون هذا البحث وافياً لزم الوقوف على بعض ما ورد في الآيات الكريمة التي كشفت لنا العديد من النقاط حول الحوار الذي دار بين رب العالمين تعالى وإبليس المرجوم، نبدأ بما ورد في الآية الأولى بعد أن نستخرج منها جملة من العناوين.
الخَلْقُ وَالتصْوِيْرُ
في هذه الآية الكريمة أشار الله سبحانه وتعالى إلى خالقيته وقدرته الباهرة في الإيجاد من العدم وتصوير الخلق على أحسن صورة، فبيّن لنا أنه هو الواحد الذي تجب طاعته دون المخلوقين، وفي نفس الوقت يبيّن لنا مدى الجرم الذي ارتكبه إبليس عندما خالف الأمر الإلهي القاضي بالسجود لهذا الخليفة الجديد حيث قال سبحانه(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) والمراد بهذا التعبير هو آدم(ع) الذي تمَّتْ عملية خلقه على مرحلتين، مرحلة الإيجاد من العدم، ومرحلة التصوير التي تحوّل بعدها ذاك التراب إلى بشر سوي سميع بصير عاقل حساس.
الأَمْرُ الإِلَهِي بِالسُجُوْد
على إثر إيجاد هذا المخلوق الذي تساءلت الملائكة في شأنه وظنت بأنه سوف يفسد هو وذريته في الأرض لعلمهم بهذا الأمر إما من مشاهدة سلوك من كان قبل آدمنا، وإما بطريقة ما قد عرّفهم الله تعالى على أمور احتملوا من خلالها بأن المخلوق الجديد سوف يكون كما توهموا، فصنع الله تعالى أمراً بيّن لهم من خلاله جوهر هذا الخليفة فأدركوا واقعه ثم أمرهم بالسجود تعظيماً له ولخلقه الجديد الذي كان أعرف وأعلم منهم.
إِسْتِثْنَاءُ إِبلِيْسَ مِنَ الطاعَة
قال تعالى(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ){البقرة/34} وقال سبحانه(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ){الأعراف/11} وقال عز وجل(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ){الحجر28/31} وقال جل وعلا(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا){الإسراء/61}
هذه أربع آيات من مجموعة كبيرة تحدثت عن هذا الأمر الإلهي القاضي بسجود الملائكة لآدم، ونلاحظ بأن الأمر لم يشمل ذكر إبليس، وهذا لا يعني أنه من الملائكة، بل كان الأمر شاملاً له بطريقة كان هو يعرفها، ويدلنا على شمول إبليس في الأمر هو الإستثناء الذي ذكره الله تعالى عنه، والنتيجة القاسية التي آل إليها أمره فيما بعد
فلقد خالف إبليس ربه لأنه ليس من جنس الملائكة، وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة إذ قال(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)
فاستثناء إبليس في الآيات المذكورة لا يعني الإستثناء منهم، وإنما يعني الإستثناء من الأمر الإلهي، فلو اعتبرنا أن الله استثنى إبليس منهم لكان من الملائكة، وهذا ما يخالف ظاهر الآية الأخيرة.
نَتِيْجَةُ العِصْيَان
إن نتيجة ارتكاب المعصية إذا لم يتب صاحبها هي العذاب في يوم القيامة، وهناك بعض الأنواع من النتائج التي تظهر آثارها في الدنيا قبل الآخرة، ويعود أمر تحديد نوعها إلى الله عز وجل، فلقد ارتكب إبليس تلك المعصية بداعي الغرور والتكبر، وكانت نتيجة معصيته أن غضب الله عليه وواعده الخلود في نار جهنم هو ومن يتبعه من الجن والإنس، وقد كان لمعصيته نتيجتان، إخراجه من الجنة وإمهاله إلى يوم القيامة لحكمة من الله عز وجل.
إنْظَارُ إِبْلِيْس
شاءت حكمة الله عز وجل أن يُنظر إبليس إلى يوم القيامة ليستقيم الإمتحان المفروض على الخلق، إذ لولا وجود إبليس في النفوس لما كان هناك ثواب أو عقاب، وقد حدثنا القرآن الكريم عن هذا الإنظار لإبليس فقال تعالى(قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ){الأعراف14/15} وقال تعالى(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ){الحجر36/38} وليس في إنظار إبليس أي نوع من أنواع الظلم للبشر بل هو امتحان لهم ليعمل الإنسان صالحاً وينال السعادة الأبدية في جوار ربه سبحانه، هذا الإله العظيم الذي خلق عباده ليرحمهم لا ليعذبهم، ولكن بشرط أن يرحموا أنفسهم ويخالفوا أهواءهم، فلو لم يُنظر الله تعالى إبليس لما كان للحياة على الأرض أي معنى، ولم يخلق الله الحياة عبثاً ولم يترك خلقه سدى، وهو القائل وقوله الحق ووعده الصدق(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ){العنكبوت2/3}
وَظِيْفَةُ الشَيْطَاْنِ تِجَاهَ بَنِيْ آدَمَ
بعد أن امتنع إبليس من السجود لآدم وأظهر العصيان والتمرد لله سبحانه وتعالى دار حوار بين الله جل جلاله وهذا المخلوق الرجيم، وقد كشف لنا هذا الحوار عن نية الشيطان تجاه الإنسان وكيف أنه سوف يسعى بكل طاقاته إلى إغواء البشر بسبب ذلك العداء الكبير الذي نشأ من عهد آدم، وقد بيّن لنا القرآن خطورة هذا التحدي وحذرنا من وساوس الشيطان كيلا تجرفنا تياراته وتغوينا وسوساته فنفعل الحرام، فبعد أن أعلن الشيطان عصيانه وتمرده أخرجه الله من رحمته، وفي هذه الحالة طلب إبليس من ربه أن يمهله إلى يوم القيامة، وقد ادعى بأنه قادر على إغواء الناس، فأمهله الله ليختبر عباده – وهو العالم بهم قبل إيجادهم – ولكنه حقق رغبة إبليس ليريه خطأه وأن هناك مؤمنين لا يخضعون له مهما زين لهم الحرام، وقد حصل ذلك من باب المحافظة على موازين الإمتحان، فلولا وجود الشر في مقابل الخير ووجود الباطل في مقابل الحق لما كان هناك امتحان وحساب وجنة ونار.
وأما بالنسبة لاستثناء العباد المخلصين من سطوات الشيطان فهو في الواقع ليس استثناءاً، لأن أساس وظيفة الشيطان هي إيقاع المخلصين في المعصية ليزلزل فيهم إخلاصهم لربهم، فعندما قال(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فقد كان ذلك إقراراً من الشيطان على أنه عاجز عن إغواء المخلص، وهذا لا يعني أنه سوف يترك المخلص وشأنه، وإنما سوف يحاول مراراً وبأساليب عديدة أن يوقع بالمؤمنين بدليل قوله تعالى(لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)
والدليل على كونه مسلطاً على المخلصين هو وسوسته للأنبياء سلام الله عليهم، وقد أخبره الله بأنه لا سلطان له على عباده المؤمنين لأن المؤمن الحقيقي لا يمكن أن يبيع ذرة من دينه مهما كانت الإغراءات كبيرة، وذلك أن الدنيا وما فيها في نظر المؤمن كورقة في فم جرادة تمضغها.
لقد بدأ إبليس مهمته الإجرامية في الجنة فحاول أن يجر آدم إلى الخطأ كرهاً منه وعداءاً لآدم الذي كان السبب في إخراجه من الجنة كما يزعم الشيطان، أما لو بحثنا عن السبب الأساسي في إخراجه منها فسوف نجد بأنه العصيان والتكبر والتمرد وليس آدم، ولو كان الله قد أمر آدم بالسجود لإبليس لسجد من دون تردد.
والحديث عن الشيطان طويل لأن القرآن الكريم قد أكثر الحديث عنه لأنه أحد أركان الإمتحان في هذه الدنيا، وقد أكثر الكلام عنه لتكون الحجة أوضح وأبلغ.
فمن خلال قراءة الحوار الذي جرى بين الله تعالى وإبليس اللعين تظهر لنا حقيقة الوظيفة التي يمارسها الشيطان وأعوانه ضد البشر.
فتارة يمارس الشيطان تلك الوظيفة بنفسه، وأخرى يمارسها من خلال أعوانه من البشر الذين ضعفوا أمامه واستسلوا له، فسهُل عليه استعبادهم نتيجة لضعفهم الحاصل بسببهم وذلك أن الإنسان أقوى من الشيطان، والدليل هو أن كثيراً من العباد المؤمنين قد تغلبوا عليه عبر الزمن، ولهذا فإن الشيطان عاجز عن السيطرة عليهم.
ولا يعني ذلك أنه لا يحاول معهم، بل هو يركز وسوسته عليهم ليخرجهم مما هم فيه من نعمة الإيمان وأنوار الطاعة، وهذا يعني أن على المؤمن أن لا يدير ظهره لهذا العدو الخطير ولا يطمئن له، فلو كان المؤمنون آمنين من سطواته لما حذرهم الله منه وأمرهم بأن يتخذوه عدوا حيث يقول(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
لقد انتقم ابليس من الجميع بسبب إخراجه من الرحمة الإلهية، ولكننا لو بحثنا عن السبب لوجدنا أنه هو السبب في ذلك لأنه امتنع عن السجود الذي هو في الواقع سجود لله لأنه تعالى هو الآمر به.
ويمكن لنا تلخيص وظيفة الشيطان في أمرين:
الأمر الأول: أنه يعمل على إغواء الإنسان بشتى الطرق والوسائل التي يمكن أن تؤثر على قلبه ومعتقده.
الأمر الثاني: أنه إذا نجح في إغوائه عمل على أن يبعده عن ذكر الله كيلا يتوب ويكون من أهل الرحمة.
الشيطان هَلَكَ، وهو يريد أن يُهلك معه الجميع حقداً منه عليهم.
وقد أشار الله تعالى في الحوار المذكور إلى جزء من وظيفة الشيطان، ولكنه في موضع آخر بين الجزء الآخر منها حيث بين لنا أن الشيطان يريد أن ينسيكنا ذكر ربكنا إذا وقعنا في الخطأ.
وقد ورد في الأحاديث الشريفة أن الوسواس الخناس قد قال ” أغريهم حتى يواقعوا الخطيئة فإن واقعوها أنسيتهم الإستغفار ”
وقد اتخذ الشيطان هذا القرار الحاقد عند نزول قوله تعالى(إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
وإليكم بعض الآيات التي تتحدث عن وظائف الشيطان تجاه الإنسان، قال تعالى(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ){الأعراف16/17}
وقال سبحانه(لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا){النساء118/121}
كَيْفَ وَسْوَسَ إِبْلِيْسُ لآدَمَ وَهُوَ مَطْرُوْدٌ مِنَ الجَنَة
ليس من السهل على إبليس اللعين أن يتغلّب على غواية شخص مثل أبي البشر آدم(ع) فلا بدّ أنه قام بعمل دقيق ووسوس له بطريقة فعّالة واستنفر بجميع إمكانياته للإيقاع به.
ولكي يسهل علينا هذا البحث الحساس يجدر بنا البدء ببعض الآيات الكريمة التي تناولت هذا الموضوع.
قال تعالى(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ){البقرة35/37}
وقال سبحانه(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ){الأعراف19/22}
وقال عز وجل(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى){طه120/122}
وقال أمير المؤمنين(ع)” اخْتَارَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ أَوّلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيَما نَهَاهُ عَنْهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ; فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ ـ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ ـ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بهِ عَلَى عِبَادِهِ، ولَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ، مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهَ”
وسوف أقف هنا على الآيات التي وردت في سورة الأعراف لنخلص إلى نتيجة البحث من خلال الوقوف على معانيها.
ففي الآية الأولى أباح الله عز وجل جميع ما في الجنة لآدم وحواء، وعندما نقول(ما في الجنة) يعني كل ما يخطر على البال وما لم يخطر عليه أيضاً حيث أن ما في الجنة يسرّ النفوس إلى أقصى الحدود، ولكن الله تعالى استثنى من ملايين الأشجار شجرة واحدة استعملها مادة لامتحان آدم، ولعله(وهو أعلم) استعملها ليقضي أمراً كان مفعولاً.
لقد نهاهما عن الإقتراب منها بمعنى الأكل من ثمارها، ولعلها ليست بأفضل من غيرها في اللون والطعم، ولكن إرادة الله تعالى توجّهت إليها فجعلتها عظيمة في نظر آدم، فإذا أكلتما من تلك الشجرة فقد ظلمتما نفسيكما، وقد كان بإمكان آدم(ع) أن يبقى ممتنعاً عن الأكل منها فلم يجبره الله على ذلك ولم يسلّط الشيطان لإجباره على الأكل منها، هذا مع العلم بأن الإنسان بما أُعطي من قوى روحية وعقلية هو أقوى من الشيطان بمراتب.
ولعل إبليس رآهما كيف يقتربان من تلك الشجرة وينظران إليها ويتساءلان في نفسيهما عن سبب منعهما عنها، ولعل حديث النفس اشتغل مرة أو مرات في داخل آدم(والله أعلم) ولكنه في المرة الأخيرة حصل ما لم يكن بالحسبان.
لقد استغل إبليس قربهما من الشجرة وشعورهما تجاهها وتساؤلهما عن سبب نهي الله عنها فأتى إليهما بصورة مخلوق ناصح لهما فقال(مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) وبهذا النوع من الوسوسة حاول إبليس أن يبعد شبح المعصية عنهما ويهوّنها في نظرهما لينجح في أولى مهماته ضد البشر، ولعل طمع آدم في البقاء بجوار الله تعالى هو الذي دفع به إلى المخالفة التي بررناها في البحوث السابقة، ولعل آدم في البدء كان خائفاً وبقي على إصراره في عدم الأكل من الشجرة فاستعمل معه إبليس طريقة فعّالة في الوسوسة تزرع الإطمئنان في قلب آدم فأقسم لهما بالله تعالى أنه ينصحهما ويريد مصلحتهما، ولعلهما خضعا له وصدّقاه لأنه أقدم منهما في الوجود، وفي هذا القسم قال سبحانه(وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) ولعله دار ما دار في قلبيهما من التردد تارة والهم بالفعل تارة أخرى إلى أن وقعت الواقعة وحلّت المصيبة وذاقا طعم تلك الشجرة(فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)
وعلى الفور تغيّر النظام الذي كان محيطاً بهما وبدت عورة كل منهما فاستحييا وراحا يغطيان عورتهما بورق الأشجار في الجنة وشعرا بأنهما وقعا في ورطة وما كان يجب أن يديرا أذنيهما لهذا الوسواس اللعين، وهنا وجّه الله تعالى خطابه إليهما مذكِّراً كليهما بالعهد بينه وبينهما وتحذيره لهما من وسوسات إبليس لأن الله تعالى يعلم ما يدور في خاطر هذا المخلوق الرجيم(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) فلو استمر آدم في الإستعصام من الشيطان لكان الوضع أفضل بكثير، ولكن شاءت حكمة الله تعالى أن يكون ما كان ليكون ما هو كائن.
والسؤال الذي يجب طرحه في هذا البحث هو: كيف استطاع إبليس أن يدخل الجنة ويوسوس لآدم وزوجته بعد أن طرده ربه منها وغضب عليه؟
إن هذا السؤال وأمثاله في العمق والدقة والحساسية لا يمكن أن يكون الجواب عنه عابراً أو مقتضَباً أو معتمداً على رأي واحد، فلربما يكون هذا الرأي ضعيفاً لا يُحتجّ به ولا يفي بالغرض، ولقد قرأنا الكثير حول هذا الأمر فوجدنا بأن بعضهم دنا من الواقع والبعض الآخر قال كلاماً يتضمّن إنكاراً واضحاً لبعض صفات الله عز وجل.
والكلام حول هذا الأمر بالذات نادرٌ وقليل حيث كان المتعرّضون له معدودين على أصابع اليد، ولعل السبب في تلك القلة يعود إلى دقة الأمر وخطورته، فمن قال بغير دليل فقد اعتدى على الغيب الخاص برب العالمين سبحانه وتعالى.
فلقد عرفنا أنّ الله تعالى قد لعن إبليس وغضب عليه وأمره بالخروج من الجنة وأسكن فيها آدم وزوجته، والذي يمكن فهمه للوهلة الأولى من تلك الآيات الناصّة عليه أن آدم وزوجته قد عاشا في الجنة بعيداً عن شر الوسواس، ولنستحضر هنا نصاً قرآنياً حول هذه المسألة ثم نتابع الكلام حول الجواب، قال سبحانه(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ){الأعراف12/15}
وإنني أريد من القرّاء الأعزاء أن يتأملوا ملياً في الكلام الذي سوف أذكره حول هذه الآية وغيرها من الآيات المشابهة لها في المعنى فإن في انتباهكم فائدة كبيرة من هذا البحث.
فنلاحظ في الآيات هنا أن الله تعالى قد وجّه لإبليس أمرين:
الأمر الأول: وهو الهبوط من الجنة: حيث قال تعالى(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا)
والأمر الثاني: وهو الخروج من الجنة: حيث قال سبحانه(فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)
وهذا يعني بيان شدة الغضب الإلهي على إبليس اللعين، ولكن السؤال هنا هو: هل طُرد إبليس من الجنة فور صدور الأمر الإلهي؟ وبمعنى آخر: هل مُنع إبليس من دخول الجنة مباشرة بعد الأمر وأباحها لآدم وزوجته بعيداً عن إبليس؟
ولكي نفهم معنى هذا السؤال والسؤال السابق لا بد من الوقوف على جملة من النقاط الهامة:
النقطة الأولى: وهي الإيمان التام بأن الله سبحانه قد غضب على إبليس وأخرجه من الجنة وحرمه من نعيمها الرغيد وعيشها الكريم، وأمام هذا المعنى يعترضنا أكثر من سؤال:
هل خرج إبليس منها ثم دخل إليها فيما بعد حتى يوسوس لآدم وزوجته؟
وهل أنه لم يخرج مباشرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً؟ بمعنى أنه استمهل إبليس إلى حين هبوط آدم، وقد كان بقاؤه في الجنة تابعاً لمسألة إنظاره إلى يوم القيامة؟
في الواقع إن الذي يقرأ الآيات التي تحدث عن إخراج إبليس من الجنة فإنه يفهم منها الإخراج الفوري إذ لا يحق لإبليس أن يبقى في نعيم الجنة بعد أن غضب عليه، وبناءاً عليه يكون إثبات بقائه فيها مفتقراً إلى دليل يدل عليه أو قرينة تصرف الذهن عن المعنى الأولي لهذا الأمر الإلهي وزمن تنفيذه وخصوصاً أن حكم الله تعالى كان مبرَماً في حق إبليس، فلا طلب استرحام ولا دعوى استئناف ولا ما شاكل ذلك مما يتنافى مع إرادة الله عز وجل.
وكلام القرآن الكريم صريح في وجود إبليس بالجنة عندما وسوس لآدم، ولا يمكن أن يكون قد وسوس له وهو في حياة أخرى أو في موضع بعيد عن الأرض.
وأنا شخصياً يمكن أن أستدل على كون إبليس لم يخرج من الجنة بعد الأمر الإلهي وأن الإنظار له بدأ منذ ذلك الزمن، وذلك بدليل وجوده في الجنة عند الوسوسة لآدم، فلم يدل دليل على أن الله تعالى أخرجه منها ثم أعاده إليها ليمتحن به آدم، وقد يُشكل علينا البعض بأنه كيف تدّعي ذلك وقد أمره الله بالهبوط أولاً دون آدم وحواء حيث وجّه الخطاب إلى إبليس فقط فقال له(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا) فنقول إن توجيه هذا الأمر الإلهي لا يعني أنه يجب تنفيذه مباشرة حيث أن هذا الأمر قد صدر قبل أن يطلب إبليس من ربه أن ينظره إلى يوم القيامة، وبناءاً عليه تكون عملية الإنظار شاملة للمدة التي عاشها آدم في الجنة قبل إهباطه إلى الأرض، ويكون هذا الإنظار مانعاً من التنفيذ مباشرة لأن مؤدى هذا الإنظار هو الإختلاط بالبشر من أجل الإمتحان، ولم يكن في الوجود آنذاك بشر سوى آدم وحواء.
النقطة الثانية: تتعلق بلفظ لغوي ورد أكثر من مرة في كتاب الله العزيز، وهو قوله تعالى(اهبطوا) ففي سورة البقرة قال سبحانه(وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) وفي السورة ذاتها قال تعالى(قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وفي سورة الأعراف(قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)
لم يكن على أرض الجنة سوى آدم وحواء والملائكة، وربما كان معهما حيوانات مختلفة، والخطاب في جميع الآيات موجّه إلى آدم وحواء، لأن الحكم وقع عليهما، فلماذا خاطبهما بلفظ المثنى عندما بيّن لهما ارتكابهما للمخالفة حيث قال(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) وخاطب هنا بلفظ الجمع؟
ولا شك بأن الخطاب الإلهي يوجّه دائماً إلى العقلاء، والعقلاء هم الملائكة والجن والإنس، فهل المراد بالجمع هنا هو آدم وحواء والملائكة الذين نزلوا إلى الأرض؟
فلو قلنا بهذا لوقعنا في خطأ لأن الإهباط قد حصل نتيجة المخالفة، وهذا الحكم لا يشمل غير المخالف، فلا يكون المراد بالخطاب هنا إهباط مجموعة من الملائكة(والله أعلم)
ومرة أخرى نسأل: هل المراد باستعمال صيغة الجمع أن الله تعالى أنزل آدم وحواء وأنزل معهما مجموعة من الحيوانات ليستفيدوا منها؟
وما قلناه قبل قليل يصلح الرد به على هذا السؤال أيضاً بضميمة أمرٍ آخر، وهو: أن شمول الحيوانات بالأمر لا يتماشى مع قوله تعالى(قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فإن الحيوانات غير مكلّفة، والآية هنا ناظرة إلى التكليف.
بقي في الساحة أمران أحدهما هو الحل بإذن الله تعالى:
الأول: وهو أنه قد يعتقد البعض بأن الله تعالى قد خاطب آدم وزوجته وذريته المتمثلة بالأرواح التي خلقها الله في عالَم الذر، أي قبل أن يخلق آدم من تراب، ولم يرد دليل يدل على هذا النوع من أنواع الشمول.
الثاني: أن الأمر الإلهي الوارد بصيغة الجمع قد صدر حين وجود إبليس بين آدم وزوجته فيكون المراد بقوله تعالى(جَمِيعاً) هو آدم وحواء وإبليس، والجمع يبدأ من الثلاثة فصاعداً.
النقطة الثالثة: وهي تدور حول بعض الخرافات التي ذكرها البعض والتي أنزّه أي عاقل مؤمن عن ذِكرها لأنها بعيدة عن العقل والمنطق السليم والمعتقد الصحيح بُعد الأرض عن السماء وأبعد من ذلك بمراتب.
لقد أورد بعضهم أن إبليس طُرد من الجنة حين صدور الحكم الإلهي عليه، وأنه دخل إلى الجنة خلسة بصورة حيوان زاحف.
وهذا من أحمق وأبيخ الآراء التي ذُكرت في هذا المقام حيث يُظهرون بأن أحد المخلوقين قد يخدع الله عز وجل أو يعمل على خلاف إرادته التكوينية، وبمعنى آخر فقد خفي على الله تلك الحيلة الإبليسية، وهذا مناف لثوابتنا واعتقادنا بكونه تعالى كما وصف نفسه(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
ولعل الطريقة التي وسوس بها إبليس لآدم في الجنة هي ذاتها الطريقة التي استعملها مع بني آدم عبر الزمن، إذ ليس بالضرورة أن يتمثّل له بصورة شخص أو حيوان لأن تسليطه على النفوس قد تمّ قبل الهبوط إلى الأرض.
كَيْفَ يُوَسْوِسُ الشيْطَانُ فِيْ الجَنة
ورد أن الجنة دار جزاء حسن لمن أحسن في الحياة الدنيا، وهذا يعني أنه لا يوجد تكليف فيها، وإذا انتفى التكليف انتفى معه الإمتحان وتسليط الشيطان على الإنسان، فإذا كان الوضع كذلك فكيف استطاع إبليس أن يوسوس لآدم(ع) وهو في الجنة؟
والحل الأنسب لهذا الإشكال أو هذا التساؤل الوجيه هو أن الجنة سوف تصبح داراً للنعيم بعد اجتياز مرحلة الإمتحان، أما قبل ذلك فقد يكون نظامها مختلفاً عن نظامها عند يوم القيامة، فلو كان النظام الذي نعرفه ونؤمن به موجوداً حينها لما أُخرج منها آدم لأن الجنة دار خلود، وقد بدأت وظيفة الشيطان منذ ذلك الحين، فله أن يوسوس فيها طالما أنه لم يُهبَط إلى الأرض.
وهنا يرد علينا سؤال آخر: هل الجنة التي كان فيها آدم(ع) هي الجنة التي وعد الله بها المؤمنين الصالحين؟
وقبل كل شيء يجب أن نفهم أن آدم(ع) نبي معصوم، والمعصوم لا يرتكب المعصية، وإنما يؤاخذ الله تعالى أنبياءه بترك الأولى كما يؤاخذ باقي الناس بفعل الحرام.
أما الجنة التي مكث فيها آدم(ع) قبل هبوطه إلى الأرض فلم تكن جنة الخلد التي وعد الله المتقين، وإنما كانت جنة من جنان الأرض، فلو كانت جنة الخلد لما أُخرج منها، ولو كانت كذلك لما دخلها الشيطان الرجيم، وقد صرّح أهل البيت(ع) بذلك، فقد جاء في الكافي عن الإمام الصادق(ع) أنه أجاب السائل عن تلك الجنة فقال: جنة من جنات الدنيا، يطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً:
وليس بالضرورة أن يكون الهبوط من مكان عالٍ إلى مكان دانٍ، فلربما كان المعنى هو الهبوط بدرجة العيش، فلقد كان آدم(ع) يعيش على الأرض بأمان وسلام وعيش رغيد، وبعد تلك المخالفة تدنّى مستوى عيشه فيها، ولعل قوله تعالى(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هو إشارة إلى هذه الأرض وليس أرض الجنة، وقد مرّ البحث في هذا الموضوع.
وقد يُطلق على الأرض الخصبة ذات الأشجار والأزهار لفظ الجنة، ويمكن أن يُطلق ذلك على أي قطعة أرض وقد صرّح القرآن الكريم بذلك حيث قال(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) وقال سبحانه(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)
هَلْ عَاشَ آدَمُ(ع) مَرْحَلَةَ الطفُوْلَة
لقد كَوَّن الله تعالى آدم من تراب فكان أشبه بالتمثال المطروح على الأرض، ولا يوجد دليل يدل على أن هذا الرسم قد حصل قبل إخبار الملائكة بجعل الخليفة في الأرض أو أنه حصل بعده.
ولكننا نفهم ضمنياً من خلال تعجّب الملائكة حين تلقّت النبأ أن تكوينه من تراب قد حصل بعد إخبارهم(والله أعلم) وقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال فصرّح بعضها بأنه بقي هذا التصوير الترابي ممدوداً على الأرض لسنوات عديدة، ثم بلحظة واحدة توجهت إرادة الله عز وجل إلى هذا التراب فتحوّل إلى جسدٍ سوي من لحم ودم وعظام ومشاعر وأحاسيس وشعور بالجوع والعطش والميل النفسي إلى الشريك في الحياة، فانتفض آدم متحيراً لا يدري حقيقة الأمر.
وقد سمعت من أحد العلماء المرموقين بحثاً حول المرحلة التي عاشها آدم في الجنة قبل خلق حواء وقبل أن يحدث ما حدث بينه وبين الملائكة، فقال هذا العالِم: إن آدم(ع) عندما تحوّل إلى جسد كجسدنا كان حكمه حكم المولود الجديد الذي لا يستطيع القيام ولا المشي فكان كلما جاع أتاه الطعام إلى فمه فأكله، وكان كلما شعر بالعطش سقته الملائكة إلى أن مضت فترة من الزمن استطاع فيها القيام والسعي، وبمعنى أوضح لقد كان طفلاً بصورة رجل إلى أن أصبح في سن الزواج فخلق الله له حواء وزوّجه بها وعاشا مدة من الزمن في الجنة قبل الهبوط إلى الأرض.
وهذا الكلام ينسجم مع موازين العقل لأنه منطقي، ولكنني لا أعتبره حجة لعدم وجود الدليل الواضح عليه، فالقرآن سكت عن تلك الناحية، وحكم ما سكت عنه القرآن والسنّة هو السكوت عنه لأن الله تعالى لو رأى مصلحة لنا في بيان شيء لبيّنه لنا ولا يمنعه من فعل شيء أحد من خلقه، وقد يكون هناك بعض الروايات الناصّة عليه، غير أنها تحتاج إلى درايات وتحقيقات وتهيأة بعض المقدمات اللازمة حتى يمكن الإعتماد عليها.
وإنها وإن كانت غير صحيحة إلا أنها أوجدت حالةً من التأمل في حقيقة هذا الأمر، وهذا ما يفرض علينا البحث أكثر حتى نصل إلى معرفة تلك الحقيقة كلاً أو بعضاً.
ومقاربة الآيات التي تحدثت عن خلق آدم مع الحديث عن سجود الملائكة له وإباحة الجنة له ولحواء بعد أن خلقها ربها من باقي التراب الذي خلق منه آدم فإن تلك المقاربة في اللفظ لا تدل على القرب الزمني بينهما لأن أسلوب القرآن الكريم في البيان مميّز فهو ينقل من مرحلة إلى مرحلة بعيدة جداً في نفس الآية، ومثالاً على ذلك حديثه تعالى عن بداية الخلق ثم انتقاله إلى الحديث عن يوم القيامة دون أن يفصل بين الكلامين سطر واحد، وهو قوله تعالى(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا){طه123/125}
فقد يكون بين إخبار الله تعالى بخلق آدم وبين عملية خلقه مئات السنين، وقد يكون بين خلقه وسجود الملائكة زمن طويل، وقد يكون بين إباحة الجنة له والهبوط إلى الأرض آلاف السنين، ولا مانع عقلي أو عقائدي من ذلك، وفي النهاية فإن الأمر موجود في علم الله تعالى الذي كان على كل شيء قديراً.
حَقِيْقَةُ الجَنةِ
الجنة هو ذلك المكان العظيم الذي أعدَّه الله عز وجل للمؤمنين من عباده جزاءاً لهم بما صبروا على الطاعة وعن المعصية وعلى البلاء، ولا يمكن لأحد من الناس أن يدرك بعقله روعة الجنة وجمالها وسعتها وأنظمتها إلا بمقدار الشيء الذي بيَّنه الله عنها في كتابه العزيز، وقد ورد في الحديث القدسي ” لقد أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان ” ومعنى هذا أنك مهما تصورت جمال الجنة فإن واقعها أجمل، ومِن هنا قيل: إن الإنسان يتصور الأشياء ويكون التصور في الغالب أجمل من الواقع إلا تصور الجنة فإن واقعها أجمل من التصور:
لقد ذكر الله الجنة في كتابه المجيد مرات عديدة، ووصف لنا شيئاً منها وذلك من باب الترغيب، لأن العبادة إما أن تقوم على الخوف من النار أو الطمع بالجنة إلا إذا كان العابد كرسول الله(ص) وعلي(ع) وباقي المعصومين(ع) فعند ذلك يترقى إلى مستوى رفيع جداً.
ومن باب الترغيب والتذكرة نذكر لكم جملة من الآيات التي يصف فيها القرآن جنة الله التي هي مأوى المخلصين.
قال تعالى في سورة النبأ(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا)
وقال في سورة التوبة(وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وفي سورة الرعد(مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)
هذه بعض نماذج القرآن التي وصف بها الجنة، وهذا ما نعتبره من الأمور الواضحة التي لا يحتاج إثباتها إلى أي عناء، أما ما يحتاج إلى البحث والتدقيق فهو بعض ما يتعلق بموضوع أهل الجنة، هل هم الآن موجودون فيها أم أنهم مؤجلون إلى يوم القيامة.
هناك نقاط أساسية في هذا البحث يجب التعرض إلى ذكرها وذلك من باب زيادة المعلومات عندنا:
النقطة الأولى: وهي عبارة عن سؤال حول وجود الجنة وعدم وجودها، فالقرآن الكريم حدثنا كثيراً عن الجنة وصفاتها وأنظمتها ومستحقيها، ولكنه لم يذكر لنا ما إذا كانت موجودة الآن أو أنها سوف توجد في يوم الحساب، ولكننا يمكن أن نستفيد وجودها الحالي من خلال الطريقة التي يحدثنا بها القرآن عن الجنة، فإن السياقات التي يستعملها في حديثه عنها يُشعرنا بكونها موجودة بالفعل، هذا الأمر ليس له ثمرة فعلية، فإنه لو كانت الجنة موجودة الآن أو أنها سوف توجد فهذا لا يقدّم شيئاً ولا يؤخّر شيئاً في الموازين الخاصة، نعم غاية ما في الأمر أننا نضيف بذلك معلومة إلى معلوماتنا حول الجنة.
النقطة الثانية: سعة الجنة، فإن الجنة كبيرة جداً، وقد قرّب القرآن لنا الفكرة حول حجمها عندما قال(عَرْضَها كَعَرْض السمواتِ والأرض) فلربما كانت أكبر من ذلك بكثير، لأن الله على كل شيء قدير، ولا يؤوده خلق شيء مهما كان كبيراً، ولعل بيان المساحة ورد من باب الترغيب أولاً، ومن باب الرد على بعض المتسائلين ثانياً، أولئك الذين يقولون كيف يمكن أن تتسع الجنة لتلك الأعداد.
النقطة الثالثة: وهي تتعلق بموضوع الحساب، فهل حاسب الله أحداً من بني آدم فأدخله الجنة أو حاسب أحداً فأدخله النار؟
نحن من خلال النصوص القرآنية نعلم بأن الله عز وجل حتى الآن لم يحاسب أحداً، وإنما أجّل حساب الجميع إلى يوم القيامة، يوم يجمع الأولين والآخرين، وهذا بحث واضح، لأن العديد من الآيات الكريمة قد نصت على هذا التأجيل، وبناءاً على هذا الأمر قد يطرأ إشكال حول حديث المعراج الثابت، فقد رأى النبي(ص) في الجنة أشخاصاً يتنعمون وفي النار أشخاصاً يتعذبون، وقد سأل جبرائيل عن كل ما رأى، ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن الحساب قد جرى لبعض الناس؟
هذا سؤال وجيه ونحن نجيب عليه بصورتين:
الصورة الأولى: وهي أنه قد يكون الذين رآهم النبي في الجنة والنار هم من عهد سابق لعهد آدم حيث عرفنا في البحوث السابقة أن آدم ليس أول من سكن الأرض، فهناك نصوص أكدت على وجود مخلوقات متعاقبة قد سكنت الأرض قبل آدم، ربما يكون الذين رآهم النبي هم من عصرٍ سابق لعصر آدم، هذا احتمال نحن لا نعتمده دليلاً لأن الأمر غير ثابت،فهو مجرد رأي نطرحه من باب تقريب الجواب.
الصورة الثانية: لا مانع من أن يكون الله تعالى قد صوّر لنبيه ما سوف يكون، وذلك من أجل أن يخبر الناس بما رآه في تلك الرحلة الربانية، كما أراه حادثة كربلاء بحذافيرها يوم ولادة الحسين، أي قبل كربلاء بحوالي خمسين عاماً.
مَاذَا بَعْدَ الهُبُوْطِ إِلَى الأَرْضِ
بعد كل ما جرى بين آدم وإبليس في الجنة، وخصوصاً بعد تلك المخالفة التي عبَّرنا عنها بالمخالفة الإرشادية شاءت القدرة الإلهية أن يهبط آدم وزوجته إلى الأرض لتبدأ عليها حياة جديدة بالكيفية التي اختارها الله عز وجل والنظام الذي وضعه للعيش على هذا الكوكب.
ولقد أتى هذا القرار بعد أن أكل آدم من الشجرة المنهي عنها وشعر بالأمر الذي بيّناه فيما سبق.
وقد بقي هذا الشعور ملازماً له طيلة حياته على الأرض لأنه يعتقد بأن ما قام به يستحق عليه العقاب وليس الأمر كذلك، ويقال بأن عُمُرَ آدم في الأرض ناهز أو قارب الألف سنة، وهو في كل تلك المدة الطويلة كان يشعر بالألم والأذى على ما صدر منه أو على سماعه لكلام الشيطان وهو لا يعرفه طبعاً، ويقال بأنه بقي فترة طويلة من عمره يستحي أن ينظر إلى السماء.
لقد أنزل الله آدم إلى الأرض لتبدأ حياة جديدة يكثر فيها النسل، ويُرسِل إليهم الأنبياء ليعلِّموهم أحكام ربهم ويرشدوهم إلى الخير لتتقوَّم مقدمات الإمتحان الإلهي المطلوب.
فمنذ ذلك الحين بدأت الحياة التي نحن منها، وما زالت مستمرة، وسوف تستمر إلى يوم القيامة الذي كان علمه عند الله عز وجل.
وقد حدثنا القرآن المجيد عن عملية الهبوط إلى الأرض فقال تعالى(قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ){البقرة38/39}
وهناك أكثر من موضع ذكر الله تعالى فيه مسألة الهبوط إلى الأرض.
منها ما ورد أيضاً في سورة البقرة وهو قوله تعالى(قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ){الأعراف/24}
المهم في الأمر هو أن الله عز وجل قد أنزل آدم إلى الأرض لكي يبدأ عليها حياة جديدة تكون موضع اختبار للعباد، ودار ممر يعبرون من خلاله إلى عالم الآخرة التي هي الهدف الأساسي من خلق الدنيا.
وقد أشارت الآية الكريمة إلى نوعين من الناس تجاه الطاعة والإيمان، فمنهم من يتبع الهدى فهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومنهم من يضل ويكفر فهؤلاء أصحابُ نتيجةٍ معلومة، وهي الغضب الإلهي.
وأودأن أشير هنا إلى أن آدم(ع) عندما نزل إلى الأرض نزل طاهراً مطهراً ليس عليه أية تبعة، وخرجت روحه منها وهو معصوم، لأنه قبل أن يهبط إلى الأرض حاز على التوبة بدليل قوله تعالى(فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ){البقرة/37}
وبعد ذلك كله بدأ العمل والسعي في هذه الأرض نحو العيش بعد أن كان رغيداً في الجنة، وبدأ آدم وحواء يعملان بجد ونشاط في حرث الأرض وزرعها وتربية المواشي للإستفادة من لبنها وصوفها ولحمها وباقي خيراتها، وقد تم ذلك بتوفيق من الله تعالى، فهو الذي أوحى إلى أنبيائه كيف يجب أن تقوم الحياة بل كيف يمكن أن يبنوا المجتمعات، ولهذا نجد بأن المِهَن التي التزمها الأنبياء كانت مهناً جديدة لم يعهد الناس مثلها من قبل، فمنهم من كان حَدّاداً ومنهم من كان خيّاطاً ومنهم النجار ومنهم الباني.
تَأْسِيْسُ مُقَومَاتِ الحَيَاة
لعله عندما أُهبط آدم وحواء إلى هذه الأرض لم يكن فيها من مقومات الحياة سوى ما خلق الله عز وجل من النباتات والأشجار والحيوان، ولعل الحيوانات كانت موجودة عليها قبل ذلك.
ولا شك بأن الله تعالى قد علّم خليفته آدم الكثير من الأمور الحياتية مثل الزراعة والصناعة لأهم ضروريات العيش كصناعة التنور والقدور واللباس وأقداح الماء وبعض الأدوات التي يحتاج إليها، ولا شك بأن الله تعالى علّمه ما يصلح للأكل وما لا يصلح لأنه(ع) لعله كان خالي الذهن من أية فكرة.
ولا أريد أن أعلّق كثيراً على هذا الموضوع إذ لا يُعقل أن يترك الله تعالى خليفته متحيراً في أمور معيشته فهيأ له أسباب العيش الكريم.
تَبَدُلُ أَنْظِمَةِ التكْوِيْن
لحكمة من الله القدير على كل شيء جعل موضوع التكوين بطريقة تختلف عن تكوين أصل البشر، وقد كان بإمكان الله تعالى أن يخلق الجميع بذات الطريقة التي خلق بها آدم(ع)، ولكن انحصار تلك العملية بآدم إنما كان من أجل أخذ العبرة وبيان القدرة، ومن أجل أن تتعاقب الأجيال وتتحقق الغاية من إيجاد الخلق عبر إرسال الرسل وبعث الأنبياء من أجل هداية البشر، وبهذه الطريقة تستقيم الحياة بغايتها الأساسية وتنتظم عملية الإمتحان فيها.
وقبل أي شيء ينبغي أن نذكر بعض الآيات الكريمة التي تناولت عملية الخلق بالطريقة الجديدة مع الإشارة إلى أصل خلقة البشر في أغلب تلك الآيات إن لم يكن في جميعها.
قال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ){المؤمنون12/14}
وقال سبحانه(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا){الإنسان/2}
وقال عز وجل(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ){الروم20/21}
وقال تعالى(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ){الروم/54}
وقال سبحانه(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ){فاطر/11}
وقال(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ){الزمر/6}
وقال سبحانه وتعالى(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ){غافر/67}
وقال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ){الحج/5}
لحكمة من الله سبحانه وتعالى تبدّلت أنظمة تكوين البشر ليكون هناك أُسَرٌ ومجتمعات وأرحام وأقارب وزوج وزوجة ووالد ووالدة وأولاد وجدٌّ وجدة وأحفاد حيث قامت أحكام شرعية كثيرة على هذه الأحكام الوضعية، ولا شك بأن في هذا النظام امتحاناً للناس، وقد بيّن القرآن الكريم العديد من تلك الأحكام المتعلقة على وجود هذا الإختلاط في الأنساب، وفي هذه الأحكام قال تعالى في سورة الفرقان(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا){الفرقان/54}
وقال سبحانه في سورة النور(وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون){النور/61}
وقال عز وجل في سورة النساء(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا){النساء/23}
وكذلك فإن هناك الكثير من أحكام الإرث تتوزع على المحارم والأقارب بحسب النظام المجعول من الله سبحانه وتعالى، وهي آيات كثيرة يمكن أن نراجعها خصوصاً في سورة النساء التي كانت أكثر ذِكراً لأحكام الإرث من غيرها.
إذاً.. هناك حكمة من الله سبحانه وتعالى في جعل التكوين عن طريق الإتصال بين الذكر والأنثى، ففرض تحويلاً ملحوظاً في عملية التكاثر، ولولا هذه الطريقة لما تَكَوَّن المجتمع البشري على الصورة التي هو فيها اليوم.
أقف الآن على قوله سبحانه(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ) ففي الآية السابقة أخبرنا الله تعالى بأنه خلق الإنسان من سلالة من طين، والإنسان إما آدم أو أصل الإنسان بعد آدم، والأرجح – والله أعلم – أن المقصود بالإنسان هو نسل آدم لأن الضمير في قوله(جَعَلْنَاهُ) عائد على الإنسان الذي جعله الله نطفة، وآدم(ع) لم يكن نطفة في أصل تكوينه بل كان مصدر النُطَف، فإما أن يكون المراد بالإنسان آدم(ع) ثم انتقل الحديث القرآني إلى ذريته، وإما أن تكون الآية ناظرة إلى الإنسان بغض النظر عن أصله الذي هو آدم، فإننا نحن البشر نلتقي مع آدم بأصل وجودنا وهو التراب، ونفترق عنه بأننا خُلقنا من نطفة دونه.
فبقدرة الله الباهرة أصبح موضوع الخلق موقوفاً على العملية الجديدة له، وهي الإتصال الجنسي بين الذكر والأنثى، فلقد جعل الله هذا الإنسان نطفة في أصلاب الرجال، وهذه النطفة بدورها تنتقل من صلب الرجل إلى رحم المرأة المُعبَّر عنه في الآية (بالقرار المَكين) الذي لا يرى الضوء والهواء ولا أي أثر من الآثار السلبية على تَكَوُّن الجنين في داخل الرحم.
فعندما تدخل النطفة في رحم المرأة وتتلقح البويضة المهيئة للتلقيح بداخله يكون حجم النطفة صغيراً جداً أشبه ما يكون بحجم الذرة، غير أن هذه النطفة لا تبقى على حالها فهي تأخذ بالتغيّر والتحول من حالة إلى حالة ومن مرحلة إلى أخرى حسب النظام التكويني الدقيق والمعلوم، فتستقر داخل البويضة التي تشتد يوماً بعد يوم لتشكِّل ذلك الغلاف الذي يُحفَظ فيه الجنين، أما النطفة فإنها تنتقل من مرحلة المَنيّ إلى مرحلة الدم المتجمِّد المعبَّر عنه (بالعَلَقَة) لأنه عند ذلك يكون أشبه حجماً بحشرة(العلقة)
وبعد أسابيع قليلة تتحول العلقة إلى مضغة، والمضغة هو قطعة من الدم أشبه ما يكون بالشيء الممضوغ جيداً وليس لها شكل معين.
وبعد عدة أسابيع أخرى تتحول تلك المضغة بقدرة الله تعالى إلى عظام، وهي الهيكل العظمي الذي يقوم عليه بدن الإنسان، وهو يتجاوز المئتي عظمة تقريباً.
وبعد فترة من الزمن تُكسى العظام باللحم، ويتكون في الرحم إنسان سويٌ سميع بصير، فيخرج إلى حياة جديدة مختلفة تماماً عن حياة الظلمات الثلاث والماء الذي كان يسبح به، وفي هذا يقول تعالى(ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً)
لقد خلق الله الإنسان في أتم صورة، وفيه قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)
وهنا لا بد من إيضاح نقطة في العقول قد شوّهتها بعض الأيدي وقد استعملها أعداء الحق والأديان كسلاح في طعن كلام الخالق الذي يخبرنا بأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهي تتمحور حول السؤال التالي: لماذا يُخلق أشخاص مشوهون بعاهات ونواقص؟
هذا السؤال نسمعه كثيراً، ولا بد من الإجابة عليه كيلا يبقى الإنسان شاكاً بربه.
أولاً: لقد ذكرنا سابقاً أن القرآن الكريم يَذْكر الإنسان ويريد به أحد شيئين: إما أن يقصد به آدم(ع) كقوله تعالى(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وإما أن يذكر لفظ الإنسان ويريد به مُطلق البشر كقوله(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أو مثل قوله (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)
ثانياً: قد يكون المقصود بالإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم هو آدم(ع) الذي خلقه الله على صورة جميلة وجسد اختلف به عن باقي المخلوقات.
ثالثاً: قد يكون المقصود بالإنسان مطلق هذا النوع، ولكن القرآن يحدثنا عن الخلق الذي لا يدخله التشويه، كما هو الحال في أيامنا هذه حيث أثرت الحروب والأسلحة التي استعملت فيها على نطف الرجال وأرحام النساء بسبب ما اقترفته أيدي البشر، فلا علاقة لله في الخلق الناقص لأن السبب فيه هو نحن وليس الله الذي خلقنا في أحسن صورة، خصوصاً وقد أثبت العلم الحديث حدوث تغيرات في تكوين النطفة في جميع مراحلها بسبب تناول بعض الأدوية التي تعكس عوارضها سلباً على الجنين مما يؤدي إلى خلل في نموِّه، وهذا يعني حدوث تشويه فعلي له.
رابعاً: يجب على كل إنسان مهما كان حجم فهمه متدنياً أن يحسن الظن بالله ويثق بكل ما يصنعه لا أن يتحامل تحامل المعادي فيوقعه ذلك فيما لا تُحمد عُقْباه.
عليكم أن تفكروا في قول الله تعالى(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فهذا يعني أن النقص الذي يطرأ على الخلق سببه الخلق وليس الخالق، لأننا خرجنا كثيراً عن قوانين ربنا وتجاوزنا الحدود والخطوط الحمراء، وهذا ما أدى إلى تشويه تلك الصورة الرائعة حول رحمة الله تعالى وإرادته الخير لخلقه.
بِدَايَةُ التَنَاْسُلِ عَلَى الأَرْضِ
أهبط الله عز وجل آدم وحواء إلى الأرض وأمرهما بالسعي فيها وبناء أسرة تكون منطلقاً لبناء المجتمع البشري كله، فلم يكن على وجه الأرض آنذاك سوى آدم وحواء، وقد وضع الله تعالى نظام التناسل فيهما عن طريق الإتصال الجنسي الذي هو الطريقة الوحيدة للإنجاب، وقد عرفنا أن الله تعالى خلق آدم من تراب، ثم تحولت هذه العملية من تراب إلى الخلق من نطفة، وذلك بعد أن أجرى الله الأرواح في صلب آدم فنقلها من عالم الذر إلى صلبه بطريقة لا يعلمها إلا هو سبحانه.
فعندما يقال:خُلق الإنسان من طين: فإنه يُقصد بذلك آدم، لأن عملية الخلق من تراب خاصة به، ولكن يصح إطلاق هذا الأمر علينا نسبة إلى آدم الذي هو أبو البشر.
وقد أشار القرآن في عشرات الآيات إلى هذا التحول في عملية الخلق ليعي الجميع هذه الحقيقة الخاصة بهم، مشيراً أيضاً إلى المراحل التي يمر بها بعد مرحلة النطفة.
ففي سورة النساء قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا){النساء/1}
فالنفس الواحدة هي آدم(ع) وزوجها هي حواء، وبث منهما..الخ يشير إلى موضوع بدئ التناسل.
وفي سورة الروم(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ){الروم/20}
وفي سورة المؤمنون(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ){المؤمنون12/14}
وما سوف نذكره هنا إنما هو كيفية بدئ التناسل، علماً بأن الأرض لم يسكنها سوى أولاد آدم فبمن تزوج ابنه ومن تزوج ابنته؟
لقد جرى الكلام حول هذه النقطة بالذات وهي موضع تساؤل كثير من الناس الذين يرغبون في معرفة هذه الحقيقة.
لقد قيل إن الله تعالى قد أنزل إلى ابني آدم حورية وجنية فتزوجا منهما، ولكننا لا نرجح هذا الأمر لأن الحورية تخضع لنظام خاص لا يتلاءم مع أنظمة هذه الحياة من حيث الزواج والحمل، والجنية لا تُلمس من قِبل الإنسان إلا عن طريق الإعجاز، ولا مانع من أن يكون للإعجاز دور في مسألة التناسل، وهنا يعترضنا سؤال آخر كيف حملتا من ابني آدم؟
وهناك رأي آخر وهو أن الله تعالى قد أذن بزواج الأخ من أخته لفترة معينة ثم منع ذلك بعد أن انتشر البشر على الأرض.
وربما يكون الله تعالى قد خلق لأبناء آدم زوجات من لحم ودم، ولكن هذا الرأي يخالف الأصول التي قامت عليها البشرية إذ يجب حصرها في آدم وحواء وأولادهما، وهذا يقرب لدينا فكرة الزواج من الأخت، ولكننا لا نعتمد أي الآراء، بل نرد الأمر إلى الله تعالى عملاً بقوله الكريم في سورة المائدة(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)
ونحن هنا نؤكد على التزام الصمت أمام الأحداث التي لم يبدها الله تعالى، إذ لو كان في إبدائها حكمة لأبداها، ولا يمنعه في ذلك شيء، فهو الفعال لما يريد، وربما يكون الأمر من جملة المعلومات التي لم تصل إلينا بسبب بعض الموانع.
لقد بدأ النسل يكثر شيئاً فشيئاً منذ ذلك الحين إلى أن انتشر الخلق في بقاع كثيرة من الأرض، وهناك حكمة في الإنتشار وعدم جلوس الجميع في مكان واحد، وهي أن الله تعالى زرع حب الإستطلاع والبحث عن أسباب الحياة الكريمة عبر السعي في الأرض والهجرة في طلب الرزق.
وما زالت تلك الروح موجودة فينا حتى اليوم، فهناك الملايين من الناس يهاجرون من بلد إلى بلد كلٌّ له غايته الخاصة.
وهنا ألفت النظر إلى كون حياة آدم العامة والخاصة هي نفسها حياتنا العامة والخاصة من حيث النوم واليقظة والأكل والشرب والجسد والمشي والحجم الذي نحن عليه.
هناك العديد من الأشخاص يذكرون للناس آراءاً لا وجود لها في قاموس الحق والعقلانية كموضوع حجم جسد آدم، فلقد قال بعضهم لقد كان طوله ألف ذراع أو أكثر أو أقل، ونحن نعلم أنه لو تجاوز طول الإنسان بضع أمتار خرج عن كونه بشراً وتحوّل إلى مخلوق آخر كالعمالقة، إن أطول رجل في العالم لم يتجاوز طوله ثلاثة أمتار، نحن أبناء آدم، يعني أننا حملنا نفس الصفات الوراثية منه، طوله كطولنا، وحجمه كأحجامنا، أما إذا سمعنا كلام بعض الناس حول مسألة طول آدم وأن الله قصّره بعد ذلك فهذا يعني أننا نطعن بالقدرة الإلهية من الأساس، إن هذه الرواية من صنع اليهوديات التي من شأنها الطعن في الله تبارك وتعالى، لأننا لو قلنا بأن الله أنزل آدم إلى الأرض طوله ألف ذراع أو أقل ثم بعد ذلك أزعجته الشمس فراح الله يقصر شيئاً فشيئاً حتى اعتدل جسمه، هذا يعني أن الله تعالى لا يعلم بأن هذا الطول يتأثر بحرارة الشمس أو أنه يعلم ولكنه ظلم آدم.
هناك روايات موضوعة من قبل الجهلة الكفرة الذين لا يراعون للحرمات شأناً، ونحن بدورنا يجب علينا أن نكذِّب كل تلك الأقاويل وإن صدرت من أشخاص يرتدون ثوب الدين والعلم.
وكذا الحال في قولهم بأن حواء حملت خمسمئة مرة، فنحن نعلم أن سن اليأس يبدأ بالخمسينات، يعني لو كانت حواء سلحفات(مع احترامنا لها ولمقامها) لما استطاعت أن تبيض هذا العدد الهائل في تلك المدة.
فالقرآن الكريم لم يحدثنا عن أن الله أجرى معجزة الحمل بعد اليأس على يد حواء وإنما حدثنا عن زوجة نبي الله إبراهيم وزوجة زكريا، وقد اعتبر ذلك من المعجزات، ولا يوجد فرق بين عهد إبراهيم وآدم من حيث التكوين أو الإعجاز.
اخْتِلافُ أَلْوَاْنِ البَشَرِ وَلُغَاتِهِم
وهو من الآيات التي بيَّنها الله تعالى في كتابه العزيز لتكون عبرة للبشر ممن هم مختلفون بالألوان والألسن، قال تعالى(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ){الروم/22}
لقد جعل الله آية خلق السماء والأرض كآية اختلاف ألوان البشر ولغاتهم لأن ذلك دليل على القدرة الإلهية.
فإذا كان الجميع من صلب آدم فلماذا حصل التغيُّر في الألوان واللغات، ولم يكن الجميع بلون واحد وذوي لغة عالمية واحدة؟
لقد ورد على ألسنة البعض أن سبب اختلاف الألوان واللغات هو الغضب الإلهي الذي نزل على نمرود ومن تبعه، ولكننا قلنا قبل قليل إن هذا من الآيات الكبرى المنزّلة في عرض واحد مع آية خلق السماء والأرض.
والذي نفهمه من الآيات الحاكية عن هذا الإختلاف غير ما ادُّعي من أنه حصل في زمن نمرود، فما نفهمه هو أن هذا الأمر حصل قبل عهد أبراهيم الخليل، لأنه كان موجوداً في زمن نوح وقبله، ولا مانع من أن يكون هذا الأمر قد تكرر بشكل غير طبيعي من باب إظهار العذاب، ولكن الذين غيّر الله ألوانهم لم يمكثوا في هذه الحياة أكثر من بضع أيام كقوم صالح.
وقد قيل_أيضاً_ بأن سبب اختلاف ألوان البشر يعود إلى اختلاف لون التراب الذي خلق منه آدم حيث ورد أنه خلق من تراب أحمر وأسود وأشقر وأغبر وغير ذلك.
ولا مانع عقلي أيضاً من أن يكون ذلك هو السبب كله أو جزء من السبب، هذه كلها احتمالات يمكن لنا أن نرجح بعضها ولكن ليس من باب الإستذواق بل من باب ما رجَّحته القرائن.
فنرد على الإدعاء الأول بأن اختلاف اللون واللغة ليس غضباً بل هو رحمة في أكثر الأحيان لأننا إذا تأملنا قليلاً في فائدة اختلاف اللغات لأدركنا الحكمة من ورائه.
ونرد على القول الثاني بأن السبب كله لا يعود إلى اختلاف لون التراب الذي خلق منه آدم، وإنما يعود إلى سبب آخر سوف نذكره بعد قليل.
نحن نقول: لا أثر لاختلاف تربة آدم على تعدد الألوان، ولو أننا سلّمنا بذلك فما هو سبب تعدد اللغات؟ هل هو اختلاف ألوان التربة أو أن هناك سبباً آخر؟
والسبب في نشؤء تلك الآراء هو الغموض المفروض على التاريخ البعيد، حيث أعطى المؤرخون اهتمامهم للتاريخ القريب وأهملوا الماضي البعيد، مع أن في معرفة الماضي البعيد فوائد كبرى تساعد على حلّ بعض الألغاز الموجودة في التاريخ القريب.
ينبغي أن يحقق المحققون ويعمل المؤرخون على إزالة تلك الأوهام التي نشأت بسبب الإهمال لبعض جوانب التاريخ.
حقيقة هذا الإختلاف فِيْ اللغَاْتِ وَالأَلْوَاْن
نحن من صلب آدم الذي أجرى الله تعالى النطف في ظهره، ثم انتقلت من صلب إلى آخر وبهذه الطريقة انتشر النسل البشري على الأرض.
والمفروض_لولا وجود بعض العوامل الطبيعية_ هو أن نشابه آدم في شكله ولونه وقامته، وبناءاً على ذلك لا معنى للإدعاء الثاني الذي ذكرناه.
نحن نعلم أن الجسم مُعرَّض للتغير بسبب بعض العوامل الخارجية، فمن سكن في البلاد الحارة تغير لونه بسبب شدة الحرارة التي من شأنها أن تغير الألوان.
ونعلم أيضاً أن الناس عندما كثرت أعدادهم انتشروا في الأرض ليطلبوا أرزاقهم أو ليبتعدوا عن مواضع الخطر فأوصلهم ذلك إلى بلاد مختلفة في مناخاتها، فمنهم من سكن البلاد الباردة ومنهم من سكن البلاد الحارة فتغير لونه نتيجة لذلك.
والجنين يأخذ من أبويه ما يجعله يشبههم بالمظهر الخارجي.
والدليل أن الأبيض الذي يعيش في البلاد الباردة لا يلد سوى ولد أبيض، والأسود لا يلد إلا ولداً أسوداً، فهي إذن حالة طبيعية لا أثر للغضب الإلهي فيها، ولكننا لا ننفي ذلك مطلقاً فلربما كان للغضب أثر في ذلك.
وإذا كان التغير غضباً فهل غضب الله على الجميع أم أنه غضب على مجموعة منهم، ومن هي المجموعة التي غضب عليها؟
فإن قلنا: هم السود، فإن هناك سوداً مؤمنين، وهم كثيرون، وإذا كان اللون نشأ بسبب الغضب فينبغي أن ينحصر في المغضوب عليهم ولا يتعدى إلى ذراريهم إلا إذا كان هناك حكمة.
وإن قلنا البيض، فإن نفس الجواب السابق يجري هنا، وبناءاً على ذلك يكون اختلاف الألوان أمراً طبيعياً بفعل النظام الكوني الذي خلقه الله سبحانه وتعالى.
وكذا الحال بالنسبة لاختلاف اللغات فإن اللغة عبارة عن مجموعة من الألفاظ يتوافق عليها الناس للدلالة على مقاصدهم، ولهذا كان من الطبيعي جداً أن تختلف اللغات بسبب كثرة البشر وبُعدهم عن بعضهم مع حاجة الجميع إلى مصطلحات يعبِّرون بها عما في ضمائرهم، فتعددت اللغات نتيجة لتلك الأسباب الطبيعية.
ولم يكن هناك يوم محدد لهذا التغير لأنه يحتاج إلى وقت طويل، والله وحده يعلم كم استغرق الأمر من الزمن.
ولا شك بأن الله تعالى قد اختار لآدم أنسب الألوان لينسجم ذلك مع الكمال النفسي الذي خلقه عليه، ومع قوله تعالى(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ){التين/4}
ويمكن أن يكون السبب بعض التغيرات التي تطرأ على النطفة، فإن هناك بيضاً ينجبون سوداً وكذا العكس.
اخْتِلافُ الصفَاتِ
عندما نتحدث عن أبي البشر الأول آدم(ع) لا يحسن الإكتفاء بمجرد سرد القصة كحداء نؤنس به الأطفال، فإن هناك مسؤوليات كبرى تجاه التاريخ المجيد الذي رسمه الأنبياء بجهدهم ودمائهم وجميع طاقاتهم، فإذا أردنا أن نتحدث عن آدم ينبغي أن نتحدث عن كل ما يُثبت لنا العظمة في تكوينه ونبيّن كل ما يمكن استخدامه دليلاً على القدرة الباهرة التي أوجدت المخلوق من العدم، وهذا ما يدفعنا نحو إطالة الكلام حول هذا التاريخ الذي يتصل بأصل وجود الإنسان ويتكفل له ببيان حقيقته، فإن أجهل الناس من جهل نفسه وإن كان عالماً بباقي الأشياء.
هناك آية كبرى من آيات الوجود قد لا يلتفت إليها كثير من الناس بسبب عدم التأمل في أنفسهم، مع أن آيات الله تعالى موجودة فيهم كما هي في الآفاق لقوله تعالى(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ){فصلت/53}
وقد أحسن من قال: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
أيها الإنسان..انظر إلى صورة وجهك في المرآة أو في المياه الصافية فترى آية كبرى من آيات ربك، وهي صورتك التي خلقك عليها.
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الآية العظيمة في كثير من سوره ليبين لنا أهمية إدراكها وفَهْم معناها.
قال تعالى(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ){آل عمران/6}
وقال تعالى(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ){غافر/64}
إن تصوير الإنسان آية، ولكن الآية الكبرى في ذلك تكمن خلف كثرة الصور التي لا تشبه واحدة منها الأخرى.
لقد شهدت البشرية عبر تاريخها أعداداً هائلة من البشر لا يعلمها إلا الله تعالى، لأنها تُعد بمئات المليارات، ولم تتفق صورتان منها.
لقد صنع الله ذلك لنميز بين بعضنا البعض، ولولا ذلك لاشتبهت علينا الأشخاص فلم نعلم مَنْ هو زيد منهم مِنْ عمرو، ولم ندر القريب من البعيد، ولم يعرف الوالد ولده والولد والده.
وكذلك الحال في اختلاف الأصوات فإنه آية من آيات الله، فلم يوجد صوت متفقٌ مع الآخر في جميع خصوصياته إلا بواسطة التصنع والتكلف.
يمكن لنا التعرف على الأشخاص من خلال صورهم أو أصواتهم أو حركاتهم، فإنك قد تشاهد شخصاً من الخلف فتعرفه من خلال مشيه أو حركة معينة خاصة به.
ويعود هذا الاختلاف إلى اختلاف تراكيب الخلايا التي كان الله عز وجل قادراً على جعلها واحدة في الجميع، ولكن شاءت القدرة الإلهية أن يتم هذا الاختلاف ليعرف الواحد منا الآخر.
ويمكن لنا أن نبيّن عظمة هذه الآية بوجه آخر، فلو أتينا بشخصين حجم وجه أحدهما كحجم وجه الآخر، وعيناه كعينيه وفمه كفمه وأذناه كأذنيه ولكن صورتيهما متغايرتان، فما هو الشيء الذي جعلهما مختلفتين؟
وهنا يكمن السر الإلهي العظيم الذي إن دل على شيء فإنما يدل على قدرة الله المطلقة.
نحن لا ننفي وجود الشبه النسبي في الصوت والشكل والحركات والسكنات، وذلك مع إيماننا بأن الله تعالى قادر على ذلك، ولكن حكمة الله عز وجل شاءت أن يكون التشابه بنسب معينة لندرك بأن الأصل واحد والخالق واحد، فإن نظرية الإتحاد بين المخلوقات بتلك النسب المتفاوتة تُعتبر من النظريات المعتمدة في إثبات الوحدانية، وقد أشار القرآن إلى شيء من ذلك في سورة المُلك ليدل على العظمة والقدرة النابعتين من واحد وهو الله جل ذكره فقال(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ){الملك/3}
قَابِيْلُ وَهَاْبِيْلُ وَالحَسَدُ القَاْتِلُ
قال سبحانه وتعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ){المائدة27/31}
هذه مُجمل قصة ابنَي آدم (قابيل وهابيل) قد ذكرها القرآن الكريم من باب الإستفادة والعبرة حيث علَّمَنا بها درساً حول آفة الحسد الذي قد يجر صاحبه إلى الهلاك في الأغلب، ولأجل ذلك قيل: لله دَرُّ الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله:
لقد رُزق آدم بولدين ذكرين، أحدهما قابيل والآخر هابيل، وقد كانا رمزاً للحق والباطل والخير والشر والإيمان والكفر، حيث تجسدت صفات الخير بهابيل وصفات الشر والإنحطاط الخلقي والنفسي بقابيل الذي كان أول مجرم في هذه الأرض لأنه ارتكب أول جريمة قتلٍ في تاريخ البشرية.
وقبل تسليط الضوء على النص القرآني واستخراج لآلئه وكنوزه نذكر لكم تلك القصة بشكل سريع لتكون مقدمة لإدراك ما سوف يُذكر حول الآيات المذكورة.
فبعد أن سكن آدم الأرض أنجب ولدين ذكرين أحدهما أكبر من الآخر، فعاشا في نفس البيئة وتغذيا من ذات المنبع وترعرعا في حِجر واحد، ولكن النفوس المريضة ترفض التعاليم الكريمة والأخلاق الفاضلة وتلقي بها إلى الوراء مؤثِرةً وساوس الشيطان وطاعته على طاعة الرحمن، بينما نجد الآخرين متمسكين بالدين وقيمه ومبادئه، لا يتخلَّون عن بند واحد من بنوده مهما كان الثمن غالياً والنتيجة صعبة لأنهم أدركوا عظمة الدين في نفوسهم.
لقد كان قابيل إنساناً منحطاً بسبب انصياعه للشيطان الرجيم الذي حاول أن يقتل آدم بجرف أولاده في تيارات الهوى والغوى، فنجح في مهمته مع واحد من أصل اثنين، وسيطر على قلب قابيل فأصبح عبداً لشهواته ورغباته ونزواته.
لقد حرّض إبليس قابيل على أخيه هابيل فصوَّر له بأن آدم لا يحبه بل هو يكرهه ويؤثر عليه أخاه، وهذا يعني خسارة كبرى، فذهب قابيل إلى أخيه يهاجمه ويشتمه كرهاً له وحسداً، إذ كيف أن هابيل مقرَّب من أبيه وأمه أكثر منه، وأنه ينجح في جميع المهمات التي يقوم بها، فأراد هابيل أن يثبت لأخيه سبب ذلك بهدف إصلاحه وتشجيعه على الهدى والإلتزام بأوامر الله والحذر من إبليس اللعين، فاتفقا على أن يُقرِّب كل واحد منهما قرباناً لله، فمن قُبل قربانه كان أفضل من الآخر، فقرَّب هابيل أجمل ما عنده، وقرَّب قابيل أسوأ ما عنده، وهذا ينبئ عن نفسية منحطة، وكانت علامة قَبول القربان آنذاك أن تنزل عليه نار من السماء وتلتهمه، فعندما قدَّما القرابين نزلت النار على قربان هابيل وابتلعته، فغضب قابيل لذلك، ووسوس له الشيطان قتل أخيه لتخلو له الساحة وينال كرامة أبيه وأمه، فرماه بحجر على رأسه فقتله، فاحتار في إخفاء الجثة، فأرسل الله إليه غرابين قتل أحدهما الآخر ثم نبش له في الأرض وألقاه في الحفرة ثم أهال التراب عليه، ففعل قابيل بأخيه ما فعله الغراب القاتل مع الغراب المقتول، فحلَّت عليه اللعنة، وغضب الله عليه غضباً شديداً، وهو بذلك خسر اهتمام أبويه كلياً وخسر آخرته في آن واحد، ثم جلس الشيطان متنحياً كعادته يقول للإنسان :أنا لا ذنب لي الذنب ذنبك، لماذا أطعتني:
العِبْرَةُ مِنْ قِصةِ ابْنَي آدَمَ
في البحث السابق سردنا قصة ولدي آدم قابيل وهابيل وأشرنا هناك إلى بعض الإستفادات، وفي هذا البحث سوف نقف على النص القرآن الخاص بهذه القصة لنَخرج منه بعدة دروس وفوائد رغم تباعد الزمان بيننا وبينهما، فإن التاريخ أهم مختبر لهذه الحياة، وإنَّ أكثر ما عندنا إنما هو بفضل التجارب السابقة التي دفع ثمنها الآباء والأجداد ووصلت إلينا على طبق من فضة.
لقد وردت هذه القصة في سورة المائدة، ولعلها النص الوحيد الذي ذُكرتْ فيه بهذا الشكل، فإن هناك الكثير من الأحداث التي لم تنل من الذكر سوى الإشارات العابرة.
قال تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ) الله عز وجل يوحي إلى النبي الأكرم(ص) أن يخبر الناس بهذا الحدث الخاص الذي وُصف بأنه أول جريمة حدثت في التاريخ فأودت بحياة ربع أهل الأرض، لأن هابيل المقتول كان أحد الأربعة الذين سكنوا الأرض آنذاك، ربما كان هناك أكثر من هذا العدد ولكن القرآن لم يصرِّح بذلك، والوقوف على هذه النقطة يزيد بحوثنا الماضية تعقيداً وخصوصاً البحث الذي تحدثنا فيه عن كيفية بداية التناسل، فإننا لو قلنا بأن هابيل يمثل ربع سكان الأرض يعني ذلك أن أصلنا يعود إلى غير هابيل، ولا نقول بأنه يعود إلى قابيل القاتل لأن ذلك قد يكون صفة من صفات النقص والعار، وربما أنجب آدم غير ولديه وتحدر نسلنا منهم.
إذن.. الله عز وجل أوحى إلى نبيِّه الأكرم(ص) بأن يحدِّث الناس بهذه القصة المشتملة على أكثر من درس وعبرة، فقال(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) وذلك من أجل أن لا يفعلوا ما فعله قابيل، فإن هذا السلوك يُحدث التناحر والإنشقاق بين الأسر القائمة على الأبوة والبنوة والأخوة.
والله عز وجل يخبرنا عن تلك الحادثة التي كانت السبب الأبرز والأول في ارتكاب الجريمة، إذ لعله لولا هذا الموقف لما أقدم قابيل على قتل أخيه، ولكن الله تعالى يسبب الأمور بأسبابها ويتصرف معها بالحكمة والدقة، وأمام مسألة القربان الخاص بابني آدم يوجد بعض التساؤلات التي يطرحها الناس بأهداف مختلفة سوف نذكر أهم تلك التساؤلات مع ما نقدر عليه من التوضيح.
أولاً: الله عز وجل خلق الإنسان وخيّره بين أحد طريقين لا ثالث لهما، إما طريق الحق الذي رسمه عن طريق أنبيائه ورسله، وإما طريق الباطل التي أسسها الشيطان الرجيم، وقد بيّن الله لنا نتيجة السلوك في كليهما، فَمَن سلك طريق الحق كان من أهله في يوم الحساب، ومن سلك طريق الباطل كان من الهالكين.
الله تعالى لم يجبر قابيل على قتل أخيه وهذا أمر بديهي للغاية لا يحتاج إلى أي دليل أو إثبات فإن دليله الأكبر هو العدالة والرحمة الإلهية بالعباد.
لقد حدثت جريمة قابيل بسبب القربانَين اللذين قرباهما هو وأخوه، والله تعالى لم يجبر هابيل المقتول على صنع ذلك، بل هي فكرة صدرت من عقل هابيل الذي أحب أن يتقرب من أخيه عبر إثبات الحق وكون ما هما عليه قائم على مبدأ الطاعة والعصيان، ولم يكن التمايز بينهما أمراً تكوينياً، لأننا عندما نقول (تكويناً) نستشعر منه الإجبار والإكراه، والله عز وجل لا يُكرِه العباد على الخير والشر، فإن الإجبار على أحدهما يذهب بأهم قواعد الإمتحان الذي قامت عليه البشرية، والقرآن الكريم مليء بالأدلة على مسألة تخيير الإنسان في التكاليف.
ففي سورة الملك قال تعالى(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
وفي سورة العنكبوت(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)
وفي سورة الكهف(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)
وفي سورة الأحزاب(لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ)
وهناك العديد من الآيات التي تشير إلى نفي الإكراه وأبرزها في آيات الكرسي(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
وبعد ذكر هذه الآيات المشيرة إلى التخيير يظهر لنا بأن هابيل طرح الفكرة بمحض إرادته، وأنَّ قابيل قتل أخاه بمحض إرادته أيضاً.
يبقى حول الآية الأولى من آيات القصة موضوع قبول القربان فإن الله تعالى يعلم بأنه إذا قَبِل القربان سوف يقتل قابيل أخاه فلماذا قبله؟
نحن نقول قبل كل شيء إن الله تعالى يفعل ما يريد، فلا يُسئل عن فعله وهم يسئلون، وما المانع من أن يكون قتل هابيل أهون مما قد يطرأ بعد ذلك، نحن نستوحي من هذا الحدث أنه لو منع الله هذه الجريمة لحصل عدة أشياء:
منها: التدخل في موضوع التخيير والتسيير، وقد عرفنا أن مثل هذه الأمور مولجة للإنسان الذي خيَّره ربه في هذه الحياة.
ومنها: أن الله تعالى قادر على أن يمنع الجريمة، وقد تدخَّلت إرادته مرات عديدة في تبديل بعض الأمور مما كانت المصلحة في رعايته أكبر من المصلحة في تركه على الطبيعة، بل ربما كان في تركه مفسدة، وما حصل بين ابني آدم كانت المصلحة كامنة خلف ترك الأمور على طبيعتها.
ومنها: أنه لو لم يحصل ما حصل لحصل أكثر من ذلك على يد قابيل الذي كان مستعداً أن يقتل أباه وأمه وكل أخوته، وبهذا تفنى البشرية قبل انتشارها.
وبعد أن حدثنا عن تقبل قربان هابيل دون قربان قابيل بيّن لنا جانباً من أخلاق المؤمن ولينه وكيف أنه يتصرف برفق وحكمة مع الآخرين بعيداً عن التشدد والقساوة والغلظة التي من شأنها أن تنفر الناس من حول صاحبها، فذكر لنا في الآية الكريمة نموذجين، أحدهما: يصور فيه سلوك المجرم العاصي، والآخر: يبين فيه سلوك الإنسان المؤمن.
نبدأ بما ابتدأ به القرآن وهو بيان النموذج السلبي الذي صدر عن قابيل الذي جرفه الحسد إلى ارتكاب جريمة بشعة، وهي جريمة القتل التي يستحق عليها فاعلها عقابين، أحدهما في الدنيا وهو القتل، والآخر في الآخرة وهو العذاب الأليم السرمدي الذي لا نهاية له، فالقتل من الجرائم البشعة في نظر كل إنسان، ولكن هذه الجريمة بحد ذاتها تتفاوت نسبة قبحها لأسباب: فتارة يقتل الإنسان شخصاً لأنه سرقه أو أنكر له حقه، وأخرى يقتله بهدف الدفاع عن نفسه أو ولده، ومرة يقتله من دون سبب، وأخرى تقع الجريمة على ولد صغير لا خطر منه ولا ذنب عليه، ومرة تزداد الجريمة بشاعة عندما يقتل الرجل أخاه أو أباه أو ولده.
إن جريمة قابيل تعتبر من الدرجة الأولى لأنها اشتملت على عدة قبائح:
منها: أن الدافع الذي حركه لقتل أخيه لم يكن سبباً مشروعاً أو مقبولاً وإنما قتله من دون سبب شرعي حيث فعل ذلك بدافع الحسد فقط.
ومنها: أن جريمته وقعت على أخيه، فقد أعمى الحسد قلبه وأخرج منه الرأفة ومشاعر الأخوَّة.
ومنها: أنه ابن المعجزة الكبرى، وهذا من شأنه أن يجعل من الإنسان إنساناً مؤمناً.
وانظروا الآن إلى مدى التفاوت بين كلا السلوكين، فقابيل قال لأخيه لأقتلنك، وهو محتقن ومشحون بالغضب الذي هو أبرز عامل في ارتكاب المعاصي، وأما هابيل فقد أخذ الأمر بروح رياضية وذلك من باب إشعار أخيه بالخطأ الذي هو عليه، ومن باب ردعه عن الحرام وتخليصه من داء الحسد، وكان من الطبيعي أن يأخذ هابيل المسألة بهذه الطريقة لأنه مطمئن لقابيل، فلم يكن يفكر بأن الأخ قد يجرؤ على قتل أخيه لأن للأخوة معنى راقياً في المجتمع البشري، ومثاله كأخوين منا يتعاركان بسبب أرض أو بعض المال، فيقول السيء منهما لأخيه سوف أقتلك، فيمد أخوه عنقه ويقول له أنا في تصرفك إفعل ما تريد فأنت أخي ويمد له عنقه وهو واثق بأن أخاه لن يرتكب فيه جريمة القتل، أما قابيل عندما سمع ذلك من أخيه فلم يكذِّب خبراً بل حمل حجراً كبيراً وألقاه على رأس أخيه فأودى بحياته.
بئس الأخوّة القائمة على الكره والحسد والغضب والغيرة، لقد وُجد الأخ ليكون سنداً لأخيه وعوناً له، لا أن يكون يداً عدائية عليه، ومشاكل الأخوة في مجتمعاتنا لا تُعد ولا تحصى.
قابيل هدَّد أخاه بالقتل فقال لأقتلنك، ولكن هابيل أجابه بجواب أهل الإيمان والأخلاق السامية فقال له كما ذكر القرآن(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ)
هذا الجواب لا يُشعر بالضعف، ولا ينبئ عن عجز أو خوف في قائله، بل هو ينبئ عن القوة الحقيقية النابعة من القلب السليم والنفس الزكية.
(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي) يعني إذا أردت أن تنفذ تهديدك فافعل ما بدا لك، أما أنا فلا أريد أن أقتلك مهما كانت الأسباب والظروف.
وهذا لا يعني أنه لم يدافع عن نفسه، فالدفاع عن النفس أمر مشروع للإنسان، وقد يكون واجباً في كثير من الحالات، ولكن لعل السبب في عدم دفاعه عن نفسه هو أنه لم يكن ليفكر لحظة بأن أخاه سوف يصيبه بأذى، بل كان مطمئناً له، وذلك بفعل الرابط الأخوي بينهما، فظن بأن أخاه قابيل يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها هو، ولكن الأمر كان مختلفاً تماماً، فإن تفكير قابيل كان شيطانياً وجهنمياً.
لماذا قال هابيل لأخيه قابيل(مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ) قال ذلك ليس خوفاً من قابيل، وإنما قاله لخوفه من الله تعالى وأنه ليس مستعداً لأن يحمل تبعات قتل أخيه، بينما كان قابيل على أتم الإستعداد لتحمُّل تلك التبعات، والدليل هو قوله تعالى(إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ)
أولاً أنا أخاف الله، وثانياً أريدك أن تحمل إثمي من خلال قتلك إياي، ولا أريد أنا أن أحمل إثمك لأن الله يعاقب على ذلك.
وبعد أن انقاد قابيل لإرادة الشيطان الرجيم وحقق له مراده في الإعتداء على هابيل، هذا الإعتداء الذي أودى بحياة شخص بريء استسلم أمام علاقة الأخوّة مطمئناً تجاه أخيه، فأدار ظهره فرماه بحجر على رأسه فقتله.
فبعد أن ارتكب جريمته البشعة ونظر إلى جسد أخيه المضرج بدمائه تحير في أمره، ماذا يصنع وكيف يواري جريمته ويتخلص من هذه الجثة التي هي الدليل الأكبر على فعلته الشنعاء، لم يشعر بالألم والحزن، ولم يندم على ما صنعه بأخيه، وإنما كان متحيراً في إخفاء الجثة، ولم ير مِن قبلُ شخصاً ميتاً أمامه، ولم يعلم بأن الجسد يوارى في الثرى، وبينما هو في تلك الحالة من الحيرة التي كادت تقتله، وإذا به يرى طائرين يعتركان فقتل أحدهما الآخر ثم راح الطير القاتل يحفر في التراب ورمى بالطير المقتول فيها، ثم أهال عليه التراب ففعل قابيل ما فعله الغراب القاتل.
قد يتساءل بعضهم حول حدوث تلك الكرامة لأن إرسال طيرين إلى ذلك المكان وعملية قتل أحدهما للآخر على مرأى ومسمع من قابيل هو في الحقيقة كرامة، ولا نقول معجزة لأنها ليست أمراً خارقاً لقوانين الطبيعة بل هو أمر مرتبط بها.
إذن.. لقد حصلت يومها كرامة، ولكنها لم تكن للقاتل، بل كانت للمقتول الذي أراد الله تعالى أن يكرِّمه بالدفن تحت الثرى، فإنه كما يقال إكرام الميت دفنه.
وقد حدثنا القرآن الكريم عن هذا الموقف فقال تعالى(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
والعبرة الأساسية التي استفدناها من هذه القصة هي بيان آثار الحسد ونتائجه على صاحبه، ولأجل ذلك اعتُبر الحسد من الأمور القبيحة لأن آثاره سيئة، وعلى ذكر الحسد لا بد من أن نشير إلى هذا المعنى لتكمل استفادتنا من تلك العبرة.
قال تعالى(ومِن شر حاسدٍ إذا حسد) فلم يكتف بقوله(ومن شر حاسد) فقط، بل ضم إليه هذا القيد(إذا حسد) والسبب في ذلك هو أن الحسد نوعان: حسد محرم، وحسد مكروه لا يعاقب صاحبه عليه.
أما الحسد المحرم فهو الذي يطبقه صاحبه عملياً إما بالتصريح وإما بفعل الأذى للشخص المحسود، كمن يحسد شخصاً على منزله أو سيارته ويسعى إلى حرمانه منهما وإن لم يصله شيء، المهم عنده هو أن يحرمه من تلك النعم حسداً له.
وأما الحسد المكروه فهو المستقر في القلب، أي الذي لم يتجاوز تلك الحدود : فلان يحسد فلاناً ولكنه لا يقول له شيئاً ولا يفعل له شيئاً، حتى هذا النوع من الحسد لا ينبغي أن يوجد في قلب المؤمن لأنه قد يجره إلى الحسد المحرم، وذلك من باب أن الذي يرتكب المكروه لا يؤمَنُ عليه من ارتكاب الحرام، ولأجل ذلك قيل بأن المكروه سياج الحرام.
والمؤمن يسعى إلى تنزيه نفسه من كل شائبة وإن كانت صغيرة جداً لأنه يحتاط لدينه، فلا يرغب في أن يخسر جزءاً من هذا الدين الذي هو سبب سعادته في الدنيا والآخرة، أما الآخرون فلا يأبهون بما يقومون به من الحرام أو المكروه لأنهم لا يخشون الله تعالى.
وقد رفع القلم عن النوع الثاني من الحسد وهو الذي لا يظهر بالفعل أو القول بناءاً على حديث الرفع الوارد عن النبي الأعظم(ص) والذي جاء فيه رفع عن أمتي تسعة أشياء، من جملتها، والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان.
مُعْجِزَاتُ أَبِيْ البَشَرِ الأَولِ آدَمَ(ع)
من خلال ما عرفناه حول الهدف من إقامة البرهان ندرك السبب في عدم ضرورة أن يكون لآدم معجزات مشابهة لمعجزات الأنبياء، فلو واجه آدم شعوباً منحرفة وأقواماً ضالة للزم أن يأتيهم بالإعجاز لتتم الحجة به على المنذَرين.
وهذا لا يعطينا الحق في نفي أن يكون له معجزة إذ لعله اضطر لذلك في بعض الأحيان حتى لمن هم قريبون منه، ولكن الظاهر من القرآن والسنّة أنه لم يأت بالمعجزات وذلك لعدم وجود السبب أو لعدم اقتضاء الحاجة إليه.
ونحن تارة نتحدث عن المعجزات ونقصد بها التي أجراها الله على أيدي أنبيائه والتي حصلت بالمبادرة أو بعد الطلب، وتارة أخرى نتحدث عن المعجزات المغايرة للنوع الأول، فإن المعجزة تارة تحصل على يد الشخص كأكثر المعجزات التي أثبت بها أنبياء الله الحقيقة للناس، وتارة تحصل في ذات الشخص كأن يكون هو معجزة بحد ذاته كآدم(ع) الذي كانت حياته مليئة بهذا النوع من الإعجاز.
ولذا يمكن القول بأن آدم(ع) مصدر المعجزات بل هو معجزة المعجزات، وما زال إعجاز خَلقه قائماً حتى يومنا الحاضر، وقد تسلّح أكثر الأنبياء بآدم المعجزة في تكوينه.
مُعْجِزَةُ أَصْلِ الخِلْقَةِ
إن أول معجزة حدثت في العهد الآدمي هي معجزة خلق آدم من تراب، ولا أحد يعلم الحكمة من وراء جعل أصل الإنسان تراباً لأن الله تعالى كان قادراً على إيجاد الخلق من دون توسط مادة أخرى، وعلى كل حال فإن وجود تلك المادة هي معجزة أيضاً لأن الله تعالى برأها من العدم.
فلقد أراد سبحانه أن يكوّن الإنسان من تراب أرضٍ سوف يسكنها، ولعله والله أعلم ليكون هناك التقاء وتواصل وتفاهم بين الإنسان والأرض، ولعله والله أعلم لأنها موضع امتحان البشر، وكل هذه هي عبارة عن احتمالات تبقى في دائرة الشك لأن العلة الحقيقية والتامة من وراء هذا الفعل لم تظهر واضحة، وليس بالضرورة أن يعرف الإنسان كل شيء لأن هناك خصوصيات إلهية احتفظ بها الخالق لنفسه، ولم يؤتنا من العلم سوى الشيء اليسير.
فلقد أمر الله تعالى ملائكته بأن يأتوه بشيء من تراب الأرض، ثم مُزجت هذه التربة بماءٍ خاص قيل بأنه عبارة عن أربعة أنواع، ثم صنع الله تعالى هيكل آدم وأعطاه الصورة التي كان آدم عليها قبل أن يأتي أمر الله بتحوّل هذا التراب إلى لحم ودم وعظام ومشاعر وأحاسيس وقوى بعضها متفق وبعضها متناحر، فأبقى هذا التراب على تلك الهيئة مدة من الزمن لا يعلمها إلا هو، وكان جسد آدم الترابي موضوعاً في مكان من الجنة إلى أن آن أوان حدوث الأمر الإلهي فأنشأ مخلوقاً احتارت فيه العقول وانطوى فيه العالَم الأكبر.
لقد كان إنشاء آدم من تراب معجزة من الدرجة الأولى، وكان هذا الأصل وما زال موعظة للبشر لأن الإنسان إذا أدرك أصله فقد عرف حدوده وحدّد مكانه من هذه الحياة.
فولادة عيسى ابن مريم(ع) كانت معجزة كبرى، ولكن ولادة آدم كانت أكبر لأن عيسى وُلد من طرف واحد وهو جانب الأم، أما آدم فقد خُلق من غير أبوين، غير أن القرآن الكريم قد جعل خلق آدم وولادة عيسى بمستوى واحد، ولعل السبب هو ملاحظة الإعجاز سواء كان بمستوى معجزة خلق آدم أو بمستوى معجزة ولادة عيسى، ولعل السبب والله أعلم هو ملاحظة الجهة التي أحدثت تلك المعجزات، فالمعجزة الصغيرة حكمها حكم الكبيرة لأن مصدرهما هو الله تبارك وتعالى.
وقد أشار الله تعالى إلى معجزة خلق آدم من تراب في العديد من سور الكتاب العزيز، فقال سبحانه في سورة الكهف(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) وقال في سورة آل عمران(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) وفي سورة الروم(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) وفي سورة فاطر(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)
مُعْجِزَةُ عَيْشِ آدَمَ فِيْ الجَنة
إنتهينا من معجزة أصل الخلقة، ولا يمكن لأي معاند أن ينكر تلك المعجزة لأنه منها شاء أم أبى، غير أن عملية الإعجاز لم تتوقف عند ذلك الحد حيث توّج الله تعالى تلك المعجزة بمعجزات أخرى لها صلة وثيقة ببعضها البعض.
فمسألة عيش آدم في الجنة ونشوؤه فيها وترعرعه في أجوائها وتغذّيه من خيراتها هو معجزة أيضاً حيث كان رزقه يساق إليه لعدم قدرته في البداية على تدبير شؤونه بنفسه، وقد أعجبني قول أحدهم في هذا الصدد حيث ذهب إلى كون آدم خُلق بروح وتفكير ولد صغير رغم أن جسمه كان كبيراً ثم راح ينمو شيئاً فشيئاً حتى أصبح رجلاً، ولا عيب في هذا الرأي لأنه يتناسب مع أصل تكوين الإنسان.
فآدم(ع) أوجده القدرة الإلهية وربّته تلك القدرة كما تربي الأم ولدها.
مُعْجِزَةُ خَلْقِ حَوَاء
إن معجزة أصل الخلقة لم تنحصر في آدم وحده بل اشتركت معه حواء في ذلك لأنها والله أعلم قد خلقت بنفس الطريقة التي خُلق منها آدم، ولكن النصوص حول عملية خلق آدم ذكرت أنه صُوِّر على هيئة الإنسان وهو تراب ثم تحوّل إلى لحم ودم، أما حواء فغاية ما ورد في بيان أصل خلقتها أنها خُلقت من فاضل الطين الذي كُوّن منه آدم، من دون ذكر تلك الخصوصيات التي ذُكرت حول خلق آدم، ولا يمكن الجزم بأنها صُوّرت مثل آدم لأنه يوجد وراء تصوير آدم عندما كان تراباً حكمة من الله، وقد ذكر المؤرخون بأن الشيطان كان يدنو دائماً من هذا الجسد الترابي، ونفس هذا الأمر لوحده يشير إلى وجود حكمة من تصوير آدم، ولم تُشر الروايات إلى أن إبليس فعل بجسد حواء الترابي ما فعله بجسد آدم، وسواء تعامل الله تعالى مع خلق حواء بنفس الطريقة التي تعامل بها مع آدم أم لا فإن المعجزة التي حدثت في تكوين آدم فقد حدثت في تكوين حواء أيضاً، والعبرة هنا هي في العبرة والنتيجة وليس في طريقة خلق حواء، ويذكّرنا القرآن الكريم بأن أصلنا من مخلوقين كانا وما زالا معجزة للبشرية حيث يقول سبحانه(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ){الحجرات/13}
وقد أشار الله تعالى إلى كون خلق حواء معجزة أيضاً حيث يقول(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
مُعْجِزَةُ تَعْلِيْمِه الأَسْمَاءَ
قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ){البقرة31/33}
قد يحصل الإعجاز من أجل الأنبياء، وقد يحصل من أجل الناس، وقد يحصل من أجل الملائكة، فإحياء الطيور بعد أن تم تقطيعها على يد إبراهيم الخليل كانت تلك المعجزة من أجل إبراهيم، والجبل الذي جعله الله دكاً كان من أجل موسى، وهذا النوع من المعجزات تارة يكون من أجل التثبيت وأخرى يكون من أجل التكريم، أما مثال الأول فهو ما حصل من أجل إبراهيم وموسى، وأما مثال الثاني فهو ما حصل لإسماعيل عندما نبعت له ماء زمزم، ولكن عندما تحصل المعجزة من أجل النبي يكون الغرض منها غير الغرض من إجرائها لأجل الناس، فالنبي مؤمن بالله ولا يمكن أن يشك به لحظة، فيُجري الله له الإعجاز من أجل أن يطمئنه ويُشعره بالراحة عندما يذهب لتبليغ الرسالة كما حصل لموسى في الوادي المقدس عندما أعطاه الله آيتين من أجل مواجهة فرعون لأنه لو لم يحدث ما حدث في البقعة المباركة لبقي موسى خائفاً من مواجهة فرعون.
وأما الهدف من المعجزة لأجل الناس فهو إما إثباتٌ وإما تثبيت، وهذا رهن الظروف الحاكمة، ففي البداية كانت المعجزات لهم من أجل إثبات كون الله موجوداً وأنه هو الخالق وهو من تجب طاعته، وبعد إيمانهم تعرّضوا لشيء من الوهم والشك فثبّت الله إيمانهم بمعجزات أخرى إضافية تماماً كما حصل مع بني إسرائيل.
وقد تكون المعجزة للملائكة، أي من أجل إثبات شيء لهم هم لا يعرفونه، وهو ما حصل عندما علّم الله آدم جميع الأسماء.
لقد أراد الله تعالى أن يثبت للملائكة خلاف ظنهم بآدم، وذلك بعد أن أخبرهم الله بأنه سوف يجعل في الأرض خليفة فظنوا بأنه سيكون كسابقيه مرتكباً للمحرمات وسفّاكاً للدماء، وهذا ما أشارت إليه الآية الثلاثون من سورة البقرة حيث تقول(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
فلقد خلق الله آدمَ وعلّمه أسماء كل المخلوقات التي كانت حاضرة في زمانه والتي لم تكن قد وُجدتْ بعدُ، وقد أشار إمامنا الصادق(ع) إلى هذا الأمر بعد أن سأله السائل عن تلك الأسماء، وكان(ع) جالساً على بساط فأشار بيده إليه وقال للسائل: حتى هذا: أي أن آدم كان يعرف إسم هذا البساط.
ولا شك بأن تعليم آدم الأسماء كلها كان معجزة من الله تعالى أجراها على يده لإثبات أمر كانت الملائكة تشك فيه بعيداً عن العصيان.
وقد اشتملت معجزة تعليم آدم الأسماء كلها على أمرين:
الأمر الأول: وهو نفس استيعابه لأسماء لا يعلم عددها إلا الله عز وجل، وهذا أمرٌ خارق للعادة، فهو إذاً معجزة.
الأمر الثاني: وهو أن مجموعة كبيرة من تلك الأسماء كانت مندرجة تحت عنوان الغيب إذ لم يكن لها وجود في ذلك الزمان، فآدم تعلّم أسماء الكائنات في الأرض ولم تكن تلك الكائنات موجودة في الجنة، وكثير من تلك الكائنات الأرضية لم تكن حينها موجودة في الأرض أيضاً كالبساط الذي أشار إليه الإمام الصادق(ع) وجعله مما تعلّم آدم اسمه.
الأمر الثالث: أن الفترة التي تعلّم فيها آدم الأسماء كلها لم تكن لتسمح عادة بأن يستوعب الإنسان فيها هذا الكم الهائل من المعلومات.
ولم يذكر القرآن تلك المدة التي حصل فيها تعليم آدم الأشياء، ولكننا نعتقد بأن الله تعالى قد ألقى تلك التعاليم في صدر آدم بلمح البصر كما ألقى علم القرآن في صدر خاتم الأنبياء، وحتى لو كانت تلك الفترة طويلة إلى أقصى الحدود بل حتى ولو كانت مئة ألف سنة فإنه لن يستطيع الإنسان عادةً أن يحيط بتلك الأسماء أو يبقى ذاكراً لها أيضاً، وهذا يعني أن المعجزة حدثت مهما كانت المقدمات مختلفة أو منسجمة مع واقع الأمر.
مُعْجِزَةُ الهُبُوْطِ إِلَى الأَرْض
من جملة المعجزات التي لم تُسلط الأضواء عليها بالشكل المطلوب مسألة هبوط آدم وحواء إلى الأرض بعد أن أكلا من تلك الشجرة المنهي عنها، وفي هذا الشأن قال تعالى في سورة البقرة(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ){البقرة/36} وفي سورة الأعراف(قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ){الأعراف24/25}
الكل يؤمن ويقر ويعلم بأن الله أنزل آدم وزوجته حواء إلى الأرض ولكن لا أحد يعرف الطريقة التي أُنزلا فيها، وقد كان هناك تكهنات لا تنهض دليلاً ولا تصلح لأن يحاجج بها لعدم وجود أدلة واضحة تُثبت آراءهم حول كيفية الهبوط، فمنهم من قال بأنهما كانا في عيشة تشبه العيش في الجنة، ومنهم من قال بأنهما كان فعلاً في الجنة المعروفة غير أن الله تعالى أنزلهما إلى الأرض ليبدأ الإمتحان فيها.
فبقدرة الله تعالى وجد آدم وزوجته حواء نفسيهما على هذه الأرض –مهما كانت حقيقة الأمر- بعد أن وقعت المخالفة منهما، وإن إهباطهما إلى الأرض بتلك الطريقة المجهولة لدينا إنما هو المعجزة بعينها، فما نعلمه حول هذا الأمر هو عملية الهبوط وهو أمر إعجازي، أما الكيفية والمدة وباقي الخصوصيات فقد احتفظ الله بها لنفسه، وأنا أقول بأن ذلك معجزة لانسجام هذه العملية مع شروط الإعجاز الذي هو العمل الخارق للعادة.
مُعْجِزَةُ إِرْسَالِ الغُرَابِ إِلى قَابِيْل
لا يُشترط حصر الإعجاز في إثبات النبوة فقط فإن هناك العديد من المعجزات قد حدثت لغير هذا الغرض كماء زمزم وإرسال الرزق إلى مريم وإحياء الطيور لإبراهيم، وهناك معجزات يكون الخروج عن الطبيعة فيها واضحاً كناقة صالح وكبش إسماعيل وقلع الجبل من مكانه، ويقابل تلك المعجزات معجزات يكون الغرض منها هو التكريم لبعض الناس، فلقد أراد الله تعالى أن يكرّم هابيل المغدور به بمواراة جسده تحت التراب، ولم يكن أخوه القاتل يعلم ماذا يجب أن يصنع بالجثة فأرسل الله تعالى غراباً حفر في الأرض ووارى فيها جثة غراب ميت، وكان قابيل ينظر إلى ذلك ففعل مثل ذلك ووارى جثة أخيه في التراب.
فإرسال الغراب إلى تلك المنطقة وإلهامه دفن الغراب في الأرض لم يكن نتيجة صدفة ولا غريزة ولا قانوناً خاصاً بالطيور لأن الطيور الحية لا تدفن الطيور الميتة عادةً، وهذا يكشف عن كون الأمر تم بمعجزة من الله تعالى.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك معجزات يحسبها البعض من المسائل الطبيعية وتكون في الحقيقة خارجة عن قانون الطبيعة، فحفر الغراب للأرض قد يكون أمراً عادياً، ووضع الغراب الميت في الحفرة قد يتوهم البعض منا أنه أمر طبيعي غير أن إرسال الغراب بعد مقتل هابيل لم يكن أمراً طبيعياً، ولفتُ نظر قابيل إلى ما يصنع الغراب الحي بالغراب الميت لم يكن أمراً طبيعياً أيضاً.
ولو سلّمنا جدلاً بنفي الإعجاز من تلك الحادثة لعدم توفّر شروطه فيها فإنه لا يمكن لنا نفي الكرامة المشابهة للإعجاز، والكرامة هنا حصلت من أجل المقتول لا من أجل القاتل.
وتفيد بعض الروايات المنقولة عن الإمام الصادق(ع) أن قابيل عندما قتل أخاه ترك جثته في العراء فحملت بعض الوحوش على جثة هابيل فحملها قابيل ولم يدر ماذا يصنع، وفي تلك الأثناء أرسل الله تعالى غراباً فأخذ يحفر في الأرض ليخفي فيها جثة غراب ميت أو بعض الطعام فتعلّم قابيل ذلك وفعل مثله، والآية الكريمة تشير إلى الإعجاز في هذه الحادثة حيث نصّت على أن الله تعالى هو الذي بعث الغراب، أي أن يد القدرة كان لها مدخلية في هذا الشأن ولم يكن مجرد أمر صدفة أو عمل طبيعي عادي.
الشيخ علي فقيه



