
لِمَاذَا لَمْ يُبَايِع الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) يَزِيْداً؟
هناك خصوصيات لدى أهل بيت العصمة(ع) لا يمكن لنا أن ندرك دلائلها لأن العقول قاصرة عن الوصول إليها ومعرفة مضمونها، وبمعنى آخر: هناك شيفرا بين المعصوم(ع) وربه تعالى فهو يتحرك بهذا الإلهام الإلهي وبالتعاليم الخاصة التي تلقّاها عن آبائه المعصومين عن خاتم النبيين محمد(ص).
فليس من الضروري أن يوجد لكي تصرُّف يصدر عن المعصوم سبب ظاهر، فقد تكون بعض الأسباب مخفية عن البشر لحكمة من الله تعالى.
وقد تردد هذا السؤال كثيراً قبل استشهاد الإمام الحسين(ع) وبعده، وقد صدر هذا السؤال بنوايا وأهداف مختلفة:
بعضهم طرحوا هذا السؤال لأنهم لم يفهموا واقع الأمر ولم يدركوا خطورة الموقف، فلقد نظروا إلى مسألة التهديد فقط وما قد ينتج عنه من جرائم، ولكنهم غفلوا عن العواقب السيئة والنتائج الوخيمة التي سترجع عليهم وعلى دينهم ووجودهم من خلال مبايعة الطاغي يزيد.
وبعضهم طرحوا هذا السؤال على مسامع المحبين والموالين للإمام الحسين(ع) بهدف زعزعة الثقة بينه وبينهم، وكأنهم من خلال طرحهم لهذا السؤال يؤلّبون المحبين للإمام ضده ويمهدون لهم أمر قتله، وكأنهم يقولون لهم: إذا قتل يزيدٌ الحسين فلا تلوموا يزيداً الذي خيّره بين المبايعة والموت.
وبعضهم طرحوا هذا السؤال بعد استشهاد الحسين وكان الدافع لهم حزنهم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه، فلقد كانوا يتمنون بقاءه فيهم.
وبعضهم طرحوا نفس السؤال بعد ارتكاب تلك الجريمة بهدف تبرير ما فعله يزيد.
وقبل أن أجيب على هذا السؤال الذي ما زال عالقاً لدى كثير من الناس أود أن أشير إلى حقيقة هذا التخيير الذي صدر من يزيد تجاه الإمام الحسين(ع) فلقد بعث يزيد إلى الإمام برسالة يخيّره فيها بين المبايعة وضرب العنق حيث صدّق يزيد نفسه أنه الخليفة الشرعي للأمة وأن كل من يخالف رأيه يستحق العقاب الأليم.
يزيد بن معاوية كان أحمقاً ومتسرعاً في اتخاذ القرارات دون تأمل ودراسة، ولكن لا يمكن أن نصفه بالغبي لأن وصفه بذلك قد يخفف عنه العقوبة في ضمير التاريخ وبعض أفراد الأمة، وعلى فرض أنه كان غبياً فإن المستشارين حوله لم يكونوا كذلك وإنما كانوا يدرسون ويخططون كغيرهم، وأي تخطيط وأية دراسة يمكن أن تُقرَّر فهي قابلة للنجاح أو الفشل عندهم وعند غيرهم لأنهم درسوا وخططوا ولكنهم تفاجؤوا بالتخطيط المضاد من قِبل الإمام الحسين(ع) الذي أفشل بدراسته وتخطيطه مؤامرات يزيد وأعوانه.
لقد اجتمع يزيد بعتاته وأذنابه واستشارهم في الأمر فأشاروا عليه بأن يضغط على الإمام الحسين بهذا التخيير الذي كان جميعهم يعرفون رد الحسين عليه مسبقاً، ولكنهم كانوا يبحثون عن ذريعة يدفعون بها غضب الناس عنهم بعد قتل الإمام(ع).
حَقِيْقَةُ ذَلِكَ التَّخْيير
أصدر اليزيديون قراراً جائراً في حق الإمام الحسين(ع) وما يمثله في الساحة الإسلامية، وهو في الواقع قرار يقضي بقتله في قلوب محبيه قبل قتل جسده الشريف.
ولم يكن الإمام الحسين(ع) غافلاً عما يصنع المجرمون، فلقد كان لهم ولقراراتهم بالمرصاد لا يداهنهم على حساب الدين وأهله بل كان دائماً يقف في وجوههم متحدياً لهم وكاشفاً عن سوء حكمهم وإدارتهم للشؤون الإسلامية على اختلافها.
كان يعلم بما يدور في الوسط اليزيدي، إما عن طريق المخبرين أو عن طريق الإلهام الذي يأتي المعصومَ(ع)، فصبر على ظلمهم حتى اللحظة الحاسمة التي لم يعُد فيها للصبر مكان، بل لم يعد عندها السكوت نافعاً أو مجدياً فبدأت هناك مرحلة التحرك العملي في الميدان حيث أصبح الوسيلة الوحيدة للكشف عن جرائم يزيد وأهدافه الخبيثة التي تضرب مصالح الأمة وتطيح بالإسلام من أساسه، فأعلن يزيد على الناس قراره المشؤوم بهدف تأليب الرأي العام على الخليفة الشرعي حتى يثبت للناس أن الحسين ابن علي يقف عائقاً في وجه مصلحة الأمة.
لقد كان ظاهر هذا التخيير إما المبايعة أو القصاص، ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك لأنه كان تخييراً بين الموت العزيز والموت الذليل، فلو بايع الحسين يزيداً لقتله يزيد بألف عذر وعذر، وقد كان الإمام(ع) مدركاً لتلك النوايا الحاقدة لأن الهدف الأكبر لدى يزيد كان إفراغ الساحة من أهل بيت النبوة(ع).
لقد أشبه هذا التخيير التخيير بين الموت بالسيف أو الموت بالرمح، فكلاهما واحد، والنتيجة أيضاً واحدة، غير أن الثبات على الموقف الشريف يغيّر الكثير من المعادلات على الأرض، فموت الحسين الرافض للبيعة هو في الواقع حياة عزيزة للإسلام والأمة، أما موته المحتم بعد البيعة فهو موت لكل أنواع الخير في الوجود.
لقد كان ظن يزيد خاطئاً، فقد ظن بأنه لو تخلّص من الإمام الحسين لاتسعت رقعة حكمه دون أي منازع لأن المنازع الأوحد له في ذلك الزمان كان الحسين(ع)، وهذا هو الجهل الذي كان السبب في انقراض الدولة الأموية لأن يزيداً نظر إلى الإمام الحسين كشخص وليس كقضية أو نهج، والكل يعرف أن المناهج عبر الزمن لم تذهب بذهاب الأشخاص، بل ربما كان ذهاب الأشخاص أحد أبرز عوامل انتشارها وقوتها واستمرارها تماماً كما كان حال النهج الحسيني.
فلو بايع الحسين يزيداً لأي سبب من الأسباب(والعياذ بالله) لأصبح الحسن أحد رعايا وأدوات النهج اليزيدي الظالم.
مَاذَا تَعْنِي مُبَايَعَةُ المَعْصُوْمِ للظَّالِم
لم تكن المبايعة المذكورة مجرد سلوك شخصي أو تصرُّف عادي يتم بكلمة أو توقيع وينتهي الأمر، بل كانت الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، لقد توقف على تلك الكلمة مصير أمم وشعوب وتاريخ طويل ودين حنيف أنزله الله تعالى لتتم النعمة به على البشر.
والمبايعة للظالم أمثال يزيد بن معاوية إما أن تصدر من إنسان عادي ليس مسؤولاً سوى عن نفسه أو أسرته أو قبيلة صغيرة، وإما أن تصدر عن إنسان مسؤول عن الأمة، أي أن تصرفاته لا تُحسب عليه بل على الأمة التي ولي شأنها.
فالحسين(ع) عندما كان يتكلم فإنه كان ينطق بلسان الدين وجميع المسلمين، وبناءاً عليه تكون مبايعته ليزيد مبايعة الأمة كلها له، وهذا ما كان يعرفه يزيد تماماً، ولهذا ألحّ الطلب وحاول أن يُجبر الإمام على المبايعة.
ثم إن المبايعة له تعطيه شرعية لجميع ما يقول أو يفعل، فمبايعة الإنسان العادي ليزيد لا تقدم ولا تؤخر شيئاً في الحسابات التي كانوا يتعاملون بها، أم المبايعة من الإنسان المعصوم فإنها تعني الكثير بالنسبة له.
فلو تلفظ الحسين بلفظ يدل على الرضوخ ليزيد أو الموافقة على سلوكياته لكان ذلك إمضاءاً شرعياً له وأن الإسلام الذي جاء به محمد من عند ربه هو الإسلام الذي يمثله يزيد.
فلم يكن الأمر متعلقاً بشخص أو مجموعة أو أمة بل كان أمراً يتعلق برسالات السماء من أولها إلى آخرها لأن الدين الذي حفظه الحسين بثورته هو خلاصة تلك الرسالات التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ورسله وبالخصوص القرآن الكريم الذي أنزله على خاتم رسله.
فالمبايعة ليزيد من مثل الحسين(ع) تعني جواز الظلم وشرب الخمر والقتل والإستعباد والتصرف بالحقوق العامة وربما الخاصة.
لأجل ذلك كله أعلنها الإمام(ع) صريحة وجريئة وواضحة قائلاً للجميع: ويزيد هذا رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله:
مَا هُوَ المُرَادُ مِنْ هَذَا التَّصْرِيْح
لو فرضنا أن الإمام الحسين(ع) قصد بهذه العبارة معنى التعالي على المتكبر لما كان في ذلك شيء من العيب لأن التكبر على المتكبر تواضع، ولكن المراد من كلام الإمام(ع) هو أنني أمثّل الدين الذي لا مداهنة فيه ولا طاعة لمخلوق فيه في معصية الخالق عز وجل، ومن الطبيعي لمثل الإمام الحسين المعصوم والخليفة الشرعي الذي لا ينطق إلا بالحق ولا يفعل سوى الصواب أن لا يبايع شخصاً منحطاً وقبيحاً وفاسقاً ومجرماً مثل يزيد، ونلاحظ بأن الإمام(ع) قبل أن يقول: ومثلي لا يبايع مثله: مهّد لفهم المعنى بقوله: ويزيد رجل فاسق شارب للخمر… ولا شك بأنه(ع) حاول أن يلفت انتباه الناس إلى أمر كادوا أن ينسوه، وهو أن الحسين هو خليفة الرسول وليس يزيداً الذي اغتصب هذا الحق من أهله.
لعله يريد أن يقول لهم: إن هذا الشخص الذي تتبعونه وتهابونه وتطيعونه دون الله تعالى هو إنسان لا يستحق أن يكون من البشر، ولا يليق أن يكون من المسلمين فكيف تنظرون إليه على أنه خليفة رسول الله(ص) الذي أرسله الله رحمة للعالمين، إن الغاية التي أُرسل رسول الله لأجلها لا تتناسب مع الوضع الحالي ليزيد الذي هو العذاب والجور وكل صفات الشر.
تَصَرُّفُ العَاقِلِ الحَكِيْم
أمام هذا الوضع النفسي المتدهور الذي سيطر على المجتمع الإسلامي آنذاك حيث ألقى يزيد بن معاوية الرعب في قلوب المسلمين عندما انتهك كل الحرمات وتجاوز جميع الحدود لم يعد بإمكان الإنسان الأعزل أن يتفوه بأية كلمة تجاه الوضع القائم، حيث كان عقاب المعترض السجن والتعذيب أو القتل الذي رآه يزيد أفضل وسيلة للسيطرة على الأوضاع فأصبح قول الحقيقة في تلك الفترة بمثابة الإنتحار بسبب حساسية الموقف.
وعندما رفض الإمام الحسين(ع) أن يستجيب لطلب يزيد في المبايعة وجّه يزيد بن معاوية كل شروره على الإمام(ع) فأمر باعتقاله وقتله من دون تحقيق أو تأنٍ، فلم يعُد أمام الحسين(ع) سوى أمر واحد وهو مغادرة المدينة المنورة والذهاب إلى مكان يستطيع منه أن يواجه الظلم ويثور ضده حيث كانت المدينة برمتها تحت سيطرة الحكم اليزيدي فلا أحد يستطيع أن يأتي بأدنى حركة أو حتى أن يتفوه بكلمة بسبب كثرة الجواسيس والعيون التي زرعها يزيد في المدينة وبالأخص حول الحسين وأنصاره ومحبيه، وحينها قرّر(ع) أن يغادر بمن رافقه ليحقق النصر الموعود الذي كان(ع) عالماً به.
لِمَاذَا لَمْ يَقُمْ بِالثَّوْرَةِ فِيْ المَدِيْنَة؟
لقد كان الإمام(ع) حكيماً في جميع حركاته وسكناته فكان لا يتحرك إلا بعد دراسة الأمر مهما كان كبيراً أو صغيراً أو مهما كانت درجة أهميته، فهو(ع) متصف بالحكمة والتريّث في اتخاذ القرارات وخصوصاً المصيرية منها.
فلم يقم(ع) بالثورة في المدينة لأن السيطرة عليها كانت محكَمة فلو قام بالثورة هناك لماتت ثورته في مهدها أو قبل ولادتها.
وهناك مانع هام من القيام بها في المدينة وهو إلقاء الحجة على الجميع بعد دعوتهم إلى الجهاد ونصرة دين الله، ولم يكن بإمكان الحسين(ع) أن يبعث رسولاً من المدينة أو يكتب أية رسالة هناك لأن أمره سوف ينكشف بسرعة.
ولعل عدد المناصرين له في المدينة كان أكبر من العدد الذي رافقه إلى كربلاء، وهذا ما يؤكد لنا وجود حكمة من التأني في القيام بالثورة لأن المسألة ليست مسألة عدد أو سلاح بل هي أعمق من ذلك بكثير، فهناك أمور ومقدمات يجب أن تتوفر قبل القيام بالثورة لتكون تلك المقدمات كفيلة في إيصال صوته وصدى ثورته إلى أرجاء العالم.
فخرج من المدينة برفقة بعض الرجال والنساء والأطفال سراً دون أن يعلم جواسيس يزيد بالأمر، ولا شك بأن خروجه مع العشرات دون أن يعرف بذلك أحد فيه نوع من الكرامة أشبهت الكرامة التي حصلت لجده(ص) ليلة الهجرة عندما خرج من مكة دون أن يراه أحد ممن كانوا متربصين أمام داره.
ومن هنا ندرك وجود موانع كثيرة له من القيام بالثورة في المدينة، ولأجل ذلك أخرها إلى وقت لاحق حيث شاءت قدرة الله وحكمته أن تقع تلك المعركة على أرض الطف، هذا بالإضافة إلى كون الحسين(ع) كان يعرف هذا الأمر حيث أخبره جده الرسول(ص) بذلك، فلقد أطاع الله ورسوله وأخّر توقيت الثورة إلى العاشر من شهر محرم.
وبعد فترة من خروجه(ع) علم يزيد بالأمر وأمر بملاحقته وقتله ولو كان واقفاً أمام الكعبة، فكان كلما ترك موضعاً وصل إليه جنود يزيد فلم يجدوه حتى أتى أمر الله تعالى أن يلتقي الجمعان في أرض الطف.



