محاضرات

هَلْ كَانَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) عَالِماً بِمَصِيْرِهِ

بقلم: الشيخ علي فقيه

هَلْ كَانَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) عَالِماً بِمَصِيْرِهِ

قرأنا العديد مما كُتب في هذا الشأن لأطراف كثيرة من فئات مختلفة، منهم من استعمل مداد الضمير الحي من المسلمين وغير المسلمين، ومنهم من جعل من دماء الشهداء مداداً للشر من المسلمين وغيرهم، ولكن اللافت في الأمر هو أن أصحاب أقلام الشر ومداد الفتنة أكثرهم يحملون هوية الإسلام.
والذين يقرؤون تاريخ الإمام(ع) وينظرون إلى ما بين سطوره هم مختلفون في طبقات علومهم وأفكارهم ومستوياتهم في المعرفة والتفكر والتدبّر.
بعضهم يعرف الحقيقة وينكرها حقداً منه لمذهب الحق، وهؤلاء أساس الخطر على التاريخ لأنهم المزورون الأوائل وأصحاب قدرات على الإقناع.
وبعضهم يعرفها ويذكرها كما هي من دون زيادة أو نقصان، وهؤلاء أصحاب الأقلام الحرة الذين لم يشوّهوا مدادهم، بل هؤلاء شواهد يُعتمد على كلامهم في النزاعات وعند النقاشات بين الفريقين، فهم الفصل في الخصام.
وبعضهم له رأي يخالف الحقيقة ولكنه لا يكنُّ في نفسه شيئاً من الأحقاد والضغائن، بل هذا ما توصّل إليه من خلال أبحاثه، وإن عملية إقناع هذا النوع سهلة، وذلك فيما إذا قدّمنا له الدليل المنطقي الذي لا يرفضه العقل السليم.
وبعضهم يزوّر الحقائق لتضليل الرأي العام، وهؤلاء تماشوا مع التاريخ وكان لهم خلف شر منهم، وها هم اليوم يجندون آلاف الأشخاص وكثيراً من الجهات والمؤسسات بغية زرع الفتن وزعزعة الثقة بين المؤمنين وقادتهم، وهم اليوم يصرفون المبالغ الطائلة بهدف الفصل بين الإنسان وعقيدته، ونحن لا نشك بأنهم نجحوا في بعض المراحل حيث استطاعوا أن يجرفوا بتياراتهم العديد من بسطاء الناس.
وبعضهم لا يعرف الحقيقة وهو محب للإمام ومؤمن بنهجه وثورته، وهذا له حق علينا كبير، فيجب علينا الإهتمام به وبيان الحق له حيث لا يؤمَن عليه من الإنجراف خلف تلك التيارات الحاقدة، وذلك بسبب فقدانه للسلاح العلمي المنطقي العقائدي المتين، فإذا استطعنا أن نُظهر له الحق فقد ضمنا له مصيره وإلا كنا من المسؤولين عن انحرافه أو كنا جزءاً من تلك المسؤولية.
وبعضهم لا يعرفون شيئاً ولكنهم يبغضون الإمام ويكرهون نهجه، وهؤلاء لا يقل خطرهم عن العارفين الحاقدين لأنهم أدوات رخيصة وسهلة للشر.
ولكل واحد من هؤلاء أثر خاص على نفسه وعلى من حوله من جميع الطبقات الفكرية والعرقية والمذهبية.
أما بالنسبة لموضوع السؤال في هذا البحث فلقد تعددت الآراء حوله رغم وضوع الأمر وظهور الحقيقة للمتتبع، وهنا ثلاث فِرَقٍ:
الفرقة الأولى: ذهبت إلى أنه(ع) كان يعلم بذلك المصير، ولكنهم افتروا على الإمام وقالوا زوراً عندما اتهموه بأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، ومفاد هذا الإتهام هو أن الإمام عصى الله تعالى والعياذ بالله لأن الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة مصيره العذاب في يوم الحساب، ومن هنا يظهر لنا مدى الضلال بل حجم البغض الذي يكنونه لآل رسول الله(ص) حيث وصلت بهم الدناءة إلى قول لم يقبل به المشركون والملحدون فضلاً عن عدم قبول المؤمنين له.
وقد نشأت هذه الفرقة بُعَيد معركة كربلاء، وكان الهدف منها تبرءة يزيد والدفاع عنه وتصويره مرة أخرى على أنه الخليفة الشرعي الذي يطبّق النظام الإلهي والشريعة الإسلامية في حكمه، وإن أشبه حكمه شيئاً فإنه يشبه حكم الشيطان الرجيم.
لقد نشأت هذه الفرقة الحاقدة منذ قرون عديدة وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر رغم مؤتمرات التقارب بين المذاهب وسنفونية الوحدة الإسلامية والعض على الجراحات في سبيل حفظ الأمة من الأخطار الخارجية إلى ما هنالك من الشعارات الفارغة التي أُسست من أجل التمويه وستر الأحقاد القاتلة.
فمنذ فترة غير بعيدة صرّح أحد أكبر المسؤولين الدينيين في بعض الدول الإسلامية بقول نطق به الشيطان على لسان هذا الزاعم المفتري حيث قال: خرج الحسين عن حده فقُتل بسيف جده:
إنها كلمة خطيرة، والأخطر من ذلك أن تكون صدرت عن دراسة وتكتيك ومعرفة لمعانيها الكبيرة والخطيرة، إن قائل هذا القول ضرب عصفورين بحجر واحد:
أولاً: إنكار خلافة الإمام الحسين وأنه خارج على إمام زمانه وأنه يستحق ما نزل به من العقاب بجدارة.
ثانياً: الإقرار بشرعية يزيد وتقديم الدعم له، وهم يعرفون الكثير عن فضائحه وقبائحه غير أن الكره الأعمى أعمى ما تبقى من نور في بصائرهم فحوّلهم إلى أدوات سهلة يستخدمها الشيطان الغوي في تنفيذ مخططاته.
الفرقة الثانية: تلك التي نفَتْ أن يكون الإمام(ع) عالماً بالمصير الذي آل إليه أمره في كربلاء، وأنا شخصياً أعتقد بأن كلام هذه الفرقة لا يقل خطراً عن خطر كلام الفرقة الأولى حيث ينسفون بهذا الرأي العديد من المسلّمات والمعتقدات حول بعض المواقف التي صدرت من الإمام(ع) في المدينة وبعد خروجه منها، بل هم يطعنون بهيكل العصمة ويجردون المعصوم من أقل حقوقه وأبسطها وهي أن يكون مدركاً لما يحيط به أو لما يقوم به.
فلا يمكن بأي وجه من الوجوه أن ننفي المعرفة عن المعصوم لأنه أعلم خلق الله على الإطلاق، وكيف ننفي أن يكون عالماً بما سوف يحصل له ونؤمن بأن يزيد بن معاوية كان متتبعاً لكل تفاصيل تلك التحركات، هذا مع العلم بأن تتبع الإمام الحسين للظروف آنذاك كان أدق من تتبع يزيد لها.
الفرقة الثالثة: وهي الفرقة المؤمنة العاقلة(ونحن الحسينيين منهم) التي عرفت الحق وحكمت على الواقع كما يجب لأنها أدركت عن تلك الثورة أدق تفاصيلها وعرفت حقيقة المعصوم وكيف يتصرف وما الشيء الذي يحركه ويرشده.
لقد ذهبت هذه الفرقة الكريمة إلى أن الإمام(ع) كان يرى المستقبل كما يرى الحاضر والماضي، ولدى المعصوم القدرة على رؤية الأشياء بنور الله تعالى.
وإن بإمكان أي إنسان مهما كانت حدود معرفته محدودة، بل مهما كانت قوته العاقلة متواضعة، أن يدرك هذه الحقيقة من خلال ملاحظة بعض المواقف والعبارات التي صدرت من الإمام(ع) قبل حلوله أرض الطف وأنها إن دلّت على شيء فإنما تدل على كونه عالماً بالمصير المحتوم وبالخطط التي يرسمها الجانب اليزيدي بل بتلك المؤامرة التي كان أكبر وأهم بند فيها هو سفك دم الإمام الحسين بالدرجة الأولى.
وأنا هنا أريد أن أثبت علم الإمام(ع) بمصيره الذي كان، وذلك عن طريق كلمة واحدة أطلقها قبيل خروجه من المدينة المنورة، أي قبل معركة كربلاء بما يقرب أو يزيد على ستة أشهر حيث قال لأحد سائليه عن سبب خروجه: شاء الله أن يراني قتيلاً: وعندما سأله السائل عن سبب إخراج النساء والأطفال أجابه(ع) : شاء الله أن يراهن سبايا: وهذا يعني أنه من لحظة تركه للمدينة كان يعلم بالمصير، ولذا تعامل مع الواقع العام معاملة المودّع الذي لن يعود.
هذا بالإضافات إلى العديد من كلامه الذي كشف فيه عن تلك النية المخبأة لدى يزيد، وكذا فإن خروجه ذاك كان من أجل الجهاد، وهذا ما صرّح به يوم خروجه من مكة المكرمة حيث ابتدأ خطبته الشهيرة بقوله: خُطّ الموت على وُلد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خُط بالقلم…
فأي إنسان حتى لو كان صبياً يستمع إلى هذه الكلمات فإنه سوف يعرف بأن الحسين خرج ليموت.
وقد زاد(ع) الأمر إيضاحاً عندما حدّد الموضع الجغرافي الذي سوف يُسفك فيه دمه الزكي.

لِمَاذَا أَخْرَجَ مَعْهُ النِّسَاءَ وَالأَطْفَال

لولا تلك الإتهامات الباطلة التي وجّهها الحاقدون إلى الثورة الكربلائية المجيدة وصاحبها العظيم لكنّا بالغنى عن طرح مثل هذه التساؤلات وعقد الكثير المتعلقة بالشأن الكربلائي، ولكن بما أن الواقع فرض علينا ذلك وجب علينا القيام بتلك المهمة بجدارة عالية لأننا أعرف من غيرنا بكيفية بيان الحقائق وأدق من غيرنا في عملية الدفاع عنها.
لقد كان السبب في طرح هذا السؤال اثنين:
السبب الأول: طبيعةٌ تفرض نفسها على الواقع.
السبب الثاني: خلفية سيئة كالعادة.
أما بالنسبة للسببين معاً فإن طبيعة المرء تفرض عليه الإستفسار عن بعض القضايا، وتتأكد هذه الطبيعة في الأمور الكبرى أمثال قضية ثورة الإمام الحسين(ع) وما يتعلق بها.
فلقد كان من الطبيعي أن يسأل الناس عن سبب إخراج النساء والأطفال في تلك الرحلة القاسية، وهو مخالف للعادات التي كانت سائدة في تلك المرحلة.
ولقد استعمل أصحاب النوايا السيئة هذا السلوك لأهداف سيئة ونوايا حاقدة تهدف إلى المس بشأن الإمام(ع) ولكن ما كان عند الحسين لم يكن عندهم.
لقد راحوا يتهمون الإمام بأنه أخرجهم معه ليحتمي بهم، نحن نقول إن هذا الكلام لا يصح في إنسان خرج من أجل الجهاد أو قل من أجل الموت، فلا بد أن يكون هناك تفسير آخر لهذا السلوك، فلا مجال هنا للإتهامات الباطلة لأن الجميع يعرفون الحسين المقدام الذي لا يهاب الموت مهما كانت الوسيلة شديدة وموجعة.
كيف يخرجهم ليحتمي بهم وهو الذي كان الحامي لهم طوال تلك الرحلة حتى في أحلك الظروف التي واجهته كان همه الأكبر المحافظة عليهم، وقد طلب من كل من لقيه على أرض المعركة أن يدافع عن بنات رسول الله، ومن هنا تنتفي مقولة أنه أخرجهم معه ليحتمي بهم وتفرض المقولة الثانية نفسها وهي أنه أخرجهم معه ليحميهم لأنه كان يعلم ما لا يعلم غيره حول شأن النساء والأطفال.
وكعادتي في بيان الأمور فإنني أريد هنا التركيز على المسألة لتتضح جميع تفاصلها، وذلك عبر أمور أذكرها تباعاً:
الأمر الأول: وهو الإذعان بعدم وجود خلفية سيئة من إخراجهن معه مهما كانت الدعايات الكاذبة قوية ومؤثرة فإن الإذعان بهذا الأمر يسهّل علينا الوصول إلى الحقيقة.
الأمر الثاني: وهو أن الإمام(ع) أخرج معه الأطفال والنساء حفاظاً عليهم من الهلاك لأنه لو تركهم في المدينة لحلّ بهم ظلم أكبر من الذي حلّ بهم في كربلاء، وفي نفس الوقت كان يزيد سوف يسجنهم ويقتل بعضهم ويمارس جميع أنواع الضغوطات النفسية على الإمام(ع) حتى يسلّم نفسه للموت الرخيص، وكان(ع) أعرف الناس بما سوف يجري عليهن، ولذا فإنه أخرجهن معه ليحميهن مما كان يراه بعين بصيرته.
الأمر الثالث: وهو أهم ما يمكن أن يُذكَر هنا، وهو أن الإمام الحسين(ع) كان يدرك حقيقة المؤامرة ويعرف كيف أن الإعلام اليزيدي يفرض التعتيم الإعلامي على تلك الجريمة التي يريد ارتكابها في حق الحسين والدين، ولقد كانت حكمة الإمام(ع) أعظم وإدراكه للأمر أوسع فسبق يزيد في عملية إخراج النساء معه حيث كان يعرف بأن المرأة لا تُقتل في ساحة المعركة حيث كان المجتمع العربي يرفض هذا السلوك بشدة، وإن يزيداً وإن كان لا يخشى الله في عباده إلا أنه لا بد أن يخضع لتلك العادات كيلا يثير الرأي العام ضده.
لقد كان الإمام(ع) بأمس الحاجة في كربلاء إلى جهاز إعلامي ينقل الصورة إلى خارج كربلاء، ولم يكن بالإمكان أن يتألف جهازه الإعلامي من عنصر الرجل حيث كان القرار اليزيدي قاضياً بقتل جميع الرجال المؤيدين للحسين وبالخصوص من كان منهم معه في كربلاء، فكانت الوسيلة الأفضل للقيام بتلك المهمة هي النسوة والأطفال، وهذا ما كان بالفعل حيث انحصرت معرفة الحقيقة بهن وبالإمام زين العابدين(ع) الذي شاءت قدرة الله تعالى أن يبقى على قيد الحياة بسبب المرض الذي منعه من الحركة.
وقد بدأ هذا الجهاز الإعلامي بوظيفته منذ أن تركوا أرض كربلاء، فكانوا كلما مروا بقرية أو مدينة أخبروا أهلها بما جرى في كربلاء، وبذلك نجحت خطة الإمام وفشلت خطة يزيد رغم كونه كان العنصر الأقوى في تلك المعادلة حسب الظاهر.


الفَرْقُ بَيْنَ الهَدَفِ وَالوَسِيْلَة أَوْ الغَايَة

تارة يقوم الإنسان بعملٍ لنفسه، وتارة أخرى يقوم بنفس العمل أو بغيره ولكن في هذا المرة لم يكن العمل لأجل ذات العمل.
أما الطريقة الأولى فهي الهدف أو الغاية، وأما الثانية فهي التي نعبِّر عنها بالوسيلة، والفارق الأساسي بين الأمرين هو أن الأول محدود المنفعة بلحاظ خاص، وأما الثاني فبابُه أوسع ونطاقه أكبر.
ولكي نفهم معناهما أكثر نضرب لهما مثلاًَ توضيحياً يقوم بالواجب ويحقق المطلوب.
فمعركة كربلاء بغض النظر عن كونها ثورة أو مجرد معركة، فهي إما أن تكون غاية وإما أن تكون وسيلة لمجموعة من الأهداف والقضايا.
ومعركة كربلاء بالذات اشتملت على المعنيين، معنى من المنظار الحسيني الكريم، ومعنى من المنظار اليزيدي اللئيم، فإن الحسين(ع) قام بالمعركة ليحقق أهدافاً توقف تحقيقها على القيام بالعمل العسكري حيث أصبح الوصول إلى المطلوب محصوراً بهذا العمل.
وأما يزيد ابن معاوية فلقد كان هدفه نفس المعركة، وغايته التخلص من الحسين بأي طريق وبأي ثمن، فلم ينظر إلى ما بعدها، ولم يتأمل في نتائجها وتبعاتها لأن همه الوحيد كان الإنتقام من الحسين ومحوه من الوجود.
وإن هذا الذي عبّرنا عنه بالهدف أو الغاية في المنظار اليزيدي هو نفسه كان وسيلة أيضاً، فلقد كان وسيلة للإنتقام، وبهذه الطريقة لم يتعدى الهدف اليزيدي ساحة المعركة، فصحّ أن نعبّر عن معركته بالهدف أو الغاية، وأما المعركة في نظر الإمام الحسين(ع) فلم تكن سوى طريق لأهدافه الكبرى والتي لا علاقة بينها وبين الحرب سوى أنها نافذة يعبر من خلالها إلى أهدافه العامة.
وإنه وإن كان ليزيد أهداف بعد التخلّص من الإمام غير أن الهدف الطاغي على معركته كان الإنتقام أولاً، وبعد ذلك يحصل ما يحصل، فلا يقيم لما يحصل بعد ذلك أي وزن.
ومن هنا أمكن استخراج نتيجة واضحة وهي: أن معركة كربلاء كانت في نظر الإمام(ع) وسيلة، وفي نظر يزيد غاية وهدف.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى