منوعات

ميثَاقُ حركة أَمَل

الإمَامُ المُغيَب السيد موسى الصدر

 

 

البَنْدُ الأَولُ

الإِيْمَانُ بِاللهِ تَعَالَى بِمَعْنَاهُ الحَقِيْقِي

 

نَصُّ البَنْدِ الأَوَل

إِنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ تَنْطَلِقُ مِنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ بِمَعْنَاهُ الحَقِيْقِيِّ لَا بِمَفْهُوْمِهِ التَّجْرِيْدِيّ، فَإِنَّهُ الأَسَاسُ لِكَافَّةِ نَشَاطَاطِنَا الحَيَاتِيَّةِ، وَلِعَلَاقَاتِنَا الإِنْسَانِيَّةِ، وَهُوَ الّذِيْ يُجَدِّدُ عَزِيْمَتَنَا بِاسْتِمْرَارٍ وَثِقَتَنَا، وَيَزِيْدُ طُمُوْحَنَا وَيَصُوْنُ سُلُوْكَنَا.

 

قبل كل شيء ينبغي أن نضع نصب أعيننا أن الذي وضع هذا الميثاق وأسس تلك الحركة إنما هو أحد علماء الدين الأعلام في العالم الإسلامي، فهو ينطلق في جميع تحركاته وكل كلامه من الموازين الدينية التي يجب أن يخضع لها أي إنسان مؤمن بالله تعالى.

ولعل الإمام الصدر جعل هذا البند في صدر الميثاق لكونه أساس الحياة بل أساس الوجود والإستمرار والترقي نحو الأعلى في جميع مراحل الحياة وظروفها.

وفي إحدى الإجتماعات سألني أحد الأخوة عن معنى هذا البند فأجبته عليه من المنظار الديني المحض وقلت له بطريقة جدية ظاهرها المزاح: معناه أنك يجب أن تكون معصوماً عن الخطأ: فأدرك من خلال هذا الجواب أن معنى هذا البند كبير وعميق، وأن الإلتزام به أمر شاق لا يمكن أن يحصل بطريق سهل، بل بسعي وجدٍ واجتهاد وصدق وإخلاص مع الله تعالى ومع الناس، ولا يمكن أن يكون المرء مخلصاً لله عز وجل إلا إذا كان مخلصاً للناس.

ولعل هذا البند كان سبب انطلاقة الحركة بشكل قوي واستمرارها عبر عقود من الزمن واستقطابها لشريحة كبرى من اللبنانيين وغيرهم من جميع الطوائف والمذاهب لأن تطبيق معنى هذا البند يعني الإيمان بالله والثقة به والتوكل عليه، فمن وثق بالله تعالى كان الله عند حسن ظنه، ومن نصر الله عز وجل نصره الله سبحانه.

وهنا لا بد من تصنيف هذا البند المبارك إلى فقرات:

الفقرة الأولى: إِنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ :

وهنا أريد أن أدخل قليلاً إلى سلوك الإمام الصدر وهدفه من هذه الكلمة بسبب معرفة العميقة بأسلوبه في البيان وتعاطيه مع الأمور، فلقد كان الإمام هنا في حالة الإخبار عن هذه الحركة التنظيمية، ولم يفصل بينها وبين كل المؤمنين بها وإن لم يكونوا منتسبين لهذه الحركة، ولعل الإمام يريد أن يقول لنا: إن كل إنسان ينطبق عليه هذا البند فهو جزء من هذه الحركة الشعبية التي فتحت أبوابها للجميع.

فلو خصص الكلام هنا في الحركة التنظيمية فقط لأُشكِل على الفقرة بأنها ألغت الكثيرين من الناس أو من أدوارهم في الحياة، فهناك مؤمنون بالله تعالى بمعناه الحقيقي وهم ليسوا من هذه الحركة التنظيمية.

والخلاصة: أن الإمام يشبّه أفراد حركته بمن آمن بالله تعالى، ولم يستثن من الناس أحداً إذ لم يحصر الإيمان الحقيقي في أفراد الحركة فقط بل حاول أن يخبر الناس بأن هذه الحركة تلتزم بما يفرض عليها الإيمان الصحيح.

الفقرة الثانية: تَنْطَلِقُ مِنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ بِمَعْنَاهُ الحَقِيْقِيِّ لَا بِمَفْهُوْمِهِ التَّجْرِيْدِيّ :

يريد الإمام الصدر من خلال هذه الحركة أن يوصل رسالة إلى العالَم كله حول العقيدة التي تنطوي تحتها هذه الحركة، وهي الإيمان بالله تعالى الذي هو سبب نجاح الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة.

ولعله من خلال هذه الفقرة يحاول أن يزرع العقيدة الصحيحة في قلوب أفراد الحركة وقلوب مَن يريد الإنتساب إليها أو تأييدها، فهي حركة دينية وإنسانية بكل ما للكلمة من معنى، وليس حزباً يحمل السلاح ويهمل الهدف ويتوانى بالمسؤولية ويقصّر بالواجب تجاه الوطن والمواطن، فالإيمان بالله عز وجل يُلزم الإنسان باحترام الآخرين والصدق معهم والعمل لهم وبذل الغالي والنفيس من أجلهم وأجل الدفاع عنهم عبر مواجهة الشرور التي تنصب عليهم.

فالإيمان بالله تعالى بمعناه الحقيقي هو الإيمان المترجَم على أرض الواقع، فمن لم يعمل بمقتضى هذا الإيمان فلا يكون مؤمناً في موازين العقيدة، وأما الإيمان بالمفهوم التجريدي فهو الذي لا يتعدى المشاعر القلبية ولا اللسان، وهنا فرق بين من يقول: أنا مؤمن: وبين من هو مؤمن فعلاً، فمن قال وعمِل فهو صاحب الإيمان بمعناه الحقيقي، وأما من قال ولم يعمل فهو صاحب الإيمان بالمعنى التجريدي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يعود على النفس والمجتمع بأي نوع من أنواع الخير.

وإن هذه الفقرة الكريمة من هذا البند الحركي الصدري الإنساني مستوحى من مفاهيم القرآن الكريم حول موضوع الإيمان، فإن كتاب الله العزبز يأمر بالعمل دائماً حيث دعا إلى الإيمان والعمل معاً، وكأنه يلفت انتباه الناس إلى أن الإيمان الخالي من العمل ليس هو الإيمان الذي أراده القرآن الكريم.

وقد فسّر رسول الله محمد(ص) معنى هذا الإيمان الذي جعله الإمام الصدر أو بنود ميثاقه حيث قال(ص): الإيمان إقرارٌ باللسان واعتقادٌ بالجَنان(القلب) وعملٌ بالأركان:

فمن يريد أن يكون فرداً من هذه الحركة وأحد مناصري الإمام وأهدافه يجب أن ينطلق من الإيمان بالله تعالى لأن العمل الناجم عن الإيمان له آثاره الكبرى على المجتمع، ولعل الإمام الصدر أيضاً أراد أن يقول لنا كما قال جده أمير المؤمنين علي(ع) من قبل: أعينوني بورعٍ واجتهاد وعفّة وسداد:

الفقرة الثالثة: فَإِنَّهُ الأَسَاسُ لِكَافَّةِ نَشَاطَاطِنَا الحَيَاتِيَّةِ، وَلِعَلَاقَاتِنَا الإِنْسَانِيَّةِ، وَهُوَ الّذِيْ يُجَدِّدُ عَزِيْمَتَنَا بِاسْتِمْرَارٍ وَثِقَتَنَا، وَيَزِيْدُ طُمُوْحَنَا وَيَصُوْنُ سُلُوْكَنَا:

وهنا يخبر الإمام الصدر عن واقع هذا الإيمان الحقيقي المترجَم عملياً وأنه الأساس في كل نشاط تقوم به الحركة التي لا تريد من الشعب أجراً ولا مدحاً ولا ثناءاً، وأن كل علاقة تقيمها مع أي فئة من الناس إنما تقوم على مبدأ الإيمان الذي يفرض الإخلاص في التعاطي بجميع جوانبه، وبالإيمان تشتد العزيمة وتُنال القوة وتزداد الثقة بالله أولاً وبالناس ثانياً وبما تفعله الحركة ثالثاً.

ثم إن الإنسان المؤمن إنسانٌ طموح، وهذا الطموح يجعله متحركاً بشكل دائم، وأي عمل لا يُتحرَك له فهو فاشل، وكأن الإمام يريد أن يقول: إن الإيمان الحقيقي هو سبب النجاح والسعادة والقوة والعزيمة والإستمرار والصبر على ما يمكن أن نواجهه في حياتنا كلها.

 

البَنْدُ الثانِي

تُرَاثُنَا أَسَاسُ تَحَركِنَا وَوُجُوْدِنَا

نَصُّ البَنْدِ الثَّانِي

أَمَّا تُرَاثُنَا العَظِيْمُ فِيْ لُبْنَانَ وَفِيْ الشَّرْقِ كُلِّهِ الحَافِلُ بِالتَّجَارُبِ الإِنْسَانِيَّةِ النَّاجِحَةِ المُشْرِقُ بِالْبُطُوْلَاتِ وَالتَّضْحِيَاتِ وَالزَّاخِرُ بِالحَضَارَاتِ وَالقِيَمِ فَهُوَ الّذِيْ يَرْسُمُ الخُطُوْطَ التَّفْصِيْلِيَّةَ لِلطَّرِيْقِ وَيُؤَكِّدُ أَصَالَتَنَا وَيُعْطِيْ سَبَباً وَاضِحاً لِوُجُوْدِنَا وَسَنَداً قَاطِعاً لِمُشَارَكَتِنَا الحَضَارِيَّةِ.

 

لكل بند من بنود هذا الميثاق جهة خاصة يذهب إليها، فقد انتقل الكلام من الواقع الذي تنطلق منه الحركة إلى الحديث عن الوجود القوي والثابت والذي لا يمكن أن ينكره أحد.

إن تراثنا في لبنان وفي الشرق بل في كل العالَم معروف وواضح، وقد حفِل هذا التراث بالتجارب الإنسانية، وينبغي التركيز هنا على المعنى الإنساني لأن هذه الحركة تعمل للإنسان بما هو إنسان وليس بما هو طائفي أو مذهبي أو عرقي أو عنصري، فلا نفرّق في عطائنا بين فرد وفرد آخر، وقد كان لنا العديد من تلك التجارب والمواقف التي شهد لها العالم كله عبر التاريخ، ونحن يجب علينا أن نحفظ هذا التراث بالعمل والإستمرار على هذا النحو وليس بالتغني فيها فقط وجعلها شعاراً فارغاً كما يصنع بعض مرضى النفوس من بعض العائلات التي كانت حاكمة.

إن وجود تراثنا بهذا الشكل هو السبب الأكبر في وجودنا، وإن تجاربنا الكبيرة هي الدافع الأكبر لاستمرارنا، ويجب أن نحفظ هذا التراث بتطبيقه حالياً فنتعاطى مع الأمور كما تعاطى معها الذين صنعوا لنا هذا التراث العريق.

وكأن الإمام الصدر يريد أن يقول للحركة وللعالم كله: إننا كنا موجودين في لبنان وفي الشرق، وسنبقى موجودين إلى الأبد، ويجب أن نعمل بجد لنبقى ونستمر، والبقاء لا يكون إلا بالعمل الجدي وبالإخلاص وبالإيمان الحقيقي، فإذا انتفى الإيمان منا فقد ذهبنا من دون رجعة.

والتراث الذي أسسه أسلافنا إنما بقي موجوداً لأنه انطلق في السابق من الإيمان بالله واحترام الإنسان.

البَنْدُ الثالِثُ

الإِيْمَانُ بِالحُرِّيةِ الكَامِلَةِ لِلْمُوَاطِن

 

نَصُّ البَنْدِ الثَّالِث

إِنَّ حَرَكَةَ المَحْرُوْمِيْنَ (أَمَلْ) إِنْطِلاقاً مِنْ هَذِهِ المَبَادِيء تُؤْمِنُ بِالْحُرِّيَّةِ الكَامِلَةِ لِلْمُوَاطِنِ وَتُحَارِبُ دُوْنَ هَوَادَةٍ كَافَّةَ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ مِنْ اسْتِبْدَادٍ وَإِقْطَاعٍ وَتَسَلُّطٍ وَتَصْنِيْفِ المُوَاطِنِيْنَ وَتَعْتَبِرُ أَنَّ نِظَامَ الطَّائِفِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ فِيْ لُبْنَانَ لَمْ يُعْطِ ثِمَارَهُ، وَهُوَ الآنَ يَمْنَعُ التَّطَوُّرَ السِّيَاسِيَّ وَيُجَمِّدُ المُؤَسَّسَاتِ الوَطَنِيَّةَ وَيُصَنِّفُ المُوَاطِنِيْنَ وَيُزَعْزِعُ الوَّحْدَةَ الوَطَنِيَّةَ.

إن الإيمان الحقيقي والتراث العظيم يفرضان على الإنسان أن يؤمن بحرية الآخرين لأن الحرية حق مكتسَب للإنسان منذ أن خلقه الله عز وجل، فلا يحق لأي إنسان أو أية جهة في العالم أن تحد من الحريات المنطقية التي تقر بها الأديان وتعترف بها العقول.

وبما أن حركة المحرومين تؤمن بالله تعالى وتحترم تراثها المُشرق فهي تؤمن بالحريات الكاملة لكل مواطن، فلكل مواطن أن يعبّر عن رأيه الخاص، ولا يحق لأية جهة أن تمنعه من هذا الحق طالما أنه لم يتعدَ الحدود المرسومة له ولم يتجاوز الخطوط الحمراء المعترف بها، ولعل هذا البند قد وُضع للرد على الجهات التي كبتت حريات الناس وأجبرتهم على أشياء هم يرفضونها، وهذا ضد الدين وضد المنطق السليم، وإن الجهة التي تفرض آراءها على الآخرين فهي ضعيفة وغير قادرة على القيام بمهامها ومسيرتها لوجود عيب أو نقص في تلك المسيرة، فإذا كنت واثقاً من أنك على حق وأنك تفعل الصواب فدع الناس تعبّر عن رأيها فيك وفي غيرك، أما منع الناس من التعبير فمنشأه الخوف من الفضيحة أو بيان الحقيقة أو كشف القناع عن الأوجه المزيفة.

كما وأن هذه الحركة الشعبية المجيدة قد أخذت على عاتقها أن تحارب من أجل الإنسان وحقوقه وكرامته وعزته، وهذا من أشرف المبادئ وأكرم الخصال في الجهة التي تنوي هذا العمل وتفعله، وحركة المحرومين باعتراف الكثيرين قد حذت هذا الحذو ودفعت أثماناً كبيرة في سبيل الدفاع عن قضايا الناس واسترجاع حقوقهم والدفاع عنهم ورد الشرور الموجهة إليهم.

وحركة المحرومين التي أسسها الإمام الصدر قد حاربت الظلم وقمعت الفساد ووقفت في وجه الإستبداد والإقطاع والتسلط وطالبت بحقوق المحرومين وأجبرت الحكومات على جعل المواطنين اللبنانيين كلهم بمستوى واحد في الحقوق والواجبات، ويشهد لذلك التاريخ القريب، فمن راجع الأحداث الكبرى والتغيرات الجذرية في لبنان لأدرك هذه الحقائق بكل سهولة.

وقد رأى الإمام الصدر أن المرض الأكبر في لبنان يكمن خلف الطائفية السياسية، ولهذا كان موقفه واضحاً من هذا الأمر الذي جعله فقرة من فقرات البند الثالث من ميثاق حركته.

ولم تقف الحركة بوجه الطائفية السياسية عن عبث أو تعصّب أعمى وإنما بينت للناس مساوئ هذا السلوك الظالم الذي يجر الوطن إلى الفتن والصراعات الداخلية حيث يتفرع عن تلك الطائفية العديد من المشاكل من خلال التمايز الطبقي والطائفي والعنصري الذي كان يرفضه الإمام من أساسه لأنه يشكّل عين الظلم لمجموعة كبيرة من اللبنانيين الذين صبروا عقوداً من الزمن على ظلم الحكام والمحتلين والمتغطرسين، وكان آخرهم اليهود الذين احتلوا جزءاً كبيراً من جنوب لبنان بعد أن غصبوا أرض فلسطين المحتلة.

لقد كان الإمام الصدر والعديد من كوادره الكبار يعرفون ذلك تماماً، ولأجل تلك المعرفة عندهم، ولأجل حرصهم على حقوق المحرومين خاضوا العديد من الحروب السياسية والفكرية والإجتماعية والقانونية من أجل تحقيق مطالب اللبنانيين.

فسبب اجتياح لبنان هو الطائفية السياسية، وسبب الحرب الأهلية الدامية في لبنان هو الطائفية السياسية أيضاً، والخلافات التي كانت وما زالت قائمة داخل مؤسسات الدولة كان سببها تلك الطائفية العمياء التي حرقت الأخضر واليابس في هذا الوطن.

ورغم كل المعاناة والجهود التي بذلها الشرفاء في لبنان وفي مقدمتهم سماحة الإمام الصدر ما زالت تلك العقدة موجودة حتى الآن، وهي تهدد الوطن بين لحظة وأخرى لأنها فتيل الإنفجار الذي لا يعلم مدى خطورته إن انفجر إلا الله تعالى.

 

البَنْدُ الرابِعُ

رَفْضُ الإِحْتِكَارِ وَالظلْمِ الإِقْتِصَادِي

نَصُّ البَنْدِ الرَّابِعِ

وَتَرفُضُ الحَركَةُ الظُّلْمَ الإِقْتِصَاديَّ وَأَسْبَابَهُ مِنْ احْتِكَارِ وَاسْتِثْمَار ِالإِنْسَانِ لِأَخِيْهِ الإِنْسَانِ وَتَحَوُّلَ المُوَاطِنِ إِلَى المُسْتَهْلِكِ، وَالمُجْتَمَع إِلَى تَجَمُّعِ المُسْتَهْلِكِيْن،َ وَحَصْرَ النَّشَاطَاتِ الإِقْتِصَادِيَّةِ فِيْ أَعْمَالِ الرِّبَا وَالتَّحَوُّلَ إِلَى سُوْقٍ لِلإِنْتَاجِ العَالَمِيّ، وَتَعْتَقِدُ الحَرَكَةُ أَنَّ تَوْفِيْرَ الفُرَصِ لِجَمِيْعِ المُوَاطِنِيْنَ هُوَ أَبْسَطُ حُقُوْقِهِمْ فِيْ الوَطَنِ وَأَنَّ العَدَالَةَ الإِجْتِمَاعِيَّةَ الشَّامِلَةَ هِيَ أُوْلَى وَاجِبَاتِ الدَّوْلَة.
ينبئ هذا البند عن الفكر النبوي العميق الذي كان الإمام الصدر يتحرك به ويعمل من خلاله، وقد وضع في هذا البند برنامجاً إقتصادياً عادلاً يُرضي جميع الفئات ويقبله كل الناس، فالقلة من اللبنانيين كانوا يقبلون بالوضع الإقتصادي المتدهور لأنه فرصتهم لفرض أنفسهم عبر إذلال الناس وإجبارهم على الرضوخ أمامهم والعمل لمصلحتهم حيث استعملوا الناس أدوات يحاربون بهم بعض الفئات ويرعبون بهم بعض القوى المنافسة لهم.

أما الأكثرية الساحقة من اللبنانيين يقبلون بهذا البرنامج العادل لأن الوضع المعيشي قد حوَّل حياتهم إلى دمار.

وكان الإمام الصدر يعرف ذلك ويعيشه من خلال شكاوى الناس تجاه الوضع الإقتصادي المتدهور بسبب أطماع بعض التجار من السياسيين وغيرهم ممن جمعوا الثروات عبر التلاعب بلقمة العيش واحتكار البضائع بهدف فرض السعر الذي يريدونه وإجبار الناس على دفع الثمن مهما كان كبيراً.

وأنا أوقن بأن هذا البند هو عبارة عن مفهوم إسلامي فقهي حيث يحرّم الإسلام هذا النوع من المعاملات الربوية التي لا تقوم إلا على ظلم الناس.

وحركة المحرومين ترفض هذا النوع من الظلم الجماعي لأبناء الوطن وتعتبره جريمة كبرى، ولأجل ذلك وقفت الحركة وقفة جريئة في وجوه الكثيرين من التجار وبالأخص السياسيين منهم والإقطاعيين وواجهتهم بكل قوة وبسالة إيماناً منها بأن هذا العمل واجب شرعي ووطني وإنساني.

لقد كان هذا البند مفاجأة كبيرة لهؤلاء الذين لم يعهدوا حزباً في لبنان ينظر ويعمل بهذه الطريقة مما دفع بهم إلى إعلان الحرب ضد الإمام وحركته بحجة أنهم يعرقلون الحالة الإقتصادية في البلد، فلم يفرقوا بين التجارة والسرقة ولا بين البيع والربا، ولكن بقيت الحركة متماسكة حتى حققت نجاحات باهرة في هذا المجال رغم قوة وكثرة المتآمرين عليها، كل ذلك حصل بفضل حكمة الإمام الصدر وصبره وصبر كوادره وأبناء حركته وشعبيته الكبيرة التي فاجأت العالَم كله في الإجتماع شبه المليوني في مدينة صور مما عكس للناس الصورة الحقيقية عن مدى تأثير الإمام على الناس وبالتالي على الوطن بمن فيه.

لو بقيت الحالة الإقتصادية تسير عكس ما يريد الإمام لَبِيْعَ لبنان منذ زمن طويل حيث كانت المؤامرة عليه تقضي بتدهور الوضع الإقتصادي إلى حد لا يستطيع لبنان بعده النهوض إلا من خلال فرض شروط من قبل بعض الدول المتآمرة، ولا أقول: المانحة: لأنها لم تمنح لبنان سوى البؤس والفقر والفتن والمجازر وافتعال المشاكل عبر أذنابهم ولصوصهم وعبيدهم في هذا الوطن.

وهذا ما يؤكد للعالم كله بأن حركة المحرومين لم تكن حركة فئة أو طائفة وإنما كانت حركة لبنان كله لأنها كانت تشكّل للبنان بصيص أملٍ نحو مستقبل مشرق وحلٍ للمشاكل التي كانت قائمة آنذاك.

لقد رفضت حركة المحرومين بشدة أن يتحول المواطن إلى مستهلك، والوطن إلى تجمع للمستهلكين لأن هذا يعني دمار الوطن وإفراغه من هيكليته الوطنية وإدخاله في صراعات وفتن تجعل منه كبش محرقة للعالَم ومنفساً لكل متغطرس وصاحب مطمع.

لقد وقفت حركة المحرومين في وجه صورة الدولة، ولا أقول في وجه الدولة، لأن الدولة شيء والقيمين عليها شيء آخر، لقد كانت حركة المحرومين من رواد بناء الدولة العادلة التي تحفظ حقوق شعبها وتعمل لأجلهم، ولكنها وجدت بأن رجال الدولة آنذاك كانوا يظلمون الوطن والمواطن ويبيعونه بأرخص الأثمان، فقامت حركة المحرومين آنذاك بما يجب أن تقوم به الدولة، بينما قامت الدولة برجالها بما تقوم به أية عصابة أو أي غاز محتل.

 

البَنْدُ الخَامِسُ

الحَرَكَةُ وَالتَّمَسكُ بِالسيَادَةِ الوَطَنِية

نَصُّ البَنْدِ الخَامِسِ

إنَّ حرَكَةَ المَحْرومِين هِيَ حَرَكةٌ وَطَنيَّةٌ تَتَمَسَّكُ بِالسِّيَادَةِ الوَطَنِيَّةِ وَسَلامَةِ أَرَاضِي الوَطَنِ، وَتُحَارِبُ الإِسْتِعْمَارَ وَالإِعتِدَاءاتِ وَالمَطَامِعَ التِيْ يَتَعَرَّضُ لَهَا لُبْنَانُ، وَالحَرَكَةُ هَذِهِ تَعْتَبِرُ أَنَّ التَّمَسُّكَ بالسِّيَادَةِ بِالمَصَالِحِ القَوْمِيَّة وَتَحْرِيْرَ الأَرْضِ العَرَبِيَّة وَحُرِّيَةَ أَبْنَاءِ الأُمَّةِ هِيَ مِنْ صَمِيْمِ التِزَامَاتِها الوَطنِيَّة لا تَنْفَصِلُ عَنْها، وغنيُ عَنِ القَوْل أَنَّ صيَانَة لُبْنَان الجَنُوبِي والدِّفَاعَ عنْ تَنْمِيَتِه هو جَوْهرُ الوطنية وأساسُها حيث لا يُمْكنُ بَقاءُ الوَطنِ بدُوْنِ الجَنُوبِ، ولا تصور المواطنية الحَقَّة بدون الوَفاءِ لِلْجَنُوب.

الفرق بين حركة المحرومين وغيرها من الفئات هو أن الحركة التزمت بمبادئها وخدمت الوطن بكل الوسائل الممكنة، وأن غيرها اكتفى بالشعار الفارغ دون أن يكلفوا أنفسهم أعباء العمل والمسؤولية، وبمعنى آخر: إن حركة المحرومين كانت قولاً وعملاً أما كثيرون من غيرها فكانوا على عكسها، قولاً من دون عمل.

لقد عملت الحركة لسيادة الوطن وتحريره والدفاع عنه والبذل والتضحية في سبيل أبنائه بعد أن زرع الإمام فيهم عقيدة حب الوطن وأنه أغلى من المال والنفس والولد وأي شيء آخر.

وإذا نظرنا إلى أرض الواقع في الثمانينات لأدركنا بأن هذا البند قد طبقته الحركة بحذافيره حين كانت عماد الوطن والقوة الذائدة عنه والمدافعة عن كل المواطنين من دون استثناء.

لقد عمل الكثيرون على تشويه صورة الإمام الصدر بشتى الوسائل بهدف الفصل بينه وبين المواطن اللبناني عموماً وأهل جبل عامل خصوصاً فاتهموه بأنه عدو للبنان وأنه يريد العمل لنفسه لظنهم بأنه مثلهم يسعى للدنيا وللزعامة وللتسلط ولبيع الأوطان والشعوب فكان أكثر لبنانيةً من اللبنانيين الذين زايدوا عليه بالوطنية، وأكثر تمسكاً بسيادة الوطن حيث دفع الكثير من الفواتير والضرائب في سبيل الحفاظ على لبنان وسيادته وشعبه.

وغنيُ عَنِ القَوْل أَنَّ صيَانَة لُبْنَان الجَنُوبِي والدِّفَاعَ عنْ تَنْمِيَتِه هو جَوْهرُ الوطنية وأساسُها حيث لا يُمْكنُ بَقاءُ الوَطنِ بدُوْنِ الجَنُوبِ، ولا تصور المواطنية الحَقَّة بدون الوَفاءِ لِلْجَنُوب.

لعل الإمام من خلال هذا البند حاول أن يوصل للدولة رسالة حول جنوب لبنان بعد أن تحدث في البند السابق عن سيادة الوطن ونظرة الحركة إلى تلك السيادة، وكان مضمون هذا الرسالة الحث على العمل من أجل الجنوب وإخراجه من دائرة الحرمان لأن الجنوب يشكّل نقطة محورية في أمن الوطن لكونه الواجهة والحدود مع فلسطين المحتلة، هذا بالإضافة إلى علم الإمام بأطماع الإسرائليين في الجنوب، وعندما لم يُسمع لقوله ولم تتحقق مطالبه من أجل الجنوب وقف موقفاً جريئاً وحكيماً لم يُرِد من خلاله زرع الفتن والأحقاد بل أراد من خلاله أن يسوي بين جميع طبقات الشعب وفئاته وطوائفه لأن التمييز بين فئة وأخرى من شأنه أن يزرع الأحقاد في القلوب ويجعل البلد على كف عفريت وعلى شفير هاوية الإنفجار الطائفي والمذهبي نتيجة لذاك التمييز القائم على الشر والتقسيم من الأساس فوقف الإمام بوجه الجميع وقال لهم:لا نقبل أن يبتسم لبنان وجنوبه متألم: وكأنه أراد أن يقول لهم: لا يمكن أن يبتسم لبنان وجنوبه معذّب لأنه جزء لا يتجزأ عن الوطن وإن حصل التقسيم القاتل للوطن، وإن ابتسام لبنان مع حزن الجنوب هو عبارة عن تغطية الواقع وطمث الحقيقة.

 

البَنْدُ السَادِسُ

رَأْيُ الحَرَكَةِ فِيْ فِلَسْطِيْنَ المُحْتَلة

نَصُّ البَنْدِ السَّادِسِ

وفلسطين الأرض المقدسة التي تعرضت ولم تزل لجميع أنواع الظلم هي في صلب حركتنا وعقلها وأن السعي لتحريرها أولى واجباتنها وأن الوقوف إلى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها سيما وأن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاء وإنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها.

يكشف لنا هذا البند عن سعة الهدف من تأسيس الإمام الصدر لحركة المحرومين التي لم ينحصر عملها للبنان فقط بل إنها أُسست لتكون المدافع عن كل مظلوم ومحروم في العالم كله.

لقد كان الإمام الصدر ينظر إلى فلسطين المحتلة من منظارين أساسيين هما:

أولاً: المنظار الديني: فإن الدين يوجب الدفاع عن المسلمين في أية بقعة تواجدوا فيها وظُلموا عليها، ثم إن فلسطين تمثّل في عالَم العقيدة أرض الرسالات السماوية لأنها كانت محطة للأنبياء أو لكثير منهم.

ثانياً: المنظار الإنساني: فإنه قبل أن يكون الفلسطينيون مسلمين فهُم بشرٌ لهم حقوقهم ويجب أن يمارسوا حياتهم كبشر بالدرجة الأولى، والإمام الصدر هو من أوائل المؤمنين بحقوق الإنسان والمدافعين عنه في جميع الحقول.

وقد جعل مسألة الدفاع عن فلسطين من صميم عقيدة الحركة ومن أسس أعمالها الكبرى ومشاريعها العامة.

ثم تطرق الإمام في هذا البند إلى موضوع التعايش بين الطوائف في لبنان وأنه من أهم ثروات هذا الوطن وأن قوة لبنان تكمن خلف تعدد الطوائف فيه، فإذا تمسكنا بالعيش المشترك فقد شكّلنا قوة هائلة في وجوه الطامعين والغزاة، أما التقسيم فهو من أكبر العوامل المساعدة على الضعف والتشرذم والتدمير الإنساني والإنمائي والإقتصادي والسياسي والإجتماعي في هذا الوطن.

 

البَنْدُ السَابِعُ

صِيَانَةُ الجَنُوْبِ جَوْهَرُ الوَطَنِية

نَصُّ البَنْدِ السَّابِعِ

إنَّ هَذِهِ الحركَةَ لا تُصَنِّف المواطنِيْنَ ولا تَرْفُض التعاون مع الأفراد أو الفئات الشريفة التي ترغب في بناء لبنان أفضل، إنَّها ليست حركةً طائفيةً ولا عملاً خيرياً ولا موعظةً ونصحاً ولا تهدِفُ إلى تحقيقِ مكاسبَ فِئَويَّة، إنها حركةُ المحرومينَ جميعاً، إِنَّهَا تتبنى الحاجات وتنظرُ إلى حِرْمان المواطنين وتدرُسُ الحلولَ وتتحركُ فَوراً لأجْلِها وتناضِلُ إلى جانِبِ المحْرُومينَ إلى النِّهَاية
لذلك فإنَّها تعتقدُ أَنَّها حركةُ البنانيينَ الشُّرَفاء جميعاً أولئك الذين يحسون بالحرمان في حاضِرِهِم وأولئك الذين يشعرون بالقَلَقِ على مستَقْبَلِهم ،إنَّها حركةُ اللبنانيِّ نحوَ الأَفْضَل.

وأنا أعتقد بأن هذا البند واضح الدلالة لا يحتاج إلى شرح وبيان بل يحتاج إلى تطبيق عملي في هذا الزمان لأنه يشكّل مخرجاً كبيراً من المأزق الكبير الذي وقع فيه الوطن، وأنه لا يمكن أن تحل مشاكلنا إلا عن طريق الحوار الذي كان يؤمن به الإمام الصدر وبسرعة تأثيره على الأوضاع العامة والخاصة في لبنان خصوصاً وفي العالَم كله عموماً.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى