منوعات

أقوى المناظرات إلإسلاميّة

ختام المناظرة الأولى

 

اليوم الثالث

 

قال العباسي: إن هؤلاء الشيعة يزعمون أنه لا فضل لعمر، وكفاه فضلا أنه فتح تلك الفتوحات الإسلامية.
قال العلوي: عندنا لذلك أجوبة:
أولا: إن الحكام والملوك يفتحون البلاد لأجل توسعة أراضيهم وسلطانهم، فهل هذه فضيلة؟
ثانيا: لو سلمنا أن فتوحاته فضيلة، لكن هل الفتوحات تبرر غصبه لخلافة الرسول؟ والحال أن الرسول لم يجعل الخلافة له وإنما جعلها لعلي بن أبي طالب عليه السلام فإذا أنت – أيها الملك – عينت خليفة لمقامك، ثم جاء إنسان وغصب الخلافة من خليفتك وجلس مجلسه، ثم فتح الفتوحات وعمل الصالحات، فهل ترضى أنت بفتوحاته أم تغضب عليه، لأنه خلع من عينته، وعزل خليفتك وجلس مجلسك بغير إذنك؟
قال الملك: بل أغضب عليه وفتوحاته لا تغسل جريمته!
قال العلوي: وكذلك عمر، غصب مقام الخلافة، وجلس مجلس الرسول بغير إذن من الرسول!
ثالثا: إن فتوحات عمر كانت خاطئة وكان لها نتائج سلبية معكوسة، لأن رسول الإسلام (ص) لم يهاجم أحدا، بل كانت حروبه دفاعية ولذلك رغب الناس في الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجا لأنهم عرفوا أن الإسلام دين سلم وسلام..أما عمر فإنه هاجم البلاد وأدخلهم في الإسلام بالسيف والقهر، ولذلك كره الناس الإسلام واتهموه بأنه دين السيف والقوة، لا دين المنطق واللين وصار سببا لكثرة أعداء الإسلام، فإذن: فتوحات عمر شوهت سمعة الإسلام وأعطت نتائج سلبة معكوسة ولو لم يغصب أبو بكر وعمر وعثمان الخلافة من صاحبها الشرعي: الإمام علي عليه السلام، وكان الإمام يتسلم مهام الخلافة بعد الرسول مباشرة لكان يسير ولما كانت خلافة عمر باطلة كانت فتوحاته باطلة. فما بني على باطل فهو باطل.
قال الملك – موجها الكلام إلى العباسي -: ما جوابك على كلام العلوي؟
قال العباسي: إني لم أسمع بمثل هذا الكلام من ذي قبل!
قال العلوي: الآن وحيث سمعت هذا الكلام، وتجلى لك الحق فاترك خلفاءك، واتبع خليفة رسول الله الشرعي (علي ابن أبي طالب عليه السلام). ثم أردف قائلا: عجيب أمركم معاشر السنة تنسون وتتركون الأصل وتأخذون بالفرع.
قال العباسي: وكيف ذلك؟
قال العلوي: لأنكم تذكرون فتوحات عمر، وتنسون فتوحات علي بن أبي طالب!
قال العباسي: وما هي فتوحات علي بن أبي طالب؟
قال العلوي: أغلب فتوحات الرسول حصلت وتحققت على يد الإمام علي بن أبي طالب مثل بدر وفتح خيبر وحنين وأحد والخندق وغيرها.. ولولا هذه الفتوحات التي هي أساس الإسلام لم يكن عمر، ولم يكن هنالك إسلام ولا إيمان. والدليل على ذلك أن النبي (ص) قال – لما برز علي لقتل عمرو بن عبد ود في يوم الأحزاب (الخندق): (برز الإيمان كله إلى الشرك كله، إلهي إن شئت أن لا تعبد فلا تعبد) أي: إن قتل علي تجرأ المشركون على قتلي وقتل المسلمين جميعا، فلا يبقى بعده إسلام ولا إيمان. وقال (ص): ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين
قال العباسي: لو فرضنا أن قولكم في أن عمر كان مخطئا وغاصبا وأنه غير وبدل صحيح ولكن لماذا تكرهون أبا بكر؟
قال العلوي: نكرهه لعدة أمور، أذكر لك منها أمرين:
الأول: ما فعله بفاطمة الزهراء بنت رسول الله، وسيدة نساء العالمين – عليها
الصلاة والسلام -.
الثاني: رفعه الحد عن المجرم الزاني: خالد بن الوليد.
قال الملك – متعجبا -: وهل خالد بن الوليد مجرم؟
قال العلوي: نعم
قال الملك: وما هي جريمته؟
قال العلوي: جريمته أنه: أرسله أبو بكر إلى الصحابي الجليل: (مالك بن نويرة) – الذي بشره رسول الله أنه من أهل الجنة – وأمره أي: أمر أبو بكر خالدا – أن يقتل مالك وقومه، وكان مالك خارج المدينة المنورة فلما رأى خالدا مقبلا إليه في سرية من الجيش أمر مالك قومه بحمل السلاح، فحملوا السلاح فلما وصل خالد إليهم احتال وكذب عليهم وحلف لهم بالله أنه لا يقصد بهم سوءا.
وقال: إننا لم نأت لمحاربتكم بل نحن ضيوف عليكم الليلة، فاطمأن مالك – لما حلف خالد بالله – ووضع هو وقومه السلاح وصار وقت الصلاة فوقف مالك وقومه للصلاة فهجم عليهم خالد وجماعته وكتفوا مالكا وقومه ثم قتلهم خالد عن آخرهم، ثم طمع خالد في زوجة مالك (لما رآها جميلة) وزنى بها في نفس الليلة التي قتل زوجها، ووضع رأس مالك وقومه أثافي للقدر وطبخ طعام الزنا وأكل هو وجماعته! ولما رجع خالد إلى المدينة أراد عمر أن يقتص منه لقتله المسلمين ويجري عليه الحد لزناه بزوجة مالك ولكن أبا بكر (المؤمن!) منعه عن ذلك منعا شديدا، وبعمله هذا أهدر دماء المسلمين وأسقط حدا من حدود الله!
قال الملك (متوجها إلى الوزير): هل صحيح ما ذكره العلوي في حق خالد وأبي بكر؟
قال الوزير: نعم هكذا ذكر المؤرخون
قال الملك: فلماذا يسمي بعض الناس خالدا ب‍ (سيف الله المسلول)؟
قال العلوي: إنه سيف الشيطان المشلول ولكن حيث أنه كان عدوا لعلي بن أبي طالب وكان مع عمر في حرق باب دار فاطمة الزهراء سماه بعض السنة بسيف الله
قال الملك: وهل أهل السنة أعداء علي بن أبي طالب؟
قال العلوي: إذا لم يكونوا أعداءه فلماذا مدحوا من غصب حقه والتفوا حول أعدائه وأنكروا فضائله ومناقبه حتى بلغ بهم الحقد والعداء إلى أن يقولوا: (إن أبا طالب مات كافرا) والحال إن أبا طالب كان مؤمنا وهو الذي نصر الإسلام في أشد ظروفه ودافع عن النبي في رسالته!
قال الملك: وهل أن أبا طالب أسلم؟
قال العلوي: لم يكن أبو طالب كافرا حتى يسلم، بل كان مؤمنا يخفي إيمانه، فلما بعث رسول الله (ص) أظهر أبو طالب الإسلام على يده فهو ثالث المسلمين: أولهم علي بن أبي طالب.
والثاني: السيدة خديجة الكبرى زوجة النبي (ص):
والثالث: هو أبو طالب عليه السلام.
قال الملك للوزير: هل صحيح كلام العلوي في حق أبي طالب؟
قال الوزير: نعم ذكر ذلك بعض المؤرخين
قال الملك: فلماذا اشتهر بين أهل السنة أن أبا طالب مات كافرا؟
قال العلوي: لأن أبا طالب أبو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام فحقد أهل السنة على علي ابن أبي طالب أوجب أن يقولوا: إن أباه مات كافرا، كما أن حقد السنة على (علي) أوجب أن يقتلوا ولديه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
قال الملك للعباسي: فما جوابك عن قصة خالد بن الوليد؟
قال العباسي: إن أبا بكر رأى المصلحة في ذلك!
قال العلوي – متعجبا -: سبحان الله! وأي مصلحة تقتضي أن يقتل خالد الأبرياء ويزني بنسائهم ثم يبقى بلا حد ولا عقاب، بل يفوض إليه قيادة الجيش، ويقول فيه أبو بكر إنه سيف الله، فهل سيف الله يقتل الكفار أو المؤمنين؟ وهل سيف الله يحفظ أعراض المسلمين أو يزني بنساء المسلمين؟؟
قال العباسي: هب – أيها العلوي – أن أبا بكر أخطأ، لكن عمر تدارك الأمر!
قال العلوي: تدارك الأمر هو أن يجلد خالد للزنا، ويقتله لقتله الأبرياء المؤمنين، ولم يفعل ذلك عمر، فعمر أخطأ كما أخطأ أبو بكر من قبله.
قال الملك: إنك أيها العلوي قلت في أول الكلام إن أبا بكر أساء إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) فما هي إساءته إلى فاطمة؟
قال العلوي: إن أبا بكر بعدما أخذ البيعة لنفسه من الناس بالإرهاب والسيف والتهديد والقوة أرسل عمرا وقنفذا وخالد بن الوليد وأبا عبيدة الجراح وجماعة أخرى – من المنافقين – إلى دار علي وفاطمة عليهما السلام وجمع عمر الحطب على باب بيت فاطمة (ذلك الباب الذي طالما وقف عليه الرسول وقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، وما كان يدخله إلا بعد الاستئذان وأحرق الباب بالنار، ولما جاءت فاطمة خلف الباب لترد عمر وحزبه عصر عمر فاطمة بين الحائط والباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها ونبت مسمار الباب في صدرها وصاحت فاطمة، فانهالت السياط على حبيبة رسول الله وبضعته حتى أدموا جسمها! وبقيت آثار هذه العصرة القاسية والصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة، فأصبحت مريضة عليلة حزينة حتى فارقت الحياة بعد أبيها بأيام – ففاطمة شهيدة بيت النبوة، وهي قتلت بسبب عمر بن الخطاب!
قال الملك للوزير: هل ما يذكره العلوي صحيح؟
قال الوزير: نعم إني رأيت في التواريخ ما يذكره العلوي قال العلوي: وهذا هو السبب لكراهة الشيعة أبا بكر وعمر! ثم أضاف قائلا: ويدلك على وقوع هذه الجريمة من أبي بكر وعمر أن المؤرخين ذكروا أن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر وقد ذكر الرسول (ص) في عدة أحاديث له: (إن الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها)وأنت أيها الملك تعرف ما هو مصير من غضب الله عليه!؟
قال الملك (موجها الخطاب للوزير): هل صحيح هذا الحديث؟ وهل صحيح أن فاطمة مات وهي واجدة – أي غاضبة – على أبي بكر وعمر؟
قال الوزير: نعم ذكر ذلك أهل الحديث والتاريخ
قال العلوي: ويدلك أيها الملك على صدق مقالتي: أن فاطمة أوصت إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن لا يشهد أبا بكر وعمر وسائر الذين ظلموها جنازتها، فلا يصلوا عليها، ولا يحضروا تشييعها، وأن يخفي علي قبرها حتى لا يحضروا على قبرها، ونفذ علي عليه السلام وصاياها! قال الملك: هذا أمر غريب، فهل صدر هذا الشئ من فاطمة وعلي؟
قال الوزير: هكذا ذكر المؤرخون
قال العلوي: وقد آذى أبو بكر وعمر فاطمة أذية أخرى!
قال العباسي: وما هي تلك الأذية؟
قال العلوي: هي أنهما غصبا ملكها (فدك).
قال العباسي: وما هو الدليل على أنهما غصبا (فدك)؟
قال العلوي: التواريخ ذكرت أن رسول الله (ص) أعطى فدكا لفاطمة فكانت فدك في يدها – في أيام رسول الله – فلما قبض النبي (ص) أرسل أبو بكر وعمر من أخرج عمال فاطمة من (فدك) بالجبر والسيف، واحتجت فاطمة على أبي بكر وعمر لكنهما لم يسمعا كلامها، بل نهراها ومنعاها، ولذلك لم تكلمهما حتى ماتت غاضبة عليهما
قال العباسي: لكن عمر بن عبد العزيز رد فدك على أولاد فاطمة – في أيام خلافته -؟
قال العلوي: وما الفائدة؟ فهل لو أن إنسانا غصب منك دارك وشردك ثم جاء إنسان آخر بعد أن مت أنت، ورد دارك على أولادك كان ذلك يمسح ذنب الغاصب الأول؟
قال الملك: يظهر من كلامكما – أيها العباسي والعلوي – أن الكل متفقون على
غصب أبي بكر وعمر فدكا؟
قال العباسي: نعم ذكر ذلك التاريخ
قال الملك: ولماذا فعلا ذلك؟
قال العلوي: لأنهما أرادا غصب الخلافة، وعلما بأن فدك لو بقيت بيد فاطمة لبذلت ووزعت واردها الكثير (مائة وعشرون ألف دينار ذهب – على قول بعض التواريخ -) في الناس، وبذلك يلتف الناس حول علي عليه السلام، وهذا ما كان يكرهه أبو بكر وعمر!
قال الملك: إذا صحت هذه الأقوال فعجيب أمر هؤلاء!
وإذا بطلت خلافة هؤلاء الثلاثة، فمن يا ترى يكون خليفة الرسول (ص)؟
قال العلوي: لقد عين الرسول بنفسه – وبأمر من الله تعالى – خلفاءه من بعده، في الحديث الوارد في كتب الحديث حيث قال: (الخلفاء بعدي اثنا عشر بعدد نقباء بني إسرائيل وكلهم من قريش)
قال الملك للوزير: هل صحيح أن الرسول قال ذلك؟
قال الوزير: نعم.
قال الملك: فمن هم أولئك الاثنا عشر؟
قال العباسي: أربعة منهم معروفون وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
قال الملك: فمن البقية؟
قال العباسي: خلاف في البقية بين العلماء
قال الملك: عدهم.
فسكت العباسي.
قال العلوي: أيها الملك: الآن أذكرهم بأسمائهم حسب ما جاء في كتب علماء السنة وهم: علي، الحسن، الحسين، علي، محمد، جعفر، موسى، علي، محمد، علي، الحسن، المهدي عليهم الصلاة والسلام
قال العباسي: اسمع أيها الملك: إن الشيعة يقولون بأن (المهدي) حي في دار الدنيا منذ سنة (255) وهل هذا معقول؟ ويقولون: إنه سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن تملأ جورا.
قال الملك (موجها الخطاب إلى العلوي): هل صحيح أنكم تعتقدون بذلك؟
قال العلوي: نعم صحيح ذلك، لأن الرسول قال بذلك، والرواة من الشيعة والسنة.
قال الملك: وكيف يمكن أن يبقى إنسان هذه المدة الطويلة؟
قال العلوي: الله يقول في القرآن حول نوح النبي: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) فهل يعجز الله أن يبقي إنسانا هذه المدة؟ أليس الله بيده الموت والحياة وهو على كل شئ قدير؟ ثم إن الرسول قال ذلك وهو صادق مصدق.
قال الملك (موجها الخطاب إلى الوزير): هل صحيح أن الرسول أخبر بالمهدي، على ما يقوله العلوي؟
قال الوزير: نعم..
قال الملك للعباسي: فلماذا أنت تنكر الحقائق الواردة عندنا نحن السنة؟
قال العباسي: خوفا على عقيدة العوام أن تتزلزل، وتميل قلوبهم نحو الشيعة!
قال العلوي: إذن أنت أيها العباسي مصداق لقوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * فشملتك اللعنة من الله تعالى..
ثم قال العلوي: أيها الملك اسأل هذا العباسي هل يجب على العالم المحافظة على كتاب الله وأقوال رسول الله. أم يجب عليه المحافظة على عقيدة العوام المنحرفة عن كتاب الله وأقوال رسول الله. أم يجب عليه المحافظة على عقيدة العوام المنحرفة عن الكتاب والسنة؟
قال العباسي: إني أحافظ على عقيدة العوام حتى لا تميل قلوبهم إلى الشيعة لأن الشيعة أهل البدعة!
قال العلوي: إن الكتب المعتبرة تحدثنا أن أمامكم (عمر) هو أول من أدخل البدعة في الإسلام، وصرح هو بنفسه حين قال: (نعمت البدعة في هذه) وذلك في صلاة التراويح لما أمر الناس أن يصلوا النافلة جماعة مع العلم أن الله والرسول حرما النافلة جماعة، فكانت بدعة عمر مخالفة صريحة لله والرسول! ثم: ألم يبدع عمر في الأذان بإسقاط (حي على خير العمل). وزيادة (الصلاة خير من النوم)؟ ألم يبدع بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم خلافا لله والرسول؟ ألم يبدع في إلغاء متعة الحج، خلافا لله والرسول؟ ألم يبدع في إلغاء إجراء الحد على المجرم الزاني: خالد بن الوليد، خلافا لأمر الله والرسول في وجوب إجراء الحد على الزاني والقاتل؟ إلى غيرها من بدعكم أنتم أيها السنة التابعين لعمر فهل أنتم أهل بدعة أم نحن الشيعة؟
قال الملك للوزير: هل صحيح ما ذكره العلوي من بدع عمر في الدين؟
قال الوزير: نعم ذكر ذلك جماعة من العلماء في كتبهم!
قال الملك: إذن كيف نتبع نحن إنسانا أبدع في الدين؟
قال العلوي: ولهذا يحرم اتباع هكذا إنسان، لأن رسول الله (ص).قال: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فالذين يتبعون عمر في بدعه – وهم عالمون بالأمر – فهم من أهل النار قطعا!
قال العباسي: لكن أئمة المذاهب أقروا فعل عمر؟
قال العلوي: وهذه بدعة أخرى أيها الملك!
قال الملك: وكيف ذلك!
قال العلوي: لأن أصحاب هذه المذاهب وهم: وأبو حنيفة ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، لم يكونوا في عصر النبي (ص)، بل جاؤوا بعده بمائتي سنة – تقريبا – فهل المسلمون الذين كانوا بين عصر الرسول وبين عصر هؤلاء كانوا على باطل وضلال؟ وما هو المبرر في حصر المذاهب في هؤلاء الأربعة وعدم اتباع سائر الفقهاء؟ وهل أوصى الرسول بذلك؟
قال الملك: ما تقول يا عباسي؟
قال العباسي: كان هؤلاء أعلم من غيرهم!
قال الملك: فهل أن علم العلماء جف دون هؤلاء!
قال العباسي: ولكن الشيعة أيضا يتبعون مذهب (جعفر الصادق)؟
قال العلوي: إنما نحن نتبع مذهب جعفر لأن مذهبه مذهب رسول الله لأنه من أهل البيت الذين قال الله عنهم: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * وإلا فنحن نتبع كل الأئمة الاثني عشر لكن حيث أن الإمام الصادق عليه السلام تمكن أن ينشر العلم والتفسير والأحاديث الشريفة أكثر من غيره (بسبب وجود بعض الحرية في عصره) حتى كان يحضر مجلسه أربعة آلاف تلميذ، وحتى استطاع الإمام الصادق أن يجدد معالم الإسلام بعدما حاول الأمويون والعباسيون القضاء عليها، ولهذا سمي الشيعة ب‍ (الجعفرية) نسبة إلى مجدد المذهب وهو الإمام جعفر الصادق عليه السلام
قال الملك: ما جوابك يا عباسي؟
قال العباسي: تقليد أئمة المذاهب الأربعة عادة اتخذناها نحن السنة!
قال العلوي: بل أجبركم على ذلك بعض الأمراء، وأنتم اتبعتم أولئك متابعة عمياء لا حجة لكم فيها ولا برهان! فسكت العباسي.
قال العلوي: أيها الملك: إني أشهد أن العباسي من أهل النار، إذا مات على هذه الحالة.
قال الملك: ومن أين علمت أنه من أهل النار؟
قال العلوي: لأنه ورد عن رسول الله (ص) قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) فاسأل أيها الملك: من هو إمام زمان العباسي؟
قال العباسي: لم يرد هذا الحديث عن رسول الله.
قال الملك للوزير: هل ورد هذا الحديث عن رسول الله؟
قال الوزير: نعم ورد
قال الملك: مغضبا: كنت أظن أنك أيها العباسي ثقة، والآن تبين لي كذبك!
قال العباسي: إني أعرف إمام زماني!
قال العلوي: فمن هو؟
قال العباسي: الملك!
قال العلوي: اعلم أيها الملك أنه يكذب، ولا يقول ذلك إلا تملقا لك!
قال الملك: نعم إني أعلم أنه يكذب، وإني أعرف نفسي بأني لا أصلح أن أكون إمام زمان الناس، لأني لا أعلم شيئا، وأقضي غالب أوقاتي بالصيد والشؤون الإدارية!
ثم قال الملك: أيها العلوي فمن هو إمام الزمان في رأيك؟
قال العلوي: إمام الزمان في نظري وعقيدتي هو (الإمام المهدي) عليه السلام كما تقدم الحديث حوله عن رسول الله (ص) فمن عرفه مات ميتة المسلمين. وهو من أهل الجنة، ومن لم يعرفه مات ميتة جاهلية وهو في النار مع أهل الجاهلية! وهنا تهلل وجه الملك شاه وظهرت آثار الفرح والسرور في وجهه والتفت إلى الحاضرين قائلا: اعلموا أيتها الجماعة أني قد اطمأننت ووثقت من هذه المحاورة (وقد كانت دامت ثلاثة أيام) وعرفت وتيقنت أن الحق مع الشيعة في كل ما يقولون ويعتقدون، وأن أهل السنة باطل مذهبهم، منحرفة عقيدتهم، وأني أكون ممن إذا رأى الحق أذعن له واعترف به، ولا أكون من أهل الباطل في الدنيا وأهل النار في الآخرة ولذلك فإنني أعلن تشيعي أمامكم، ومن أحب أن يكون معي فليتشيع على بركة الله ورضوانه ويخرج نفسه من ظلمات الباطل إلى نور الحق!
فقال الوزير نظام الملك: وأنا كنت أعلم ذلك، وأن التشيع حق، وأن المذهب الصحيح فقط هو مذهب الشيعة منذ أيام دراستي ولذا أعلن أنا أيضا تشيعي. وهكذا دخل أغلب العلماء والوزراء والقواد الحاضرين في المجلس (وكان عددهم يقارب السبعين) في مذهب الشيعة. وانتشر خبر تشيع الملك ونظام الملك والوزراء والقواد والكتاب في كافة البلاد، فدخل في التشيع عدد كبير من الناس، وأمر نظام الملك – وهو والد زوجتي – أن يدرس الأساتذة مذهب الشيعة في المدارس النظامية في بغداد! لكن بقي بعض علماء السنة الذين أصروا على الباطل على مذهبهم السابق مصداقا لقوله تعالى: * (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) * وأخذوا يحيكون المؤامرات ضد الملك ونظام الملك وحملوه تبعة هذا الأمر إذ كان هو العقل المدبر للبلاد، حتى امتدت إليه يد أثيمة – بإيعاز من هؤلاء المعاندين السنة – فاغتالوه في 12 رمضان سنة (485 ه‍)، وبعد ذلك اغتالوا الملك شاه سلجوقي.
فإنا لله وإنا إليه راجعون فلقد قتلا في سبيل الله ومن أجل الحق والإيمان، فهنيئا لهم ولكل من يقتل في سبيل الله ومن أجل الحق والإيمان.
وقد نظمت قصيدة رثاء للشيخ العظيم نظام الملك ومنها هذه الأبيات:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة * نفيسة صاغها الرحمن من شرف
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها * فردها غيرة منه إلى الصدف
اختار مذهب حق في محاورة * تبدي الحقيقة في برهان منكشف
دين التشيع حق لا مراء له * وما سواه سراب خادع السجف
لكن حقدا دفينا حركوه له * فبات بدر الدجي في ظل منخسف
عليه ألف سلام الله تالية * تترى على روحه في الخلد والغرف
هذا وقد كنت أنا حاضر المجلس والمحاورة، وقد سجلت كل ما دار في المجلس، ولكني حذفت الزوائد، واختصرت المجلس في هذه الرسالة. والحمد لله وحده والصلاة على محمد وآله الأطياب وأصحابه الأنجاب. كتبته في بغداد في المدرسة النظامية.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى