
قِصةُ أَصْحَابِ الأَيْكَة
من الأمم الذين جعلهم الله سبحانه عبرةً للناس عَبر الزمن أصحابُ الأيكة الذين ظلموا أنفسهم وأصروا على الكفر فكانت عاقبتهم وخيمة ونهايتهم قاسية.
قال سبحانه(كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)
ذكر الله سبحانه أصحاب الأيكة في أكثر من سورة، وإن دلّ هذا التكرار على شيء فإنما يدل على أهمية الموضوع المشار إليه وأنه يجب الوقوف عليه للإستفادة منه.
وقد ذكر المفسرون بأنّ أصحاب الأيكة هم أهل مدين الذين أرسل الله سبحانه منهم وإليهم نبيّه شعيباً(ع) ليُنذرهم ويحذرهم من نقص المكيال والميزان وعبادة المخلوقات حيث اشتُهر عنهم ذلك، وقد أشار القرآن إلى هذه النقطة عندما قال(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
كانوا يأكلون بعضهم البعض عن طريق البخس بالميزان والمكيال، وقد نهاهم نبيّهم عن ممارسة هذه الجريمة بحق بعضهم، وبيّن لهم مبغوضيتها عند الله تعالى.
وهي المدينة التي لجأ إليها كليم موسى عندما ترك مصراً بعد تلك الحادثة المعلومة التي أجبرتك على ترك مصر.
تقع هذه المدينة شمال غرب الجزيرة العربية، وقد أشبه بنيانهم بنيان ثمود في الحصانة والمتانة والإزدهار، وقد أنعم الله عليهم بالكثير فلم يحفظوا النعمة ولم يشكروا المُنعِم.
أما تسميتهم بأصحاب الأيكة فهو نسبة لشجرة الأيكة الكثيفة أوراقها والتي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل، وكان نبي الله شعيب(ع) يعظهم ويحذرهم من غضب الله، وينهاهم عن الغش في الوزن، وعن عبادة تلك الشجرة التي لا تضر ولا تنفع، وقد حذّرهم من الشيطان الرجيم فلم يحذروا ولم ينتهوا، وكانوا يعتبرونه مشكلةً في حياتهم، فأتَوا إلى داره وخيّروه بين أمرين، إما أن يكفَّ عن دعوة الناس إلى دينه ويتركهم يفعلون ما يحلو لهم، أو أنهم سوف يخرجونه من المدينة هو والذين آمنوا معه.
لقد اتهموه بأنه ساحر وأنه يريد تحقيق ثروة من وراء هذه الدعوة واتهموه أيضاً بالكذب، كما صنع كثير من الأقوام مع أنبيائهم، وهذا ما ذُكر في القرآن صريحاً(قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)
قالوا ذلك وهم في قرارة أنفسهم يعرفون صدقَه، ولكنهم كرهوا الهزيمة والإستسلام فأصروا على كفرهم، مع أن الإعتراف بالحق هو نصرٌ وليس هزيمة.
لقد استعجلوا العذاب لأنفسهم، وما طلبوه من نبيّهم واقعٌ بهم لا محالة، ولكن عندما يحين الموعد المحدد لهلاكهم، وهذا الأمر بيد الله وحده فهو الذي يحدد الزمن المناسب لجعلهم عبرة لمن يأتي بعدهم.
وأما عن تهديده بإخراجه من المدينة هو والذين معه قال تعالى(قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)
الأمر لم يقتصر على توقّفه عن دعوته، بل طلبوا منه الدخول في دينهم، وهذا ما لم يمكن أن يحصل بحال من الأحوال.
وقف شعيبٌ(ع) في وجوههم وأخبرهم بأنه مُصرٌ على دعوته، وليفعلوا ما يحلو لهم، فاشتد الصراع بينه وبينهم فخرجوا من داره بعدما توعَّدوه بإخراجه من المدينة، ورغم كل ما حصل لم يتوقف عن دعوتهم إلى الحق وينهاهم عن الغش، وهم يصرون على البخس في الميزان وعبادة شجرة الأيكة، إلى أن أخبرهم بدنو عذاب الله لهم فلم يلتفتوا لتحذيره بل استهزؤوا بكلامه وتمادوا في غيّهم وبغيهم.
وجاء اليوم المحدد للإنتقام منهم وأخْذِ الدرس مما سوف يحلُّ بهم، فنزل عليهم غضبُ الله سبحانه حيث أصابتهم الرجفة في ديارهم فلم يستطيعوا النهوض من مكانهم وكأنّ زلزالاً مستمراً قد ضربهم، وماتوا بعد ذلك، وقد قيل بأنه نزل عليهم أكثر من عذاب في ىنٍ واحد فأهلكهم الله عن آخرهم.
ففي سورة الأعراف أخبرنا الله سبحانه بأنه أهلكهم بالرجفة(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
وفي سورة العنكبوت(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
وفي سورة الشعراء(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)
الشيخ علي فقيه

