منوعات

قَصَصُ القُرْآنِ الكَرِيْم

قصة نبي الله يوسف(ع)

 

قِصةُ سُجُوْدِ الكَوَاكِبِ فيْ مَنَام يُوسُف

 

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)
لا بُدَّ لهذه الرؤيا النبوية أن تتحقق، ولم يكن يعلم زمن تحقّها إلا الله عز وجل، فقد أراد ربُّ العالمين أن يرفع شأن عبدِه يوسف(ع) الذي ظلمه أخوته، ويمنَّ على أهل مصرَ بحاكمٍ عادل يتعاطى مع الجميع بطريقة واحدة دون أن يفرّق بين رفيع أو وضيع أو عبدٍ أو سيّد، فهيّأ الله سبحانه له الظروف المناسبة وسبّب له الأسباب حتى يصل إلى تلك البقعة من الأرض ويعتلي عرش مصر فيما يأتي من الزمن وينشر الدين والخير والعدل بين الناس.
ففي صبيحة بعض الأيام استيقظ يوسف(ع) على رؤيا غريبةٍ قصّها على أبيه نبي الله يعقوب(ع) الذي شعر بالخطر على يوسف منذ ذلك الحين، فأمره أن يخفيَ رؤياه عن أخوته حيث كان يعلم بتأويلها ويعرف مدى حقد أبنائه على أخيهم يوسف، وأنهم ينتظرون الفرصة السانحة للإنقضاض عليه، وكانت تلك الرؤيا بداية قصة طويلة ورحلة استغرقت عقوداً من الزمن، وقد ذكرها الله عز وجل من البداية حتى النهاية في سورة قرآنية كاملة.
وهنا نضع الإصبع على جزء صغير من تلك القصة النبوية الرائعة، وهذا الجزء بحد ذاته يصلُح أن يكون قصة متكاملة يستفيد منها الناس عبر الزمن.
وبطريقةٍ ما عَلِم أخوة يوسف بتلك الرؤيا فحقدوا عليه أكثر وتآمروا على إبعاده عن أبيه حتى يكسبوا اهتمام أبيهم دونه(اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)
فاتفقوا أن يقتلوه فاعترض عليهم أحدهم، فاستطاع أن يمنعهم من قَتله، فأجمعوا أمرهم على إلقائه في بئرٍ بعيدة بعد أن ضربوه وعذّبوه دون أي ذنبٍ ارتكبه، ورجعوا إلى أبيهم مساءَ ذلك اليوم يتباكَون مدّعين بأنّ الذئب قد أكله(وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ)
وبتسديد الله لعبده يوسف استخرجه بعض المارّة من البئر واصطحبوه معهم إلى مصر وباعوه بثمن زهيد(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) فتعاملوا معه على أنه سلعة رخيصة، فوصل بتوفيق من الله إلى قصر عزيز مصر وحدث معه ما قد تعرفون إلى أن منّ الله عليه بالمُلك فاستلم مكان عزيز مصر وقد تعامل مع الناس بالعدل والمساواة، وبفضله أُنقذ الناس من مجاعة محتمة كانت سوف تقتلهم جميعاً لولا حكمة يوسف(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
سمع أخوة يوسف بكرم هذا العزيز وهم لا يعرفون بأنه أخوهم فذهبوا إليه واستعطوه فأعطاهم بسخاء(وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)
وبعد أحداث كثيرة تعرّفوا عليه فأمرهم بالرجوع إلى الوطن واصطحاب أبويه إلى مصر ففعلوا ذلك.
فجاءه أبوه نبي الله يعقوب بعد أن ردّ الله عليه بصره الذي فقده من قبلُ حزناً على فراق يوسف ووصل إلى مصر والتقى بابنه الحبيب الذي أصعد أبويه على العرش ورحّب بهما أعظم ترحيب.
أما أخوته فعندما رأوا من حسن أخلاقه ما رأوه ندموا على تلك الفعلة الشنعاء وتابوا إلى الله وسجدوا لله شكراً أمام عرش أخيهم.
ولما نظر يوسف إليهم وهم ساجدون نظر إلى أبيع يعقوب(ع) وأخبره بأن هذا السجود هو تأويل الرؤيا التي رآها من قبلُ، فحمدوا الله وشكروه على نعمه وعاشوا بقية حياتهم في ظل عدالة أخيهم النبي يوسف(ع).
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)

قِصةُ رُؤْيَا صَاحِبَي السِّجْن

 

بعد مُراودة زُلَيخا لنبي الله يوسف(ع) واستعصامه أمرَتْ بزّجِّه السِّجن ظلماً، ونَزَل عزيزُ مِصْرَ عند رغبتها فسجنه خوفاً من الفضيحة وإرضاءاً لزوجته التي كانت فائقة الجمال.
وكان معه في السجن رجال رأوا من حسنِ أخلاقه ما أدهشهم، فلم يروه إلا ذاكراً لله سبحانه وتعالى فعَظُم شأنه في نفوسهم وأصبح يوسف المرجع لهم في العديد من الشؤون.
وقد أُدخل السجن رجلان كانا مقرَّبين من الملك وقد خاناه، وكان واحد منهما مغرراً به.
وقد سحرهما جمال وجه يوسف وأخلاقه فلم يشعروا بمرارة السجن وهم معه، وراح يعلمهما الدين ويدعوهما إلى الإيمان بالله تعالى كما كان يفعل كل الأنبياء(ع).
وفي ليلةٍ من الليالي شاءت حكمة الله أن تبدأ مرحلة جديدة ليوسف الصدّيق الذي دفع ثمن جريمة لم يرتكبها، والله تعالى يُجري الأمور بأسبابها، ففي صبيحة تلك الليلة استيقظ السجينان وكان كلٌ منهما قد رأى مناماً شغل باله ولم يعرف تأويله، ولا يوجد من يفسر لهما الرؤيا إلا الصدّيق يوسف.
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
أما الأول فقد رأى في منامه أنه يقطف عناقيد عِنبٍ ويعصرها في أوانٍ.
وأما الثاني فرآى أنه يحمل خبزاً فوق رأسه وكانت الطيور تأتي وتأكل من ذلك الخبز، ولأنهما عرفا فضل يوسف وأدركا أنه من العلماء فقد سألاه أن يفسر لهما مناميهما.
لقد استغل يوسف هذا الموقف فعرض لهما ما عنده من تعاليم الدين الذي بُعث به ثم شَرَع في تفسير مناميهما.
فأخبر الأول بأنه سوف يرجع إلى القصر ويرضى عنه الملك بعد أن تثبت براءته، وسوف يكون ساقياً للملك.
وأما الثاني فأخبره بأنه فسوف يُحكم عليه بالموت ويُصلب على نخلة فتأتي الطيور الجارحة وتأكل لحم رأسه.
ثم طلب يوسف من صاحب الرؤيا الأولى وقد علم بأنه سوف يخرج من السجن أن يذكره عند الملك فإنه يريد أن يبيّن مظلوميته ويُجلي الصورة التي اتُخذت عنه بسبب فعل زليخا.
فخرج صاحب الرؤيا الأولى من السجن ولكنّ الشيطان أنساه طلب نبي الله يوسف منه فلم يذكره عند الملك، وبسبب نسيانه لبث يوسف في السجن بضع سنين.
ومرّت بضع أعوام حتى استفاق الملك ذات صباح على رؤيا مزعجة(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) فعجز العلماء في ذلك العصر عن تفسير تلك الرؤيا، وهناك تذكّر الساقي نبي الله يوسف فذكر أمره عند الملك فأخبره بأمر يوسف فأرسله الملك إلى يوسف ليسأله عما رآه، فذهب الساقي إلى يوسف وأخبره برؤيا الملك ففسرها له(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) وعندما رجع الساقي إلى الملك وأخبره بما قاله يوسف أُعجب به فأمر الملك بإخراجه من السجن على الفور فخرج من السجن منتصراً وحصل كل ما قاله يوسف بعد تلك الرؤيا.
وقبل أن يخرج من السجن اشترط عليهم أن تعترف زليخا بذنبها فأجبرها زوجها على الإعتراف فاعترفت بالذنب الذي ارتكبته في حق يوسف الطاهر.
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)
وقد أُعجب الملك بجمال وجه يوسف وجمال أخلاقه وغزارة علمه وفطنته فقرر أن يدنيه منه ويسلّمه منصباً رفيعاً في مصر وقد فعل وأصبح يوسف(ع) حاكم مصر وقد منّ الله عليه بعد أن كان من الصابرين الذاكرين العابدين.

قِصةُ مُرَاوَدَةِ زُلَيْخَا لِيُوسُفَ الصديق

 

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
عندما راودته عن نفسها استعصم، وآثر السجن على الوقوع في المعصية(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) إنها زُليخا زوجة العزيز التي شغفها حبُّ يوسف الذي كان من المفروض أن تعامله كولدٍ لها، ولكن الشيطان وسوس لها لتوقع بيوسف في الحرام، فكان إيمانه أقوى من سطوة إبليس، ولكي ندرك تفاصيل القصة سوف نذكرها لكم كما وردت في سورة يوسف مع شرحٍ مختصر لبعض الكلمات حتى نخرج من هذه القصة بالعبرة المطلوبة.
يوماً بعد يوم كان حبُّ يوسف يأسر قلبها، وكان من أجمل الناس على الإطلاق، وقد ورد بأنّ الجمال انقسم نصفين، نصفٌ وُضع في يوسف، ونصفٌ في باقي الناس.
وكانت زليخا ذا مال وجاه وجمال تأمر فتُطاع ولا يرفض أحد لها طلباً، وكان العزيز مشغولاً بإدارة شؤون البلاد فأهمل قصره وإدارة شؤون أسرته، فراحت تهدف إلى ما تريد دون قيد أو شرط وتتحايل على يوسف لتغريه وتوقعه في حبها فلم يعبأ بها لأنه كان مشغولاً بربه فقط.
وما يلفت الإنتباه في الآية الكريمة هو التعبير الخاص الذي أضفى رونقاً جميلاً على تركيب الجملة، فإن الله سبحانه لم يقل(وراودته امرأة العزيز) أو(راودته زليخا) أو ما شابهها من جُمل عادية، ولكنه قال(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) وهنا يكمن السر في إعجاز هذا الكتاب المُنير.
والمراودة هي طلب شيء لا يريده الطرف الآخرة، بل هو طلبٌ يأتي بطريق الملاطفة وليس بالقوة.
فلقد استغلت زليخا غياب زوجها عن القصر وأبعدتْ بعض الخدم وراحت تغلق أبواب الغرف كيلا يتمكن يوسف من الهرب أو كيلا يدخل عليها أحد فيقطع رغبتها.
ولعلها كانت بهذا العمل تحاول أن ترغّب يوسف بها وتلقي الإطمئنان في نفسه من أنه لا يستطيع أحد أن يدخل عليهما أو يقطع خلوتهما، ولكنه كان يعلم بأن الله تعالى معهما، ولعلها كانت تراوده عن نفسه أكثر من مرة، ولكنّ هذه المرة كانت غير كل مرة لأنها كانت عازمة على فعل ما تريد، وقد أنساها الشيطان عواقب هذه الإساءة لنفسها وسمعة زوجها فضلاً عن كونها إساءة لربها.
وهنا اعترفت ليوسف بشغفها وحبها له، وراحت تغريه وتمنّيه وهو لا يكترث لها، فقد توجّه إلى الله بالدعاء أن يصرف عنه السوء كيلا يصبو إليها فيكون من الخاسرين.
(وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)
بمعنى هلُمَّ إليَّ، أو تهيّأتُ لك، فهيا نفّذ ما أريد لأن الجو مناسب ولن يرانا أحد، مع أنّ الله يسمع ويرى، ولا فرق عنده بين السر والعَلَن فهو يعلم السرّ وما أخفى.
(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)
عندما لم يجد لنفسه مهرباً من سيطرة الشيطان على تلك المرأة راح يعظها ويحذّرها مبيّناً لها عظمة آثار الخيانة، فلا يجوز أن نصنع ذلك.
وقد اختلف المفسرون في معنى كلمة(رَبِّي) فقد ذهب بعضهم إلى أن المقصود بها هو رب القصر أي عزيز مصر، ويجوز استعمال هذا اللفظ للدلالة على غير الله تعالى كرب الأسرة ورب البلدة، وقد استُعمل هذا اللفظ في سورة يوسف أربع مرات وكان المراد بها غير رب العالمين كما في قوله(اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك) أي عند الملك بعد أن تخرج من السجن.
فقد كان استعمالها في تلك المواضع واضح الدلالة لوجود قرائن تصرف الذهن عن المعنى الخاص، ولفظ الرب هو من الألفاظ المشتركة التي يصح استعمالها وإرادة أكثر من معنى بها.
فمنهم مَن قال إن المراد بها في هذه الآية هو الله سبحانه وذلك لعَود الضمير في(إنه) على كلمة ربي التي أتت بعد قوله(معاذَ الله) ولا شك بأن الله تعالى قد أحسن مثوى يوسف وكرّمه ومنّ عليه بالعلم والنبوّة(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)
ومنهم مَن ذهب إلى أنّ المراد بها هو عزيز مصر الذي كرّم يوسف وأحسن مثواه وعامله بكل لطف، وقد قال الله في ذلك(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)
ولعل الأكثرين ذهبوا إلى المعنى الثاني لوجود قرائن منفصلة تصرف الذهن إلى معنى عزيز مصر، وأن يوسف يريد أن يبادل إكرامه له بالإحسان إليه وحفظ عرضه وصيانة كرامته.
ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عن تلك المراودة فيقول(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
لقد جرتْ نقاشاتٌ طويلة حول المراد من هذه الآية الكريمة، وقد اختلف المفسرون في معنى الهمّ من طرف يوسف(ع)، أما أنها همّت به فقد دعته ليقضي بها وطراً، وهذا معلومٌ لدينا منذ البداية، وأما همّه بها فكان محل خلافٍ بين المفسرين ولكنّ يوسف(ع) إنسان معصومٌ عن الخطأ، وبرهان الله الذي رآه إنما هو مستقرٌ في قلبه وروحه من الأساس، ولهذا قال بعضهم إن يوسف(ع) كاد يقع لولا أن رأى برهان ربه.
ورأى بعض المفسرين بأن يوسف همّ بالوقوع في الخطأ ولكنه لم يقع بسبب إيمانه العميق، ولو أردنا أن ندخل في هذا الموضوع لما خرجنا منه إلا بالعديد من البحوث، وفي مقدمتها بحث العِصمة وحقيقتها في الأنبياء، وهل أن المعصوم تنسلخ منه الشهوات أو أنها موجودة فيه ولكنه يمتنع بقوة العصمة.
وخلاصة تلك النقاشات أنها دفعت به إليها، ودفعها عنه بتوفيق وتسديد من الله تعالى، وهذا ما دلت عليه الآية الآتية التي تتحدث عن دليل براءته، وهو أنّ قميصه قُدّ من الخلف، وهذا يعني أنه كان يهرب منها وهي تشده إليها.
ومن هنا يترجّح القول بأن يوسف لم تسوّل له نفسه الخطأ رغم أنه كان قريباً منه والظروف كلها كانت مهيأة له، ولكنه استعصم.
وهذا ما اعترفت به زليخا في نهاية المطاف وأنها لم تر منه أي تجاوب للوقوع في الخطيئة، وهذا ما أثار غضبها أكثر فلقد نظرت إلى الأمر من زاوية ضيّقة جداً وظنّت بأن يوسف قد امتنع عنها لأنها قبيحة الشكل أو ما شاكل ذلك من الأوهام التي تطرأ على عقول بعض النساء، بينما كان يوسف(ع) غارقاً في نور الإيمان والعصمة(أنا راودتُّهُ عَنْ نَفْسِه فاستَعْصَم)
وهذا دليلٌ واضح على براءته.

قِصةُ الشاهِدِ فِيْ قَصْرِ العَزِيْز

 

(وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
حاولت معه بكل الوسائل المتاحة لديها فلم يستجب لها، وعرضتْ عليه الدنيا فرفضها، وسهّلت له طرق المعصية فاستصعبها، وكانت تلحق به من مكان إلى مكان داخل الغرفة، وكأنها جُنّت، وكان يفلت من بين يديها ويحاول فتح أي باب من التي أحكمت إغلاقها حتى استطاع فتح أحدها فتفاجأ بوجود عزيز مصر خلف الباب، وكانت صدمة كبيرة للطرفين، فراحت تتمظهر بمظهر المغلوب على أمره وبادرت زوجها بالقول(مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا) وقد عمِلت بالمثل الشعبي الشهير(ضربني وبكى سبقني واشتكى) وفي تلك اللحظة لم يَعُد همها إشباع رغبتها، بل تبرئة ساحتها، لأن تبعات هذا الذنب كبيرة عليها وعلى زوجها العزيز، فحاولت أن تبرّئ نفسها على حساب شاب صادق وطاهر لم يقترف أي خطأ، ولكن الله تعالى يؤيّد عباده بنصره.
وهنا وقع العزيز في مشكلة كبيرة، فقد خاف من الفضيحة وأراد أن يدفن السر داخل القصر كيلا ينتشر الخبر فتذهب كرامته، ولا نعرف ما الذي ربط على قلبه، فلو حصل مثل هذا مع غيره لارتكب حماقة من ساعتها، ولكنه كان رجلاً واعياً يُدرك عواقب الأمور، ولهذا تأنى في العقاب، فلا يصح في حق رجل مسؤول مثله أن يتسرع في الحكم على أحد، فعندما وجداه واقفاً خلف الباب يسترق السمع تعاملت معه بكيدٍ واضح، ولعله كان يقف خلف الباب من البداية يسمع ما يدور من حديثٍ بينهما، ولكنه كره أن يوجّه الإتهام المباشر لزوجته التي كان يحبها حباً كبيراً أو ليوسف الذي لم يعرف عنه إلا الخير منذ أن وطئت قدماه قصره، فوقع في ورطة حقيقية لا يدري كيف الخلاص منها.
فزُليخا تتهم يوسف بالفاحشة وأنه راودها عن نفسها(مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا) ويوسف المندهش يحاول ردّ التهمة عن نفسه(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) فهل يصدّق العزيز يوسف الصدّيق ويكذّب زوجته الحبيبة، أم يصدقّها ويكذّب يوسف البريء؟ إنه في وضعٍ لا يُحسَد عليه، فما العمل إذاً؟
وهنا تدخّلت إرادة الله سبحانه كيلا يحترق هذا الشاب بتهمة كاذبة في حقه، فكان في القصر أحد أقارب زليخا، وكان رجلاً حكيماً، فوضع ميزاناً لحل تلك المشكلة، وكان عزيز مصر يأخذ بكلامه لحكمته ونباهته.
فهل عندك أيها الحكيم حلٌّ لتلك الورطة؟
نعم: الحل يكمن في النظر إلى قميص يوسف، فإن كان قُدّ من الخلف فهو صادق في دفاعه عن نفسه، أما إن كان القدّ من الأمام فهي صادقة فيما تدّعيه، وعندما وجدوا القميص قد قُد من الخلف ظهرت لهم الحقيقة جليّةً(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ) وعندها راح عزيز مصر يلاطف يوسف ويطلب منه نسيان هذا الموضوع(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) ثم توجّه إلى زوجته بلغة التوبيخ وطلب منها الإستغفار لهذا الذنب الشنيع الذي ارتكبته في حق إنسان شهم ونبيل(وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)
وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذا الشاهد:
فمنهم مَن قال بأنّ الشاهد كان طفلاً رضيعاً وقد أنطقه الله بقدرته حتى يبرّئ ساحة عبده يوسف.
ومنهم مَن قال بأن الشاهد أحد أقارب زليخا بدليل قوله تعالى(شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)
ومنهم مَن قال بأن الشاهد هو الحال، أي أنهم بمجرد أن رأوا قميصه قُدَّ من دُبُر اعتبروها شهادة على براءته.

قِصةُ النسْوَةِ فِيْ قَصْرِ زُلَيْخَا

 

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)
بطريقةٍ ما وصل خبر زليخا مع فتاها إلى مسامع الناس، وبطبيعة الحال سوف تكون مثل هذه الحالة حديث الساعة في مجتمعهم لأنّ ما حصل لم يكن بالأمر السهل، فكيف يمكن لامرأة بمستوى زليخا أن تراود يوسف عن نفسه وهو في مقام ولدها، أيُعقل هذا؟
وراحت بعض النسوة في المدينة ينتقصنَ من شأن زليخا ويستهجنّ فعلتها، وهنّ بذلك يردْنَ الحطَّ من شأنها بداعي الحسد كما جرت العادة بينهن، ولعلهن كُنّ من أشراف أهل مصر حيث كنّ يستقصين أخبار بعضهن البعض لافتعال المؤامرات وتمرير الكيد.
فخافت زليخا من انتشار الخبر أكثر، وراحت تفكر بطريقة تتخلص بها من كلام النسوة وتُثبت لهنّ لو أنهنّ كُنّ في مكانها لفعلن أكثر مما فعلَتْ.
وفجأةً لمعت في ذهنها فكرة تظنها سوف تنجح فأرسلت خلف النسوة واستدعتهن للحضور إلى قصرها فأتين مسرعات وأجلستهن على متكئات وأعطت كل واحدة منهن سكيناً، وراحت تلك النسوة يتساءلن عن الأمر، لماذا تعطينا سكيناً، فهل جُنّت بعد تلك الحادثة(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا)
ثم استدعت يوسف(ع) الذي طلبت منه المكوث في غرفته وأن لا يخرج إلا بإذنها، فطلبت منه الخروج عليهن ففعل ذلك، وعندما رأين هذا الجمال الملائكي الذي لا يمكن وصفه عظُم في نفوسهن ورحنَ يُقطعنَ أيديهن بدل أن يقطعن الفاكهة وهنّ غير شاعرات بالألم لشدة هذا الجمال الذي لم تر إحداهن مثله طيلة حياتها(وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)
ولشدة جماله أقسمن بأنه ليس من البشر وإنما هو من الملائكة.
وقد نجحت خطة زليخا هذه المرة فقد استطاعت أن تُسكتهن(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ) وهذه شهادة أخرى تُثبت نزاهة يوسف(ع)، فقد رأيتن يوسف مرة واحدة وقطعتن أيديكن، فكيف تلمنني وأنا أراه كل يوم وليلة.
فلو كانت إحداكن مكاني أما فعلت كما فعلتُ؟ وبطبيعة الحال لن تسمع منهن الجواب لأنهن كنّ سوف يفعلن ما فعلت زليخا وأكثر.

قِصةُ إِدْخَالِ يُوْسُف إِلَى السجْن

 

(وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)
من الطبيعي لزليخا أن تتمادى في ضلالها عندما اكتفى زوجها بقوله(استغفري لذنبك) فلم يطردها ولم يسجنها ولم يضربها ولم يضيّق عليها وكأن الأمر لا يعنيه بسبب انشغاله بالحكم والسلطة، فعندما رأت من زوجها هذا التساهل حيال خطئها قررت أن تعيد فعلتها مرة أخرى، ولن ترحم يوسف في هذه المرة، فإما أن ينفّذ لها كل ما تطلبه منه أو تأمر بسجنه وإذلاله.
هناك أشخاصٌ لا يعتبرون إلا بالعقاب، ولهذا فإن الدين الحنيف قد فرض العقاب على بعض المخالفات الشرعية لأن كثيراً من الناس لا تستقيم أمورهم إلا بطريق القسوة والغلظة كحال بعض الأولاد في المدارس فإنه إن كان المعلّم متساهلاً معهم تركوا الدروس وانشغلوا باللعب واللهو.
ولم تكتفي زليخا بمراودة يوسف في الخفاء، فبعد الإستخفاف الذي بدر من زوجها أصبحت تتصرف في العلن ومن دون أي حياء، فقد عمدت إلى بعض النسوة حولها وأمرتْهن أن يُرغِّبْن يوسف بها، وقد حاولن معه بشتى الوسائل فلم يداهن منهن واحدة ولو بكلمة، ولعل منهن من راودته عن نفسه أيضاً فكُنّ شركاء مع زليخا في تلك المراودة بدليل قوله تعالى(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ)
ولعلها حاولت أن تراوده عن نفسه أكثر من مرة وهو يمتنع، وفي كل مرة كان يستعصم فغضبت عليه وقررت أن تبعده عن ناظريها فطلبت من زوجها أن يأمر بسجنه فاستجاب لطلبها علها تنساه ويتخلص هو من الفضيحة تلو الأخرى لأنه يعرف مدى إصرار زوجته على تحقيق رغباتها، ولا يمكن لهذا الملف أن يُطوى إلا بإبعاد يوسف، وكان أمامهم ثلاثة خيارات:
إما أن يقتلوه، وكان هذا أمراً صعباً عليهم حيث كان كالولد بالنسبة لهم، وإن هم ارتكبوا مثل هذه الجريمة فلن يرحمهم الناس ولا التاريخ.
وإما أن ينفوه من البلاد، وهذا ما كرهته زليحا حيث كانت تأمل بأنه في يوم من الأيام سوف يستجيب لها.
وإما أن يُسجن، وبهذه الطريقة تضمن حياته ووجوده قريباً منها، وفي نفس الوقت سوف ينسى الناس كل ما حدث.
وهنا وهروباً من العصيان توجّه يوسف بالدعاء طالباً العون من رب العالمين، فقد صبر عليها وعلى إغراءاتها طويلاً، وهو الآن يخاف من نفسه أن يصبو إليها أو إلى أية امرأة أخرى فوافق على أن يُسجن(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) وكانت الطريقة الوحيدة لصرف الكيد عنه هو أن يودع السجن وقد حصل ذلك بمرسوم ملكي وأودع السجن لبضع سنين، وكان مرتاحاً في سجنه يعبد ربه براحته ولا أحد يعكّر عليه صفو تلك العلاقة الحميمة بينه وبين خالقه.
نحن نكتب هذه القصة أو نقرأها، وهو أمرٌ سهل للغاية، وربما نستفيد منها وربما نجعلها مجرد تسلية، أما الواقع المرير الذي كان عليه يوسف(ع) فقد كان صعباً للغاية، لأن المحافظة على الأخلاق بين قومٍ لا يعرفون عن الأخلاق شيئاً أمرٌ صعبٌ للغاية، ومحاولة الإيقاع بيوسف الشاب صاحب الأحاسيس والمشاعر مرات ومرات إنه لمن أصعب المراحل التي يمكن أن يمر بها أي شاب مؤمن.
يمكن لنا أن ندرك عظمة يوسف لو تخيلنا بأننا مكانه في تلك المرحلة، فهل كنا سوف نفعل ما فعل؟ أو هل كنا سنقبل بمرارة السجن من أجل الحفاظ على الدين ونتخلى عن العيش الكريم في ذلك القصر الواسع الذي كان يتمنى الجميع دخوله لما فيه من وسائل الترف والمتعة.

قِصةُ خُرُوْجِ يُوْسُفَ مِنَ السجْن

 

أُمِرَ به فزُجَّ في السجن ظلماً دون ذنب ارتكبه، وإنما حصل ذلك نزولاً عند رغبة امرأة العزيز التي لم تكن قادرة على ضبط أهوائها، فاستخفّت بمشاعر شاب كان من المفروض أن يكون بمقام ولدها الحقيقي، وصبّت عليه حِمم حقدها وأفقدته الحرية لسنوات بسبب عصمته التي انتفعت هي بها في النهاية.
أما يوسف(ع) فقد رأى في السجن خلاصاً له من هذا الإمتحان الصعب، وقد عبّر عن هذه الإرادة بقوله(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) ومن هذه القصة وغيرها نتنبّأ بعظمة الأنبياء(ع) وندرك السبب في جعلهم أمثلة عليا للبشرية، كما وأننا نهدف من وراء بيان عظمتهم الحثّ على الإقتداء بهم قولاً وفعلاً، لا أن نذكر أحوالهم ولا نسير بسيرتهم.
أما قوله(يَدْعُونَنِي) فيمكن أن يراد به دعوة زليخا له للوقوع في الحرام بشكلٍ عام وهي لغةٌ تُستعمل في لسان العرب كثيراً فتعبّر بالجمع عن المفرد، أو يمكن أن يكون المراد بها دعوة النسوة اللواتي أمرتهن زليخا بتسهيل المعصية له، فقد دعته النسوة للإستجابة لطلب زليخا بأساليب شيطانية لم يتأثر بها.
لقد كانت حياة يوسف مليئة بالأحداث الهامة منذ أن كان صغيراً، وقد أنزل الله تعالى سورة كاملة تحكي لنا وقائع قصته الشيّقة، وقد اخترتُ لكم منها أبرزها، ولا أقول أنفعُها لأنها كلها تنفع، وإنما جزّأتُ القصة حتى يسهل فهمها، واستنقذتُ منها بعض الأحداث هي الأقل تداولاً على ألسنة الناس بهدف جعلها كأخواتها في الشهرة حتى يمكن لنا أن نستفيد من مضامينها كاستفادتنا من تلك الأحداث المشهورة كإلقائه في البئر وأسطورة الذئب وما شاكلها من أحداث تتردد كثيراً على ألسنة الناس.
أُدخل السجن ومكث في غياهبه بضع سنوات كانت الأحب إلى قلبه حيث تفرّغ فيه لعبادة ربه دون أن يعكّر صفوه شيء مما هو كائنٌ في عالَم الحرية المزعومة.
ودخل معه السجن رجلان تعلّما منه الكثير، ولم يشعرا وهما معه بمرارة السَّجْن، وفي صبيحة يوم من استيقظ كلٌ منهما على رؤيا لم يعرف تفسيرها فسألا يوسف عنها ففسرها لهما، وقد علم بأن أحدهما سوف ينجو ويعود إلى عمله في القصر فطلب منه أن يذكره عند الملك فأنساه الشيطان ذلك، وبسبب هذا النسيان مكث يوسف في السجن لسنوات إضافية حتى شاءت حكمة الله سبحانه أن يستيقظ ملِك البلاد على رؤيا أخافته كثيراً فأرسل في طلب الكهنة والمنجمين فما قدروا على تفسيرها له، بل رموها في خانة الأضغاث، أي الصور التي يختلط بعضها ببعض، وكأنهم يقولون للملك لا معنى لهذه الرؤيا فلا تُشغل بالك في الأمر، ولكن الملك لم يأخذ بكلامهم لأنه موقنٌ بأن هذه الرؤيا تحمل معنى كبيراً ولا بد من معرفته، وهنا تذكّر الساقي يوسف الصدّيق فهو الوحيد القادر على تفسيبر رؤيا الملك، فأخبر ملِكه بقصة رؤياه التي رآها في السجن وكيف فسرها له يوسف وكان الأمر كما وصفه له، فأُعجب الملك بهذا الكلام وطلب من الساقي أن يذهب إلى يوسف على الفور ويسأله عن تلك الرؤيا العجيبة(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) وكان الجميع ينتظرون في قاعة العرش عودة الساقي ليعرفوا الخبر.
ذهب الساقي إلى يوسف في سجنه بأمرٍ من الملك، وكانوا قد منعوا أن يزوره أحد، واعتذر الساقي إليه حيث نسي رسالته إلى الملك فلم يعلّق نبي الله يوسف على الأمر لأنه لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، ثم سأله عن تأويل رؤيا الملك(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ) وعلى الفور أجابه يوسف بالتالي(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)
كانت البقرة في أعرافهم مَظهراً للسنة، وقد أخبرهم بأنه سوف يأتيكم سبع سنين تزرعون وتحصدون ولكن عليكم بتخزين المحاصيل ما استطعتم لأنه سوف يأتي من بعدها سبع سنوات شداد يكثر فيها القحط فلا ماء ولا محاصيل، ويجب عليكم أن تقتصدوا لتحصّنوا أنفسكم من الهلاك، ثم بعد ذلك تأتيكم سنة تكثر فيها الخيرات، ولكثرة المحاصيل فإنكم سوف تعصرون الزيوت والدهون.
ولم يكن ذلك مجرد تفسير رؤيا وإنما كان تخطيطاً إقتصادياً دقيقاً لم يسبقه إليه أحد، وبالفعل عندما استلم يوسف زمام الأمور لم يجع أحد من أهل مصر بل كانوا يتصدقون على أهل البلاد المجاورة لهم، كل ذلك بفضل التخطيط والعمل الدقيق.
رجع الساقي إليهم وأخبرهم بكلام يوسف فعظُم شأنه في نفوس الجميع، ومن حينها قرر الملك أن يسلّمه زمام أمور البلاد حيث رأى الخير فيه لمصر وأهلها.
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)
طلب الملك أن يُخرجوا يوسف من السجن لأن أمثاله حرامٌ أن يغيبوا في ظلمات السجون بل يجب أن تستفيد الأمم منهم ولكنه(ع) أبى أن يخرج قبل أن تُكشف الحقيقة، فرجع الرسول إلى الملك وأخبره بشرط يوسف فأرسل خلف النسوة وسألهن عن حقيقة الأمر فاعترفن بها وتبرأت ساحة يوسف وانجلت الصورة الحقيقية لجميع أهل مصر(قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)
وبعد ذلك خرج من السجن واستخلصه الملك لنفسه وجعله في أهم منصب في البلاد(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
وقد رسم خطة زراعية واقتصادية وقد سار عليها الجميع فلم يشعر أحد منهم بالجوع طيلة وجود نبي الله يوسف بينهم.
لقد صبر على امتحان الله له وقد عوّضه ربه عن كل لحظة عناء قضاها قبل السجن وفيه.

قِصةُ اسْتِبْقَاءِ بَنْيَاميْنَ عِنْدَ يُوسُف

 

(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
بدأت ملامح لقاء يوسف بأبيه يعقوب(ع) من لحظة دخول أخوته عليه وهم له منكرون، ومنذ تلك اللحظة بدأ يوسف بالتخطيط للإجتماع بأبيه بعد فراق دام لعقودٍ من الزمن، وقد أحب يوسف أن يمهّد لهذا الإجتماع عبر مكيدة اصطنعها ليُبقي أخاه بنيامين عنده، ولعل هذا السلوك كان رسالة يوجّهها لأبيه يعقوب من باب تمهيد الأمر له.
فبعد أن طلب منهم إحضار أخيهم بنيامين معهم أمر بوضع السقاية في رَحل بنيامين حتى يتهمه بالسرقة كحجة له لإبقائه عنده، فتوسل أخوته إليه أن لا يفعل ذلك حرصاً على سلامة أبيهم الذي لم يعد بإمكانه أن يتحمّل فراق أحد من أولاده بعد أن فقد ولده يوسف.
(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ)
العدل يستدعي إبقاء من وُجد المتاع في رحله، ولا يتحمّل أحد وِزر أحد، وأصر على رأيه فأجبرهم على العودة إلى الديار دون أخيهم، ورغم كل محاولاتهم لاسترجاع أخيهم لم يظفروا مما أجبرهم على العودة إلى الديار دونه.
واللافت في الآية الكريمة قوله(مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) حيث لم يكن فيها اتهام بالسرقة، فلا سرقة ولا اتهامٌ بها، غاية الأمر أن يوسف طلب أن يُبقي الذي وُجد المتاع في رحله لا أكثر ولا أقل، سواء كان سارقاً أم بريئاً، وهنا تظهر لنا عظمة القرآن أكثر، هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من أي مكان.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)
كرهوا العودة إلى الوطن بعد تلك الحاثة حيث سيتهمهم أبوهم ويؤنبهم كما أنبهم من قبل عندما تخلّصوا من يوسف، ولم يكن بإمكانهم تحمّل التبعات.
وتُعتبر هذه الآية من أروع ما ورد في القرآن الكريم من حيث البلاغة حيث اختصر الله سبحانه أكثر من جملة بكلمتين اثنتين(خَلَصُواْ نَجِيًّا)
فعندما يئسوا من العزيز اتخذوا لأنفسهم مكاناً بعيداً عن الناس ليتناجوا به ويتسارّوا، وعندما انفردوا بأنفسهم قام أخوهم الأكبر وقال لهم: هل نسيتم بأن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً بإرجاع بنيامين إليه؟ وقد اسودت صفحتنا مع أبينا لما فعلناه بأخينا يوسف، وبما أن الحال هكذا فلن أبرح أرض مصر حتى يحكم الله إما بموتي أو بإرجاع أخي بنيامين لأنني لا أملك شيئاً أعتذر به لأبينا، هيا ارجعوا إلى أبيكم وأخبروه بكل ما حدث.
(ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)
أخبروا أباكم بأن ولده بنيامين قد سرق صواع الملك، وهذا ما نشهد عليه لأننا رأيناه بأم أعيننا.
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
بهذه الآية انتقل القرآن بنا من مصر إلى فلسطين موطن نبي الله يعقوب، فبعد أن رجعوا إلى أبيهم دون بنيامين قامت قيامته عليهم واتهمهم بالتقصير كما فعلوا بيوسف من قبل، فأجابوه بقولهم، إذا كنت لا تصدقنا فاسأل أهل مصر بنفسك أو اسأل القافلة التي كنا فيها فلقد عرفوا بالأمر كما أخبرناك، ونقسم إننا صادقون هذه المرة.
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
ليس بمقدور يعقوب سوى أن يصبر، وما حمله على ذلك إنما هو شعورٌ في قلبه، وقد تمنى أن يجمعه الله بهم جميعاً دفعة واحدة(أي يوسف وبنيامين وأخوهم الأكبر الذي بقي في مصر) ولعله منذ تلك اللحظة بدأ يشعر يعقوب بلمسات ابنه يوسف في كل ما يحصل، ولعل فعل يوسف كان شيفرا نبوية يخاطب بها أباه الذي منّ الله عليه بالعلم.
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
لقد ذكّرته هذه الحادثة بولده يوسف الذي لم تغب صورته عن قلبه وعقله يوماً، وراح يبكي حزناً ويكظم غيظه ويصبر حتى أصيب بفقدان البصر من كثرة البكاء مما جعل أبناءه يشعرون بالخجل على جريمتهم في حق أخيهم يوسف، وقد استغربوا كيف أن أباهم ما زال يذكر يوسف بعد مضي عقود من الزمن على اختفائه.
(قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
كأنهم يحاولون التخفيف عن أبيهم بعد أن رأى شدة حزنه، فإذا بقيت تذكر ابنك يوسف فسوف تمرض أو تموت.
(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
إنه جواب عبدٍ امتلك قلباً مفعماً بالإيمان.

قِصةُ صُواعِ المَلِك

 

أراد الله سبحانه أن يجمع شَمل نبيّه يوسف(ع) بأبيه النبي يعقوب(ع) وكان لجمع شملهما قصةٌ رائعةٌ وطريقةٌ أوحى الله بها إلى عبده يوسف، وما أجملها من قصة، وما أروعها من طريقة.
لقد أصاب الجوع أخوة يوسف في موطنهم فلسطين، فسمعوا بملِكٍ في مصر يتصدّق على الفقراء ويُحسن إكرامهم، فقرروا الذهاب إليه علّهم يرجعون ببعض المؤمن التي تسد جوعهم وتحفظهم من الهلاك، وانطلقوا مسرعين قاصدين مصرَ حيث أخذ الجوع منهم مأخذَه.
وبعد مسيرٍ دام لأيام وصلوا إلى مصر وطلبوا لقاء الملك فأدخلوهم عليه وقد عرفهم ولم يعرفوه(وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)
فرحّب بهم أحسن ترحيب وأكرمهم كما يلزم، والفرحة تملأ قلبه، لكنه لم ير أخاه بنيامين معهم وهو يحب أن يطمئن عليه، فأراد أن يهيئ خطة يستطيع من خلالها اللقاء بأخيه بنيامين الذي لم يشارك أخوته في ظلمهم له، وتكون تلك الخطة سبباً في اجتماعه مع أبيه الحزين الذي فقد بصره من كثرة البكاء على يوسف، فامتنع عن إعطائهم أي شيء حتى يأتوا بأخيهم المقصود(وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) أخبرهم بأنّ نيّته حسنة لا يريد إيذاءهم، ولكنه يحب أن يرى أخاهم الذي لم يأت معهم، فأوقعهم في حرَج شديد، وفي نفس الوقت أمر رجاله بوضع المؤن في رحالهم دون أن يشعروا بذلك، فرجعوا إلى أبيهم وقلوبهم تعتصر حزناً وألماً، والجوع يكاد يقضي عليهم، ولما وصلوا إلى الديار وجدوا البضائع في رحالهم فأخذتهم الدهشة والحَيرة في آن واحد، وهناك أخبروا أباهم بأن الملك يريد ابنه وأخبروه بحسن استقباله وكرم ضيافته وأنه لا يريد بهم أي شر بدليل أنه وضع المؤمن في رحالهم ولم يحرمهم من حقوقهم في الطعام، فامتنع عن تسليمه لهم خوفاً عليه(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لقد وعدتموني من قبل أن تعيدوا أخاكم يوسف سالماً وقد نقضتم العهود والمواثيق، فألحوا عليه وأخبروه بأنهم لن يحصلوا على حبة واحدة في المرة القادمة إن ذهبوا إلى مصر دون أخيهم بنيامين.
وعندما رأى البضائع قد وُضعت في رحالهم بتلك الطريقة وشعر بصدق حديث أبنائه هذه المرة اطمئن لهم وحدّثته نفسه بأنّ الملك يمكن أن يكون ولده يوسف لأن طريقته في التعامل معهم توحي بكونه نبياً، فوافق على إرسال بنيامين معهم بعد أن أخذ عليهم المواثيق، وقد اشترط عليهم أن يدخلوا القصر من أبواب متفرقة وليس من باب واحد والله وحده يعلم ماذا كان يريد نبيّه يعقوب من وراء ذلك الفعل، ولعله كان رسالة منه إلى ولده يوسف والله أعلم(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ)
ثم رجعوا إلى مصر ومعهم أخوهم وقد أدخلوه على الملك الذي انفرد به وقد عرّفه بنفسه وتعانقا طويلاً(وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ثم أخبر يوسف أخاه بنيامين بأنه سوف يصنع مكيدة بأخوته حتى يستبقيه عنده ليرجعوا إلى الديار ويأتوه بأبيهم، فأمر بوضع صواعه في رحالهم ثم أمر المنادي أن ينادي بهم إنكم يا قوم سارقون لقد أخذتم صواع الملك فأوقفوهم للتحقيق.
بدأ بتفتيش أمتعة أخيه كيلا يشكوا بتلك المكيدة ثم وجد الصواع في رحالهم(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)
وبدل أن يصمتوا كذبوا على الله في حق يوسف واتهموه بالسرقة، ولكن يوسف(ع) سكت ولم يردّ عليهم كذبهم حتى لا تفشل خطته(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)
رجوه أن يترك أخاهم لأن له أباً شيخاً كبيراً لا يحتمل صدمتين وطلبوا أن يأخذ واحداً منهم مكان بنيامين فرفض، فرجعوا إلى أبيهم وأخبروه بما حدث فحزن ثم أوحى الله إليه أن يطلب من أبنائه الذهاب إلى مصر والتحقق من أمر الملِك الذي اطمأن بأنه يوسف.
فرجعوا إلى الملك وأخبرهم بالحقيقة وأعطاهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ففعلوا ذلك فارتد إليه بصره ثم خرج من موطنه مسرعاً للقاء حبيبه يوسف، وقد حصل لمُّ الشمل بإرادة الله سبحانه الذي كافئ نبيّه يعقوب على صبره بلقاء يوسف قبل أن يفارق الدنيا.

قِصةُ اجْتِماعِ الشمْل

 

(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
لا يمكن تفسير بعض ما جاء عن الأنبياء(ع) من أقوال وأفعال لأنهم يتصلون بالغيب عن طريق الوحي ويعلمون من الله تعالى ما لا يعلمه غيرهم من الناس، ولهذا يجب الفصل بين السلوك البشري التقليدي، والسلوك النبوي القدسي.
ولعله يوجد لغةٌ خاصة بين الأنبياء فهم يفهمون على بعضهم بطرق لا نفهمها نحن البشر العاديين.
فما الذي جعل يعقوب في هذه المرة يطلب من أبنائه التحسس في أمر يوسف، فلقد ذهبوا إلى مصر ثلاث مرات قبل ذلك ولم يطلب منهم هذا الشيء.
وهنا يكمن السر الذي يجب ردُّه إلى الله تعالى، فهو سبحانه ينير قلوب أنبيائه بمعرفة المجهولات عن طريق الوحي والإلهام.
ففي هذه المرة شعر نبي الله يعقوب(ع) بوجود يوسف في مصر، ولعله إلهامٌ من الله تعالى الذي أراد أن يرحم قلب عبده يعقوب ويجمع شمله بأولاده.
وقد اشتد القحط في أرض الكنعانيين فطلب يعقوب من أولاده أن يذهبوا إلى مصر لهدفين هذه المرة، الهدف الأول هو البحث عن يوسف وأخيه لأنه لم ييأس من إيجاده فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا الكفار، والهدف الثاني هو جلب الطعام من مصر الغنية بالحبوب بفضل حكمة يوسف(ع).
جمع أخوة يوسف متاعهم وتوجهوا للمرة الثالثة إلى مصر، ولم تكن هذه المرة كسابقاتها، فلقد شُوّهت سمعتهم عند أهل مصر بسبب صواع الملك الذي وُجد في رحل أخيهم بنيامين، والذي أبقاه يوسف عنده وكشف له عن السر فتعانقا طويلاً وفرحا كثيراً، وتوجهوا نحو مصر للبحث عن أخويهما وجلب الطعام.
(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
وصلوا إلى مصر ولم ينفّذوا وصية أبيهم في البحث عن يوسف، ولعلهم لم يفعلوا حيث كانوا يائسين من إيجاده، أو أنهم قابلوا العزيز أولاً حتى يستعينوا به على كشف مصير أخيهم.
لقد أحضروا معهم من بلادهم بضاعة رخيصة(مزجاة) لا يملكون غيرها، وقد راحوا يستعطفون العزيز أن يقبل تلك البضاعة الرخيصة مقابل بعض المؤمن من خزائنه، وأما قولهم(وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ) فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بها تصدّق علينا بافراج عن أخينا لأنهم لم يريدوا الحبوب صدقة حيث جلبوا معهم ثمنها.
وكان مظهرهم يُنبئ عما في قلوبهم من القحط والجوع والإستكانة، وقيل إنهم كانوا يحملون رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر وقد سلموه الرسالة فأخذها باحترام وراح يقبّلها ويبكي، ولم يعُد بإمكانه الصبر على إخفاء الأمر عنهم فبادرهم بالقول(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) ولعظيم أخلاقه لم يؤنّبهم بل أعطاهم العذر بأنهم فعلوا ما فعلوه بيوسف وبنيامين عن جهل، وتفيد بعض النصوص بأن أخاهم بنيامين قد عانى منهم كثيراً، وعندما سمعوا تلك الكلمة من العزيز أدركوا بأنه أخوهم يوسف فتمنوا حينها أن تنشق الأرض وتبتلعهم.
(قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وإن أعظم المنن الإلهية هي جمع شمل الأحبة بعد الفراق الطويل.
(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
وهنا اعترفوا بالخطأ الذي ارتكبوه وقد أخبرهم أخوهم يوسف بأن الله تعالى يغفر لهم إن تابوا وأصلحوا، أما عنه(ع) فقد أسقط عنهم حقه الشخصي، وهذه هي أخلاق الأنبياء الذين لا يحملون في قلوبهم غلاً على أحد.
(اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)
أعطاهم قميصه كدليل على وجوده وأمرهم أن يرجعوا إلى أرضهم ويأتوا بجميع الأهل، فرجعوا إلى أبيهم فرحين مستبشرين، ولدى وصولهم إلى دار يعقوب الطاعن في السن أذهلهم قيامه السريع وقوله إني أشم ريح يوسف(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ) ولكنني أخاف أن تتهموني بالجنون.
(فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
وهنا أقروا بعظمة أبيهم النبي لأنه ينظر بعين الإيمان ويعلم أموراً هم لا يعلمونها فأذعنوا لأبيهم وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لهم، ثم جمعوا المتاع وتوجهوا نحو مصر لملاقاة الأحبة، والله وحده يعلم مدى الفرحة التي استحوذت على قلب يعقوب وولده يوسف، وقد استقبلهم أحسن استقبال، وأقيمت الإحتفالات في مصر بهذه المناسبة السعيدة.
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
رفع أبويه على عرشه، أما أخوته فقد سجدوا لله أمامه، فنظر إليهم وتوجه بالحديث إلى أبيه مبيناً له أن هذا هو تأويل رؤياي التي قصصتها عليك من قبل وقد حققها الله تعالى في هذا اليوم.
وهناك تفاصيل كثيرة في هذه القصة لم أتعرض إلى ذكرها على أمل أن نبينها في قصة أخرى.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى