الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ

المَوْعِظَةُ وَنَتَائِجُهَا

 

 

المَوْعِظَةُ وَنَتَائِجُهَا

 

كل إنسان في هذه الحياة يوجد لديه قابلية للعبرة والموعظة، فلقد خلقه الله كذلك ليستفيد الدروس والعبر من خلال بعض المسموعات والمرئيات والمحسوسات وبعض المشاعر الداخلية، فقد خلق الله تلك القوة في داخل كل إنسان لتستقيم حياته ويستمر عيشه بالشكل السليم، فمنهم من يُنمّي تلك القوة بداخله بحيث تصبح أكثر تأثراً وأسرع اعتباراً عند وجود الموعظة، وهذه الحالة النفسية لا تختص بفئة دون أخرى، فهي تعني الإنسان بما هو إنسان، وليس بما هو مسلم أو مسيحي أو مجوسي، ولذا نجد بعض النصارى يتأثرون بالموعظة بينما يوجد بعض المسلمين لا يتأثرون بها حيث ألغوا دور الموعظة في نفوسهم، فهم يسمعونها بآذانهم فقط، ولا تعيها قلوبهم.

والموعظة نوعان: نوع للدنيا ونوع للدين، أما النوع الأول: فهو كمن ينصح أحداً بمساعدة هذا الفقير أو هذا اليتيم فيساعده لأن قلبه تأثر بكلام الناصح من دون أن يراقب في ذلك مسألة الأجر والثواب والحساب والعقاب والجنة والنار، وأما النوع الثاني: فهو الذي يتعلق بأمر الآخرة وهو الأهم في مراحل الموعظة وهو الأنفع والأبقى للمتعظ لأن آثار الموعظة للآخرة تعود بالمنفعة الحقيقية الدائمة على صاحبها حيث تدعوه إلى تصحيح سلوكه في الحياة، والتقديم لما بعد الممات.

ولذا نجد فاقد هذا الإحساس منبوذاً لدى الناس الذين يعبِّرون عنه بالمتحجر أو قاسي القلب أو اللئيم المتشدد الذي لا رقة في قلبه ولا إنسانية لديه، وهذا يكشف لنا بوضوح أن إعمال هذه القوة هو من الصفات الإنسانية المحضة التي وجدت في الإنسان تكويناً، فلولا هذه المنة الإلهية لخسر جميع الناس أنفسهم يوم القيامة لأن أكثر العاملين إنما يعملون نتيجة لتلك القوة المسمات بالموعظة أو الإعتبار.

فإذا فقد هذه القوة أو أهملها فلن ينتفع بأية موعظة بعدها، وقد ورد في الحديث:من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ: والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة وهي ليست خفية، فمثلاً: عندما نكون جالسين في محضر تُلقى فيه الموعظة، فإذا لم نكن مهيَئين لها فلن تؤثر فينا، فإذا كان الواعظ مثلاً يحدثنا عن حساب القبر، فإننا إذا لم ننتقل بقلوبنا وأذهاننا إلى تلك المراحل كان وجود الموعظة عندئذ كعدمها، لأن الواعظ يفتح لك الطريق أمام التفكر والتأمل والإتعاظ، فإذا لم تحرك أنت مشاعرك ومخيلتك فلن تتعظ مهما كان الواعظ ضليعاً في فن الوعظ والإرشاد، وهذا هو المشار إليه في الحديث المذكور، ثم نقرأ حديثاً آخر حول الموعظة، فقد ورد أنه :من كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ: وهنا لا بد من ترتيب الفكرة حتى تكون أنفع وأثمر، ففي المرحلة الأولى تسمع المعظة أو تراها، وفي المرحلة الثانية تتفكر بها وتتأمل، وفي المرحلة الثالثة تحصل على النتيجة وتقطف الثمار، وذلك عندما تُلزم نفسك بما وعظتها، فإنك إذا وعظت النفس فقد أبعدتها عن الأخطار والشرور على صعيد الدنيا وعلى مستوى الآخرة، أما على صعيد الدنيا فإنك تنظر إلى الذين هلكوا من خلال بعض الممارسات التي أهلكتهم وأودت بحياتهم، فتخاف من ذلك المصير، فتمنع نفسك عن ركوب تلك الممارسات، وأما على صعيد الآخرة فإنك علمت عاقبة أهل التقوى والإيمان وعاقبة أهل الكفر والضلال والإنحراف، فسلكت طريق أهل الإيمان، وبهذا تكون قد حفظت نفسك من أخطار يوم الحساب.

ويبقى في المقام سؤال حول الطرق التي نكسب بها الموعظة؟ ففي اعتقادي أنه لا يوجد ميزان خاص لتلك الطرق، حيث أن لكل واحد منا طريقة في وعظ نفسه.

فمنهم من تكفيه الموعظة من الكلام، فهو يسمع آية أو حديثاً أو موعظة خاصة فيتعظ ويعمل بما فرضته عليه الموعظة، ومنهم من لا يؤثر به الكلام ولكنه يتأثر بالنظر، فينظر إلى الأشياء التي من شأنها أن تعظ الآخرين كالموتى والقبور فيتعظ بذلك، ومنهم من يتعظ عن طريق المنامات، ونحن نعرف كثيراً من الأخوة والأخوات قد التزموا دينياً نتيجة لبعض المنامات التي رأوها أو سمعوا بها، ومنهم من يتعظ عن طريق النظر والتأمل في المخلوقات كالذين حدثنا عنهم القرآن بقوله(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ومنهم من يعظه الفعل، ورغم كثرة المواعظ يبقى الموت أهم موعظة وأكبر عبرة للأحياء لما ورد في الحديث:كفى بالموت واعظاً:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى