منوعات

قَصَصُ القُرْآنِ الكَرِيْم

قصة خليل الله إبراهيم(ع)

 

قِصةُ حِوَارِ إِبْرَاهيْمَ مَعْ آزَر

 

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)
ترِد كلمة الأب في لغة العرب للدلالة على معنى الوالد، ويمكن استعمالها في معنى العم كما هو حال استعمالها في الآية المذكورة لأن آزر في الحقيقة هو عمُّ إبراهيم وليس أباه.
ويمكن أن يكون استعمال لفظ الأب هنا نسبةً للمربي حيث تربى إبراهيم(ع) في كنف عمه، وقد أراد إبراهيم أن يبادل عمه الخير، وكان عمه من صانعي التماثيل وتجارها، وكان مرموقاً في قومه، فأراد أن ينصحه ويعظه خوفاً عليه من عذاب الله في يوم القيامة، وبالتالي فإن آمن عمه فسوف يكون خير عَون له في الدعوة إلى التوحيد، ولكنه تفاجأ بقساوة قلبه وشدة كفره.
لعل إبراهيم استغل جلوس عنه معه وهو في مزاج جيد فسأله لماذا تعبد تماثيل لا تسمع ولا تُبصر ولا تنفعك بشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة.
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)
لقد جاءه عِلمٌ من السماء فيه من الخير ما ينفع المرء في الدنيا والآخرة، فإذا سمعتني وأخذت بنصحي أهدك إلى طريق الحق الذي ينتهي بك إلى السعادة الأبدية.
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)
لقد نهاه عن عبادة الشيطان وهو كناية عن طاعته دون طاعة الله، فمن أصغى إلى الشيطان ونفّذ له أمره فكأنه عبده، ثم بيّن له أن الشيطان عاصٍ لربه وإذا اتبعتَه فسوف يأخذك معه إلى العذاب.
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)
لقد بيّن إبراهيم لآزر مدى حبه له، وهو الحب الحقيقي لأنه يخاف عليه من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تمنى إبراهيم أن يؤمن عمه بالله ليكون جاره في الجنة، فهو يخاف عليه أن يمسه عذابٌ من الله نتيجةً لكفره وإنكاره، فإن بقيت على ما أنت عليه من عبادة الأوثان فسوف تكون من أولياء الشيطان، والشيطان يسوق أولياءه إلى جهنم.
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)
لقد كانت جلسة مصارحة بينهما، وفيها كشف إبراهيم لأبيه آزر عما ينوي فعله، وهو تبليغ رسالة السماء فتفاجأ آزر من كلام ابن أخيه وسأله أراغب أنت عن آلهتي؟ أي أنك لا تريد أن تعبدها، فإما أن تكف عن دعوتك هذه التي تضر بتجارتي ورزقي، وإما أن أرجمك، أما الآن فاغرب عن وجهي قليلاً ودعني غارقاً في دهشتي من كلامك.
(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)
يمكن أن يكون هذا السلام فضّاً للنزاع بينهما، أو كلمة يستفاد منها التوديع، ولعظيم خُلق إبراهيم فقد وعد عمّه بطلب الغفران له من الله تعالى، ولعله بذلك أراد أن يبيّن له أخلاق أهل الإيمان، فقد أغلظ آزر القول وواعده بالرجم، أما إبراهيم فقد واجه تلك الإساءة بكلام إيماني لطيف ينمّ عن أدبه وأخلاقه واحترامه لصاحب الفضل عليه حيث لقي الرعاية منذ الصغر في بيت عمه، ولا يريد أن يغلظ عليه بالقول، لأنه ما هكذا يكون رد الجميل.
فقد نقع هنا في إشكال ويجب أن نوضح الأمر لإزاحة الشبهة.
إبراهيم يعلم تماماً بأن عمه من المشركين، ولا يجوز للمسلم أن يستغفر للمشرك وإن كان ذا قربى معه، وقول الله تعالى واضح في هذا المجال إذ قال(كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
إبراهيم لم يستغفر لآزر، بل وعده بالإستغفار، وكان بذلك يحاول أن يبيّن له عظمة الإيمان ليرق قلبه ويؤمن، ولكنه لم يستغفر له بعد أن أصر على الكفر، وبعد أن فشلت كل محاولات إبراهيم معه بدليل قوله تعالى(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ)

قِصةُ تَحطيْمِ الأَصْنَام

(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)
جاءهم بالهدى فآثروا الضلال، وأثبت لهم الحق بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة فأجابوه بجواب كل الوثنيين:هذا ما وجدنا عليه آباءنا: وهي حجّة الضعيف.
وبعد أن رفضوا الهدى وأنكروا الحق وتغافلوا عن آيات ربهم قرر خليل الله إبراهيم(ع) أن يُنبههم بخطة لا شك بأنها سوف تجبرهم على الإنصياع للحق حيث علّم الله أنبياءه كل ما يلزمهم للدعوة(قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) عندي من الأدلة ما يكفي لإثبات ما جئتكم به من عند ربكم، مع أنّ نفس كلام إبراهيم معهم هو حُجة عليهم لأنهم لم يروا منه كذباً ولا انحرافاً طيلة وجوده معهم.
لقد دافعوا عن الأصنام بكل قوتهم وأصروا على عبادتها من دون الله، لا لأنهم يحبونها ويعبدونها بل لأنّ لهم مصالح بها، وهم في قرارة أنفسهم يذعنون بأنها مجرد حجارة هم أعطوها تلك الأشكال ولوّنوها بأيديهم، هذا كله وإبراهيم(ع) بينهم يعظهم ويحذّرهم من أنها مجرد أحجار وأخشاب أنتم صنعتموها بأيديكم فلن تضركم ولن تنفعكم في شيء، ولهذا اتخذ قراراً حكيماً وجريئاً كانت أقل تكلفة له هي الموت المحتّم(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)
انتظر حتى حلّ الظلام واستغل نوم الظالمين وبُعدهم عن المعبد فدخله في تلك الليلة، والوثنيون غارقون في النوم مطمئنون، فأخذ فأساً وراح يكسر أصنامهم واحداً تلو الآخر حتى تحولت إلى قطع صغيرة، وأبقى الصنم الأكبر سليماً وقد علّق الفأس عليه.
(قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ)
وعند الصباح أتوا إلى معبدهم كالعادة وهم مرتاحون لوضعهم مع أنهم سمعوا بآذانهم تهديد إبراهيم لهم فلم يعيروا كلامه أي اهتمام حيث كانوا يعتقدون بأنه لا يجرؤ أحد على إحداث الأذى في آلهتهم المزعومة، فدخلوا المعبد ووجدوا أحجاراً متناثرة ورماداً منتشراً في كل مكان فصُعقوا لهول الأمر حيث تجرأ أحدهم على الآلهة فكسّرها، ومن حينها بدأوا يشعرون بحجم الخطر الذي يتهدد عقيدتهم وبالتالي تجاراتهم ووجودهم، ويا لها من آلهة حقيرة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
وبينما هم يتحاورون فيما بينهم متحرين مذعورين وكأنّ على رؤوسهم الطير، وإذ بأحدهم يشير بإصبع الإتهام إلى خليل الله حيث سمعه يتوعّد أصنامهم(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)
عندما استرجعوا وعيهم تذكّروا تهديد إبراهيم لهم ولأصنامهم فأرسلوا في طلبه ليتحققوا من الأمر وينال الجاني عقابه اللازم، جاءهم وهو متماسكٌ ومترابط ليس عليه شيء من ملامح الخوف فسألوه إن كان هو فعل تلك الجريمة أم لا(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)
فأجابهم بكل هدوء رغم الخطر الذي كان مُحدقاً به(قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)
فإذا كان تحطيم الأصنام كارثة بالنسبة للوثنيين فإنّ إحراج إبراهيم لهم هذه المرةَ كان أشد وَقْعاً عليهم بمراتب حيث أحرجهم فأخرجهم، وبيّن لهم بالدليل العقلي بأنّ هذه الأصنام ليست آلهة ولا تستحق منكم كل هذا الإهتمام، بل هي مجرد أحجار أنتم أعطيتموها تلك الأشكال، وإذا كانت آلهة فلماذا لم تدفع عن نفسها الشر، ثم إن كانت آلهة كما تزعمون فها هو الإله الأكبر سليماً لم يُصب بأي أذىً فارجعوا إليه واسألوه إن كان يستطيع النطق(فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ) وهنا ظهرت الغَلَبة لخليل الله الذي استغل وضعهم النفسي حيث فكّر بعضهم في الأمر فوجد بأنّ كلام إبراهيم منطقي مما أحدث فرقة بينهم وخللاً في عقيدتهم، وهناك دعاهم إلى طريق الهدى(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
فعندما هزمهم شر هزيمة هم وأصنامهم لم يبق بأيديهم حيلة ولم يستطيعوا الرد عليه، وعندها قطع كبار كهنتهم النزاع حين حرّضوا الوثنيين على قتل إبراهيم الذي ارتكب أفظع جريمة في حق آلهتم حسب زعْمهم، فقروا قتلَه، ونجاه الله منهم وما النصر إلا من عند الله.

قِصةُ نَارِ النمْرُود

قال عز وجل(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)
تشير الآية الكريمة إلى قصةٍ حدثت مع خليل الله إبراهيم(ع) الذي أجرى الله له معجزة ضجّ بها العالَم وانتشر خبرها كالبرق فأصبحت حديث الساعة لكل قريبٍ وبعيد في ذلك الزمان مما جعل من إبراهيم(ع) شخصية القرن، وقد تناقلها الناس عبر الزمن نظراً للفوائد التي نجمت عنها، وكان لها أثرٌ على ترك الكثيرين منهم لعبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، حيث أتاهم بالحُجة البالغة والدليل القاطع الذي لا يقبل أي شك، وكانت تلك الحادثة بمثابة أعظم انتصارٍ للحق ضد الباطل في ذلك الزمان.
وخليل الله إبراهيم هو ثاني أنبياء العزم(ع)، بل هو شيخ الأنبياء، وهو الذي رفع القواعد من البيت المحرَّم(الكعبة الشريفة) وهو الذي سمَّانا المسلمين، وهو الذي أمر الناس بالحج إلى الكعبة تلبيةً لأمر الله عز وجل، وهو من أكثر الذين نالوا مدحاً في كتاب الله العزيز الذي قال في حقه(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
وكانت حياته مليئة بالأحداث الهامة والحوارات الشيّقة والمواقف المشرّفة التي أرستْ قواعد الإيمان في المجتمع البشري، وقد اخترنا من بين تلك الأحداث واحدة تدلُّنا على عظمة الإيمان ومدى آثاره على الإنسان في الدنيا والآخرة، وكيف أنّ الله تعالى يسدّد عباده وينصرهم.
فالله تعالى مع الذين أمنوا واتقَوا وأحسن، وهو معهم في يقظتهم ونومهم، وفي سرّائهم وضرائهم، يسيرون بعينه ويعيشون في كنفه.
لقد واجه إبراهيم الخليل عبدَةَ الأوثان أكثر من مرة، فحقّر أوثانهم وسفّه أحلامهم بعد أن رفضوا الإستماع للمنطق السليم، واستعمل معهم العديد من الطرق لإقناعهم فلم تلِنْ قلوبهم ولم تخشع نفوسهم رغم ظهور الحق فيهم وإعطاء الأدلة لهم، وكان في كل مرة يُثبت لهم الحق فينكروا ويصروا على عبادة الأوثان رغم جلاء الصورة، حتى قرّر حاكمهم(نمرود) أن يقضي على خليل الله بعد أن أصبح يُشكّل له عائقاً في ساحة مُلكه، فأرسل إليه حتى يهزمه بمعركة كلامية انتهت بانتصار إبراهيم صاحب الدليل الدامغ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أهم تلك المناظرات حيث قال سبحانه(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
هذا بالإضافة إلى أنه حطّم أصنامهم فلم يعُد الإحتجاج بها مُجدياً، ومنذ ذلك الحين قرر النمرود أن يقتله ليزيحه من دربه بعد أن عجز عن مواجهته بالدليل العقلي والمنطق السليم، فحكم عليه بالإعدام حرقاً بنارٍ لا مثيل لها، ولعل الحاكم نمرود أراد أن يصنع ناراً تضاهي نار جهنم التي واعده إبراهيم بها حسب زعمه إن هو بقي على الضلال.
وليس ذلك ببعيد عن شخص ادعى بأنّ الحياة والموت بيده، فأراد أن يُثبت لإبراهيم ومَن حوله أنه أقوى من رب إبراهيم، وأنه يستطيع صُنعَ ناراً تضاهي نار جهنم.
انتشر الخبر بين الوثنيين، فتسابقوا لنيل شرف الإنتقام لآلهتهم، فراحوا يجمعون الحطب لأيام طويلة بداعي الحقد الدفين والعصبية العمياء حتى أصبحت الكَومة كالجبل، ثم أضرموا فيها النيران التي وصل لهبها إلى مسافات بعيدة، فلم يستطع أحدهم الإقتراب منها ليضع إبراهيم فيها، فأُشير عليهم أن يلقوه بواسطة المنجنيق، ففعلوا ذلك ورمَوه من مكان بعيد، فوقع وسط تلك النيرات الملتهبة.
علَتْ الأصوات هاتفةً بالفرحة ونشوة النصر، وفرح الوثنيون بهذا الإنجاز الكبير الذي أراحهم من إنسانٍ يدعوهم إلى الهدى والخير، وانتظروا حتى تخمد النيران، ولعله طال انتظارهم بسبب حجم تلك النار، وبعد أن خمدت استطاعوا الإقتراب منها والبحث عن رفات إبراهيم المحترقة، وإذ بهم يُصعقون عندما رأوه جالساً وسط تلك النيران لم يُصب بأي أذى، فأخذتهم الدهشة وسيطر عليهم الخوف المصحوب بالعَجَب، وعَلتْ أصواتهم مُقرّين بالعجز أمام قدرة الله عز وجل، وآمن الكثيرون منهم بعد تلك المعجزة التي أثبتت لهم الحق، وأنّ ما دعاهم إليه إبراهيم الخليل كان الهدى بعينه.
لقد حقق الله تعالى هناك أعظم انتصار للحق في ذلك العهد حيث انقلبت الموازين، بل انقلب السحر على الساحر، وخابت آمال الوثنيي،ن وسقطت أصنامهم في النفوس قبل سقوط أحجارها.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى عظمة العقيدة التي استقرت في قلب خليل الله(ع) فقد ورد أنه في الوقت الذي كان يُلقى فيه بواسطة المنجنيق وهو معلّق في الهواء هبط عليه الأمين جبرائيل وقال له: يا إبراهيم هل من حاجة فأقضيها لك؟ فقال له إبراهيم: إن كانت منك فلا أريدها: وفي تلك اللحظة الحرجة أوحى الله سبحانه إلى تلك النيران أن لا تمس إبراهيم بأي أذى(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)
لقد أرادوا أمراً، وأراد الله أمراً آخر، ولم يكن ولا يكون إلا ما يريد الله تبارك وتعالى.

قِصةُ بِنَاءِ الكَعْبَة وَبِئْرِ زَمْزَم

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
منذ أن خلق الله سبحانه هذه الأرض اختار منها بقعة لتكون موضع بيته الحرام، وقد أضفى الله تعالى البركة والقداسة على تلك البقعة الشريفة يومَ خَلَق السموات والأرض.
ويوجد في عقيدتنا السمحاء نصوصٌ نبوية تؤكد أنّ الله سبحانه قد اختار أزماناً وأشخاصاً وأماكن فجعلها مقدسةً ومبارَكة عنده.
وقد ورد في الأخبار أنّ الكعبة الشريفة كانت قائمة في مكانها قبل أن يُعيد ابراهيم بناءها، وقد تهدمت مراتٍ عديدة عبر التاريخ، منها ما كان بفعل البشر، ومنها ما كان بفعل الطبيعة، وكان ابراهيم(ع) يعلم الكثير عن ذلك المكان قبل أن يرفع القواعد من البيت، والدليل أنه عندما أُمر بترك زوجته وولده اسماعيل في تلك البقعة الخالية من أي شيء قال(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ولم يكن في تلك البقعة أي مَعْلَمٍ من معالم الحياة، والملاحَظ أن إبراهيم صرّح بتركهم عند البيت المحرّم، وقد صدر هذا الكلام قبل أن يبني الكعبة بسنوات، معنى ذلك أنه كان يعرف حقيقة هذا الموضع المبارك.
وكان تَرْكُهم هناك وحيدَين امتحاناً لإبراهيم(ع) الذي كان مشغوفاً بولده اسماعيل الذي وهبه الله إياه على الكِبَر، ورغم تعلُّقه به امتثل لأمر الله الرحيم الذي لا يتخلى عن عباده الصالحين أينما كانوا.
لقد تركهم في وضعٍ حَرِجٍ لا يُحسدون عليه، ولكنه عندما أُمر بالرجوع إليهم وجدهم على أحسن حال، حيث أخرج الله سبحانه ماء زمزم بعد أن كاد اسماعيل وأمه هاجر يموتان عطشاً.
إنها من أعظم المعجزات في ذلك الوقت، فكيف يمكن لمثل هذا المكان الصحراوي الجاف أن ينبع منه الماء العذب، وليس ذلك على الله بعزيز فإنّ بيده مقاليد السموات والأرض.
ومنذ ذلك الحين أصبح ذلك المكان مؤهولاً بالناس ومقصوداً من قِبل القوافل التجارية، وقد أُسست فيه أسواقٌ للتجارة.
فبعدما أمر الله تعالى نبيَّه إبراهيم الخليل(ع) بترك زوجته وولده في وادي مكة حيث لا ماء ولا نبات ولا أحد من الناس، وكان ذلك ابتلاءاً يمتحن الله به خليله إبراهيم بالإضافة إلى كونه تمهيداً لبناء الكعبة وتأسيساً لفريضة الحج كان ذلك أمراً شاقاً على إبراهيم الذي تعلق قلبه وتعانقت روحه بروح ولده إسماعيل الذي رزقه الله به على الكِبَر.
إنَّ التغرُّب عن الأهل والولد والجيران والأقرباء أمرٌ صعبٌ وشديد على الإنسان وإن ترك أهله بين الجيران والأقارب، فهو يحمل همهم في غربته وينشغل باله في شأنهم حذراً من أن يمسهم سوء وهو بعيد عنهم.
فكيف به إذا ترك الأهل والولد في مكان قفر وموحش وخال من الأنيس والزائر والطعام والشراب، إن ذلك لا شك حُكمٌ عليهم بالموت بعد الجوع والعطش والخوف.
ففي مثل تلك الظروف القاسية التي مر بها إبراهيم وعائلته لم يكن هناك مجال للخلاص إلا بالعناية الإلهية الخاصة أو ما نعبّر عنه بالمعجزة.
وبالفعل لقد حصلت المعجزة على يد نبي الله إسماعيل وأمه هاجر عندما كاد إسماعيل وأمه يموتان عطشاً في جو تلك الصحراء القاتلة فذهبت الأم تبحث عن نبع ماء وهي تعلم بأن الأمر مستحيل حيث لم يعهد الناس في ذلك المكان مكاناً فيه ماء، فرجعت تلك الأم المحتارة إلى ولدها يائسة من وجود الماء حاكمة على نفسها وولدها بالموت، وإذ بها ترى ماءاً يتدفق من تحت قدمي ولدها، وإذا بها عين زمزم التي جعلها الله تعالى معجزة للبشر عبر الزمن.
لقد كانت بئر زمزم معجزة كبرى إذ كيف يمكن أن تنبع في الصحراء عين ماء بارد ، وما زالت تلك المعجزة قائمة حتى يومنا هذا إذ أن حجاج بيت الله الحرام يشربون من تلك العين، ومن المستحبات أن يشرب الحجاج من تلك البئر المباركة فإن فيها الشفاء والبركة والفائدة.
ما زالت زمزم موجودة وهي تنبع بشكل مستمر وغزير تكفي جميع الوافدين إلى مكة، ولكن أكثر الوافدين إليها والشاربين من مائها هم يؤمنون بكون مائها مباركاً، ولكنهم ينسون أن هذا الماء بحد ذاته معجزة للبشر عبر الزمن.
فعلى الناظر إلى ماء زمزم أو الشارب منه أن يتأمل في أصل نبعه في ذلك المكان الصحراوي، وأن يرجع بالفكر إلى زمن إسماعيل ويتأمل في عظيم تلك المعجزة التي كانت موضع دهشة المسافرين الذين لم يروا في حياتهم قبل إسماعيل أي أثر لعين ماء هناك.
إن هناك معجزات كثيرة ما زال أثرها موجوداً ووجودها فعالاً، ولكن الأمر بحاجة إلى شيء من التفكر الذي كان بحد ذاته عبادة، فلو أهمل الناس تلك المعجزات ولم ينظروا إليها إلا من المنظار المادي لأصبحت المعجزات منسية ومهملة، مع أن المفروض هو إحياؤها بشكل دائم لأنها تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
وبفضل تلك المعجزة أصبح ذلك المكان مأهولاً بالسكان ومَقصداً للمسافرين ومورداً للحجاج الذين دعاهم إبراهيم إلى الحج بعد أن رفع القواعد من البيت
والكعبة الشريفة هي أول بيتٍ يُعبد فيه الله سبحانه، فقد كانت الأمم تبني البيوت والمعابد ليعبدوا فيها الأصنام، وقد أشار القرآن إلى عظمة الكعبة المشرّفة حيث قال(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
وعاش ابراهيم مع زوجته وولده في ذلك المكان حتى أصبح اسماعيل شاباً، فأمر الله خليله إبراهيم ببناء الكعبة وباشر بتنفيذ الأمر الإلهي وقد عاونه على ذلك ولده النبي إسماعيل(ع).
وبعد اكتمال البناء أمر الله إبراهيم أن يُؤذّن في الناس بالحج ويدعوهم إلى زيارة هذا البيت المُعظَّم(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)
أما عن الحجر الأسود فقد ورد أنه نزل به جبرائيل الأمين من السماء وقد وضعه إبراهيم في موضعه ليتبرك الناس به عبر الزمن.
وأما شكلها وحجمها فقد تم بوحي من الله تعالى.
وقد علّمه الله سبحانه مناسك الحج ليشهد الناس في ذلك المكان منافع لهم في الدنيا والأخرة.
اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كل عام.

قِصةُ ذَبْحِ إِسْمَاعِيْل

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)
قد يُبتلى المرء بموت ولده، وهو ابتلاء صعبٌ جداً، ولعله من أشد الإبتلاءات في ساحة الوجود، وقد يصبر الأب المفجوع على هذه المصيبة وينال ثواب الصابرين، أما عندما يُبتلى الأب بذبح ولده بيده فهو الإمتحان الأكبر والبلاء الأصعب في هذا الوجود.
ولا يمكن لنا أن نعي الحالة النفسية التي كان عليها إبراهيم(ع) عندما أتاه الأمر الإلهي بذبح اسماعيل إلا إذا وضعنا أنفسنا مكانه لدقائق معدودة.
وما جاء إبراهيمَ(ع) في المنام ليس مجرد منام عادي كتلك الصور التي نراها أثناء نومنا، بل كان وحياً من الله تعالى وهو أحد طرق الوحي للأنبياء(ع).
لقد واجه النبي إبراهيم بهذا الوحي عدة صعوبات، أقلها لا يمكن تَحمُّله.
أولاً: كيف يذبح ولده الحبيب الذي انتظر قدومه عقوداً من الزمن، وقد كان شغفه به كبيراً وأُنسه بوجوده لا يوصف.
ثانياً: كيف سيكون موقف اسماعيل عندما يعلم بالأمر؟ وكيف سيواجه هذا الأمر الإلهي، فإن رفض تنفيذ أمر ربه فسوف يزداد الأمر صعوبة على نفس إبراهيم.
ثالثاً: ما هي الطريقة التي يجب استعمالها كتمهيد لإيصال الفكرة إلى ولده.
رابعاً: ماذا سيقول الناس فيه وهم لم يعرفوا عنه إلا السماحة والعطف والحنان، فكيف يذبح ولده، وهذا في نظرهم جريمة كبرى، وأقل قولهم هو اتهامه بالجنون ونفي النبوّة عنه.
خامساً: هل سيقدر على تنفيذ الأمر أم انّ نفسه سوف تحدثه بالعدم فيقع في مخالفة أمر ربه؟
وبما أن إبراهيم عابدٌ لله ومطيعٌ لأوامره لم يكن أمامه سوى أن ينفّذ الأمر الإلهي مهما كانت الظروف قاسية والموانع كثيرة، فعزم على ذبح ولده، فأخذه إلى مكان بعيد عن داره وهناك أخبر ولده إسماعيل بالأمر الإلهي فتقبّل الفكرة برحابة صدر واطمئنان، وطلب من أبيه أن يفعل ما أمره ربه به، وسوف يكون بعون الله من الصابرين.
والله وحده يعلم كيف كانت حالة إبراهيم النفسية في تلك الساعات، فأخذ السكين ووضعها على عنق إسماعيل وهمّ بذبحه، وقيل حاول ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت السكين تنقلب، وهنا جاءت رحمة الله سبحانه الذي اختبر عبده إبراهيم فوجده صابراً فأعفاه من هذا الأمر لأنه كان مصراً على تنفيذ أمر الله متحملاً كل المشقات والصعاب من جراء ذلك.
(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

قِصةُ ضَيْفِ إِبْرَاهيم

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ)
يتابع القرآن الكريم بيانه للدروس المستفادة من تجارب الماضين إما عن طريق السَّلْب أو عن طريق الإيجاب، أو من باب الترغيب تارةً والترهيب تارة أخرى، وفي هذه المرة يقصُّ الله سبحانه على خاتم أنبيائه(ص) ما جرى بين إبراهيم الخليل(ع) والملائكة الذين دخلوا عليه على هيئة بشر قبل أن يذهبوا لإلقاء العذاب على قوم لوط الشاذّين.
ولا بد من الإشارة إلى كلمتين وردتا في الآية هما محْور بداية البحث(الْمُكْرَمِينَ) و(مُّنكَرُونَ) إذ كيف يكونون مكرَمين ومنكَرون في نفس الوقت؟
لقد وصفهم الله بالمكرَمين، ولعل هذا الوصف جاء نتيجة إكرام إبراهيم لهم حيث كرّمهم أحسن إكرام، أو جاء من باب أنهم عبادٌ مكرَمون كما وُصفوا في غير هذا الموضع، وكلاهما صحيح.
سلّموا عليه فردّ عليهم السلام(فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) وأما قوله(قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) فقال بعضهم إنّ إبراهيم لم يصرّح بهذه العبارة لأنها لا تنسجم مع أخلاقه العالية، بل ولا تنسجم مع تكريمه لهم، وإنما هو حديثُ نفْسٍ عند ابراهيم الذي لم يعرفهم للوهلة الأولى أنهم ملائكة، ولعل الآية الكريمة تكشف عما كان يدور في خَلَد خليل الله(ع).
(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)
طلب إبراهيم من أهله أن يحضّروا عجلاً سميناً دون أن يلاحظ الضيوف، وهذا نوعٌ من أنواع احترام الضيف، وما زال هذا السلوك مستعمَلاً في زماننا الحالي، وهو من العادات المحبوبة والمطلوبة.
فحضّروا الطعام ودعاهم إلى الأكل فلم يستجيبوا له، وعندما لم تصل أيديهم إلى الطعام، وهو أمرٌ مستنكَر في العادات والتقاليد إذ كان من العيب أن لا يأكل الضيف عندما تقدم له طعاماً، شعر ابراهيم بالخوف منهم حيث جرت العادة أنه إذا أكل الضيف من طعام المَضيف فقد أَمِن شرَّه، وبما أن ضيوف إبراهيم لم يتناولوا الطعام فقد خاف أن يكونوا ناوين إيذاءه.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)
لاحظ الملائكة بأن إبراهيم قد خاف منهم فحدّثوه بالمهمة التي أرسلهم ربهم بها، وهنا عرف أنهم من الملائكة فاطمأنت نفسه عندما صرّحوا له عن هويتهم، وقد بشّروه بغلامٍ عليم، وهو إسحق(ع) فتعجّب للأمر كيف يُرزق بولد وهو شيخ طاعنٌ في السن، وزوجته عاقر لا تلد(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)
وفي غير هذه السورة وردت الآيات بتفصيل أكثر وضوحاً حيث قال تعالى(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)
فعندما سمعَتْ زوجة إبراهيم بهذه البشرى ضربت وجهها بكفيها وعلا صوتها تعجباً لما تسمع، فأكدت الملائكة لها أنَّ هذا أمر الله القادر على كل شيء، والله يريد أن يكرّم آل خليله إبراهيم(قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)
لقد أرسل الله هؤلاء الملائكة للقيام بمهمتين: الأولى هي إلقاء البشارة لإبراهيم وزوجته بالمولود الجديد رغم كِبَر سنّهما، والثانية: لتدمير مدينة لوط وتعذيب أهلها الكفار حيث لم يكن يوجد في تلك المدينة سوى بيتٍ من المسلمين، ولعله بيت نبي الله لوط(ع).
(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)
فعندما هدأت نفسه وذهب عنها الخوف راح يجادل الملائكة في أمر قوم لوط، ولعله طلب منهم إعطاءهم فرصة علهم يتوبون، وهنا جاء الأمر الإلهي لإبراهيم بعدم المجادلة في قومٍ استحقوا العذاب(يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)
ثم تابع الملائكة مهمتهم فذهبوا إلى دار لوط، وهناك جرى ما قد عرفتم، وقد أنزل الله عليهم حجارة من السماء أحرقتهم ودمّرتهم.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى