
حَكَايَا(شَرِيْعَةُ الْغَاب)
قتالٌ مِنْ أَجْلِ صَيْدٍ طار
كان لأحد رؤساء القبائل ولدٌ جبان لا يحب الخروج من الديار، فراح والده يشجعه على الخروج ويدعوه إلى تعلّم فنون الصيد فوافق الولد على اقتراح أبيه وتعلّم الصيد من أحد المَهرة في وقتٍ قصير وكان ذلك أمراً مدهشاً تباهي به رئيس القبيلة، فقرر الإبن أن يخرج في رحلة صيده الأولى على أرض الواقع ليُثبت لأبيه وقومه قدرته على الصيد، وأنه لا يوجد له نظير بين بني قومه.
وقد أوصاه والده قبل خروجه أن لا يرجع إلى القبيلة إلا والطرائد في جعبته، حيث كان عدم الإصطياد في أية رحلة صيد لأيٍ كان أمراً مشيناً، وخصوصاً على مثل ابن رئيس القبيلة.
خرج الإبنُ ومعه نفرٌ من الحاشية والخدَم، ولما ابتعدوا عن الديار ووصلوا إلى مكانٍ مناسب للصيد راح الإبن يُطلق السهام يميناً وشمالاً بِتَبَخْتُر وتفاخُر، والخدم يلتقطون السهام التي تقع على الأرض، وصادف وللمرة الأولى أن ظفِر في صيدِ طائرٍ كبيرٍ أصابته بعض السهام الطائشة في طرف جناحه، فأرسل بعضَ الخدم ليجلبوا له الصيد الثمين ووجهه يتلألأ فرحاً وهو ينتظر رجوعهم بفارغ الصبر، أما الخدم فلم يجدوا شيئاً على الأرض رغم أنهم رأوا كيف سقط الطائر وأين، فخافوا من العودة إليه دون الصيد فلحق بهم ليستطلع الأمر، ما الذي أخّرك؟ وأين الطائر الذي أصابته سهامي؟ فلم يكن أمامهم سوى إخباره بأنهم لم يجدوا شيئاً، فانزعج كثيراً وهددهم بالقتل إن لم يعثروا عليه، وأمرهم بقطع كل الأشجار وتفتيشها ورقةً ورقة، ففعلوا ما أُمروا به ولكن دون جدوى.
حاول أحد الخدم أن يُخلّص نفسه ورفاقه من تلك الورطة فالتقط دجاجة كانت بالقرب منه وذبحها وقدّمها لابن الرئيس مدعياً بأنه عثر على صيده الثمين، فنظر إليه ابن الرئيس وقال له: أظنني أصبت صقراً طائراً في الجو وليس دجاجة لا تطير أيها الأحمق، أتريد أن تهزأ بي، فنزل من على ظهر فرسه وراح يرمي الخادم بالنبال حتى أزهق روحه.
بات ابن الرئيس وأعوانُه تلك الليلةَ في ذلك المكان حيث أقسم الإبن أن لا يبرح مكانه ولا يعود إلى الديار من دون صيده، فهو الإثبات الوحيد الدال على مهاراته، وعند الصباح علم ابن الزعيم بوجود قبيلة كبيرة على مقربة من مكان الصيد فأيقن بأنّ أهل تلك القبيلة هم مَن سرقوا صيده بهدف إذلاله، فأراد الدخول إليها فأمر جنوده بدخولها وتفتيش منازلها وقتلِ كل من يعترض طريقهم، ففوجئوا بردٍّ عنيف من ابن زعيم تلك القبيلة الذي منعهم من دخول قبيلته بالقوة حيث اعتبرتصرُّفهم إهانةً وتجاوزاً للحدود المتفَق عليها بين الطرفين خصوصاً بعد أن علم بإقدامهم على قطع أشجارهم الخاصة بهم.
احتدم التلاسن واشتد الحوار الغليظ بين الإبنين وراحا يتوعدان بعضهما، فوصل الخبر إلى مسامع رئيس القبيلة الأولى الذي قيل له بأنّ ولده في خطر، وأنّ أبناء تلك القبيلة يحتجزونه رهينةً عندهم، فجمع جيشاً كبيراً وتوجَّه نحو القبيلة الثانية لتلقينهم درساً قاسياً واسترجاع إبنه المأسور كما توهّم.
علم رئيس القبيلة الثانية بخبر القبيلة الأولى فجمع جيشه هو الآخر وجهّزهم بالأسلحة المتطورة(سيوف بتارة ومنجنيق كبير) واستعدوا للمواجهة.
وصل جيش القبيلة الأولى ومعهم الأمر بدخول القبيلة الثانية وحرقِ جميع بيوتهم ومواشيهم وجميع ممتلكاتهم ومدخراتهم.
التقى الجمعان وأُطلقت شرارة الحرب ودارت المعركة بين أهل القبيلتين وكانت معركة طاحنة لم يشهدوا مثلها من قبل حيث تجاوز الطرفان كل الحدود فقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ كما الشباب.
وكان رئيس القبيلة الأولى يجلس على جبل هو وعائلته بعيد من مكان القتال كيلا يصاب بسهم طائش، وكان يلقي الخطابات المحرّضة ريثما تنتهي المعركة.
وفعل رئيس القبيلة الثانية ما فعله رئيس القبيلة الأولى، وانخمدت الحرائق وهدأت الأصوات وانقشع الغبار فنزل الرئيس الأول هو وعائلته إلى أرض المعركة، ونزل الرئيس الثاني كذلك والتقيا وجهاً لوجه ينظر كل واحد منهم إلى حجم الخسائر التي تكبداها، وابناهما(أصل المشكلة) معهما.
لقد فُني الجيشان عن بكرة أبيهم، بالإضافة إلى جميع سكان القبيلة الثانية، وسُوّيَت المباني في الأرض، وبينما هم واقفون وإذ بهم يسمعون صوتاً غريباً يخرج من خلف صخرة كان هناك، فرفعوا الصخرة وإذ بالطائر المصاب يجلس خلفها وقد استعاد نشاطه فاقتربوا منه فطار عالياً.
ثم نظروا إلى الجيشين وليس على قيد الحياة منهم أحد، فتصافحا وفتحا صفحة جديدة، ولكن، بعد ماذا..؟
إنها حربٌ تُشبه أسبابها أسباب أكثر الحروب في المجتمع البشري.



