
هِتَافٌ للوزير الأول أوصله إلى الإعدام
يظن بعض الملوك أنهم أرباب الخَلق وأصحاب الفضل على الأمم، وأنهم يستحقون منهم المدح والثناء على ما قدّموه لهم من خدمات، وأن الفضل يعود إليهم دائماً، هذا مع العلم بأن الملوك يعيشون برخاء على حساب شعوبهم الذين يدفعون الضرائب بالقوة، وهذا يعني أن الفضل يعود لدافع الضريبة التي لولاها لمات الملوك من الجوع.
ومن تلك النماذج ملِكٌ جائر حكم بلاداً واسعة بالظلم والقهر والإستبداد، وكان لا يرحم صغيراً ولا يوقر كبيراً، وكان همه الأكبر أن يبقى على العرش، وأن يهتف له الشعب، وقد صرف نصف بيت المال على الشعراء الذين كانوا يمدحونه بما ليس فيه، والنصف الآخر على شهواته وملذاته.
وكان وزيره الأول رجلاً حكيماً لا يقدم له سوى الرأي السديد، وكان ينصح الشعب ويُقدم لهم الخدمات، وكان الناس يحبونه ويحترمونه، وكان الملك منزعجاً من ذلك الوزير الذي يقف عائقاً في طريقه دائماً، وكان يتمنى أن يتخلص منه، ولكنه لم يجرؤ على اتخاذ أي قرار في حقه كيلا يغضب الشعب، وغضبُ الشعب في الغالب هو السبب في زوال الملوك وهدم العروش.
وذات يوم قرر الوزير الحكيم أن ينزل إلى السوق ليعاين أحوال الرعية على أرض الواقع بعد أن أذن له الملك بتلك الجولة وهو كاره، فأذن له وأرسل خلفه بعض جواسيسه.
وصل الوزير إلى السوق فرحب به الناس أشد ترحيب وحملوه على أكتافهم وجالوا به في أنحاء السوق وقد هتفوا بحياته ولم يذكر أحد منهم الملك بأي خير.
وصل الخبر إلى مسامع الملك الذي خاف على نفسه من محبة الناس لغيره، وظنّ بأن الوزير سوف يجلس مكانه إن استمر الوضع هكذا.
أرسل في طلب وزرائه الذين كانوا يحسدون الوزير الحكيم على نعمة محبة الناس له وشاورهم في الأمر، فراحوا يتزلفون كعادتهم ويحذرونه من مغبة سلوك وزيره الأول، وأنه يسعى للوصول إلى عرش المملكة، فسألهم الملك عن خطة تحقق هدفين في نفس الوقت، التخلص من الوزير، وتشويه سمعته، وبهذا يضمن الملك بقاءه على العرش، فأشار عليه بعض شياطينه أن يُرسل أحدهم إلى بيت الوزير الأول ويضع عشرة آلاف دينار في مكان ما في الدار ثم يُنادى بأن خزينة الملك قد سُرقت، ففعل الملك ذلك، فأمر بتفتيش بيوت المقربين من مجلسه أولاً(بدافع التمويه) ومنهم الوزراء حتى وصل الأمر إلى تفتيش دار الوزير الحكيم وكان الناس قد اجتمعوا وهم في دهشة مما يحصل.
دخل الحراس إلى دار الوزير ثم خرجوا منه حاملين العشرة آلاف دينار، وكانوا يعرفون مكانها طبعاً، فاصطحبوا الوزير معهم وسط الناس وهم يشتمونه ويتهمونه بالسرقة.
حاول الوزير أن يدافع عن نفسه فأنكر معرفته بوجود الدنانير في داره فأسكته الوزراء وطلبوا من الملك إصدار حكم عادل في حقه، وكان العدل عند ذلك الملك هو الجَور بعينه، فحكم عليه بالإعدام، وكذا على الحراس الذين يعرفون حقيقة الأمر ليضمن أنّ أحداً بعد ذلك لن يعرف ما حدث، ومنذ ذلك الحين رفض كل المقربين أن يهتف لهم أحد كيلا يصبح مصيرهم كمصير الوزير المغدور المظلوم، واستمر الملك في ظلمه حتى مات ووقع عن كرسي عرشه، وانطوت صفحة ظلم من صفحات التاريخ السوداء، وفُتح مقابلها ألف صفحة أسوأ منها.



