الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خاتم النبيين وسيد المرسلين أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى أهل بيته الأطهار الميامين المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً:
إنّ أبرز ما ورد في القرآن الكريم حول ليلة القدر المباركة ما ذكره الله تعالى في سورة القدر المكية التي تألفت من خمس آيات قصار، ورغم قلة تلك الآيات من حيث اللفظ والتي لم تتجاوز بمجموعها السطرين إلا أنّ معانيها وأبعادها ومضامينها قد خرجت عن السيطرة بسبب كثرتها وأهمية ما ارتكز خلفها من المفاهيم والمعتقدات.
فمن وحي سورة القدر نستلهم الكثير من المفاهيم الكبرى والتعاليم الجمة، ونستوحي العديد من المعتقدات التي يثبت بها إيماننا ويُتوَّج بها إخلاصنا لواجب الوجود وبارئ النَسَم الأول الذي لا شيء قبله والآخِر الذي لا شيء يكون بعده.
ومن ليلة القدر العظيمة وفيها تتصل أرواحنا بروح القرآن الكريم، وتشتد عزائمنا نحو التوجه الصادق إلى الله الكريم، وتخلص فيها نوايانا القابلة للتزلزل بين الحين والآخر، وبها تتعلق قلوبنا بكتاب الله العزيز الذي كان وما زال أعظم معجزات الوجود، وإذا كان القرآن قد بلغ هذه المرتبة من الرفعة والعظمة، وكان المخرج من الفتن والكاشف للظلمات والنور لأهل الإيمان، فإن ليلة القدر هي الظرف الوحيد الذي احتضن هذا الدستور المجيد الذي كان وما يزال مصدراً للرحمة ومرجعاً للهداية.
خَوَاصُّ الأَزْمِنَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى
سوف أنطلق بهذا البحث من خلال حديث شريف ورد عن رسول الله محمد(ص) مضمونه:إنّ لله خواصّاً في الأزمنة والأمكنة والأشخاص:
فمنذ أن خلق الله الخلق بارك بأشخاص وأمكنة وأزمنة، وهي كثيرة في التاريخ.
والبركة أو القداسة لطفٌ إلهي يضفيه على أيٍ من مخلوقاته لاعتبارات خاصة به تعالى أو لحكمة إما أنه بيّنها أو بيّن جزءاً منها أو أخفاها كلياً.
أما الأشخاص المباركون فهم المعصومون بالدرجة الأولى، وهم الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويُلحق بهم المؤمنون المخلصون الذين سلكوا نهج الدين القويم، ولا شك لدينا بأن أعظم الناس بركة هم محمد وآله(ص) الذين خلق الله السموات والأرض لأجلهم بدليل ما ورد في حديث الكساء الشهير المنقول عن الخاصة والعامة.
وأما الأماكن المباركة فهي كثيرة، منها الكعبة الشريفة وبيت المقدس ومسجد الرسول وأضرحة المعصومين ومَن أُلحق بهم من المؤمنين، والمساجد والحسينيات، وكل مكان يستفيد الناس منه ليوم فقرهم وفاقتهم، وهناك الكثير من الأماكن المقدسة على وجه الأرض لا نستطيع أن نحصي ذكرها في هذا المختصر.
وأما الأزمنة المخصوصة فعلى رأسها شهر رمضان المبارك إذ لو كان ثمة شهر أعظم منه بركة لفرض الله الصيام فيه دون شهر رمضان ولجعل فيه ليلة القدر التي هي أعظم ليلة وأقدس زمن.
هناك أزمنة مباركة من الأساس، وأزمنة باركها الله تعالى بسبب أحداثها المباركة كيوم ولادة الرسول وولادات أهل بيته مثلاً والتي لم تكن معلومة قبل ولادتهم في علمنا نحن البشر، أما في علم الله تعالى فهي مباركة من الأساس.
ولهذا فقد شددت الشريعة على استغلال الأماكن والأزمان المباركة لنستهلها بالعبادة لأن العبادة فيها أكبر أجراً والدعاء فيها أسرع إجابة كما هو حال استجابة الدعاء تحت قبة ضريح الإمام الحسين(ع).
ويدلنا على كون ليلة القدر من أعظم الأزمان أن الله تعالى جعل العمل فيها مباركاً فعبّر عن تلك البركة بقوله(خيرٌ من ألف شهر) فشهر رمضان سيد الشهور، وليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق حتى أنها أفضل من كل ليالي شهر الله.
سُوْرَةُ القَدْرِ
وهي سورة مكية-أي أنها نزلت على الرسول(ص) أثناء وجوده في مكة- تتألف من خمس آيات قصيرة لا تتجاوز بمجموعها السطرين، وهي ضمن الجزء الثلاثين من أجزاء القرآن الكريم، وهي السورة السابعة والتسعون بحسب ترتيب السور.
وإن لسورة القدر خصوصية رائعة في العديد من المجالات العبادية كصلاة الوحشة ليلة الدفن فإن هذه السورة المباركة جزء من تلك الصلاة التي اشتملت على أعظم سورة(فاتحة الكتاب) وأعظم آية(آية الكرسي) وهي جزء مهم في صلاة ركعتي أعمال ليلة القدر حيث تُقرأ سبع مرات في كل ركعة منهما، وفي ذلك إشارات واضحة على رفعة شأنها عند الله تعالى، ولو أنكم راجعتم الكتب العبادية العامة لوجدتم لها العديد من الخصوصيات المنصوص عليها في كلام النبي وآله(ص).
وفي بيان فضل هذه السورة ورد في حاشية مصباح الكفعمي أن أمير المؤمنين(ع) كان إذا رأى أحداً من شيعته قال:رحم الله من قرأ إنّا أنزلناه:
وقال(ع): لكل شيء ثمرة، وثمرة القرآن إنا أنزلناه، ولكل شيء كنز، وكنز الفقر إنا أنزلناه، ولكل شيء عصمة، وعصمة المؤمنين إنا أنزلناه، ولكل شيء هدى، وهدى الصالحين إنا أنزلناه:
لقد ابتُدأت سورة القدر بقوله تعالى(إِنَّا) وقد اختُلف في معناها فكان احتمالان:
الإحتمال الأول: أنّ المراد بالجمع هنا هو التعظيم، وهذا ما تسالم عليه لسان العرب كالمفرد الذي يخاطب الآخرين بلفظ الجمع فيقول: نحن نقول كذا أو نفعل كذا: وهو استعمالٌ صحيح.
الإحتمال الثاني: وهو أن المراد باستعمال لفظ الجمع هو معنى الجمع حقيقةً، أي أنه استُعمل في الحقيقة لا في المجاز، وذلك إذا آمنا بأن الله تعالى يقصد بهذا الجمع الملائكة الذين كانوا الصلة بينه وبين عباده في نقل التعاليم وإنزال الوحي.
الإِنْزَالُ وَالتَّنْزِيْلُ
يرتبط هذا العنوان بقوله تعالى في سورة القدر في الكلمة الثانية من الآية الأولى، وهي قوله سبحانه(أَنزَلْنَاه)
وإذا كان الكلام حول الكلمة الأولى من الآية الأولى عميقاً وطويلاً فإن الكلام حول هذه الكلمة الثانية أعمق وأطول حيث يوجد فرقٌ كبير بين التعبيرين وإن اشتركا في المعنى العام.
وقبل بيان المراد بقوله تعالى(أَنزَلْنَاهُ) تجدر الإشارة إلى الآيات الكريمة التي استعملت اللفظين في مسألة نزول القرآن الكريم.
النوع الأول: هي الآيات التي استعملت لفظ الإنزال:
منها: قوله تعالى في سورة القدر(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
ومنها: قوله في سورة الأنعام(وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)
النوع الثاني: وهي الآيات التي استعملت لفظ التنزيل:
منها: قوله تعالى في سورة البقرة(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)
منها: قوله سبحانه في سورة الإسراء(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)
النوع الثالث: الآيات التي استعملت لفظ النزول من دون أية نسبة أخرى في نفس الكلمة:
منها: قوله تعالى(وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)
ومنها: قوله(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)
هناك فرق بين اللفظين، فلفظ الإنزال يُفهم منه النزول الدفعي، أي مرة واحدة، أما لفظ التنزيل فيُفهم منه النزول التدريجي، أي على مراحل وتِبعاً للأحداث والوقائع، وهذا ما يحتاج بيانه إلى شيء من التفصيل.
فإذا كان القرآن الكريم قد نزل دفعة واحدة فماذا نصنع بالآيات التي تتحدث عن النزول التدريجي بشكل واضح وأكيد وفي المقدمة قوله تعالى الذي بيّن فيه بعض أسباب النزول التدريجي حيث يقول(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) يعني استعملنا الطريقة التدريجية في التنزيل حتى يسهل حفظ القرآن على الناس.
وإذا كان قد نزل تدريجاً فماذا نصنع بالآيات التي تتحدث عن النزول الدفعي مثل قوله تعالى في سورة القدر(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)؟
وبناءاً عليه يكون المراد بالنزول الدفعي هو أنه نزل على قلب الرسول(ص) دفعة واحدة، وقد صادف نزوله على قلبه في ليلة القدر التي كانت مجهولة لدى الناس قبل البعثة الشريفة، وقد بقي النبي سنين طويلة يتردد إلى غار حراء للتفكر والتأمل، وقد كان ذلك بدافع من القرآن المنزَل عليه بشكل إجمالي، وكانت تحصل له كرامات لم يكن يعرف سببها إلى أن هبط عليه جبرائيل ليلة البعثة فأدرك النبي(ص) بأن الذي كان يشعر به وينطلق من خلاله إنما هو النور القرآني الذي أنزله الله على قلبه في ليلة القدر التي لم يكن الناس يعرفونها أو يسمعون بها من قبل.
ويكون المراد بالنزول التدريجي هو إخراج الآيات أو صياغتها تبعاً للحوادث والوقائع.
لقد نزل معنى القرآن وروحه وجوهره على قلب الرسول قبل أن يُبعث للعالمين، ولا أقول قبل النبوة لأنه(ص) خُلق نبياً، ولكن التكليف بالتبليغ حدث ليلة نزول جبرائيل عليه في غار حراء.
حَقِيْقَةُ لَيْلَةِ القَدْرِ
قال الله تبارك وتعالى في سورة الدخان(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) وفي سورة القدر(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
ففي الآية الأولى أطلق الله تعالى على تلك الليلة وصفاً يتناسب مع حقيقتها، وهو البركة لأنها ليلة بركة بكل ما للكلمة من معنى.
وفي الآية الثانية أطلق عليها اسماً، وهو(الْقَدْر)
إذاً.. إن الله تعالى أطلق لتلك الليلة وصفاً واسماً من باب الترغيب بها والتهيئة النفسية لتقبُّل ما فيها من أنواع البركات والأعمال والحقائق التي كانت مجهولة لدينا.
وكلامنا في هذا البحث سوف ينصب على الكلمتين الرابعة والخامسة من الآية الأولى من سورة القدر، وهما(ليلة) و(القدر)، ومن كلمة واحدة من الآية في سورة الدخان، وهي قوله تعالى(مباركة)
وإن للقدر أكثر من معنى كلها تنسجم مع واقع تلك الليلة، ولكننا لن نستبق الأمر بل نرجئ الكلام عن تلك المعاني إلى محله.
والآية الثانية أشارت بصريح القول إلى كونها ليلة مباركة، وقد عرفنا فيما سبق شيئاً عن معنى البركة لدى حديثنا عن الأزمان المخصوصة عند الله تعالى، والتي جعلنا ليلة القدر في مقدمة تلك الأزمان.
والفرق بين التعبيرين عنها في كلتا السورتين هو أن الله تعالى في سورة الدخان أشار بصريح العبارة إلى أنها ليلة مباركة، وهو وصف راق وجميل لمثل تلك الليلة الجميلة بجميع معانيها وكل ما فيها، أما في سورة القدر فقد أشار إلى بركتها عن طريق وصفها وبيان حقيقتها وليس عن طريق الوصف المباشر بالبركة، فعندما يخبرنا رب العالمين سبحانه بأنها الليلة التي نزل فيها القرآن أعظم معجزات الوجود، وأنها خير من ألف شهر، وأن الملائكة تتنزل فيها إلى الأرض تعظيماً لها فهذا يعني أنها مباركة بالفعل، ويمكن القول بأن سورة القدر المشملة على إسم الليلة قد شرحت معنى البركة الوارد في سورة الدخان.
ولكن لكي نفهم معناها بالشكل الصحيح وجب علينا البحث في أكثر من نقطة تتعلق بحقيقتها، ولا يمكن إهمال أية نقطة منها وإلا أصبحت معرفتنا لها ناقصة، وهذا ما لا نرضى به خصوصاً في المفاهيم الدينية.
النقطة الأولى: حقيقة ليلة القدر:
وهي نقطة هامة مقدَّمة على غيرها، ولأجل ذلك فقد جعلناها النقطة الأولى هنا، ولكن لكي نفهم فحوى هذه النقطة بشكل جيد وسليم كان لا بد من النظر إلى تلك الليلة من منظارين بأن نجعل لها معنيين:
المعنى الأول: المعنى الكوني لليلة القدر:
وجوهر هذا المعنى أنّ ليلة القدر من حيث التكوين تشتمل على أوصاف غيرها من الليالي التي تبدأ بغروب الشمس وتنتهي بشروقها أو ظهور فجرها المعبّضر عنه في القرآن الكريم بالخيط الأبيض.
فشأنها من جهة التكوين كشأن غيرها من حيث العتمة والسكون وباقي شؤون الليل المعلومة، بل ربما يكون غيرها أفضل منها تكويناً كما لو أتت في ليلة برد قارص وظلمة حالكة في فصل الشتاء.
المعنى الثاني: هو المعنى الديني والعقائدي:
وهو ما يجعلها متميزة عن غيرها لأن روعة هذه الليلة وجمالها لا يرتبطان بالمناخ الطبيعي، وإنما يرتبطان بالنظام العقائدي الذي أفصح لنا عن حقيقتها عبر وصفها بالمباركة وبما اشتملت عليه من عظيم الأمور، ومن الخصوصيات الخاصة بها.
وهذا المعنى هو قطب رحى البحوث المعقودة حولها، وهو ما تركزت عليه الكلمات ونظرت إليه العبارات وانصبت عليها الكتابات، وذلك من منطلق كنهها وخاصيتها الزمنية والظرفية حيث عرفنا سابقاً بأنها من أخص الأزمنة لدى الخالق سبحانه، وأنها الظرف الزمني الذي نزل فيه القرآن المجيد.
وما نذكرها عن حقيقتها وخصوصياته إنما هو محصور في حدود معرفتنا لها، ونحن لا نشك بأن هناك أسراراً لهذه الليلة لم يُطلعنا عليها رب العالمين، وذلك على قاعدة(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
لقد امتازت ليلة القدر(بالمعنى الثاني) عن باقي الليالي بما ذكرناه عنها وما لم نذكره بعد، وبهذا الكم الهائل من الأعمال والآداب الخاصة فيها، فهي الليلة الوحيد التي استُحب فيها ما استُحب فيها من أنواع العبادات الكبرى.
وهذا التمييز من حيث استحباب العمل فيها لَأكبر دليل على كونها أعظم ليلة من ليالي الزمن.
النقطة الثانية: هل هي ليلة أم أكثر؟
من الملاحَظ أن القرآن الكريم لم يُشر إلى ليلة القدر لا بلفظ المثنى ولا بلفظ الجمع، وإنما أشار إليها بلفظ المفرد(ليلة القدر) و(ليلة مباركة) وإذا كان الواقع هكذا فلماذا نحيي أكثر من ليلة ونخص بالإحياء ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين؟
والحقيقة الثابتة بظاهر القرآن هي أن ليلة القدر واحدة، ولكنها مرددة بين هذه الليالي الثلاث، ولذا ينبغي الحديث عن منشأ هذا التردد، هل هو تزوير التاريخ؟ أم أنه شيء آخر؟
وفي الحقيقة إن تاريخنا لم يسلم من التزوير عبر قرون من الزمن وذلك بفعل الوضاعين الذين كان لهم من وضعهم للأحاديث أهداف خبيثة باتت معلومة للجميع، ولم ينته الوضع حتى يومنا الحاضر، ففي الماضي كان الوضع يتم من خلال شخص أو مجموعة تواطأت على الكذب والإفتراء، أما في هذه الأيام فقد تواطأت دول كبيرة وأمم كثيرة على سلوك هذا السوء.
والسؤال الذي يجب طرحه في المقام: هل ترددت ليلة القدر بين تلك الليالي الثلاث بفعل الوضع؟
إن جوابي الخاص على هذا السؤال يتم بالسلب، أي أن هذا التردد لم يحصل بالوضع وإنما هو أمر ديني كبير تمّ بأمر من الله تعالى بهدف اختبار عباده وزيادة أجرهم وثوابهم، فبدل أن يُكسبنا رب العالمين أجر ليلة قدر واحدة فقد أكسبنا أجر ليال ثلاث، وهذا ضربٌ من ضروب رحمته الواسعة وكرمه العظيم ولطفه الكريم وعطائه الجزيل.
هذا ما كثر الكلام حوله في زمن المعصومين(ع) وقد أتحفوا السائلين بإجاباتهم الرحمانية، ومما لا يشك فيه أحد هو أنها ليلة من ليالي شهر الله الأعظم، فلقد أخبرنا الله تعالى أن القرآن الكريم قد نزل في شهر رمضان حيث قال(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) ثم قال سبحانه(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وهذا يعني بكل وضوح أنها ليلة من ليالي شهر رمضان، ولا يختلف اثنان في ذلك، أما ما وقع التردد حوله-ولا أقول الخلاف لأنه لا خلاف في كونها من شهر رمضان بل إن هذا التردد إنما كان من أجلنا نحن المؤمنين- وقد ورد عن النبي(ص) قوله:إلتمسوها في العشر الأخير: فلو أراد النبي(ص) أن يكشف لنا عن حقيقتها لفعل، ولكنه أبقاها في طي الغموض حتى يستقيم الإمتحان تجاهها ونكسب أجر ليال ثلاث بدل أجر ليلة واحدة، وأما قوله(ص):في العشر الأخير: لا يخرج به ليلة تسع عشر إذ من الممكن جداً أن تكون ليلة تسع عشر هي أول ليلة من العشر الأخير فيما لو كان الشهر ناقصاً، وفي الأغلب يكون الشهر القمري كذلك.
وقد سُئل الإمام الباقر(ع) عن قول الله تعالى(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فقال:نعم، ليلة القدر وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر:
ومن تلك الروايات ما دل على كونها ليلة تسع عشرة، وذلك لقولهم(ع): ليلة تسع عشرة يُكتب فيها وفد الحاج، وفيها يُفرق كل أمر حكيم:
ومنها ما دل على كونها ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، ففي جواب الإمام الباقر(ع) لزرارة بن أعين: هي ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين: وفي بيان الحكمة من وراء هذا التردد هو ما قاله الإمام الباقر(ع) لزرارة: الذي سأل الإمام قائلاً: أليس إنما هي ليلة؟ قال0ع) بلى، قال زرارة فأخبرني بها؟ فأجابه الإمام(ع) بقوله:ما عساك أن تفعل خيراً في ليلتين:
وبهذا الجواب نكون قد حللنا المشكلة حول مسألة التردد وأن الله تعالى أخفاها ليعطينا المزيد من الأجر نحن أمة خاتم الأنبياء(ص) ببركة النبي وآله(ص).
ومنها ما دل على كونها ليلة ثلاث وعشرين،فقد ورد عن النبي الأعظم(ص) أنه كان يقول:ليلة القدر ثلاث وعشرون: ويقول:من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئاً قليقم ليلة ثلاث وعشرين:
وهناك روايات أشركت الليالي الثلاث ببعضها البعض بمعنى أن إحداها تكمل الأخرى، فقد ورد عن الإمام الصادق(ع) قوله:التقدير في تسع عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين:
وتجاه هذه الرواية الأخيرة نقول: لا يمكن الإعتماد على ظاهرها لأنه مخالف للقرآن الكريم الذي حدثنا عن ليلة واحدة، ثم إن الليلة لا تتركب من ثلاث ليال، وعلى فرض صحة هذه الرواية فإن المراد منها لا يكون ما تبادر إلى الأذهان إذ لعل المراد منها أمرٌ مجازي إن صح التعبير قد بُيّن في مواضع أخرى، ولعل هذا الأمر يصب في مسألة التركيز على ثلاث ليال دون ليلة واحدة من أجل الترغيب بزيادة الأجر مع التسليم بأنها ليلة واحدة معلومة عند النبي وآله(ص) ولكنهم مأمورون بعدم الإفصاح عنها، وهذا ما جعلها مرددة بين تلك الليالي الثلاث.
التَّرْكِيْزُ عَلَى لَيْلَةِ ثَلاثٍ وَعِشْرِيْن
لم ترجح أحاديث النبي وآله(ص) ليلة على أخرى، وقد رأينا كيف أن الأئمة(ع) أخفوا وقتها الفعلي من أجل كسب المزيد من الثواب، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا نركز إذاً على ليلة ثلاث وعشرين ونطلق عليها اسم(الليلة الكبرى)؟
أما إطلاق الليلة الكبرى عليها فلا يعني أننا نرجحها على الليلتين الأخريين، بل ربما نشأت هذه التسمية من كونها آخر الليالي التي يُحتمل أن تكون ليلة القدر، وقد أُطلق على ليلة إحدى وعشرين(الليلة الوسطى) وعلى ليلة تسع عشرة(الليلة الصغرى) ومن خلال هذه التسميات ندرك بأنها خاضعة لمكانها من الشهر ليس أكثر.
وأما بالنسبة للتركيز على ليلة ثلاث وعشرين من قِبلنا فهذا ما لا نقبل به لا من قريب ولا من بعيد، أنا شخصياً أركز على ليلة ثلاث وعشرين ليس لاحتمال أن تكون هي ليلة القدر بل لكونها الفرصة الأخير من الفرص الثلاث، ومن الطبيعي أن يكون التركيز على الفرصة الأخيرة أهم لمن كان يرجو ثواب ربه.
ولكن بعض الناس يرجحون أن تكون هي ليلة القدر مستدلين برواية الإمام الصادق(ع) وهي أنّ عبد الله بن أنيس الأنصاري أتى رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله إن لي إبلاً وغنماً وغلمة وأحب أن تأمرني بليلة أدخل فيها فأشهد الصلاة: وكان ذلك في شهر رمضان، فدعاه رسول الله فساره في أذنه فكان الجهني إذا كان ليلة ثلاث وعشرين دخل بإبله وغنمه وأهله وولده وغلمته فكان تلك الليلة في المدينة فإذا أصبح خرج بأهله وغنمه وإبله إلى مكانه:
إن كثيراً من الناس ظنوا بأن ما حدث في حادثة الجهني دليل على كون ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة القدر، ولكننا عندما نتدبر الأمر أكثر فسوف يثبت لنا عكس الذي ظنناه.
والنتيجة التي وصلتُ إليها من خلال التحقيق في هذه الرواية وغيرها هي أنه لا تدل على كون ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة القدر.
وعلى فرض أن هذه الرواية صحيحة فلماذا أخبر النبي(ص) الجهني بحقيقة ليلة القدر دون غيره، مع العلم بأن هناك أشخاصاً يحملون ذات أعذار الجهني، فهل أن النبي(ص) يخبر أحداً بتلك الحقيقة العظيمة ويخفيها عن الباقين، ثم ما هي الميزة في الجهني حتى يختص بهذه المكرمة؟
الرواية تقول: إن النبي(ص) سارّه في أذنه، وكان الناس يرون الجهني يدخل إلى المسجد ليلة ثلاث وعشرين، فهل كان دخوله إلى المسجد في تلك الليلة دليلاً على كونها ليلة ثلاث وعشرين، ألا يمكن أن يكون ما حدث مع الجهني أمراً خارجاً عن القاعدة بمعنى أنه لا يستطيع المجيء إلا في تلك الليلة وقد رخّص الله تعالى بكرمه ورحمته القيام فيها من دون أن يحددها الرسول له.
إن قول الرسول للجهني وغيره: قم في هذه الليلة: لا يدل على كونها الليلة المعهودة إذ لعل ما صنعه النبي(ص) كان حكماً خاصاً بعد معرفة ظروف هذا الشخص الذي كره الرسول أن يحرمه من قيام إحدى الليالي المباركة.
نحن نحيي ثلاث ليال حتى ندرك ليلة القدر، ولكن على فرض أننا لم نستطع أن نحيي سوى ليلة واحدة فهل يعني ذلك أنه لا أجر لنا من إحياء ليلة واحدة ولا ثواب؟ أنا شخصياً أعتقد بأن رحمة الله تعالى لا حدود لها، وأن كرمه عظيم قد بلغ حدوداً لا يمكن أن يعقلها البشر، فالذي يحيي ليلة واحدة كان له أجر ليلة، ومن أحيا ليلتين كان له بمقدار ما أحيا، وكذلك الذي يحيي الثلاث.
هذا لم يدل عليه الدليل وإنما ذكرته لثقتي المطلقة برحمة رب العالمين، ومن يقول عكس ذلك فقد أنكر سعة تلك الرحمة، ثم إن إحياء أية ليلة من ليالي شهر رمضان هو أمرٌ عظيم فيه من الثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى بغض النظر عن كونها ليلة قدر أو لا، ولا شك بأن القيام في ليلة القدر أعظم وأثمر وأبرك، ولكن في نفس الوقت لا يمكن لنا أن ننكر الثواب العظيم والأجر الكبير في إحياء باقي ليالي شهر الله تعالى الذي وصفه النبي(ص) بقوله: أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه افضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات:
إن رسول الله محمداً(ص) هو المشرِّع، وهو من يتلقى الوحي، وهو من ينطق بأمر الله تعالى، فله أن يرخص لمن يشاء بما يشاء أو يحجب ذلك عمن يشاء، ثم إنه ما المانع لو أتى شخص آخر بحكم الجهني وسأل الرسول ذات السؤال وساره النبي في أذنه ثم رآه الناس يدخل المسجد ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين، فلو حصل مثل هذا الأمر لما كان عجباً.
ولو كانت ليلة القدر هي ليلة ثلاث وعشرين وأراد الله تعالى أن يُفصح عنها لكشفها المعصومون للجميع وليس لواحد أو مجموعة خاصة.
فالموضوع الأساسي في رواية الصادق(ع) المذكورة ليس العذر وعدمه، ولم يرد حكماً خاصاً للمعذورين، بل للنبي(ص) أن يعطي وقتاً خاصاً لقيام أهل العذر فيه دون أن يكون هذا الوقت هو ليلة القدر مع الحفاظ على أن الله تعالى يعطي هذا القائم أجر تلك الليلة، وهذا يشبه قاعدة من بلغه الشيء أو التسامح في أدلة السنن إن صح التشبيه.
وخلاصة الأمر: مَن أراد أن يكسب أجر ليلة القدر وزيادة كان عليه أن يقوم في الليالي المرددة بينها فإنه بهذه العملية يضمن إحياءها واقعاً، ويكسب أجر ليلتين أخريين.
النقطة الثالثة: معنى القدر:
إذا عرفنا معنى القدر فقد سهل علينا فهم أحد جوانبها، وبهذا نكون قد وسعنا دائرة البحث لتصبح حقيقتها قريبة من الأذهان أكثر.
إن للقدر أكثر من معنى:
أولاً: تقدير الحوادث:
إن الله سبحانه وتعالى يقدر في ليلة القدر ما سوف يكون إلى السنة القادمة من عمر ورزق وعلم وصحة ومرض وما إلى هنالك من أحوال البشر، ولله سبحانه المشيئة في التبديل والتغيير لأنه تعالى كما قال(يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)
وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى من معاني القدر في سورة الدخان حيث قال(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وفي تفسير هذه الآية ورد عن الإمام الباقر(ع) قوله:يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق، فما قدّر في تلك السنة وقضى فهو المحتوم، ولله تعالى فيه المشيئة:
ثانياً: الشرف الرفيع والمنزلة العالية:
ولا شك بأن ليلة القدر هي ذات منزلة عالية وشرف رفيع لا تضاهيها من ليالي السنة ليلة مثلها من حيث بركتها وخصائصها.
ثالثاً: العَظَمة:
رابعاً: الضيق:
وقد سميت بليلة الضيق لكثرة الملائكة النازلة فيها إلى الأرض إما لمشاركة المؤمنين في إحيائها أو لإحصاء ما يقوم به البشر.
أَوْهَامٌ حَوْلَ حَقِيْقَةِ لَيْلَةِ القَدْر
بُعَيد عصر التشريع وحَمَلة الرسالة من العلماء الأعلام يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على العقيدة والأحكام بسبب الخطر الذي أحاط بالدين منذ فجر ظهوره حيث كان وما زال مستهدَفاً من قِبل جهات لا تريد لهذه البشرية أن تنعم بالخير وتغمرها السعادة على خلاف فحوى الدين الحنيف الذي أتى من أجل هذه الغاية وغيرها من الغايات المحبوبة لدى الطباع السليمة، فالإسلام العظيم أراد لنا أن نحيا حياة كريمة وعزيزة، وأن نؤسس في حياتنا الدنيا للحياة الخالدة فسعى الإسلام للحفاظ على الإنسان في دنياه وآخرته، وهذا ما لم يُجب المتكبرين والمتغطرسين الذين آلمهم عبادة الناس لغيرهم، بل الذين تأذوا من كل ما جاء به الدين، وما جاء به الدين إنما هو الرحمة والفضيلة والعدالة والمساواة والعيش الكريم.
لقد استُهدف هذا الدين على أكثر من صعيد، فقد حاولوا قتل الرسول والمسلمين ليتخلصوا من شبح الإسلام الذي بات يتهدد وجودهم ومصالحهم ويزلزل أركان أطماعهم وما قامت عليه عروشهم، ففشلوا رغم المحاولات الكثيرة عن طريق المباشرة أو الغيلة حيث لمسوا الفشل لأنفسهم من خلال عدم خوف المسلمين منهم، والذين آثروا الموت على الإسلام على العيش في ظل حكم الظالمين والوثنيين.
وقد تكررت تلك المحاولات البشعة كثيراً، وقد تحمّل المسلمون تلك الضريبة الكبيرة في سبيل بقاء هذا الدين الذي لمسوا فيه الرحمة التي كانوا يتوقون إلى مثلها قبل مبعث النبي الخاتم(ص)
وعندما فشلت تلك المحاولات عمدوا إلى استعمال طرق أخرى تدمر الدين وتزلزل العقيدة وذلك عبر عملية الوضع والتزوير.
وحقيقة ليلة القدر شأنها كشأن غيرها من المفاهيم والعقائد، لم تسلم من سهامهم ولا من وضعهم ولا من تزويرهم، ولعلهم ركزوا على الطعن بهذه الليلة لعلمهم بدورها في عالَم الدين وآثارها على نفوس المؤمنين الذين عظّموها أشد تعظيم حتى أصبحت عندهم من أقدس المقدسات وسبباً لاجتماع الناس على البر والتقوى.
هناك أوهام نشأت حول ليلة القدر، وكان منشؤها أحد سببين:
السبب الأول: هو الوضع والتزوير المشار إليه، ولا أحد يشك بآثار الوضع السلبية على العقيدة والأحكام والمفاهيم حيث فاق عدد الروايات الموضوعة عدد الروايات الصحيحة أضعافاً مضاعفة حتى أن بعض الكتب ورد فيها ما يقرب أو ما يزيد على مليون حديث لم يصح منها سوى ألفين تقريباً، وهو واحد من مجموعة كتب نشرها أعداء المسلمين بين المسلمين لأهداف باتت معلومة بحمد الله تعالى.
هذا السبب يمكن التخلص منه ومن آثاره فيما لو أثبتنا بالدليل عملية التزوير التي أحدثها في ليلة القدر على وجه الخصوص، وكان من أبرز معالم الوضع فيها هو قول أحدهم بأنه ارتفعت يوم اكتمال القرآن فرد عليه الإمام الصادق(ع) بقوله:لو رُفعت ليلة القدر لرُفع القرآن.
السبب الثاني: وهو دعايات انتشرت بين الناس بسبب الجهل والوهم ليس لها أية خلفية سيئة حيث كلنا نعرف بأن الناس يتداولون فيما بينهم أموراً يحسبونها حقيقة ويصرون عليها وهي في الواقع بعيدة عن الصواب.
إن هؤلاء وإن لم يقصدوا الإساءة أو التشويه إلا أنهم مسؤولون عما يقولونه تجاه ليلة القدر وغيرها حيث أنهم يستطيعون أن يسألوا عن أية مسألة خصوصاً في هذا الزمن الذي سهلت فيه المساءلة بين الأطراف البعيدة.
هؤلاء الأخوة يجلسون ويملؤون فراغهم بالأحاديث الدينية وتفسير القرآن وتناقل الأحاديث وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فيتحملون تبعات كلامهم وآثار تلك الأحكام التي أطلقوها بشكل عشوائي خصوصاً إذا كانت الذمة واسعة كذِمم كثير ممن نعرف وممن لا نعرف.
فبسبب تلك الجلسات الفاقدة للعلم والوعي والثقافة نشأت أوهام حول ليلة القدر فراحوا يبثون في اذهان الناس أفكاراً حولها لا تليق بها ولا تتصل مع واقعها إذ خُيِّل للسامعين بأنه ليلة سحرية أو شبه سحرية تحمر بها السماء وتنزل على الشخص بالرزق الفوري وربما قال بعضهم بأنه استرزق في تلك الليلة غنماً مرت من أمامه فظن بأنها هبة الله إليه، وهي في الواقع ملك راعي مواشي كان يمر بالقرب منه.
راح هؤلاء يروجون بأن ليلة القدر يرى الإنسان فيها ما لا يمكن أن يراه في الحالات العادية، والغريب في الأمر أنني التقيت ببعض رجال الدين الذي كان من المفترض أن يكون واعياً وعاقلاً فتبيّن أنه متأثر بحكايات السلف ومعتقد بأن تلك الليلة تمر على المؤمنين فتريهم ما لا يرونه في غيرها من الليالي.
إن ليلة القدر تمر على جميع الكائنات الجامدة والمتحركة والعاقلة وغير العاقلة لأنها من حيث التكوين كغيرها، ومن حيث التشريع تمتاز ببركتها وبركة العمل فيها ليس أكثر، ولم نقرأ أو نسمع بأن أحداً من المعصومين(ع) قال غير ذلك، فلو كان ما يقال عنها حقاً لكان الأجدر بالنبي وأهل بيته(ص) أن يذكروا تلك الأشياء، فعندما لم يتعرضوا في حديثهم عنها إلى ما يتوهمه الناس أدركنا بأن ما يقال في شأنها من الأباطيل إنما هو ضربٌ من ضروب الوهم والجهل وعدم الخشية من الله تعالى.
ولعل المنشأ الأساسي للوهم حولها منامٌ رآه بعض البسطاء فراح يحكيه كمنام، وتناقله الناس كحقيقة كما هو حالة الناس في عملية النقل في الغالب حيث يضعون للروايات نكهات مختلفة بحسب ما يقتضي مقام الدجل أو التسلية أو الإستهزاء بالآخرين.
هذا الأمر يجب أن يعرفه الجميع ويدركوا مساوءه على عقائد بعض الناس، فقد جاءني أحد المؤمنين مرة وهو قاطب الوجه، وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، أي بعد انقضاء ليلة القدر الثالثة، وقال لي: أظن أن الله تعالى غاضبٌ عليّ، فقلت له لماذا؟ قال لأن ليلة القدر لم تمر عليه فلم أر نوراً ولا شقاً مفتوحاً في السماء ولا غير ذلك ممن سمعه عن أسلافه البسطاء.
هنا أيها الأعزاء تكمن خطورة تَبَنّي مثل هذه الأوهام، وقد حصل معي أمر مشابه لهذا المعنى فقد جاءني شخص معاق قد زرع له أهله فكرة أنه لو ذهب إلى مقام السيدة زينب الكبرى(ع) فسوف يُشفى من إعاقته، وأظن أنهم قالوا له ذلك من دون أية مقدمة أو توعية أو رسم شيء من طريق العودة، فذهب هذا الشخص إلى مقام العقيلة سلام الله عليها وربط جسمه بشباك الضريح لساعات، ولكنه لم يُشف من إعاقته فكانت النتيجة أنه ظن بالسيدة زينب(ع) سوءاً، وبالتالي فهذا شك بالدين والعقيدة، ونفس هذا يمكن أن يتكرر مع الكثيرين في موضوع ليلة القدر، ولهذا يجب التنبه إلى خطورة هذه الأوهام بل يجب علينا أن نزيل ما زرعه بعض الماضين في نفوسنا حول هذه الليلة مما لم يرد على ألسنة المعصومين(ع).
لَيْلَةُ القَدْرِ فِيْ المَفْهُوْمِ الزَّمَنِيّ
فيما مضى أشرت إلى وجود معنيين لليلة القدر: أحدهما كوني، وثانيهما ديني، وقد تركز الكلام هناك حول المعنى الديني الذي اعتبرناه قطب رحى البحوث حول تلك الليلة المباركة.
وهنا سوف أشير إلى أمرٍ يتعلق بمسألة الزمن في ليلة القدر قلّ من تعرّض إلى ذكره، ولا أعرف السبب في ذلك.
وقلت في بحث آخر: قد يكون وقت ليلة القدر طويلاً فيما إذا صادف حلولها فصل الشتاء في شهر كانون الثاني تحديداً حيث تبلغ أكثر من اثنتي عشرة ساعة.
ومعنى أن ليلة القدر تمر على الجميع فإنها تمر على أهل الكرة الأرضية أينما كان مكان تواجدهم، فقد يكون عندنا يوم ثلاث وعشرين وعندهم ليلة ثلاث وعشرين، وهذا يعني أنه لا يوجد مخلوق على هذا الكوكب إلا وتمر عليه ليلة القدر حتى ولو سكن خط الإستواء أو كان في مكانٍ الليل فيه قصير.
فقد يكون وقتها في بلدنا عشر ساعات، وفي بلد آخر سبع ساعات أو أكثر أو أقل، وعلى أي تقدير فهي ليلة لا تقاس بالساعات بل بما أشرنا إليه في موضوع كونها مباركة حيث شرحنا هناك معنى البركة.
وعلى فرض أن الإنسان كان موجوداً في مكان لا يُعرف ليله من نهاره فإن عليه أن يقوم في الوقت الذي يقوم فيه أقرب مجموعة إليه، المهم هو أن لا نخسر بركات هذه الليلة التي اعتبرناها من أهم الفرص للتوبة والتصحيح.
بَيْنَ لَيْلَةِ القَدْرِ وَنُزُوْلِ القُرْآن
عرفنا أن ليلة القدر هي الظرف الزمني لنزول القرآن الكريم، ولكن السؤال يرد حول السبب، هل لأنها أعظم ليلة، وبمعنى آخر هل استمدت عظمتها من القرآن أم استمد القرآن عظمته منها؟
الجواب: لا هذا ولا ذاك وإن كان الأمر الأول مقبولاً، إن القرآن الكريم عظيم وإن نزل في غير ليلة القدر، وكذا فإن ليلة القدر عظيمة وإن لم ينزل القرآن فيها، إلا أن الله تعالى زاد في شرفها وبركتها عندما جعلها ظرفاً لنزول القرآن الكريم، وإن نفس نزول القرآن فيه دليل على كونها أعظم وقت في الوجود إذ لو ثمَّ وقت أعظم منها لنزل القرآن فيه دونها.
فالقرآن عظيم على كل حال، ولم تزدد عظمته بنزوله فيها، أما ليلة القدر فرغم كونها عظيمة إلا أن الله تعالى قد زاد في بركتها وقداستها عندما أنزل القرآن فيها.
ولأجل ذلك فقد وصف الله ليلة القدر بنزول القرآن فيها وليس العكس.
وَمَا أَدْرَاكَ
كلمةٌ تُستعمل للدلالة على العظمة، وقد استعملها القرآن الكريم لإظهار عظمة الأمور الكبرى كيوم القيامة، ففي سورة الحاقة قال سبحانه(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) وفي سورة المدثر(وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) وفي سورة المرسلات(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ) وفي سورة الإنفطار(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) وفي سورة المطففين(وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وفي ذات السورة(وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ) وفي سورة الطارق(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) وفي سورة البلد(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) وفي سورة القارعة(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) وفي سورة الهمزة(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ)
نلاحظ بأن أكثر استعمالات هذه الفقرة وردت لبيان عظمة يوم القيامة لأنه من أهم الأمور في الحياة، بل لأن الحياة الدنيا بما فيها طريق إلى الآخرة التي هي الهدف الأسمى من الوجود.
ولعل استعمال هذه الفقرة للدلالة على عظمة ليلة القدر هو من باب جعلها بالمستوى الذي يؤول إليه أمر محييها، وهو الفوز في يوم القيامة، ولا أقول بأنه تعالى جعلها في عرض واحد مع يوم الحساب تجنباً للغلو، ولكن بما أن الله تعالى استعمل فيها تلك الفقرة التي يستعملها في الغالب بيوم القيامة فقد أدركنا أهميتها ودورها في تعديل الحكم يوم الحساب لأنها تثقّل موازين الكرء في ذلك اليوم.
ولعل الحكمة من وراء هذا الإستعمال هو تعظيم الموصوف به من باب الترغيب والإسراع في اكتساب الأجر والثواب.
مُضَاعَفَةُ الأَجْرِ فِيْ لَيْلَةِ القَدْر
مع قراءة سريعة ونظرة أولية إلى الآية الثالثة من سورة القدر(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ) نستفيد مفهوماً كبيراً، وندرك معتقَداً جميلاً وجليلاً خاصاً بهذه الليلة المباركة حيث كشفت لنا هذه الآية عن مدى لطف الله تعالى بعباده وسعة رحمته وجليل عطائه وجزيل مواهبه حيث جعل تلك الليلة(ليلة القدر) خيراً من ألف شهر.
إن برَكَة أي زمن أو قداسته لا يمكن أن تُلحظ إلا بوجود ما يعكس فضلها ويكشف عن بركتها ويُفصح عن عظمتها ويبيّن قداستها، فهي جوهرة ثمينة ونادرة لا يمكن إدراك قيمتها إلا عبر التداول ومعرفة قيمة الجواهر، فلا يمكن إدراك العظمة من خلال الزمن المجرد، فلا يقال ليلة القدر أعظم بركة من غيرها لأنها ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين من شهر رمضان المبارك لأنه مهما سوَّقنا لهذا المفهوم فلا يمكن أن نفهمه وندرك معناه إلا بملاحظة العمل الذي يشبه النص الكاشف عن الإردة، فمن خلال أعمال تلك الليلة وبعض الأوصاف الخاصة بها والتي وردت في القرآن الكريم والسنّة المطهَّرة أدركنا مدى عظمتها وحجم بركتها.
فلو كان معنى البركة محصوراً بالزمن كزمن لكانت تلك الليلة مبارَكةً على جميع أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ولكن الحقيقة عكس ذلك إذ لا قيمة من البركة التي لا يُستفاد منها ولا يُنهل من مَعين خيراتها، فليلة القدر ليلة مباركة على المؤمنين بها والعاملين فيها، وليست كذلك على مَن لا يعبأ بحلولها ورحيلها.
هناك نسبة وضعها القرآن الكريم عبر قوله تعالى(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ) فهي ليلة تعادل ثلاثين ألف ليلة، فهل أن زمنها يعادل زمن ألف شهر أو ثمانين سنة أو ثلاثين ألف ليلة؟ وما قيمة تلك النسبة إذا لم يكن هناك ما يستفيد به العبد من تلك المعادلة؟
وبناءاً عليه يكون المراد من وصف القرآن الكريم لها بذلك هو أن العمل فيها يعادل عمل ثلاثين ألف ليلة، وبناءاً على ذلك أيضاً تكون تلك النسبة ناظرة للعمل وليس إلى الزمن.
ولا يمكن أن يكون العمل في هذه الليلة بهذا المستوى الغير معقول والخارج عن حدود المعادلات العادية إلا إذا صدر من قلب سليم لا يحتله سوى حب الله تعالى والخوف منه والطمع بما عنده.
ولأجل هذا يُسأل إمامن جعفر بن محمد الصادق(ع) عن معنى هذه الآية الكريمة(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ) فيقول:العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر:
وقد حدثنا القرآن الكريم عن قانون المضاعفة الإلهية على العمل الصالح بشرط أن يكون صالحاً لأن العمل لغير الله تعالى لا ثمرة له ولا فائدة منه وإن كان كثيراً أو أشبه بظاهره العمل الصالح لأن الله تعالى لا ينظر إلى كثرة الصلاة والصيام بل ينظر إلى صفاء القلب ونقاء الروح وسلام العقيدة.
قال تعالى في سورة لأنفال(وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وفي سورة التوبة(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وفي سورة البقرة(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) وفي السورة ذاتها(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
ولأجل هذا نجد المؤمنين العارفين بقيمة تلك الأزمان المقدسة يستغلون كل لحظة منها ليجنوا من خلالها ربحاً وافراً وأجراً عظيماً بطرق سهلة، وهذا من شيم العاقل المخيَّر بين العطاء الكثير بالعمل القليل، وما أجمل أن يجمع المرء رصيداً هائلاً في ساعات من عمره لم يستطع على جمعه الذين حُرموا من بركات ليلة القدر وقد عمّروا في الحياة مئات السنين.
وإليكم بيان معادلة بسيطة تكشف لنا مدى تكريم الله تعالى لعباده عامة ولأمة خاتم الأنبياء(ص) خاصة.
على فرض أن إنساناً مؤمناً عاش ستين عاماً، وقد كُلف في سن الخامسة عشر من عمره، فتكون مدة تكليفه خمسة وأربعين سنة فيها خمسة وأربعون ليلة قدر، فنضرب الخمسة وأربعين ليلة بثلاثين ألفاً فيصبح المجموع مليون وثلاثماية وخمسين ألف ليلة، أي ما يعادل ثلاثة آلاف وستماية سنة، وإن أكبر معمّر في الوجود لم يتجاوز عمره نصف هذا العدد، ثم نضرب هذا العدد بثلاثة على اعتبار أن ليلة القدر مرددة بين ليال ثلاث، وأنّ كرم الله تعالى اقتضى أن نكسب في السنة أجر ثلاث ليال بدل أجر ليلة واحدة، فيصبح العدد عشرة آلاف وثمانماية سنة أي ما يعادل عمر البشرية الأخيرة.
هذا غيضٌ من فيض كرم الله تعالى على عباده ولطفه بهم ورحمته عليهم، وليس ذلك على الله بعزيز، ولا يُنقص ذلك من خزائنه شيئاً.
فلو آجر الله تعالى مليارات البشر بمثل هذا الأجر لكان مثله كمن غمس إبرة في بحر واسع.
هذا إذا سلّمنا بأن العمل في ليلة القدر يساوي أجر ألف شهر، ولكننا لو دققنا قلياً في هذا الرقم وفي بعض الأرقام التي ذكرها القرآن حول بعض القضايا الكبرى لأدركنا أن المراد بها ليس الحصر، بل إن هذه الأرقام تُستعمل غالباً لبيان الكثرة، والفرق في هذه التعبيرات بين القرآن الكريم وتعبيرات الخاصة أننا بتعبيراتنا الخاصة ربما يكون العطاء أقل من التعبير كما لو كنت رب عمل وقد قام أحد موظفيك بعمل يعجبك فتأتي لتكرمه فتقول له إن هذا العمل الذي قمت به في ساعة واحدة يساوي عندي عمل شهر، فيأتي وقت المكافئة فيكافؤه بأجر يوم أو يومين كما جرت العادة في الكثير من المؤسسات.
ولكن عندما يعدنا رب العالمين بأجر ألف شهر فلا بد وأن نترقّب الزيادة إذ لا مجال للنقصات في التحديدات القرآنية لأن النقيصة لا تتناسب مع كرم الله الواسع، وبناءاً عليه يمكن أن يكون العمل في ليلة القدر خيراً من عمل ألف ألف شهر وأكثر إلى ما لا حدود ولا نهاية.
ويمكن الإستدلال على هذا الطرح بقوله تعالى(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء)
وفي موضع آخر قال تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا) وبعد ذلك قال تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وقد تداول الناس فيما بينهم فكرة أن الحسنة بعشر والسيئة بواحدة في حين أن هناك آيات توضح بأن المراد بالعشرة ليس الحصر لأنه لو كانت الحسنة بعشرة فإن الصدقة بعشرة، وقد أخبرنا الله عز وجل بأن الذي ينفق ماله في سبيل الله مثله كمن ينفق حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل واعطت كل سنبلة مئة حبة، ومعناه أن الحسنة بسبعماية حسنة كحكمٍ أولي حيث أشار القرآن الكريم إلى وجود تزايد عبر قوله تعالى(وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء) يعني هناك قابلية للزيادة، ولا يمكن لنا أن نحصر الزيادة الإلهية بعدد محدد حيث عوّدنا رب العالمين سبحانه في العديد من المواضع أنه لا يبيّن لنا من الجزاء سوى الشيء اليسير، فسبعماية حبة قليل من كثير، وألف شهر قليل من كثير أيضاً.
وهناك دليل آخر على أن المقصود بالعدد هو بيان الكثرة وليس التحديد بالدقة لأن كثيراً من الناس يحيون ليلة القدر غير أن توجهاتهم في السؤال والدعاء وقراءة القرآن تختلف فيما بينها إذ يستحيل أن يجتمع شخصان على توجه واحد وخشوع واحد وتفكر واحد، والله تعالى يعطي كل ذي حق حقه ولا يظلم الناس مقدار ذرة، فهل برأيكم أنه من العدالة أن يُعطى الإنسان الكسول أجر الإنسان المجتهد؟ بالطبع سوف يكون الجواب نفياً لأن الجميع يؤمن بهذا المبدأ.
ولأجل هذا سوف أحدد لكم مبدءاً أسأل الله تعالى أن يكون مصيباً، وهذا المبدأ ناشيء من ثقتي المطلقة بكرم رب العالمين، وقد عرفنا قبل قليل بأن النقيصة غير واردة في الحسابات الإلهية بالمعنى الذي أشرنا إليه قبل قليل لأنه يوجد حالات تفرض النقيصة نفسها على النظام الشرعي.
ولذا يمكن القول بأن الله تعالى سوف يعطي أقل محيي للية القدر أجر ألف شهر ثم تأتي الزيادات بحسب التوجه والخشوع والصبر على العبادة.
نُزُوْلُ المَلائِكَةِ فِيْ لَيْلَةِ القَدْرِ
ما زال الكلام منذ البداية منصبّاً على سورة القدر المختصرة باللفظ والواسعة بالمعنى، والجميلة بالمظهر والجليلة بالجوهر، وقد وصل الكلام إلى الآية الرابعة منها، وهي قوله سبحانه(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ)
لقد تحدثنا كثيراً عن فضل هذه الليلة التي ضاعف الله تعالى ثواب العمل فيها، وكثيرنا يعرف بأن النظام الذي خلقه الله تعالى لهذا الكون وللأرض خصوصاً قد كلَّف له ملَكاً من ملائكته، منهم للماء ومنهم للهواء ومنهم للجبال ومنهم لغير ذلك، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى تلك الوظائف الملائكة بقوله: ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَواتِ العُلاَ، فَمَلاََهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ: مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَيَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ العُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ العُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ، ولاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ، وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرهِ، وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ، وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّماءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ، والخَارجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ:
إذاً نحن نعتقد بأن الملائكة تنزل إلى الأرض دائماً وربما استقر بعضهم فيها، ولكن هذا النزول يتميز في ليلة القدر حيث تتهافت الملائكة بالنزول إليها لمشاركة أهل الإيمان فرحتهم بعطاء الله فيها، ونلاحظ بأنه تعالى وصف نزول الملائكة بقوله(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ) أي أنها تتنزّل، ولم يقل تنزل الملائكة، فإن كلمة(تنزل) تدل على الأحادية، أما كلمة(تنزّل) فإنها تدل على النزول المتكرر، وهذا النزول المتكرر يحصل من الملائكة في تلك الليلة المباركة المليئة بالأجر والثواب، فتتنزل الملائكة لنقل البيانات، والله تعالى يعلم بها دونهم، ينقلون أعمال المؤمنين وحالاتهم، ويأنسون لذلك وبذلك، لأن الملائكة تأنس بوجود مؤمن يدعو الله ويعبده.
الرُّوْحُ
قال تعالى(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا)
لا أريد أن أطيل الشرح حول هذه الآية الكريمة على قاعدة:خير الكلام ما قلّ ودلّ:
وإن للروح أكثر من معنى:
منها: الروح التي هي منبع الحياة كروح الإنسان والحيوان.
ومنها: الأمر بشيء والإذن به: ولعله المراد بالآية الكريمو موضوع بحثنا حيث تنزل الملائكة إلى الأرض بأمر من الله وتعالى، وإذنٍ منه لمن يسأله منهم النزول إليها، ولو كان المراد بالروح في هذه الآية ملَكاً لقيل(والروح معها) والله أعلم.
ومنها: مَلَكٌ عظيم من ملائكة الله تعالى:
ومنها: جبرائيل: لقوله تعالى لدى حديثه عن الصدّيقة مريم(ع)(فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)
ولعل هناك معان أخرى للروح، ولا داعي إلى ذكرها لكونها خارجة عن موضوع بحثنا.
السَّلام حتى الفَجْر
قال تعالى(سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)
إن الليلة التي تشتمل على ما اشتملت عليه ليلة القدر من الفضائل والبركات والكرامات، لا شك بأنها ليلة سلام وأمان من غضب الله تعالى فيما غذا صدر العمل من العبد قربة له.
واللافت في الأمر هو أنّ شعور المؤمن في تلك الليلة المباركة يكون مختلفاً عنه في غيرها، وما ذلك سوى نورها وبركتها وعظمتها وسكينتها وأنسها وجوهرها وحقيقتها وجميع خصالها وخصائصها، ويكفي هذا الشعور لوحده أن يكون دليلاً نفسياً وضمنياً على عظمة تلك الليلة وأهميتها.
قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين)
إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات
جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين
الشيخ علي فقيه