الفكر الكربلائي

لماذا نحيي ذكرى عاشوراء

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

 

لماذا نحيي ذكرى عاشوراء

 

هناك سؤال نطرحه على أنفسنا ونريد معرفة الجواب عليه لتكون جميع معتقداتنا وتحركاتنا تجاه الأمر المسؤول عنه سليمة وواضحة ونافعة، وإذا تجاوزنا ضرورة التعرّف على حقيقة الجواب المطلوب لم نَسلم من أسئلة الناس الذين يودون معرفة معتقداتنا وبعض سلوكياتنا تجاه المسائل الحساسة التي تُعتبر أساساً في حياتنا الدينية بالدرجة الأولى، والسؤال هو: لماذا نحيي مجالس عاشوراء؟ أو لماذا تحيون تلك المجالس وتعطونها تلك الأهمية القصوى التي لا تعطونها لغيرها من المسائل؟

أولاً نحن لا نهتم بمبدئ دون آخر وإن كان هناك تفاوت كبير بين المَبدءين بالحجم والفحوى لأن الإهمال للأمور الصغيرة ليس من شيمنا بل ليس من سلوكنا فإن الذي يُهمل الصغيرة يهمل الكبيرة، ثم إن الصغار في نظر الناس أو في نظرنا تشكّل نواةً للأمور الكبيرة، فمن فهم الصغيرة فهم الكبيرة، ومن اهتم بالصغيرة كان مهتماً بالأكبر منها.

ولكي نعطي نموذجاً حياً يحكي للجميع عن كيفية تعاطينا مع صغار الأمور وكبارها نعطي مثالاً واضحاً وهو أننا كمؤمنين بالله تعالى نرجو ثوابه ونخشى عقابه هناك محرمات كبيرة وصغيرة وواجبنا ترك الجميع لأن الصغيرة توصل إلى جهنم، فلا نقول هذه صغيرة لا تقدم ولا تؤخر بل نقول إن الذرة في الموازين الأخروية تقدم وتؤخر، وها هو القرآن الكريم يذكر لنا العديد من النماذج الداعية إلى عدم إهمال صغار الأمور لأن كل شيء يحصى علينا في يوم الحساب.

قال تعالى(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) وقال سبحانه(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وأما الجواب على السؤال المطروح والذي هو: لماذا نحيي ذكرى عاشوراء؟ فإن الجواب عليه متشعّب ودقيق لا يصل إلى الأذهان بكلمة واحدة أو عبارة مختصرة بل لا بد من بيان كل ما يتعلق بهذا السؤال لتكون الحقيقة جلية والحجة فيه بالغة.

وهذا السؤال إما أن يصدر عن إنسان يطلب المعرفة ليزداد بها اعتقاده وتقوى بها إرادته وتشتد بها عزيمته حتى يتسنى له الدفاع عن الحق بشكل أفضل، وإما أن يصدر هذا السؤال من طرف هدفه التشكيك والإحتقار والإهانة، ونحن لا نعتب على مثل هذا الشخص إذا كان جاهلاً لأنه إن كان جاهلاً علّمناه وإذا تعلّم ثم استمر في طريقته البشعة كان من المعاندين للحق وللرد عليه أساليب خاصة تعتمد على الدليل القاطع الذي يمثّل حجة بالغة عليه في يوم الحساب، وعلى كل حال فإننا نحيي ذكرى عاشوراء لأسباب عديدة.

السبب الأول: أن ذكرى عاشوراء تشكّل في عالَمنا مدرسة جامعة فيها الكثير من أنواع العلم والمعرفة، والكثير من الدروس في الإيثار والإباء والجهاد والتضحية والصدق والإخلاص والبذل في سبيل الحق، فلقد تعلّمنا وتعلّم منها كثير من الأجيال عبر الزمن ما يجعل حياتهم عزيزة وسعيدة، فلقد تعلمنا من عاشوراء كيف نذود عن الحق ونحافظ على الذات وكيف نتخذ القرارات المناسبة ونواجه كل أنواع التحديات وكيف نصنع النصر المبين بقلة من الأتباع قد يعتقد البعض بأن الإنكسار حليفها والإنهزام نصيبها حيث كان الحسين وجيشه القليل وأسلحتهم المتواضعة مثلاً حياً لقوله تعالى(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) هذه الآية نزلت في طالوت وجنوده عندما هزموا جالوت وجنوده فلقد كان عدد المؤمنين آنذاك قليلاً وإنهم رغم قلتهم تغلّبوا على جالوت وهزموه شر هزيمة، ولكن النسبة المئوية في عهد الإمام الحسين كانت أقل بكثير من النسبة المئوية في عهد طالوت حيث لم يكن الفارق بين عدد جيش طالوت وجيش جالوت كبيراً فقد كان يشكل ضعفاً أو ضعفين أو أكثر من ذلك بقليل أما جيش الإمام الحسين فقد واجه جيشاً تجاوز عدده ثلاثمئة ضعف عدده.

فأبرز أسباب تمسكنا بعاشوراء والتزامنا بإحيائها هو كسب الدروس والمفاهيم من تلك الأحداث التي جرت على أرض الطف في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين للهجرة، وإننا نشعر أن الحياة من دون عاشوراء لا قيمة لها في موازين الأديان ولا في موازين الجهاد والإصلاح والدفاع عن النفس والوطن.

ونلاحظ بأن الليالي العشر والأيام العشرة التي نعمل فيها كل سنة هجرية على حضور تلك المجالس العاشورائية تشكل مرحلة سنوية هامة في حياة الفرد والمجتمع حيث تُطرح فيها الأفكار ويُبيَّن فيها من التعاليم ما يكفينا زاداً طيلة الحياة، ووسام شرف لنا بعد مماتنا.

لقد أظهرت ثورة كربلاء الكثير من الأمور التي أصلحت حياة الأمة على مستوى الدين والسياسة، وبينت الكثير من دروس التربية والأخلاق وصنَّفت الناس إلى مطيع وعاص وظالم ومظلوم ومن هو على الحق ومن هو على الباطل، وزرعت الجرأة والشجاعة في قلوب الناس فانبثق عنها عشرات الثورات التي خيضت ضد الظلم عبر التاريخ، فما بنا من نعمة فبفضل تلك الثورة التي لولاها لكنا ضعفاء أذلاء محتقَرين من القاصي والداني، إن أتباع الحسين اليوم قد اجتاحوا العالَم بأسره تحركهم تلك الروح الحسينية التي هي في أصلها روح محمدية وعلوية وإلهية، وقد عملوا على نشر الفكر الحسيني الذي هو فكر الإسلام النظري والإسلام العملي في آن واحد، فنشروا هذا الفكر بين الأمم والشعوب حتى دخل هذا الفكر بطرق مباشرة أو غير مباشرة إلى كل مجتمع وأسرة حتى لو سكنت الأدغال، والذي ساعد على عملية هذا الإنتشار بهذا الشكل الواسع هو صدق النهج واستقامة العقيدة وسلامة المنطق والمنطلَق وطهارة القلب وصفاء النية وإخلاص العمل لوجه الله عز وجل.

وقد حمل العلماء والخطباء تلك الروح وجالوا بها العالَم وواجهوا بها العالَم حتى خضع الجميع أمام هيبة تلك الروح التي أعزها الله تعالى وكتب لها الخلد والإستمرار.

ونحن في وطننا هذا بقِينا بفضل الفكر الحسيني العاشورائي الكربلائي الذي صغّر الموت في أعيننا وأعظم العزة والإباء في نفوسنا فجعلنا نواجه أقوى الجيوش وأكبر الأخطار حتى صنعنا نصراً حسينياً جديداً في القرن الحادي والعشرين، ولم يقم ذلك على منطق السلاح فقط بل قام الجانب الأكبر من ذلك على سلاح المنطق والحكمة والوعي والرشد لأن الطابع الأساسي للنهج الحسيني إنما هو الفكر السليم قبل أن يكون السيف الحاد والحسام القاطع.

فإذا ذكَرْنا الحسين بن علي أو ذُكر أمامنا تبادر إلى أذهاننا صورٌ كثيرة، كل صورة منها تحمل أجمل المعاني وأفضل الخصال وأكرم الصفات، نحن أقوياء ليس بالطائرات والصواريخ والأسلحة الفتاكة، نحن أقوياء بعقيدتنا الحقة وإيماننا بالله ورسوله وولائنا الصادق لأهل البيت(ع).

والحقيقة التي يجب أن يعرفها كل الناس هي أننا نحيي ذكرى عاشوراء من أجلنا لأننا نحن المستفيدون الأوائل من هذا الذكر الرباني الراقي، ولا نحييها من أجل الحسين الغني عنا وعن كل عملنا إذ كيف نظن بأننا نعمل لأجله وهو الذي عمل لأجلنا، وكيف نحيي ذكر شخص أخلد الله ذكره بقدرته وجعله مصدر حياة للنفوس عبر الزمن.

وكل ما نصنعه لأهل البيت إنما مرده إلينا لأنهم أسسوا لنا ووضعوا الركائز الثابتة لحياتنا كيف نعيش أقوياء ونموت شرفاء.

السبب الثاني: من أسباب إحياء ذكرى عاشوراء هو اعتقادنا بأن إحياءها عبادة فيها الكثير من الأجر والثواب، ولكن الإحياء الذي يحمل هذه الصفات لا ينحصر بحضور المجلس أو الإستماع لموعظة وإنما هو الإحياء التطبيقي وهو السير على نهج الحسين، فلا نعني بالإحياء معناه السطحي الذي يحمل القليل من الفوائد وإنما نعني به الإحياء العملي ذا الفوائد الجمة والمنافع الكبرى على مستوى الدنيا والآخرة، ثم إن إحياء ذكر أهل البيت(ع) هو إحياء لشعائر الله وهذا دليل على تقوى القلوب في حد تعبير القرآن الكريم.

ونحن نحيي عاشوراء من باب إحقاق الحق وإبطال الباطل ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن السكوت عن التحرك الشيطاني الذي قام به يزيد وأعوانه والجريمةِ التي ارتكبها في حق الإسلام هذا أمر لا يجوز السكوت عنه لأن الراضي بفعل قوم شريك لهم.

نحن لا نريد أن نكن عُرضة للمساءلة الإلهية في يوم القيامة عن أي تقصير تجاه ديننا الذي كان أصله النبي وآله(ص) .

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى