
قَبْلَ بِدَايَةِ الحِكَايَة
من الأساليب المعتَمَدة في إيصال الفكرة واضحةً إلى الأذهان التقديمُ بما يُناسبُ المَقام على قاعدة(العَرْشُ ثمّ النَّقْش) ولا بأس بالإشارة إلى ما سبق خلقَ آدم(ع) حتى يكتمل البحث المطلوب.
وما سبق خلقَ الإنسان كان أكثر وأعجب وأغرب، فهناك كونٌ رهيب يشتمل على سموات كبرى لا يعلم حدودها إلا خالقها، وهي في اتساعٍ مستمر، ولم يستطع البشر رغم تطوّر وسائل الإكتشاف عندهم أن يصلوا إلى معرفة ذرّة من أسرار هذا الكون العظيم، هذا مع العِلم بأنهم اكتشفوا في هذا الفضاء حتى الآن ما يزيد على مساحة عشرة مليارات سنة ضوئية، ولم يُدركوا حدود السماء الأولى.
وهناك ملائكة وجِنٌّ وأنظمة وقوانين وغير ذلك مما أشير إليه ومما لم يُشَر إليه.
والعجيب في الأمر أنّ علماء الفلك(ومعهم تلك الوكالات العالمية الضخمة) رغم معرفتهم الواسعة في عظمة الخلق من نجوم وكواكب ومليارات المجرات لا ينظرون في علمهم إلا إلى المادة، فلقد عرفوا الكثير عن هذا الخلق ولكنهم تعمّدوا عدم الإقرار بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.
فقبل أن يخلق الله سكّان سمواته وأرضه خلق لهم الظرف المناسب للعيش، وخلق لكل جنس من مخلوقاته كل ما يحتاجون إليه من وسائل الحياة.
فقد خلق السموات والأرض في ستة أيام لحكمةٍ منه سبحانه، مع العلم بأنه قادر على خلقهما بلحظة واحدة(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
لقد أوجدهم من العدم، وفي خلقهم آياتٌ للناس لو كانوا يعلمون(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
ولن أسهب في الكلام حول هذا الموضوع كيلا نخرج عن صُلب البحث، وإنما سوف أنقل لكم ما قاله الإمام أمير المؤمنين علي(ع) في هذا الشأن ثم نتابع قصة خلق آدم.
ففي بيان خلق السموات والأرض قال(ع):
“ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ عَلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوٍّ مُنْفَهِقٍ، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَموَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْر عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْظِمُها، ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ، وَضِياءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً”
وفي خَلق الملائكة قال(ع):
“ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَواتِ العُلاَ، فَمَلاَهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ: مِنْهُمْ سُجُودٌ لاَيَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لاَ يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لاَ يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لاَ يَسْأَمُونَ، لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ العُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ العُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ، ولاَ غَفْلَةُ النِّسْيَانِ. وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ، وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرهِ”
وفي خَلق الإنسان قال(ع):
“ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ، وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ”
ورغم كل ذلك يظن البعض من الناس بأنهم عظماء وأنه لا يقدر عليهم أحد، وهم يحتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم ويهبهم الحياة، فبدل أن يبادلوا نعَمَه بالشكر واجهوها بالكفر والعصيان والتكبر، وفي النهاية هم الخاسرون لأنهم وإن ربحوا القليل من هذه الدنيا فسوف يخسرون كل الآخرة.
الشيخ علي فقيه

