
تَحْدِيْدُ سَعَةِ الكَوْن
هناك أسرار احتفظ بها الله تعالى لنفسه ولم يُطلع عليها أحداً من خلقه إلا من ارتضى منهم، وهؤلاء لم يطلعهم على كل شيء حتى الملائكة لأنه تعالى لو كان قد أطلع ملائكته على كل شيء لما دار بينه وبينهم ذلك الحوار المشهور في شأن خلق آدم(ع).
وهناك أشخاص يكلّفون أنفسهم عناء البحث عن المجهول البعيد وهم موقنون بعدم التوصل إلى مرادهم، ولكنهم يصنعون ذلك لغايات لا داعي إلى تعدادها هنا لأنها برأيي كثيرة جداً، ومن العيب على الكاتب الذي يحترم نفسه وقلمه أن يذكر مثل تلك الغايات المنحطة التي أتعبت أصحابها بالدرجة الأولى وأتعبت معهم الكثيرين من الناس.
ونحن كمسلمين نؤمن بأن الكون محدود لأنه مخلوق، وفي عقيدتنا فإن كل مخلوق محدود سواء كان ثابتاً أو متوسعاً بشكل مستمر كما هي حالة هذا الكون، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة حيث قال”فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ”
وقد حاول الملايين من أهل العلم الحديث أن يحدد سعة الكون عبر دراسات خاصة بهم وقرائن لا يمكن التعويل عليها في إثبات مثل هذا الأمر.
فمنهم من قال إن سعته تبلغ مليار سنة ضوئية، ومنهم من قال أكثر ومنهم من قال أقل، ونحن نقول: إننا وبكل صراحة نجهل حجم هذا الكون لأن الله تعالى لم يصرّح لنا بهذه المعلومة لا في القرآن ولا في غيره من الكتب السماوية ولا على لسان أي نبي، وبناءاً عليه يكون كل ما نقرؤه أو نسمعه عن تحديدات لسعته مجرد أوهام أو مجرد احتمالات لا تسمن ولا تغني ولا يصلح أن تكون أدلة على النفي أو الإثبات في أي مجال.
إن غاية ما أشار إليه القرآن الكريم هو أن هذا الكون واسع جداً وفيه من الآيات والدلائل ما لا يُعد ولا يُحصى، وينبغي على أهل الفكر أن يتخذوا من سعة هذا المخلوق موعظة لهم ولغيرهم لأن هذه الضخامة لوحدها تكفي لإثبات عظيم القدرة وبداعة الإنشاء والدقة في الصنع الذي لا مثيل له.
وإلى هذا السلوك الذي يجب أن نتّبعه حيال هذا الكون ونستفيد منه أمراً دينياً تقوائياً أشار القرآن الكريم بقوله(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ){آل عمران190/191}
الشيخ علي فقيه



