
قِصةُ حَبِيْبِ النجار
هو أحد المؤمنين بالله ورسله، وهو من الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للإيمان برب العالمين، وقد استحق الثناء من الله تعالى حيث ذكره في سورة يس(وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)
وهناك أشخاص شهدتهم البشرية قاموا بوظائف الأنبياء ولم يكونوا منهم كبطل هذه القصة رضوان الله عليه، وهو المعروف بحبيبٍ النجار نسبةٍ إلى المهنة التي كان يعمل بها في مدينته.
لقد كان أهل تلك المدينة وملِكهم قوماً غرقين في الوثنية، تشبه أفعالهم أفعال أهل الرسّ والأيكة من حيث العقيدة الفاسدة والسلوك المنحرف، فأراد الله أن يرحمهم فلم يقبلوا الرحمة لأنفسهم وآثروا الضلال على الهدى والباطل على الحق وهم يعرفون الحق تماماً.
لقد أرسل الله تعالى رسولين إلى أهل مدينة(أنطاكيا) فواجهوهما بالعناد والتكذيب كما صنع الكثيرون من الأقوام مع أنبياء الله عليهم السلام.
ولشدة كفرهم وكثرة عنادهم زاد الله الحجة عليهم فعزّز الله موقف النبيَّين فأرسل معهما رسولاً ثالثاً يدعمهما في وظيفة الدعوة إلى الإيمان، فبقيت النتيجة على حالها، والكفر مسيطراً على قلوب أهل تلك المدينة.
وكان ملِكها ظالماً كافراً يعبد الأوثان ويستفيد من القرابين التي يقدمها الوثنيون للأصنام حيث كان ريع المعبد يعود للملك وحاشيته.
وهذه الأساليب الشيطانية نشأت في الماضي وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر ولكن بصورٍ مختلفة.
وكان حبيب النجار يسكن في أطراف تلك المدينة، وفي يوم من الأيام التقى بالمرسلين(ع) وجرى بينه وبينهم نقاش حول الكفر والإيمان، وقيل إنه كان مريضاً بمرض عُضال عجز الأطباء عن علاجه فشفاه الله بدعاء المرسَلين فثبت له الحق بالدليل القاطع فآمن بالله ورسله ووهب نفسه للدعوة إلى التوحيد، لقد اطمأنت نفسه وتنوّر قلبه بأنوار الحق، وأصبح سيفاً يُضرَب به الباطل، ومن حينها قرّر أن يعين أنبياء الله في مهمتهم بعد أن أخرجهم الملك الظالم من المدينة فذهب إليهم وكلُّه ثقةٌ بما سوف يقول لهم حيث كان يملك لهم من الأدلة الساطعة ما يكفي لإقناعهم.
وسوف أذكر لكم نقاشه مع قومه كما ورد في سورة يس.
(وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)
خرج من بيته البعيد عن المدينة وسعى لإثبات الحق وتثبيت التوحيد، وقيل إنه أخبر قومه بشفائه على أيدي الأنبياء بعدما عجزت الأوثان والأطباء عن شفائه لعقود من الزمن دعاها فيها، وقد اندهش الناس عندما رأوا على وجهه ملامح الشفاء، وقيل إنهم للوهلة الأولى لم يتعرّفوا عليه لأنه أثناء المرض كان شكله مختلفاً عما أصبح عليه بعد أن منّ الله عليه بالشفاء.
(اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ)
وقف بكل جرأة وبسالة وثقة رغم الخطر الذي كان يحيط به بسبب شر الملك وأعوانه وقال لهم:إنّ أنبياء الله لا يريدون منكم أجراً على توجيههم لكم ودعوتهم لكم لاتباع الحق لأنهم مؤمنون مهتدون لا يفكرون بطريقتكم، وغايتهم شريفة، وهي نقلكم من ظلمات الكفر إلى أنوار الهداية فأنكروا عليه قوله، وربما ادعوا بأنه مسحور، وعاتبوه على عبادته لغير أوثانهم.
(وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
مؤكَّدٌ أنهم سألوه عن الإله الذي عبده دون الأصنام فأخبرهم بأنه الخالق لكل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وأنتم سوف ترجعون إليه بعد أن يميتكم.
(أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ)
كيف أعبد أوثاناً لا تضر ولا تنفع ولا تشفع، ولا تدفع عني إرادة الله عز وجل، أما تلك الأصنام فقد صنعتموها بأيديكم وصورتموها بمخيلتكم وتدّعون بأنها آلهة، وهي جماد لا قيمة له.
(إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)
إن فعلتُ ما تطلبونه مني فأنا في ضلال واضح، ثم أعاد عليهم الكرّة مبيّناً لهم أنه آمن برب العالمين ودعاهم إلى الإيمان به، وهناك عذبوه بعد أن كذّبوه وقد قُتل على أيديهم ظلماً فاستحق الثواب الكبير الذي أعده الله لعباده المخلصين، وقد رأى موقعه في الجنة وهو يفارق الحياة فتحسّر على جهل بني قومه وضلالهم وانحرافهم والخسارة التي أوقعوا بها أنفسهم بكفرهم(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)
الشيخ علي فقيه

