
قِصةُ طَالُوْتَ وَجَالُوْت
وهي من القصص القرآنية التي اشتملت على العديد من التعاليم والمفاهيم والدروس المفيدة للبشرية عبر الزمن، وكان أبطالها نبياً من أنبياء الله لم تذكر الآية اسمه المبارك، وعبداً صالحاً(طالوت) وملٍكاً ظالماً(جالوت) والجمهور، هم فرقة من بني إسرائيل.
وقد ذكر الله سبحانه أحداث هذه القصة الشيّقة في سورة البقرة حتى نستفيد من تلك التجربة ونُحسن التصرف مع أمثال هؤلاء المنافقين الذين يميلون مع كل ريح، فقال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)
لعلّ الآية توضح للنبي الأعظم(ص) وجه المشابهة بين تلك الفرقة من بين إسرائيل ويهود الجزيرة الذين حاولوا التعامل معه كما تعامل أجدادهم مع كليم الله وغيره من أنبياء بني إسرائيل.
ونلاحظ من خلال حديث القرآن عن بني إسرائيل أنهم يحملون ذات الروحية الخبيثة ويتصرفون بنفس الطريقة المعتمَدة عندهم والتي لم تتغير فيهم رغم تتالي الأجيال ومرِّ الزمن، وما زالوا حتى يومنا الحاضر يتصرفون بنفس الطريقة التي تعاطوا بها مع أنبياء الله في السابق.
فإذا ذُكر اليهود ذُكر معهم كل شر لأنهم مصدر الشر للبشرية عبر قرون من الزمن، وليس ذلك من باب إطلاق الإتهامات لهم، بل هو ما حصدوه بسبب زرعهم الخبيث.
وتشير هذه الآية إلى فرقة من بني إسرائيل ظهروا بعد كليم الله موسى(ع) وكانوا على معرفة واضحة بما حدث لأجدادهم من ابتلاءات ومعجزات وكيف كرّمهم الله وفضّلهم على غيرهم، ولكنهم لم يستحقوا هذا الشرف بسبب كفرهم بالله وجحدهم بالآيات وقتلهم للأنبياء، ولم تعمل هذه الفرقة على إصلاح أمورها بل سارت بسيرة الأجداد والآباء، وهذا ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وكأنّ ما وجدوا عليه أسلافهم هو الصواب، مع أنه عين الباطل، فهم اعتبروه مصدر فخرٍ لهم ولكنه في الواقع مصدر مذلة ومهانة.
لقد أرسل الله سبحانه إلى هذه الفرقة من بني إسرائيل نبياً يهديهم إلى الرشاد ويعلّمهم أحكام الدين القويم، ولم تختلف نظرتهم لهذا النبي عن نظرة أجدادهم لموسى وهارون(ع) فتعاطوا معه بمنطق السخرية والإستعلاء والإستهزاء وهم مستعبَدون لجالوت وحاشيته، فما بالك بهم لو رُفع عنهم العذاب؟ فمن هنا تظهر لنا حقيقة خبثهم وحجم عدائهم للرسالات السماوية وحملتها.
وبما أنهم تركوا تعاليم التوراة وتخلوا عن طريق الهدى وارتكبوا الكثير من المعاصي والفواحش فقد ابتلاهم ربهم بجالوت الذي أذلهم واستعبدهم وسبى لهم نساءهم وسيطر على أموالهم واستخف بهم كما فعل بهم فرعون من قبل، فأصبحوا جميعاً عبيداً في قبضته حيث ألبسهم ثوب الذل وحدّ من حركاتهم وحرياتهم فلم ينتهوا عما نُهوا عنه، واستفحل بهم الظلم بشكل لا يطاق لأنهم رضوا بالحياة الذليلة وآثروها على الوقفة المشرّفة كيلا تسيل نقطة دمٍ من أحدهم أو يفقد هذه الدنيا التي اعتبروها مقراً لهم دون الآخرة.
عندما وصل السوء بهم إلى هذا الحد الفظيع ذهبوا إلى دار النبي الذي أرسله الله إليهم، وقيل اسمه(أرميا) وطلبوا منه أن يسأل ربه كي يرسل لهم ملِكاً يحاربون تحت لوائه، وقد وعدوا بالقتال حتى النصر لأنهم ما عادوا يطيقون العيش تحت ظلم الملك جالوت، وقد صرّحوا لنبيهم بأن حد السيف أهون مما يفعله بهم جالوت الظالم.
(قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ)
ماذا لو أنّ الله تعالى أرسل لكم ملِكاً فهل ستقاتلون تحت رايته أم أنكم سوف تتخلفون كما فعلتم مراراً؟
(قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا)
كيف لا نقاتل وقد حرمنا الملك جالوت من أبسط حقوقنا كبشر، فالموت عندنا أهون من هذا الذي نحن فيه، سوف نقاتل حتماً حتى نستعيد حريتنا وأموالنا وشرفنا، وهناك وعدوا النبي بالقتال وأقسموا على ذلك، وعاهدوه على طاعة الملِك الذي سوف ينصبه الله عليهم، ولكن الله سبحانه قد أخبرنا بنتيجة الأمر مبيّناً لنا جبنهم وخبثهم وتبدّلَ آرائهم بين لحظة وأخرى(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)
لقد بيّن الله لنا نتيجة الأمر قبل أن يحكي لنا باقي القصة لأنهم قومٌ مشهورون بالضعف والإستسلام وحب الدنيا ومخالفة الوعد والعهد، وهذا ما فعله آباؤهم وأجدادهم مع أنبياء الله، وأكثر من ذلك فإن آباءهم وأجدادهم قتلوا أنبياء الله عندما أمروهم بترك الأوثان.
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)
لعلهم طلبوا من النبي ذلك ليس لأجل رفع الذل عنهم، بل لطمعهم بالملك، ولكنّ خططهم باءت بالفشل عندما لم يعيّن الله تعالى أحداً منهم، وكان قد وقع نزاعٌ بين أعيانهم حول مَن منهم يجب أن يكون الملك، فلم يصلوا إلى مرادهم السيء.
وكان يوجد بحوزتهم تابوت العهد، وهو عبارة عن صندوق حجري كبير، فيه بقيّةٌ مما آل موسى وهارون، ولعله اشتمل على بعض الألواح التي أنزلها الله تعالى على كليمه موسى(ع).
لقد كان هذا التابوت مصدر البركة فيهم أو شئتَ فقل مصدر قوتهم ورِفعة شأنهم بين الناس، وقد استولى عليه أعداءٌ لهم في بعض المعارك وانتزعوه منهم ولم يبق لهم من الشأن ذرة، وقد هُزموا في تلك المعركة شرَّ هزيمة نتيجة لمخالفتهم تعاليم الله تعالى وارتكابهم لكبائر الذنوب.
لقد فقدوا كنزاً ثميناً لا يُقدّر بثمن، سُرق منهم عندما استخفوا بشأنه وأهملوا ما فيه من معجزات وتعاليم.
فعندما لم يبق لهم شيء لا مادياً ولا معنوياً ذهبوا إلى نبيّهم الذي لم يكونوا قبل ذلك يعبؤون به ولا بإرشاداته، ولكن المصلحة الخاصة هذه المرة أجبرتهم على زيارة النبي بهدف تنصيب ملِك عليهم يقاتلون بين يديه.
وبعد مدة من الزمن عادوا إلى نبيّهم ليعرفوا ما الخبر، ومن هو صاحب الحظ منهم في تنصيبه ملِكاً، فأخبرهم نبيّهم بأنّ الله سبحانه قد اختار لهم طالوت ملِكاً عليهم فاستنكروا لحكم الله وقامت قيامتهم وعلت أصواتهم واسودت وجوههم بعدما فشلت خطتهم واندثرت طموحاتهم، رافضين بذلك فكرة تنصيب طالوت من الأساس بحجة أنه رجلٌ فقير ولا يتصل نسبُه بالنبوّة حسب زعمهم، ولا يتحدّر من نسل الملوك، وقد كان ذلك أول مسمار دقّوه في نعوشهم.
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
وبعد أن عرفوا بالخبر الذي شكّل صدمة بالنسبة لهم راحوا يضعون العثرات في طريق الحق كالعادة فشكّكوا بكلام نبيّهم وطلبوا منه دليلاً على صدق كلامه من أنّ الله تعالى هو الذي اختار طالوت وليس هو، ولم يكن طلبهم هذا سوى مراوغة منهم لكسب الوقت علّهم يستطيعون تغيير الواقع هذا.
(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
لقد أعطاهم النبي ما يريدون وأخبرهم بأنَّ الدليل هو أن تابوت العهد الذي نُهب منكم والذي هو موجود في مكان بعيد عنكم ويصعب الوصول إليه سوف يأتيكم عما قليل، سوف تحمله الملائكة من تلك البقعة البعيدة وتضعه بين أيديكم، ألا يكفيكم ذلك دليلاً.
وهنا قبل بنوا إسرائيل بذلك لظنهم بأن النبي سوف يفشل حيث كان من الصعب بل من المستحيل أن يُستنقذ تابوت العهد من بين أيدي سارقيه الذين يقطنون بلاداً بعيدة جداً عن مكان تواجدهم.
وبينما هم ينتظرون يحدّثون أنفسهم بأنهم تغلّبوا على النبي الذي لن يحقق ما وعدهم به حسب ظنِّهم، وإذا بتابوت العهد قد وُضع بين أيديهم بأمر الله عز وجل فانبهروا وصُدموا ولم يكادوا يصدقون الأمر فأتوا إلى التابوت ففتحوه فوجدوا فيه ما أخبرهم به نبيّهم فاستسلموا لأمر الله وهم كارهون، ورضوا بطالوت ملِكاً عليهم.
وطالوت من أبناء بنيامين أخ نبي الله يوسف(ع)، كان رجلاً عادياً يعمل في تجارة بسيطة يعتاش منها، ولكنه كان من أهل العلم والحكمة والنزاهة والسمعة الطيبة بين الناس، حيث أعطاه ربه بسطةً في العلم وقوةً في الجسم، وهذا هو المطلوب في القائد.
فأرسل النبي إلى طالوت مَن يستدعيه فلبّى الدعوة مسرعاً، ولما وصل أخبره النبي بأمر الله سبحانه، فتفاجأ مستصغراً قدر نفسه ومعتقداً بأنه لا يستحق هذا الشرف الكبير، فرفض الفكرة حيث لا يرى نفسه أهلاً للملك، فأصرَّ النبي عليه مبيّناً له أنَّ الله سبحانه هو الذي اختاره ملِكاً على بني إسرائيل، ولا يجوز له أن يرفض فانصاع طالوت لأمر ربه وهيّأ نفسه لتنفيذ كل ما يُطلب منه، ووطّن نفسه على تحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقه منذ تلك اللحظة.
وقد ورد في بعض الروايات أنه لم يكن فارساً ولم يُحرز فنون القتال، ورغم ذلك جعله الله ملِكاً على تلك الفرقة لأن العبرة بما يحويه القلب من حكمة وإيمان وصدق، وقد استطاع بعلمه وحكمته أن يؤسس جيشاً عظيماً قوامه يفوق الثمانين ألف مقاتل كما ورد، وقد جهّز جيشه ودرّبهم على القتال وانطلق بهم على بركة ربِّه لقتال العمالقة جالوت وجيشه الذي كان أكثر عدداً من جيش طالوت.
سار طالوت بجيشه للقاء أعداء الله في مكانٍ محدد، وفي الطريق شعر جيش طالوت بعطش كبير حيث نفد منهم الماء بسبب بُعد المسافة التي قطعوها ولم يكونوا يعرفون أنها سوف تستغرق هذا الوقت كله.
شكى الكثيرون منهم إلى ملِكهم طالوت ذلك العطش الذي ألمّ بهم وأقعدهم عن الحركة، فأوحي إلى طالوت بطريقة لا نعرفها أنهم سوف يصلون عما قريب إلى نهرٍ عذب وأنّ الله سوف يختبر إيمانهم ومدى تحمّلهم للظمأ في سبيل الله، فأخبرهم طالوت بامتحان الله لهم وحذّرهم من الشرب منه إلا غرفة واحدة باليد تحفظ شاربها من الهلاك(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ)
عندما رأى جيش طالوت هذا النهر ذا الماء العذب نسوا ما ذُكّروا به، وتغافلوا عن امتحان الله لهم، فانكبوا على الماء وشربوا حتى الإرتواء إلا القلة القليلة منهم ممن كانوا يخشون ربهم، فقد التزموا بقرار القائد، فلم يشربوا من ذلك النهر الذي ابتلاهم ربهم به.
بعد تلك المخالفة التي صدرت من بني إسرائيل تغيّرت نظرة طالوت تجاههم، ففي البداية كان يعلّق الآمال عليهم، أما وبعد أن خالفوا أمر الله اتخذ قراراً حاسماً سوف يبوح لهم به بعد قليل، وقد رأى بأن الذي لا يأتمر بأوامر الله في مثل هذا الإمتحان فإنه سوف يشكّل عبئاً على الجيش عندما تشتعل الحرب ويشتد وطيسها.
لم يتفوّه معهم بأية كلمة حتى انتهوا من شرب الماء، وأما عن امتحان الله لهم فقد فشل فيه الكثيرون منهم، ولعله نهر الأردن الواقع بينها وبين فلسطين، فلم يلتزموا بقرار ملكِهم فشربوا منه مخالفين أمر الله سبحانه وتعالى، والذي لا يتحمّل القليل من العطش في سبيل الله فلن يتحمّل مشقة القتال في سبيله، وبعد تلك المخالفة تغيّرت الخطة التي كان طالوت قد وضعها نت قبلُ حيث لم تسر الأمور كما أراد بسبب انحراف بني إسرائيل وضعف إيمانهم بالله وأنبيائه.
ثم تابعوا السير دون أن يحرّك طالوت أي ساكن حتى وصلوا إلى المكان المحدد للمواجهة بينهم وبين الطرف المعادي ورأوا جيش العمالقة ينتظرهم، فشعروا بالخوف الشديد، وعزموا على الإستسلام بحجة أنه لا طاقة لهم بجالوت وجيشه، وكان ملِكهم طالوت يذكّرهم بأمر الله وثواب الجهاد في سبيله فلم يسمعوا له.
(فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
انقسم جيش طالوت إلى مصرٍّ على القتال وخائفٍ من جالوت وجيشه، وهناك اتخذ طالوت قراراً حكيماً فقسم جيشه إلى قسمين: الذين شربوا من النهر، والذين التزموا بقرار الملِك، فاستغنى عن كل الفاشلين وكانوا يشكّلون أغلبية الجيش وطلب منهم العودة إلا الديار ولم يثبت معه إلا تلك القلة التي آمنت بأنّ الله ينصر الفئة القليلة التي هي مع الحق على الفئة الكثيرة التي هي مع الباطل، وقد ورد أنه لم يصمد مع طالوت سوى أربعة آلاف من بين كل أفراد جيشه.
وكان طالوت قد التقى بجالوت الظالم وطلب منه أن يعيد المسروقات إلى أهلها فاستعلى واستكبر وخصوصاً بعد أن علِم بأنّ طالوت لا يُحسن فنون القتال، فدعاه إلى المبارزة فوعده طالوت بأنه سوف يرسل إليه من يبارزه ويتغلب عليه، فسخر منه واستخف بجيشه القليل، ولكن هذا الجيش الذي رآه جالوت قليلاً وضعيفاً صبر في وجه جبروته، فلقد شدوا رحالهم وتوكلوا على الله، وبدأت تلك المواجهة بين الطرفين، وقد منّ الله على طالوت وجيشه بوجود نبي الله داود معهم، فهو الوحيد الذي قبِل بمبارزة جالوت الذي كان يصول ويجول متبختراً طالباً المبارزة، وعندما ظهر له داود استخف به كعادته، ولعله بذلك كان يهدف إلى تحطيم معنويات طالوت وجيشه القليل، ولكنه بقدرة الله تعالى استطاع نبي الله داوود(ع) أن يقتل جالوت الجبّار بحجر صغير، ولما قتل داوود جالوت انهار جيش العمالقة وشعروا بالضعف فهرب مَن هرب منهم، وقُتل من قُتل، وهناك كتب الله النصر للمؤمنين.
(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)
أما خبر انتصار طالوت فكان وَقْعه على قلوب بني إسرائيل الضعفاء قاسياً وقاتلاً، فلم يصدقوا بالخبر حيث رأوا الهزيمة في قلوبهم الفارغة من الإيمان بالله، ولكن الله أنجز وعده ونصر المؤمنين وأيدهم بتأييده، وهناك ازدادت خيبة بني إسرائيل وعاشوا بقية حياتهم أذلاء تقتلهم الحسرة حيث لم يحصلوا على شرف القتال مع ملِكهم.
الشيخ علي فقيه

