
قِصةُ أَصْحَاب السبْت
(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)
من سُنن الله تعالى التي جرتْ في خلقه فرْضُ الإمتحان عليهم وابتلاؤهم ببعض أنواع البلاء ليتميّز به المؤمن عن غيره، ولولا وجودُ هذا الإمتحان لكان وجود الإنسان في الحياة دون جدوى، والجميع يعرفون بأنّ الله سبحانه لم يخلق خلْقه سدىً، وما أوجد هذا الوجود لعباً(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)
وقد جرى هذا الإمتحان على الجميع، على الأنبياء والصلحاء قبل غيرهم ليختبر الله بذلك قوة إيمانهم ومدى صبرهم على الأذى في جنب الله عز وجل.
وإلى هذا الأمر العظيم يشير الرب العظيم بقوله(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)
وهذا البلاء إما أن يكون عقاباً(كما حصل لبعض الظالمين) أو يكون امتحاناً كتلك الإبتلاءات التي حصلت للأنبياء وللمؤمنين، على قاعدة(إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه) والرابح هو الصابر الذي يجتاز الإمتحان بنجاح.
وإلى هذه السُنّة يشير سبحانه بقوله(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
فقد يكون الصبر على الأذى عبادةً يتقرب بها العبد من ربه، وقد يكون من باب ترويض النفس لاجتياز المِحنة كما لو صبر غير المؤمن على المصيبة فيواجهها بالصبر لأنه الدواء المناسب في هذا المقام.
ومن الذين جرى عليهم الإمتحان قومٌ من اليهود كانوا يقطنون قرية على ساحل البحر الأحمر، وقيل بأنّ اسمها(أيلة) وقد أُطلِقَ عليهم(أصحاب السبت) لسببٍ سوف نعرفه بعد قليل.
لقد طلب أهل تلك القرية من نبيّهم أن يخصّص الله لهم يوماً يتركون فيه العمل الدنيوي وكل شأنٍ معيشي ويتفرغون فيه للعبادة فقط، فاستجاب الله لهم وخصّص لهم يوم السبت محرِّماً عليهم العملَ فيه في غير العبادة.
ولم يكن لطلبهم أي معنى سوى المراوغة المعهودة في تعاطيهم مع الأنبياء، لأن الله تعالى يقبل الطاعة في كل زمان ومكان، ولا شك بوجود غاية خبيثة من وراء هذا الطلب لأنهم الفرقة التي لم يصدر عنها سوى الشر على مدى التاريخ إلا مَن آمن منهم حقاً، وهم فئة قليلة جداً.
وبالمعنى العامي كان عملهم الدائم هو(وضع العصي بالدواليب) وقد تماشى الأنبياء معهم من باب إلقاء الحجة عليهم حتى لا يبقى لهم أي عذر يعتذرون به في يوم الحساب، وقد خُصّص لهم يوم السبت يوماً للطاعة وترك العمل الدنيوي.
وسار اليهود على هذا النظام مدةً من الزمن لظنهم بأنّ عبادة الله تعالى مجرّد لقلقة اللسان أو مجرد ذهابٍ إلى المعبد ساعة في الأسبوع، وهم غافلون عن تلك السُنّة المتّبَعة في الخلق(سنّة الإمتحان) التي سوف تشملهم حتماً.
وكان هذا اليوم يوم راحة لهم من عناء العمل فوق كونه يوم عبادة، يعني أنهم مستفيدون من هذا القرار مادياً وروحياً، وقد عوّدنا الله تعالى أن يمتحننا في دار الدنيا لنصبر ونكسب الأجر ونرفع درجاتنا بأيدينا في جنته الواسعة من خلال العمل الصالح.
وعلى أي حال، لقد كان أهل تلك القرية يعيشون من اصطياد السمك الذي كان مهنتهم الأشهر في ذلك الوقت، كانوا يأكلون منه حاجتهم ويبيعون الباقي لتلبية حوائج أخرى، وبقدرة الله عز وجل كان السمك يندر في وجوده في أيام الأسبوع إلا في يوم السبت، فقد كان يسرح ويجول أمام ناظرهم بكثرة وعلى الشاطئ بحيث كان بإمكانهم اصطياد السمك يوم السبت بأيديهم، وكانت تقتلهم الحسرة كلما نظروا إلى لمعان السمك وهو يحرك الماء بذيوله، وكأنهم ندموا على طلبهم من النبي، كان البعض منهم يتمنى لو أنه لم يطلب من النبي تخصيص يوم للعبادة.
بمعنى آخر كان بإمكانهم إخراج أطنان من السمك يوم السبت دون عناء ومشقة، كانوا ينظرون إلى السمك وهم نادمون لأنهم آمنوا بالله ورسله، والنتيجة أنهم آثروا الطعام على الإيمان والثواب، وهو أدنى مستوى من حقارة الإنسان المنحرف.
ويذكر الكثير من المؤرخين بأنهم صرّحوا عن ندمهم هذا، وقد خطرت لهم فكرة أن يذهبوا إلى نبيّهم ليُلغي لهم هذا القرار، ولكنهم لم يصلوا إلى ما أرادوا لأنَّ إرادة الله سبحانه فوق كل شيء.
كان الجميع في البداية ملتزمين بهذا القرار حيث كانوا يدّخرون الطعام قبل يوم السبت، ولكنه عندما شح الصيد وقلّ الطعام وانقطع صبر الكثيرين منهم استغلّ الشيطان جوعهم وقلة صبرهم وضَعْفَ إيمانهم، وراح يوسوس لهم حتى يحرمهم من أجر الإبتلاء ويُخسرهم الإيمان الذي كان موجوداً في قلوبهم، ولو كان في الأساس إيماناً متزلزلاً فنحن نطلق عليه اسم الإيمان من باب المجاز ليس أكثر.
(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)
ندم أهل تلك القرية على تخصيص يوم السبت يومَ عبادة لهم وبالخصوص عندما أخذ البلاء منهم مأْخَذَه وسيطر عليهم الجوع فسوَّلتْ لهم أنفسهم أن يحتالوا على الله عز وجل.
خطرت لدى بعضهم فكرة احتيالية كانت السبب في نزول العقاب بهم، ومن سلوكيات بني إسرائيل أنهم كانوا يتعاملون مع الله عز وجل كما يتعاملون مع أي نفرٍ منهم، وهذا عينُ الكفر والنفاق.
اقترح واحد منهم أو أكثر على بني قومه أن يُلقوا شباكهم يوم السبت فتلتقط أسماكاً كثيرة ويخرجونها في يوم الأحد، وبهذه الطريقة يستفيدون دون معصية حسب رأيهم، وفي الحقيقة كان ذلك عين العصيان والكذب على الله سبحانه.
وهذا الأسلوب الإحتيالي موجود في كثيرٍ من الناس حتى يومنا الحاضر، ولا يقتصر وجوده على اليهود فقط فإنّ كثيراً منا انتهجوا طريقة اليهود باسم التديّن أو باسم الحيل التي أطلقوا عليها عناوين توهم بأنها شرعية، وهي في الواقع شيطانية بغطاء ديني.
لقد صدر هذا المُقترَح واعترض عليهم المؤمنون وحذّروهم من غضب الله سبحانه، وأنّ ما يقومون به هو حيلةٌ شيطانية، فلم يحذروا ولم يخشوا الله سبحانه بل استمروا في تلك العملية الإحتيالية، وظنوا أنهم يُحسنون صُنعاً واستخرجوا من البحر أسماكاً كثيرة على غير العادة وتمادوا في هذا العصيان كثيراً، ونبيهم ينهاهم، والمؤمنون منهم ينبهونهم ويحذرونهم من غضب الله عز وجل، ولكن شهوة البطن فيهم كانت أقوى من أية موعظة يسمعونها.
وعندما يئس المؤمنون من نصحهم ووعظهم سكنوا في ناحية بعيدة عن مكان العصاة لعلمهم بأنّ الله سبحانه سوف يعاقبهم فابتعدوا عن الموضع الذي أصبح في مرمى العذاب الوشيك.
وكان الجوع يأخذ من المؤمنين مأخذه أيضاً غير أنّ إيمانهم الصادق حجبهم عن المعصية وآثروا طاعة ربهم والخشية منه على الجوع حيث كانوا يعلمون بأنهم الفائزون الناجون في النهاية، وهذا هو واقع الحال الذي كان والذي سوف يكون مدى الحياة.
وفي صبيحة يومٍ من الأيام استيقظ المؤمنون على أصوات غريبة وأشكالٍ مُريبة، خرجوا من بيوتهم وإذ بهم يتفاجئون بعدد هائل من القردة تقترب منهم، فأمعنوا النظر فيهم فعرفوهم، ولم يجدوا أثراً للطغاة في مكانهم، فأدركوا بأنَّ الله سبحانه قد أنزل عليهم عقاباً مسخهم إلى قردة بما كسبت أيديهم.
وهناك حقّت كلمة الله وندم الظالمون حيث لا ينفع الندم، وفاز المؤمنون الصابرون على بلاء ربهم.
وقد لخّص القرآن الكريم هذه النتيجة بقوله سبحانه(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) صدق الله العظيم.
الشيخ علي فقيه

