قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 27)

قِصةُ ضَيْفِ إِبْرَاهيم

 

 

 قِصةُ  ضَيْفِ إِبْرَاهيم

 

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ)

يتابع القرآن الكريم بيانه للدروس المستفادة من تجارب الماضين إما عن طريق السَّلْب أو عن طريق الإيجاب، أو من باب الترغيب تارةً والترهيب تارة أخرى، وفي هذه المرة يقصُّ الله سبحانه على خاتم أنبيائه(ص) ما جرى بين إبراهيم الخليل(ع) والملائكة الذين دخلوا عليه على هيئة بشر قبل أن يذهبوا لإلقاء العذاب على قوم لوط الشاذّين.

ولا بد من الإشارة إلى كلمتين وردتا في الآية هما محْور بداية البحث(الْمُكْرَمِينَ) و(مُّنكَرُونَ) إذ كيف يكونون مكرَمين ومنكَرون في نفس الوقت؟

لقد وصفهم الله بالمكرَمين، ولعل هذا الوصف جاء نتيجة إكرام إبراهيم لهم حيث كرّمهم أحسن إكرام، أو جاء من باب أنهم عبادٌ مكرَمون كما وُصفوا في غير هذا الموضع، وكلاهما صحيح.

سلّموا عليه فردّ عليهم السلام(فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) وأما قوله(قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) فقال بعضهم إنّ إبراهيم لم يصرّح بهذه العبارة لأنها لا تنسجم مع أخلاقه العالية، بل ولا تنسجم مع تكريمه لهم، وإنما هو حديثُ نفْسٍ عند ابراهيم الذي لم يعرفهم للوهلة الأولى أنهم ملائكة، ولعل الآية الكريمة تكشف عما كان يدور في خَلَد خليل الله(ع).

(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ)

طلب إبراهيم من أهله أن يحضّروا عجلاً سميناً دون أن يلاحظ الضيوف، وهذا نوعٌ من أنواع احترام الضيف، وما زال هذا السلوك مستعمَلاً في زماننا الحالي، وهو من العادات المحبوبة والمطلوبة.

فحضّروا الطعام ودعاهم إلى الأكل فلم يستجيبوا له، وعندما لم تصل أيديهم إلى الطعام، وهو أمرٌ مستنكَر في العادات والتقاليد إذ كان من العيب أن لا يأكل الضيف عندما تقدم له طعاماً، شعر ابراهيم بالخوف منهم حيث جرت العادة أنه إذا أكل الضيف من طعام المَضيف فقد أَمِن شرَّه، وبما أن ضيوف إبراهيم لم يتناولوا الطعام فقد خاف أن يكونوا ناوين إيذاءه.

(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)

لاحظ الملائكة بأن إبراهيم قد خاف منهم فحدّثوه بالمهمة التي أرسلهم ربهم بها، وهنا عرف أنهم من الملائكة فاطمأنت نفسه عندما صرّحوا له عن هويتهم، وقد بشّروه بغلامٍ عليم، وهو إسحق(ع) فتعجّب للأمر كيف يُرزق بولد وهو شيخ طاعنٌ في السن، وزوجته عاقر لا تلد(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)

وفي غير هذه السورة وردت الآيات بتفصيل أكثر وضوحاً حيث قال تعالى(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)

فعندما سمعَتْ زوجة إبراهيم بهذه البشرى ضربت وجهها بكفيها وعلا صوتها تعجباً لما تسمع، فأكدت الملائكة لها أنَّ هذا أمر الله القادر على كل شيء، والله يريد أن يكرّم آل خليله إبراهيم(قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)

لقد أرسل الله هؤلاء الملائكة للقيام بمهمتين: الأولى هي إلقاء البشارة لإبراهيم وزوجته بالمولود الجديد رغم كِبَر سنّهما، والثانية: لتدمير مدينة لوط وتعذيب أهلها الكفار حيث لم يكن يوجد في تلك المدينة سوى بيتٍ من المسلمين، ولعله بيت نبي الله لوط(ع).

(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)

فعندما هدأت نفسه وذهب عنها الخوف راح يجادل الملائكة في أمر قوم لوط، ولعله طلب منهم إعطاءهم فرصة علهم يتوبون، وهنا جاء الأمر الإلهي لإبراهيم بعدم المجادلة في قومٍ استحقوا العذاب(يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)

ثم تابع الملائكة مهمتهم فذهبوا إلى دار لوط، وهناك جرى ما قد عرفتم، وقد أنزل الله عليهم حجارة من السماء أحرقتهم ودمّرتهم.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى