تَاريْخُ أَهْلِ البَيْت(ع)
سَيدَةُ نِسَاءِ العَالَمِيْنَ فَاطِمَةُ الزَهْرَاءُ (عليها السلام)

نَسَبُهَا(ع)
هي فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهي بنت السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد أشرف نساء العرب، وهي أصغر بنات رسول الله(ص) وقد انحصرت ذريته بها.
وِلادَتُهَا(ع)
تزوج رسول الله محمد(ص) السيدة خديجة بنت خويلد وكان عمره الشريف آنذاك خمسة وعشرين عاماً، بينما كانت زوجته خديجة في سن الأربعين، وروى بعضهم أنها كانت في سن الثامنة والعشرين، وقد انحصر نسل النبي(ص) في خديجة ما خلا إبراهيم ابنه من مارية القبطية وقد توفي صغيراً.
أما خديجة فقد أنجبت له القاسم وعبدالله وزينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة(ع) وكلهن أدركن الإسلام.
فقد وُلدت السيدة الزهراء(ع) في20 جمادى الثانية في السنة الخامسة للبعثة النبوية المباركة على المشهور، حيث ذهب الشيخ المفيد رحمه الله إلى أنها ولدت في السنة الثانية للبعثة.
وقد تم حملها بكرامة من الله عز وجل وقد رأت أمها في حملها أموراً عجيبة تكشف عن عظمة هذا الحمل.
روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السّلام، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: لمّا عُرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة فناولني من رُطَبها، فأكلتُه فتحوّل ذلك نُطفة في صُلبي، فلمّا هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة:
وروى الطبراني بإسناده عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لمّا أُسري بي إلى السماء أُدخلتُ الجنّة، فوقفتُ على شجرة من أشجار الجنّة لم أرَ في الجنّة أحسن منها ولا أبيض وَرَقاً ولا أطيب ثمرة، فتناولتُ ثمرةً من ثمارها فأكلتُها، فصارت نُطفةً في صُلبي، فلمّا هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة رضي الله عنها، فإذا أنا اشتقتُ إلى ريح الجنّة شممتُ ريح فاطمة:
فَاطِمَةُ(ع) حَوْرَاء إنْسِيّة
روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السّلام حديث إسراء النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى الجنّة، وجاء في آخره: ففاطمة حوريّة إنسيّة، فكلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة:
مَعْنى فَاطِمَة
روى ابن حجر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: يا فاطمة، لِمَ سُمّيتِ فاطمة ؟ قال علي: لم سُمّيتْ فاطمة يا رسول الله ؟ قال صلّى الله عليه وآله: إنّ الله فطمها وذرّيّتها من النار:
وروى محبّ الدين الطبري عن عليّ عليه السّلام: يا فاطمة، تدرين لم سُمّيتِ فاطمة ؟ قلتُ: يا رسول الله، لِمَ سُمّيت فاطمة ؟ قال صلّى الله عليه وآله: إنّ الله عزّوجلّ قال: قد فطمتُها وذريّتها عن النار يوم القيامة وروى ابن شهرآشوب عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: إنّما سُمّيت ابنتي « فاطمة »، لأنّ الله فطمها وفطم محبيّها عن النار
فَاطِمة الجَنِيْن
روى محبّ الدين الطبري عن خديجة رضي الله عنها، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: أتاني جبرئيل بتفّاحة من الجنّة، فأكلتُها وواقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة. قالت: إنّي حملتُ بفاطمة حملاً خفيفاً، و ( كانت ) تحدّثني في بطني، فإذا خرجت حدّثني الذي في بطني، فلمّا أرادت أن تضع… دخل عليها أربع نسوة عليهنّ من الجمال والنور مَا لا يُوصف، فقالت إحداهنّ: أنا أمّكِ حوّاء، وقالت الأخرى: أنا آسية بنت مزاحم، وقالت الأخرى: أنا كلثم أخت موسى، وقالت الأخرى: أنا مريم بنت عمران أمّ عيسى، جئنا لنلي من أمركِ ما تلي النساء. فولدت فاطمة، فوقعتْ حين وقعت على الأرض ساجدةً رافعةً إصبَعها ( بالتشهّد بالتوحيد:
وروى الفتّال النيسابوري عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث ولادة فاطمة عليها السّلام، قال: إنّ خديجة لمّا تزوّج بها رسول الله صلّى الله عليه وآله هجرها نسوةُ مكّة، وكنّ لا يدخلنَ عليها ولا يُسلّمن عليها، ويمنعنَ امرأةً أرادت أن تدخل إليها، فاستوحشتْ خديجة لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليها، فلمّا حملتْ بفاطمة كانت فاطمة عليها السّلام تحدّثها من بطنها وتُصبّرها، وكانت تكتم ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وآله يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة، فقال لها: يا خديجة، مَن تُحدّثين ؟ قالت: الجنين الذي في بطني يُحدّثني ويُؤنسني. قال: يا خديجة، هذا جبرئيل عليه السّلام يُبشّرني أنّها ابنتي، وأنّها النسلة الطاهرة الميمونة، وأنّ الله تعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمّة، ويجعلهم خلفاء في أرضه ـ الحديث. وفي آخره قصّة النساء الأربع اللاتي حضرنَ ولادتها وتولّين أمرها :
فَاطِمة
ما إن وضعت خديجة هذا المولود المبارك وإذا برسول الله(ص) يأتي ليرى مولوده الجديد الذي كانت له حكاية منذ ما قبل وجود الموجودات.
حملها النبي(ص) وإذا بجبرائيل الأمين يهبط عليه ويقول: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول: إني سميتها فاطمة..
نُوْرُ فَاطِمَة(ع)
ورد عن الإمام الصادق(ع) عن آبائه عن رسول الله(ص) أنه قال: خلق نور فاطمة(ع) قبل أن يخلق الأرض والسماء:
قال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية فقال: فاطمة حوراء إنسية قالوا: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية قال: خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلما خلق الله عز وجل آدم عرضت على آدم. قيل يا نبي الله وأين كانت فاطمة قال: كانت في حقة تحت ساق العرش قالوا: يا نبي الله فما كان طعامها قال: التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد:
نَشْأَةُ فَاطِمَةَ(ع)
وُلدت السيدة فاطمة(ع) في بيت الوحي والنبوة ونشأت فيه ورأت ما رأته من الأحداث والمحن وعاشت صعوبات الرسالة يوماً بيوم وساعة بساعة حتى شاركت أباها كل همومه فكانت له بمنزلة الأم، ولذا أطلق عليها(أم أبيها) لقد فتحت عينيها على هذه الحياة وإذا بها تفقد أمها الكريمة سيدة مكة خديجة(ع) وكانت ترى الأذى الذي لحق بأبيها من جراء تبليغ رسالة السماء، فهي التي كانت تضمد له جراحاته بعد كل معركة، ولذا يمكن القول بأنها لم تعش الحياة التي تعيشها كل فتاة بل كانت تشعر بالمسؤوليات العامة والخاصة منذ الصغر.
ولا شك بأنها تعلمت الكثير عن أبيها النبي الأعظم فتخلقت بأخلاقه ونهلت من معينه فكانت صورة له في وجوده وبعد ارتحاله.
فعن عائشة، أنها قالت: ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثا وهديا برسول الله (ص)، من فاطمة وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها كما كانت تصنع هي به، وفي رواية لأبي داود، كان إذا دخلت عليه قام إليها فاخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها:
لقد فتحت السيدة فاطمة الزهراء عينها في وجه الحياة، وفي وجه أبيها الرسول ترتضع من أمِّها السيدة خديجة اللبن المزيج بالفضائل والكمال.
وكانت تنمو في بيت الوحي نموًّا متزايداً، وتنبت في مهبط الرسالة نباتاً حسناً، يزقّها أبوها الرسول (صلى الله عليه وآله) العلوم الإلهية، ويفيض عليها المعارف الربانية، ويعلّمها أحسن دروس التوحيد، وأرقى علوم الإيمان وأجمل حقائق الإسلام.
ويربّيها أفضل تربية وأحسنها، إذ وجد الرسول في ابنته المثالية كامل الاستعداد لقبول العلوم ووعيها، ووجد في نفسها الشريفة الطيبة كل الروحانية والنورانية، والتهيؤ لصعود مدارج الكمال.
إلى جانب هذا شاءت الحكمة الإلهية للسيدة فاطمة الزهراء أن تكون حياتها ممزوجة بالمكاره، مشفوعة بالآلام والمآسي منذ صغر سنّها، فإنها فتحت عينها في وجه الحياة وإذا بها ترى أباها خائفاً، يحاربه الأقربون والأبعدون ويناوئه الكفّار والمشركون.
فربما حضرت فاطمة في المسجد الحرام فرأت أباها جالساً في حِجر إسماعيل (عليه السلام) يتلو القرآن، وترى بعض المشركين يوصلون إليه أنواع الأذى، ويحاربونه محاربة نفسية.
وحضرت يوماً فنظرت إلى بعض المشركين وهو يُفرغ سلا الناقة، (هو الكيس الذي يتكون فيه الجنين) على ظهر أبيها الرسول وهو ساجد.
كانت الزهراء تشاهد ذلك المنظر المؤلم، وتمسح ذلك عن ظهر أبيها وثيابه وتوسعهم سباً وشتماً، وهم يضحكون من سبابها وشتائمها، شأن السفلة الأوباش.
وعن ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزّى ومناة: لو رأينا محمداً لقمنا مقام رجل واحد، ولنقتلنّه، فدخلت فاطمة (عليها السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) باكية، وحكت مقالهم..
واشتدت الأزمة وزادت المحنة حتى اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يختفي في شعب أبي طالب، ورافقته عائلته، وآل أبي طالب إلى ذلك المكان، وكانوا يعيشون في جو من الإرهاب والإرعاب. ففي كل ليلة يتوقعون هجوم المشركين عليهم وخاصة بعد أن كتب المشركون الصحيفة القاطعة، وحاصروا بني هاشم حصاراً اقتصادياً فلا يدعونهم يبيعون ولا يشترون شيئاً حتى المواد الغذائية، بل ومنعوا إيصال الطعام إليهم، فاستولى الجوع عليهم، وأثَّر في الأطفال أكثر وأكثر، فلا عجب إذا كانت أصوات بكاء الأطفال تصل إلى مسامع أهل مكة، فبين شامت بهم مسرور، وبين متألِّم حزين.
وطالت المدة ثلاث سنين وشهوراً، وكانت السيدة فاطمة من الذين شملتهم هذه المأساة، وهذه المآسي أيقظت في السيدة فاطمة روح الجهاد والاستقامة والمثابرة، وكأنها كانت فترة التمرين والتدريب للمستقبل القريب.
ومما كان يهوِّن الخطب، ويجبر خاطر السيدة فاطمة الزهراء ويقرّ عينها أنها كانت ترى البطل الشهم أبا طالب يقف ذلك الموقف المشرِّف في نصرة أبيها الرسول فكان تارة يحمل سيفه ويرافقه أخوه حمزة ويمشيان خلف الرسول نحو المسجد الحرام ليعلن مؤازرته ومناصرته للرسول، وكأنهما جنديان مسلحان في حالة الإنذار، وربما انضمّ إلى أبي طالب بعض عبيده ومواليه يمشون خلف الرسول وكأنهم مفرزة عسكرية أو سرية جيش.
وَفَاةُ السَّيدَةِ خَدِيْجَة(ع)
كانت اللحظة من حياة الزهراء(ع) تُعد بساعة بسبب مرارة الظروف التي أحاطت بها وبالبيت الهاشمي بشكل عام، وكانت الأعوام تمر والمحن تزداد، وعندما بلغت السابعة من عمرها أو أكثر من ذلك بقليل ووجهت بفاجعة كبيرة وهي وفاة أمها خديجة.
وعندما كانت السيدة خديجة على فراش الموت دخل عليها رسول الله(ص) فقال لها: بالرغم منَّا ما نرى بك يا خديجة، فإذا قدمت على ضرائرك فاقرئيهن السلام! قالت: من هنَّ يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): مريم بنت عمران، وكلثم أُخت موسى، وآسية امرأة فرعون. فقالت: بالرفاء يا رسول الله:
وكان(ص) يقول: أُمرت أن أُبشِّر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
قال ابن الأثير في (النهاية): القصب – في هذا الحديث -: لؤلؤ مجوَّف واسع كالقصر المنيف. والصخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام.
وكانت السيدة خديجة تتأوه وتبكي فقالت لها أسماء بنت عميس: أتبكين وأنت سيدة نساء العالمين؟ وأنت زوجة النبي؟ مبشَّرة على لسانه بالجنة؟ فقالت: ما لهذا بكيت، ولكن المرأة ليلة زفافها لا بدَّ لها من امرأة تفضي إليها بسرِّها وتستعين بها على حوائجها، وفاطمة حديثة عهد بصبا، وأخاف أن لا يكون لها من يتولى أمرها حينئذ!
فقالت أسماء: يا سيدتي لك عهد الله إن بقيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مقامك في هذا الأمر.. إلخ.
وفارقت السيدة خديجة الحياة، وعمرها ثلاث وستون سنة (على قول) ودُفنت في الحَجون، فكانت وفاتها ضربة مؤلمة على قلب الرسول، وخاصة وأن النبي قد فجع بعمِّه أبي طالب بعد أيام أو شهور من وفاة السيدة خديجة فازداد حزناً، حتى سمَّى تلك السنة (عام الحزن) لأنه أصيب بمصيبتين عظيمتين على قلبه البار:
وبهذا فقد أضيف إلى سجلات عذاب فاطمة عذاب جديد واجهته كما واجهت غيره بإيمان وثبات على الحق.
فَاطِمَةُ(ع) والهِجْرَة
لقد عاشت الزهراء مع أبيها في مكة أصعب مراحل حياته، ثم بعد أن أمره الله تعالى بالهجرة لحقت به مع علي(ع) إلى المدينة حيث بدأت هناك مرحلة جديدة من مراحل الآلام على قلب الزهراء أرواحنا فداؤها.
وما ذكرناه عن معاناة الرسول في الجزء الأول وعن معاناة علي في الجزء الثاني هو نفسه ما نقوله عن معاناة الزهراء(ع) بل هو أعظم من معاناة أبيها وزوجها.
وبذل تكون(ع) قد شاركت أباها وبعلها هموم الهجرة ومرارة فراق الوطن وبيت الأم العطوفة.
ناهيك عن ليلة الهجرة حيث عاشت الزهراء ساعات قلق وخوف على أبيها المهدد بالقتل من قبل أربعين قبيلة
، ولما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفواطم من مكة وهُنَّ: فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة بنت أسد (أم أمير المؤمنين) وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، فلحقهم العدو، واعترضهم في أثناء الطريق للحيلولة دون الهجرة، وكان الموقف حرجاً، واستولى الرعب والفزع على قلوب الفواطم من الأعداء، وكادت أن تقع هناك كارثة أو كوارث لولا حفظ الله وعنايته، ثم بسالة الإمام علي وبطولته المشهورة، وكفاهم الله شر الأعداء، ونجى علي والفواطم بقدرة الله تعالى، وصلت الفواطم إلى المدينة، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سبقهم إليها، وكان ينتظرهم، ولما وصلوا دخل النبي المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، والتحقت به ابنته فاطمة الزهراء، ونزلت على أُم أبي أيوب الأنصاري، كانت السيدة الزهراء تعيش تحت ظل والدها الرسول في المدينة بعد أن مرَّت بها عواصف شديدة وحوادث مؤلمة، من موت أُمها خديجة وهجرة أبيها الرسول من وطنه ومسقط رأْسه، وهجوم الأعداء على الدار، وهجرتها من مكة إلى المدينة، ومطاردة الأعداء لها، فهل انتهت تلك الحوادث والمصائب؟
فَاطِمَةُ الزّهْرَاءُ (ع) يَوْم أُحُد
بعد مدة من الهجرة وقعت غزوة أحد التي استشهد فيها العشرات من المسلمين وفي مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، فخرجت صفية بنت عبد المطلب (عمة النبي) وفاطمة الزهراء إلى أحد، فصاحت فاطمة، ووضعت يدها على رأسها، وخرجت تصرخ، وخرجت كل هاشمية وقريشية، واضعة يدها على رأسها، وكان وصول فاطمة الزهراء وصفية إلى أُحد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبعد أن قُتل من قُتِل، وجُرحَ من جُرح، وكان النبي يتفقد القتلى ويبحث عن المفقودين من أصحابه، وكان الحزن والغيظ قد أخذ من الرسول كل مأْخذ، فبينما هو كذلك وإذا به يرى عمَّته صفية وابنته فاطمة قد توجَّهتا نحو تلك المنطقة، فغطى الرسول جثمان حمزة بردائه، وستَرَه من القرن إلى القدم كي لا يُرى شيء من مواضع المثلة، وأقبلت صفية وفاطمة تعدُوان، وجلستا عند مصرع حمزة، وشرعتا بالبكاء والنحيب، ورسول الله يساعدهما على البكاء، ويشاركهما في الأنين والنحيب، ثم نظرت فاطمة إلى جراحة جبهة الرسول، وإلى الدماء المتخثرة على وجهه الطاهر ولحيته الشريفة، فصاحت وجعلت تمسح الدم وتقول: اشتدّ غضب الله على من أَدمى وجه رسول الله، فغسلت الدماء عن وجه أبيها، وكان علي يصبّ الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدم إلاَّ كثرة عمدت إلى قطعة حصيرة فأحرقتها، وجعلت رمادها ضماداً على جبهة أبيها، وألزمته الجرح، فاستمسك الدم.
فَاطِمَةُ الزهْرَاءُ (ع) عَلَى أعتَابِ الزواج
امتازت فاطمة الزهراء(ع) منذ صغرها بالنضج الفكري بحيث إذا جالستها وتحدثت إليها لم تشعر بصغر سنها بل حسبتها أكبر مما تصورت، وكيف لا تكون كذلك وهي المعجزة الإلهية الخالدة.
كانت(ع) عالمة عاقلة بليغة فصيحة فقيهة حكيمة، بل كانت طاهرة مطهرة محدثة زكية مطمئنة صدّيقة، ولهذا تهافت الوجهاء على خطبتها من أبيها رسول الله(ص) الذي رد الجميع بقول جميع وانتظر أمر الله تعالى في زواج فاطمة.
فقد أخرج ابن سعد : أنَّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « يا أبا بكر انتظر بها القضاء » فذكر ذلك أبو بكر لعمر ، فقال له عمر : ردَّك يا أبا بكر. ثُمَّ إنَّ أبا بكر قال لعمر : أخطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فخطبها ؛ فقال له مثل ما قال لأبي بكر : « أنتظر بها القضاء »
وعن أنس بن مالك ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فغشيه الوحي ، فلمّا سري عنه قال : « يا أنس ، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش ؟ » قال : الله ورسوله أعلم ، قال : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ »
وعن عبدالله بن مسعود ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ، ففعلت »
وعن أبي أيوب الانصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : « أمرت بتزويجك من السماء »
قال نفر من الأنصار لعليٍّ عليه السلام : عندك فاطمة. فأتى رسول الله(ص) فسلَّم عليه، فقال : « ما حاجة ابن أبي طالب » ؟ « ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ». قال : « مرحباً وأهلاً ».
ثمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض « خطبة عليٍّ » على فاطمة ، فقال لها : « إنَّ عليَّاً يذكرك »، فسكتت ، فخرج يقول : « سكوتها إقرارها ».
وحين وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القبول من كلا الطرفين ، سأل عليَّاً عليه السلام : « هل عندك شيء ؟ » وكان لا يملك غير سيفه ودرعه وناضحه.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « فأمَّا سيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد في سبيل الله ، وتقاتل به أعداء الله ، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك ، وتحمل عليه حلَّك في سفرك ، ولكنِّي رضيتُ منه بالدرع »
فباعها وباع أشياء غيرها كانت عنده ، فاجتمع له منها أربعمائة درهم ، فكان هذا مهر فاطمة.
ولمَّا جاء عليُّ بن أبي طالب عليه السلام بالدراهم ، وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره أن يجعل ثلثي الدراهم في الطيب ، والثلث الآخر في المتاع ، ففعل.
وجهزّت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لها غير سرير من جريد النخل ، وسادة من آدم حشوها ليف ، ومنخل ومنشفة ، ورحى للطحن ، وجرّتان وقميص ، وخمار لغطاء الرأس ، وثوب له زغب ، وعباءة قصيرة بيضاء ، وجلد كبش..
أمَّا عليٌّ عليه السلام قد رشَّ أرض الدار برمل ناعم ، ونصب في البيت خشبة من لحائط إلى الحائط ، لتعليق الثياب ، إذ لا خزانة ولا صندوق لثياب العروس.
عن عليِّ بن أبي طالب عليه السلام قال : « لقد تزوَّجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ، ونعلف عليه الناضح بالنهار ، وما لي ولها خادم غيرها »
خُطْبَةُ الرَّسُوْلِ(ص) في التَزْويج
« الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع لسلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ونيرهم بأحكامه ، وأعزَّهم بدينه ، وأكرمهم بنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم. إنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل المصاهرة نسباً لاحقاً ، وأمراً مفترضاً ، وحكماً عادلاً ، وخيراً جامعاً ، أوشج بها الأرحام ، وألزمها الأنام. فقال الله عزَّ وجلَّ : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (2) ، وأمر الله يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكلِّ أجلٍ كتاب (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب) ثُمَّ إنَّ الله تعالى أمرني أن أُزوِّج فاطمة من عليٍّ ، وأُشهدكم أنِّي زوَّجت فاطمة من عليٍّ على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأُمَّة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ».
قال أنس : وكان عليٌّ عليه السلام غائباً في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعثه فيها.. ثُمَّ أمر لنا بطبق فيه تمر ، فوضع بين أيدينا ، فقال : « انتبهوا » ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل عليٌّ ، فتبسَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : « يا علي! إنَّ الله أمرني أن أُزوِّجك فاطمة ، وإنِّي زوَّجتكما على أربعمائة مثقال فضَّة » ، فقال عليٌّ عليه السلام : « رضيت يا رسول الله »! ثُمَّ إنَّ عليَّاً عليه السلام خرَّ ساجداً شكراً لله ، فلمَّا رفع رأسه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيِّب ».
قال أنس : والله لقد أخرج منهما الكثير الطيِّب:
ورحَّب النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الزواج الميمون وباركه وأسبغ عليه أنبل المشاعر وأقام حفلة الزفاف ، ومشى خلفهما ، معه حمزة وعقيل وجعفر ، ونساء النبي يرتجزن فرحات مستبشرات ، وهنَّ يمشين قدَّامها..
وأُدخلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت عليٍّ عليه السلام يتجلَّلها الحياء ، متعثِّرةً بأذيالها وقال أبوها صلوات الله وسلامه عليه : « يا عليُّ لا تحدث شيئاً حتَّى تلقاني ».
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإناء فتوضَّأ فيه ، ثُمَّ أفرغه على عليٍّ عليه السلام ثُمَّ قال : « اللَّهمَّ بارك فيهما ، وبارك عليهما ، وبارك لهما في نسلهما » .
أَثَاثُ بَيْتِ فَاطمة(ع)
1 – فراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر من جز الغنم. 2 – نطع من أدم (جلد). 3 – وسادة من أدم حشوها من ليف النخل. 4 – عباءة خيبرية. 5 – قربة للماء. 6 – كيزان (جمع كوز) وجرار (جمع جرة) وعاء للماء. 7 – مطهرة للماء مزفّتة. 8 – ستر صوف رقيق. 9 – قميص بسبعة دراهم. 10 – خمار بأربعة دراهم. 11 – قطيفة سوداء. 12 – سرير مزمّل بشريط. 13 – أربعة مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر (نبات معروف). 14 – حصير هجري. 15 – رحى لليد. 16 – مخضب من نحاس. 17 – قعب للبن. 18 – شنٌّ للماء.
رغم قلة أثاث منزلها إلا أنها عاشت كأسعد زوجة في الوجود مع أعظم رجل بعد أبيها رسول الله(ص) فكانت البنت المثالية والزوجة المثالية والأم المثالية التي أسست أسرة لا مثيل لها في تاريخ البشرية.
ولكن ليعلم الجميع بأن مهر فاطمة لم يقف عند تلك الحدود بل شمل الجنة الواسعة والشفاعة للمؤمنين في يوم الحساب، وهذا أغلى مهر في العالم.
وَفَاةُ رسُوْلِ الله(ص)
كل محن الزمان سقطت على رأس فاطمة(ع) ولكن جميع تلك المصائب لا تعادل في نظرها محنتها بوفاة أبيها الأعظم(ص) الذي كان يعني لها كل شيء في هذه الحياة، فقد التحق بالرفيق الأعلى والزهراء بأمس الحاجة إليه لأن الوضع كان حرجاً ونوايا القوم كانت خبيثة، فلقد توفي رسول الله(ص) وعاشت بعده الزهراء أشهراً قليلة قضتها بالبكاء على الرسول غير أن القوم حاولوا أن يمنعوها من البكاء كي يلغوا ذكره كلياً فصبرت على تلك المصائب التي انصبت على رأسها دفعة واحدة بعد فراق أبيها حيث اقتحموا دارها وقادوا بعلها وعصروها بين الحائط والباب وأسقطوا جنينها ,آذوها وقد سمعوا الرسول مراراً يخبرهم بأن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة فرموا كلام الرسول خلفهم ولم يعبأوا به.
وإن أعظم ما يمكن الإستدلال به على عظيم مظلوميتها هو ما قالته عند قبر أبيها الأعظم:
ماذا على من شمّ تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبّت عليَّ مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن ليالي
قُبَيْلَ الوَفَاة وعِنْدها وبَعْدَها
رأت في منامها أباها الرسول يخبرها بدنو رحيلها فانتبهت من نومها لأخذ التدابير اللازمة، كانت فرحة بلقاء الله، ولكنها اغتمت لأنها سوف تترك زوجها وأولادها لمحن وهموم الحياة، والله وحده كان يعلم ما يدور في هاجسها عند تلك اللحظات، فقد أقبلت متكئة على الجدار وراحت تغسل أطفالها الصغار، كانت تضع يدها على رؤوسهم وهي تودعهم بتلك اللمسات الأخيرة، فدخل علي(ع) منزله وإذا به يرى الزهراء قد قامت من فراش علتها لتمارس أعمالها المنزلية، فسألها عن سبب قيامها فأخبرته بأنه آخر يوم لها في هذه الحياة، فسألها عن سبب هذا النبأ فأخبرته برؤياها وقد نعت نفسها إليه، يا ابن عم!! إنه قد نُعيت إليَّ نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلاَّ أنني لاحقة بأبي بعد ساعة، وأنا أُوصيك بأشياء في قلبي.
قال لها علي (عليه السلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا بن عم!! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، وما خالفتك منذ عاشرتني. قال علي (عليه السلام): معاذ الله!! أنتِ أعلم باللهِ، وأَبرُّ وأتقى وأكرم، وأشدُّ خوفاً من الله من أن أُوبِّخك بمخالفتي، وقد عزَّ عليَّ مفارقتك وفقدكِ، إلاَّ أنَّه أمر لا بدَّ منه،
والله لقد جددتِ عليَّ مصيبة رسول الله، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أفجعها وآلمها، وأمضَّها وأحزنها، هذه مصيبة لا عزاء منها، ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ الإِمام رأْسها وضمها إلى صدره ثم قال:
أوصيني بما شئت، فإنك تجدينني وفياً أُمضي كل ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري، فقالت: جزاك الله عني خير الجزاء، يا بن عم! أوُصيك أولاً:
أن تتزوج بعدي بابنة أُختي أُمامة، فإنها تكون لُولدي مثلي، فإن الرجال لا بدَّ لهم من النساء.
ثم قالت: أُوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، فإنهم عدوي وعدو رسول الله، ولا تترك أن يصلي عليَّ أحد منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار.
…يا أبا الحسن! ولا تُصح في وجههما فيصبحْان يتيمين غريبين نكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدَّهما واليوم يفقدان أُمَّهما، فالويل لأُمَّة تقتلهما وتبغضهما.
هذه بعض وصايا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي يتجلى فيها مدى تألمها من ذلك المجتمع، ومدى تذمُّرها من الجفاة القساة.
ارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قُبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاح أهل المدينة صيحة واحدة، واجتمعت نساء أهل المدينة في دار السيدة فاطمة، فرأينها مسجّاة في حجرتها، وحولها أيتامها يبكون على أُمهم التي فقدوها في عنفوان شبابها، صرخت النساء صرخة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهن وهن يصحن: يا سيدتاه، يا بنت رسول الله
وأقبل الناس مسرعين وازدحموا مثل عُرف الفرس على باب البيت، وعلي جالس، والحسن والحسين بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما.
وجاءت عائشة لتدخل فقالت أسماء: لا تدخلي. فكلَّمت عائشة أبا بكر فقالت: إن الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله وقد جعلت لها هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء: إن فاطمة أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأريتُها هذا الذي صنعت وهي حية، فأمرتني أن أصنع لها ذلك. قال أبو بكر: فاصنعي ما أَمَرَتْكِ. ثم انصرف.
وأقبل الشيخان إلى علي يعزّيانه، ويقولان له: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله.
كان الناس ينتظرون خروج الجنازة فأمر علي (عليه السلام) أبا ذر فنادى: انصرفوا، فإن ابنة رسول الله قد أُخِّر إخراجها في هذه العشية.
وهكذا تفرّق الناس، وهم يظنون أن الجنازة تشيّع صباح غدٍ، إذ أنّ السيدة فاطمة الزهراء فارقت الحياة بعد صلاة العصر، أو أوائل الليل
مضى من الليل شطره، وهدأت الأصوات، ونامت العيون، ثم قام الإِمام لينفِّذ وصايا السيدة فاطمة.
حمل ذاك الجسد النحيف الذي أذابته المصائب حتى صار كالهلال.
حمل ذلك البدن الطاهر كي يُجري عليه مراسم السُّنة الإِسلامية.
وضع ذلك الجثمان المطهّر على المغتسل، ولم يجرّد فاطمة من ثيابها تلبيةً لطلبها، إذ لا حاجة إلى نزع الثوب عن ذلك البدن الذي طهره الله تطهيراً، ويكفي صب الماء على البدن، كما صنع ذلك في تغسيل النبي الطاهر.
يقول الإِمام الحسين (عليه السلام): غسَّلها ثلاثاً وخمساً، وجعل في الغسلة الأخيرة شيئاً من الكافور، وأشعرها مذراً سابغاً دون الكفن، وهو يقول:
اللهم إنها أَمَتك، وابنة رسولك وصفيك، وخيرتك من خلقك اللهم لقِّنها حجّتها، وأعظم برهانها، وأعل درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمد (صلى الله عليه وآله)
وبعد الفراغ من التغسيل حملها ووضعها على أكفانها، ثم نشّفها بالبردة التي نشف بها رسول الله وحنَّطها بحنوط السماء الذي يمتاز عن حنوط الدنيا.ثم لفَّها في أكفانها، وكفَّنها في سبعة أثواب
كان الأطفال ينتظرون هذه الفرصة وهذا السماح لهم لكي يودّعوا تلك الحوراء، ويعبّروا عن آلامهم وأصواتهم ودموعهم المكبوتة المحبوسة، فأقبلوا مسرعين، وجعلوا يتساقطون على ذلك الجثمان الطاهر كما يتساقط الفَراش على السراج.
كانوا يبكون بأصوات خافتة، ويغسلون كفن أُمّهم الحانية بالدموع، فتجففها الآهات والزفرات.
وهنا حدث شيء يعجز القلم عن تحليله وشرحه، وينهار أمامه قانون الطبيعة، ويأْتي دور ما وراء الطبيعة، فالقضية عجيبة في حد ذاتها، لأنها تحدّت الطبيعة والعادة:
يقول علي (عليه السلام) وهو إذ ذاك يشاطر أيتام فاطمة في بكائهم وآلامهم.
يقول: (أُشهد الله أنها حنَّت وأنَّت وأخرجت يديها من الكفن، وضمَّتهما إلى صدرها مليّاً).
وانتهت مراسيم التكفين والتحنيط، وجاء دور الصلاة عليها ثم الدفن، لقد حضر الأفراد الذين تقرر أن يشتركوا في تشييع الجثمان ومراسم الصلاة وغيرها، وهم الذين لم يظلموا فاطمة، ولم يسكتوا أمام تلك الأحداث، ولم يكن موقفهم موقف المتفرج الذي لم يتأثر بالحوادث.
لقد حضروا في تلك الساعة المتأخرة من تلك الليلة خائفين مترقبين، إذ قد تقرر إجراء تلك المراسم ليلاً وسرّاً، واستغلال ظلمة الليل مع رعاية الهدوء والسكوت، كل ذلك لأجل تنفيذ وصايا السيدة فاطمة الحكيمة.
لقد حضروا، وهم: سلمان، عمار بن ياسر، أبو ذر الغفاري، المقداد، حذيفة، عبد الله بن مسعود، العباس بن عبد المطلب، الفضل بن العباس، عقيل، الزبير، بريدة، ونفر من بني هاشم، وشيّعوا جثمان فاطمة الزهراء البنت الوحيدة التي تركها الرسول الأقدس بين أُمته، وكأنها امرأة غريبة خاملة فقيرة في المدينة، لا يعرفها أحد وكأنها لم تكن المنزلة الرفيعة والشخصية المثالية.
هؤلاء هم المشتركون في تشييع جنازة سيدة نساء العالمين.
وتقدم الإِمام علي (عليه السلام) وصلَّى بهم على حبيبة رسول الله، قائلاً: اللهم إني راضٍ عن ابنة نبيك، اللهم إنها قد أوحشت فآنسها، اللهم إنها قد هُجِرت فَصِلها، اللهم إنها قد ظُلِمت فاحكم لها وأنت خير الحاكمين
ثم صلَّى ركعتين ورفع يديه إلى السماء فنادى: هذه بنت نبيّك فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور. فأضاءت الأرض ميلاً في ميل.
صلى الإِمام علي (عليه السلام) عليها، إذ أنها كانت معصومة، فيجب أن يصلي عليها المعصوم، فالصلاة على الميت دعاء له بالرحمة. وأما بالنسبة للمعصوم فالدعاء له أي الصلاة على جثمانه فهو من واجب المعصوم.
لقد حفروا القبر للسيدة فاطمة، وحفروا مرقداً لتلك الزهرة الزهراء، واللؤلؤة النوراء، وتقدّم أربعة رجال وهم علي والعباس والفضل بن العباس ورابع يحملون ذلك الجسد النحيف
ونزل علي (عليه السلام) إلى القبر لأنه وليّ أمرها، وأولى الناس بأمورها، واستلم بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأضجعها في لحدها، ووضع ذلك الخد الذي طالما تعفَّر بين يدي الله تعالى في حال السجود ذلك الخد الذي كان يقبّله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ليلة قبل أن ينام وضع ذلك الخد على تراب القبر وقال: يا أرض أستودعكِ وديعتي، هذه بنت رسول الله، بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله).
سلَّمتك أيتها الصّدّيقة إلى من هو أولى بك مني، ورضيت لك بما رضي الله تعالى لك. ثم قرأ (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) وسوّى علي (عليه السلام) قبرها
هاجت به الأحزان لمّا نفض يده من تراب القبر فأرسل دموعه على خديه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:
السلام عليك يا رسول الله عني، السلام عليك عن ابنتك وزائرتك، والبائتة في الثرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك.
قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وعفى عن سيدة نساء العالمين تجلّدي، إلاَّ أن في التأسي لي بسُنَّتك في فرقتك موضع تعز، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، بعد أن فاضت نفسك بين نحري وصدري، وغمّضتك بيدي، وتولَّيت أمرك بنفسي، بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استُرجعتِ الوديعة، وأخُذت الرهينة، واختلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء، يا رسول الله!! أمّا حزني فَسَرمد، وأمّا ليلي فمسهَّد، وهمٌّ لا يبرح من قلبي، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم….الخ
وقد توفيت بعد وفاة رسول الله(ص) بحوالي 75 يوماً وقيل 95 يوماً.
الأثَرُ الخَالِدُ
خُطْبَة السيدةِ الزَّهْراء(ع)
لَمّا أجْمَعَ أبوبكر عَلى مَنْعِ فاطمةَ عليها السلام فَدَكَ، وبَلَغَها ذلك، لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله صلى الله عليه وآله، حَتّى دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْر وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وَ غَيْرِهِمْ فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ القومُ لها بِالْبُكاءِ. فَارْتَجَّ الْمَجلِسُ. ثُمَّ أمْهَلَتْ هَنِيَّةً حَتَّى إذا سَكَنَ نَشيجُ القومِ، وهَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحَتِ الْكَلامَ بِحَمدِ اللهِ وَالثناءِ عليه والصلاةِ على رسولِ الله، فعادَ القومُ في بُكائِهِمْ، فَلَما أمْسَكُوا عادَتْ فِي كلامِها، فَقَالَتْ عليها السلام:
الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِْدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِْخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإَْبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَْوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَْشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً مِنْهُ إلى جَنَّتِهِ.
وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَْهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ. ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالى إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ.
فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها. فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ.
ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ بِمُحَمَّدٍصلى الله عليه وآله عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبَّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ. صلى الله على أبي نبيَّهِ وأَمينِهِ عَلى الوَحْيِ، وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، والسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.
ثُمَّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت:
أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ. بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ.
فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ. وَحَرَّمَ الله الشِّرْكَ إخلاصاً لَهُ بالرُّبُوبِيَّةِ، {فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَ أطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه {إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ}.
ثُمَّ قالت: أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْغَلُما أفْعَلُ شَطَطاً: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم} فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلى الله عليه وآله. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطينِ، وَطاحَ وَشيظُ النِّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإْخْلاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، {تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ}.
فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه وآله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في
لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ.
فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين.
فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ. ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً، فَوَسَمْـتُمْ غَيْرَ اِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هذا وَالْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرِّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ، ابْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، {ألا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَانَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةٌ بِالْكافِرِينَ}.
فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَى تُؤْفَكُونَ؟ وَكِتابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، {بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ السْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ}. ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا الاّ رَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها، وَيَسْلَسَ قِيادُها ثُمَّ أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِيِّ، وَاطْفاءِ أنْوارِالدِّينِ الْجَلِيِّ، وَاهْمادِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِغاءٍ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ وَالْضَّراءِ، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمُدى، وَوَخْزِ السِّنانِ فِي الحَشا، وَأَنْـتُمْ تزْعُمُونَ ألاّ ارْثَ لَنا، {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أفَلا تَعْلَمُونَ؟ بَلى تَجَلّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضّاحِيَةِ أنِّى ابْنَتُهُ.
أَيُهَا الْمُسْلِمونَ أاُغْلَبُ عَلى ارْثِيَهْ يَا ابْنَ أبي قُحافَةَ! أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا}، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، اذْ يَقُولُ: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وَقالَ فيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وَقَالَ: {وَ اُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه} وَقالَ: {يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ} وقال: {انْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ الْأَقْرَبِبنَ بِالْمعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}، وزَعَمْتُمْ أَلَا حِظوَةَ لِي، وَلا إرْثَ مِنْ أبي لارَحِمَ بَيْنَنَا! أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ هَلْ تَقُولًونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ، وَلَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟ فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً. تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ ما تَخْسِرُونَ، وَلا يَنْفَعُكُمْ إذْ تَنْدَمُونَ، {وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ}
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِها نَحْوَ الْأَنْصارِ فَقالَتْ: يا مَعاشِرَ الْفِتْيَةِ، وَأَعْضادَ الْمِلَّةِ، وَأنْصارَ الْإِسْلامِ! ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي؟ وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟ أما كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله علبه وآله أبِي يَقُولُ: ((اَلْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ))؟ سَرْعانَ ما أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذا إهالَةً، وَلَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلى ما أَطْلُبُ وَاُزاوِلُ!
أَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وآله؟! فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ الْآمالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَاُضيعَ الْحَرِيمُ، وَاُزيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ. فَتِلْكِ وَاللهِ النّازلَةُ الْكُبْرى، وَالْمُصيبَةُ الْعُظْمى، لا مِثْلُها نازِلَةٌ وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ -جَلَّ ثَناؤُهُ- فِي أَفْنِيَتِكُمْ فِي مُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكَمْ هِتافاً وَصُراخاً وَتِلاوَةً وَإلحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضاءٌ حَتْمٌ: {وَما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإنْ ماتَ أَو قُتِلَ انقلَبْتُمْ على أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرينَ}.
أيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ، وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، وَالنُّجَبَةُ الَّتي انْتُجِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتيرَتْ! قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَناطَحْتُمُ الاُْمَمَ، وَكافَحْتُمً الْبُهَمَ، فَلا نَبْرَحُ أو تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى دَارَتْ بِنا رَحَى الإْسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإْفْكِ، وَخَمَدَتْ نيرانُ الْكُفْرِ، وهَدَأتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ؛ فَأَنّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإْعْلانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإْقْدامِ، وَأشْرَكْتُم ْبَعْدَ الإْيمانِ؟ {ألا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَداؤُكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْهُمْ فَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ ما وَعَيْتُمْ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، {فَإنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأْرْضِ جَمِيعاً فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}. ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ، وَالغَدْرَةِ التِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنا، وَبَثَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ.
فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلِبُونَ}، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، {فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ}.
فَأَجابَها أَبُوبَكْرٍ عَبْدُاللهِ بْنُ عُثْمانَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ، لَقَدْ كانَ أَبُوكِ بالمُؤْمِنِينَ عَطُوفاً كَريماً، رَؤُوفاً رَحِيماً، وَعَلىَ الْكافِرِينَ عَذاباً ألِيماً وَعِقاباً عَظِيماً ؛ فَإنْ عَزَوْناهُ وَجَدْناهُ أباكِ دُونَ النِّساءِ، وَأَخاً لِبَعْلِكِ دُونَ الْأَخِلاّءِ، آثَرَهُ عَلى كُلِّ حَمِيمٍ، وَساعَدَهُ فِي كُلِّ أمْرٍ جَسيمٍ، لا يُحِبُّكُمْ إلّا كُلُّ سَعِيدٍ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إلّا كُلُّ شَقِيٍّ ؛ فَأَنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله الطَّيِّبُونَ، وَالْخِيَرَةُ الْمُنْتَجَبُونَ، عَلَى الْخَيْرِ أَدِلَّتُنا، وَإلَى الْجَنَّةِ مَسالِكُنا، وَأَنْتِ -يا خَيْرَةَ النِّساءِ وَابْنَةَ خَيْرِ الْأنْبِياءِ- صادِقَةٌ فِي قَوْلِكَ، سابِقَةٌ فِي وُفُورِ عَقْلِكِ، غَيْرُ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقِّكِ، وَلا مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ، وَ وَاللهِ، ما عَدَوْتُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وآله يَقُولُ: ((نَحْنُ مَعاشِرَ الْأَنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ ذَهَباً وَلا فِضَّةً وَلا داراً وَلا عِقاراً، وَإنَّما نُوَرِّثُ الْكُتُبَ وَالْحِكْمَةَ، وَالْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَما كانَ لَنا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَنا أنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ)).
وَقَدْ جَعَلْنا ما حاوَلْتِهِ فِي الكُراعِ وَالسِّلاحِ يُقابِلُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَيُجاهِدُونَ الْكُفّارَ، وَيُجالِدُونَ الْمَرَدَةَ ثُمَّ الْفُجّارَ. وَذلِكَ بِإجْماعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ أَتَفَرَّدْ بِهِ وَحْدِي، وَلَمْ أَسْتَبِدَّ بِما كانَ الرَّأْيُ فِيهِ عِنْدِي. وَهذِهِ حالي، وَمالي هِيَ لَكِ وَبَيْنَ يَدَيْكِ، لانَزْوي عَنْكِ وَلا نَدَّخِرُ دُونَكِ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ اُمَّةِ أبِيكِ، وَالشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ لِبَنِيكِ، لا يُدْفَعُ ما لَكِ مِنْ فَضْلِكِ، وَلا يُوضَعُ مِنْ فَرْعِكِ وَأَصْلِكِ ؛ حُكْمُكِ نافِذٌ فِيما مَلَكَتْ يَداي، فَهَلْ تَرينَ أَنْ اُخالِفَ فِي ذلِكِ أباكِ صلّى الله عليه وآله؟
فَقَالَتْ عليها السلام: سُبْحانَ اللهِ! ما كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآلهِ عَنْ كِتابِ الله صادِفاً، وَلا لِأَحْكامِهِ مُخالِفاً، بَلْ كانَ يَتَّبعُ أَثَرَهُ، وَيَقْفُو سُورَهُ، أَفَتَجْمَعُونَ إلى الْغَدْرِ اْغتِلالاً عَلَيْهِ بِالزُّورِ ؛ وَهذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبِيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوائِلِ فِي حَياتِهِ. هذا كِتابُ اللهِ حَكَماً عَدْلاً، وَناطِقاً فَصْلاً، يَقُولُ:
{يَرِثُني وَيَرِثُ مَنْ آلِ يَعْقوبَ} ،{وَوَرِثَ سُلَيْمانَ داوُدَ} فَبَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ فيما وَزَّعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَقْساطِ، وَشَرَّعَ مِنَ الفَرايِضِ وَالميراثِ، وَأَباحَ مِنْ حَظَّ الذُّكْرانِ وَالإِناثِ ما أَزاحَ عِلَّةَ المُبْطِلينَ، وأَزالَ التَّظَنّي وَالشُّبُهاتِ في الغابِرينَ، كَلاّ {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُم أَنْفُسُكُمْ أَمْراًفَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفونَ} فَقالَ أَبو بَكْرٍ: صَدَقَ اللهُ وَرَسولُهُ، وَ صَدَقَتِ ابْنَتَهُ؛ أَنْتِ مَعْدِنُ الحِكْمَةِ، وَمَوْطِنُ الهُدى وَ الرَّحْمَةِ، وَرُكْنُ الدِّينِ وَعَيْنُ الحُجَّةِ، لا أُبْعِدُ صوابَكِ، وَلا أُنْكِرُ خِطابَكِ هؤلاءِ المُسْلِمونَ بَيْنِيَ وبَيْنَكِ، قَلَّدوني ما تَقَلَّدْتُ، وَ باتِّفاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ ما أَخَذْتُ غَيْرَ مُكابِرٍ وَلا مُسْتَبِدٍّ وَلا مُسْتَأْثِرٍ، وِهُمْ بِذلِكَ شُهودٌ.
فَالتَفَتَتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلام وَقالَتْ: مَعاشِرَ النّاسِ المُسْرِعَةِ إِلى قِيلِ الباطِلِ، المُغْضِيَةِ عَلى الفِعْلِ القَبيحِ الخاسِرِ {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوبِهِم أَقْفالُها} كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلوبِكُمْ ما أَسَأتُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصارِكُمْ، وَ لَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ، وشَرَّ ما مِنْهُ اعتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ _ وَاللهِ_ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَ غِبَّهُ وَبيلاً إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ، وَبانَ ما وَراءَهُ الضَراءُ، {وَبَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ} وَ {خَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلونَ}.
ثُمَّ عَطَفَتْ عَلى قَبْرِ النَّبِيِّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه وَقالَتْ:
قَدْ كان بَعْدَكَ أَنْباءٌ وَ هَنْبَثَةٌ لَوْ كُنْتَ شاهِدَها لَمْ تَكْبُرِ الخَطْبُ
إِنّا فَقَدْناكَ فَقْدُ الأَرْضِ وابِلُها وَاخْتَلَّ قَوِمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَقَدْ نَكِبوا
وَكُلُّ أَهْلٍ لَهُ قُرْبى وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ الإِلهِ عَلَى الأَدْنَيْنِ مُقْتَرِبُ
أَبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجْوى صُدورِهِمِ لَمّا مَضَيْتَ وَحالَتْ دونَكَ التُّرَبُ
تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ واسْتُخفَّ بِنا لَمّا فُقِدْتَ وَكُلُّ الأَرْضِ مُغْتَصَبُ
وَكُنْتَ بَدْراً وَنُوراً يُسْتَضاءُ بِهِ عَلَيْكَ تُنْزَلُ مِنْ ذي العِزَّةِ الكُتُبِ
وَكانَ جِبْريلُ بِالآياتِ يونِسُنا فَقَدْ فُقِدْتَ فَكُلُّ الخَيْرِ مُحْتَجِبٌ
فَلَيْتَ قَبْلَكَ كانَ المَوْتُ صادَفَنا لِما مَضَيْتَ وَحالَتْ دونَكَ الكُتُبُ
إِنّا رُزِئْنا بِما لَمْ يُرْزَ ذُو شَجَنٍ مِنَ البَرِيَّةِ لا عُجْمٌ وَلا عَرَبُ
ثُمَّ انْكَفَأَتْ عليها السلام وأميرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام يَتَوَقَّعُ رُجُوعَها إليْهِ، وَيَتَطَلَّعُ طُلُوعَها عَلَيْهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِها الدّارُ قالتْ لأميرِ المُؤمنينَ عليه السلام: يا ابْنَ أبِي طالِب! اشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الجَنِينِ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنينِ! نَقَضْتَ قادِمَةَ الأَجْدِلِ، فَخانَكَ ريشُ الأَعْزَلِ؛ هذا ابْنُ أبي قُحافَةَ يَبْتَزُّنِي نُحَيْلَةَ أبي وَبُلْغَةَ ابْنِي، لَقَدْ أجْهَرَ في خِصامِي، وَالفَيْتُهُ أَلَدَّ في كَلامِي، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَها، وَالمُهاجِرَةُ وَصْلَها، وَغَضَّتِ الجَماعَةُ دُونِي طَرْفَها؛ فَلا دافِعَ وَلا مانِعَ، خَرَجْتُ كاظِمَةً، وَعُدْتُ راغِمَةً، أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، إِفْتَرَسْتَ الذِّئابَ، وَافْتَرَشْتَ التُّرابَ، ما كَفَفْتُ قائِلاً، وَلا أَغْنَيْتُ باطِلاً، وَلا خِيارَلي. لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ هَنِيَّتِي وَدُونَ زَلَّتِي. عَذيريَ اللهُ مِنْكَ عادِياً وَمِنْكَ حامِياً. وَيْلايَ في كُلِّ شارِقٍ، ماتَ الْعَمَدُ، وَوَهَتِ الْعَضُدُ.
شَكْوايَ إلى أبي، وَعَدْوايَ إلى رَبِّي. اللّهُمَّ أنْتَ أشَدُّ قُوَّةً وَحَوْلاً، وَأحَدُّ بَأْساً وَتَنْكِيلاً.
فَقالَ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: لاوَيْلَ عَلَيْكِ، الْوَيْلُ لِشانِئِكِ، نَهْنِهي عَنْ وَجْدِكِ يَا ابْنَةَ الصَّفْوَةِ وَبَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَما وَنَيْتُ عَنْ ديِني، وَلا أَخْطَأْتُ مَقْدُوري، فَإنْ كُنْتِ تُريدينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَكَفيلُكِ مَأمُونٌ، وَما أعَدَّ لَكِ أفْضَلُ ممّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي اللهَ، فَقالَتْ: حَسْبِيَ اللهُ، وَأمْسَكَتْ.
بَلاغَةُ الْسَّيِّدَةِ فَاْطِمَةَ الْزَّهْرَاء (عَلَيْهَا الْسَّلامُ)
كان بين الحين والآخَر يظهر في عصر من العصور أشخاص يغمرون الحياة بالفضل والنفع والخير، وكانوا يمرُّون في التاريخ البشري مَرَّ الكرام، لا يشبع الناس من أُنْسهم، ولا يمَلُّون من ذِكرهم، لأن ذكرهم يذكّرهم بكل جميل.
ولم تكن هذه النماذج كثيرة، وإنما كانت نادرة الوجود، حيث كانوا بالنسبة للبشر كمَنامٍ سريع يرونه في ليلهم، وسرعان ما يستيقظون فيتحسرون على انتهائه وانقضائه، فيتمنون لو أنهم يرونه أو يرون مثله ثانية أو أنهم لم يستيقظوا من رقدتهم تلك.
ومن أعظم تلك النماذج التي كانت سريعة المرور وكثيرة المنفعة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) حيث ندر وجودها منذ عهد آدم وإلى يومنا هذا، إذ لم تشهد الأرض بعدها امرأة تضاهيها بالعلم والحِلم والحكمة والتقوى والعَظَمة.
وليس من السهل أن يظهر بيننا شخص يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه كفاطمة الزهراء(ع)، فمَن استغل وجودها وأرضاها ربح الدنيا والآخرة، ومن آذاها فقد كتب على نفسه الخلود في العذاب لأنه خسر بإغضابها دنياه قبل آخرته، ولا ينفع الندم بعد ارتكاب الجرائم التي لا تُغتفر، فأي جريمة أعظم من هتك حرمة الزهراء وغَصْب حقها وإدخال الحزن إلى قلبها وإشعارها بالظلم الذي حلّ بها بعد وفاة أبيها الأعظم الذي أوصى العالَم بها وأمر الناس بحبها لأن حبها يعني طاعة الرحمن فلم يُسمَع لقول الرسول، ولم تُحفظ فيهم البتول حتى التحقت بالرفيق الأعلى غاضبة عليهم مُعرِبة بوجهها عنهم، والملتقى في يوم الحساب يوم تتغيظ نار جهنم لحزن فاطمة وتضطرب الملائكة للأذى الذي نزل بها فعندها يُحكم على الظالمين بالنار وينالون غضب الجبار الذي آلى على نفسه أن يرحم محبيها والسالكين في طريقها، ويعذب ظالميها مهما كان حجم ونوع ظلمهم لها.
فلم يعهد عصر الفصاحة ولم تشهد ساحة البلاغة ولم يَرَ أرباب المعاني والبيان، بل ولم يسمعوا عن امرأة أعظم منطقاً وأدقَّ صواباً وأحسن وأعذب كلاماً وبياناً من كلام ومنطق سيدة النساء فاطمة بنت محمد عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ألف تحية وسلام.
هلْ كَانَتْ أَهْدَافُ الْقَوْمِ خَفِيَّةً عَلَى الْزَّهْرَاء؟
لم تكن أهداف القوم خفية على الزهراء البتول، بل كانت عندها في غاية الوضوح، ولأجل ذلك إذا لاحظنا الأمور التي طرحتها في خطبتها، والمشاكل التي وضعت لها الحلول لأدركنا بأنها كانت محيطة بكل ما يقوم به الطامعون والخبثاء وعبّاد المصالح الخاصة أتباع النفعية العمياء.
وهنا ندرك بكل وضوح أن إطلاق تلك العبارات من قبل الزهراء(ع) لم يكن مجرد شكوىً تبثها، فهي لا تشكو أمرها إلا لله عز وجل، حيث حاول بعضهم أن يصور للناس ذلك الموقف بهذا التصوير البعيد عن الواقع الصحيح والهدف السامي من خطبتها المباركة، لقد حاولوا أن يحجبوا العقول عن المعاني الرئيسية التي أرادت الزهراء بيانها والكشف عنها وذلك عبر بث الأكاذيب ونشر الأضاليل بدعوى أنها امرأة منكوبة قد أفقدها حزنها على أبيها صوابها، وهذا منطق مرفوض في شخص عظيم كفاطمة الزهراء التي سددها ربها بالعصمة وخصها بالمنزلة الخصيصة والمكانة العليا، فكل تلك الأضاليل باتت واضحة وجلية، فلم يعد واقع الأمر قابلاً للتمويه والتعتيم، حيث أصبح الحق ظاهراً وواضحاً كالشمس في كبد السماء، لقد أصبحت أكاذيبهم قديمة وبالية وواهية لا تصلح أن يُتذرع بها أو يُحتج بها.
هَلْ كَانَتْ خُطْبَةُ الزّهْراءِ(ع) مِنْ أَجْلِ فَدَكٍ؟
لم تكن تلك الخطبة من أجل فدك كما يحاول البعض أن يذيع بين الناس ليقدِّم الزهراء للناس على أنها صنعت كل ما صنعته من أجل فدك، فإن كل حرف من حروف كلماتها أعظم من ألف فدك، وفدك كلها لا تستحق ما قامت به الزهراء في ذلك الموقف الذي اعتبره الناس حاسماً للفصل بين الحق والباطل، فالأمر ليس خاصاً بفدك، فلقد كانت فدك نافذة للزهراء تعبر منها نحو بيان الحكم الإلهي، ونافذة لغصبة الحق يعبرون منها إلى محو الحق وتزوير الحكم الإلهي.
لقد كانت تلك الخطبة الرائعة علاجاً لتلك النفوس المريضة التي سيطر عليها حب الهوى وأغرقها في شهوات الدنيا.
خُطْبَةُ الزهْراءِ(ع) إِحْدَى رَكَائِزِ الدَوْلَةِ العَادِلَة
لقد كانت عبارات خطبتها ركائز متينة لحياة كريمة بل لدولة الحق والعدل والمساواة وحرية الضمير، وكانت عباراتها مدرسة كبرى لرواد الحقيقة وطلاب المعرفة وأهل العلم عبر الزمن لأنها تعبر عما في ضمير الحق وتتكلم بلسان كل غيور على الدين ومهتمٍ بالقيم والمبادئ.
وهي بذلك تتابع مهمة أبيها وتعمل على حفظ الدين الذي أتى به من عند ربه نوراً للبشرية ومنقذاً لهم من الضلال والإنحراف رغم أنهم استحبوا ذلك على الهدى وآثروا طاعة الشيطان على عبادة الرحمن لأنهم لمسوا دنياهم في اتباع الهوى ونبذ الهدى وراء ظهورهم وضربه بعرض الحائط بعدما كانوا يلتفون حول الرسول ويقتدون به ويأتمرون بأوامره فانقلبوا بعد إيمانهم كفاراً كأنه لم يُبعث فيهم رسول الله الذي أنقذهم الله به.
لقد نزلت تلك الخطبة الكريمة صاعقة على رؤوس الظالمين الذين أرادوا قتلها قبل أن تتكلم وتكشف عن نواياهم السيئة وأهدافهم الخبيثة التي طالما خططوا لتنفيذها في حياة الرسول، ولكن وجوده بينهم وقف حائلاً دون تنفيذها.
لقد تعامل كثير من المسلمين بالأخص مع تلك الخطبة كأنشودة يترنم القارئ بها ويستأنس السامع بألفاظها ومعانيها وذلك بعيداً عن العمل بها والإقتداء بمضمونها، وهذا هو الإنحراف بعينه لأنه من الحرام الأكبر أن ندفن أو نهمل تلك التعاليم الإلهية التي أجراها الله تعالى على لسان سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، ولذلك يجب على كل مسلم أن يسلك نهج الزهراء ويعمل بعملها ويدافع عن حقها ونهجها الذي هو نهج الإسلام العظيم، فلا إسلام من دون فاطمة، ولا إيمان لنا إذا أهملنا ذرة من حقها.
شُمُوْلِيّةُ خُطْبَةُ الزَهْرَاءِ لِأَكْثَرِ مِنْ وَاقِعَةٍ وَحُكْمٍ
تارة يكون السكوت أبلغ من البيان، وأخرى يكون البيان واجباً، ويعود ذلك إلى وجود المصلحة أوعدمها من البيان وعدمه، فقد يسكت الشخص إذا كان النقاش فارغاً لا يستفاد منه بشيء على الإطلاق، فهو حينئذٍ يعتبر أن السكوت عن هذا الأمر من الذهب، أما عند بيان الحق فيكون الكلام أثمن من الذهب وبالخصوص إذا توقف بيان الحق عليه، كما كان حال الزهراء(ع) مع قومها الذين حاولوا قتلها حتى لا يتبين الحق للناس فيخسر الطامعون ما سعوا إلى تحقيقه عبر ظلمهم وحقدهم وخبثهم وارتكابهم للجرائم البشعة والممارسات الشنيعة، فكان لا بد للزهراء من أن تتكلم حتى لا يظن أحد بأن الذين هجموا على دارها كانوا أهل حق أو كانوا غيورين على مصلحة الناس كما كانوا يشيعون بين أفراد مجتمعهم، فلقد ألبسوا الباطل لباس الحق وصوروا ضلالهم بصور الهدى وشرهم بصور الخير، مع أن ضلالهم أضل أنواع الضلال، وشرهم شر من كل شر.
لقد واجهت الزهراء ذلك الموقف رغم ألمها ووجعها من جراء كسر ضلعها وإسقاط جنينها ونَبْتِ المسمار في صدرها، والدماء تنسال منها، والألم النفسي بلغ أقصى الدرجات عندها، ورغم ذلك وقفت ذلك الموقف الجريء وتكلمت بكلام فيه لله رضا وللناس منفعة إن أخذوا به، وبكلامها ذاك كشفت عن ضلال القوم وانحرافهم ومستوى أطماعهم وحجم استكلابهم على الحكم والسلطة وتولي المناصب التي كانت سبباً في هلاكهم على مستوى الدنيا والآخرة، لأن الحاكم إذا كانت تصرفاته سيئة فسوف ينعكس هذا السوء عليه فيُفقده كل شيء ويهدم كل ما بناه على ركائز الظلم والجور.
لقد خطبت فاطمة الزهراء خطبة بليغة وفصيحة ذات أبعاد كبيرة ومعان عميقة، فلم تدع شاردة ولا واردة إلا وبينتها من باب إتمام الحجة وإحكامها، ولكن وكما قال الشاعر: لقد أسمعتَ لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي:
خاطبتهم فاطمة بقول بيّن وكأنها لم تخاطبهم، حيث سمعوا كلامها وتجاهلوا معناه خوفاً على معيشتهم، فتباً وسحقاً لعيشٍ يقوم على ظلم فاطمة الزهراء أو أي شخص من الناس، لقد كانت إغراءات القيمين على الساحة وتهديداتهم للناس حائلاً بينهم وبين اتباع الحق، فوضعوا الأقفال على أسماعهم وقلوبهم فكانوا كما قال الله تعالى(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ)
وهؤلاء الذين خذلوا رسول الله بعد التحاقه بالرفيق الأعلى ولم يحفظوه في آله ولا في الأمة الإسلامية قد ارتدوا على أدبارهم، وإلى ذلك يشير القرآن بقوله(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) وهذا ما ذكّرتهم به السيدة الزهراء(ع) في خطبتها عندما وعظتهم بأن يرجعوا إلى الصواب وأن لا يستسلموا لأهواء الحكام والطامعين الذين استهوتهم الحياة الدنيا وأغرتهم زخارفها بعدما كانوا ينعمون بوجود النبي فيهم، بل بعدما كانوا يزاحمونه في ركبتيه ولكن ليس من أجل البركة واكتساب الأجر والثواب وإنما كان ذلك تخطيطاً منهم للمستقبل، حيث كانوا يتوقعون موت النبي بين لحظة وأخرى لكونه كان مطلوباً إلى كل الجهات المتضررة من وجود الإسلام وانتشاره، وما أكثر المتضررين من ذلك، كانوا يجلسون في أعالي الجبال عند نشوب أية معركة، فلا ينزلون إلى الساحة إلا بعد انتهائها، فإن كان النصر حليف النبي قالوا إنّا معك يا رسول الله ونحن نفديك بأرواحنا وأموالنا، ولم يكن ذلك إلا مجرد كلام خال من الفحوى والمضمون وبعيداً عن الواقع بُعد الأرض عن السماء، وأما إذا كان النصر لغير المسلمين أنكروا إسلامهم وادعوا أنهم معهم ليحفظوا رؤوسهم لأنهم يريدون العيش وإن كان عيشاًَ ذليلاً، وهؤلاء هم المنافقون الذين وبخهم الله تعالى وفضحهم عندما قال في كتابه المجيد(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)
لقد كان كلام الزهراء(ع) مقنعاً وواضحاً وبيناً لا يمكن لأحد أن يدعي بأنه يحمل أكثر من وجه، حيث حرصت(ع) على أن يكون الكلام بمستوى الحاضرين، فخاطبتهم بالطريقة التي يفهمونها حتى تلقي الحجة عليهم فيما صنعوه أو ما يمكن أن يفعلوه بعد ذلك الموقف.
خُطْبَةُ الزَّهْرَاءِ(ع) جَوْهَرَةٌ نَادِرَةُ الوُجُوْد
ونظراً لأهمية خطبة الزهراء وضرورة الإهتمام بكلياتها وجزئياتها وظاهرها وباطنها وعامها وخاصها وجب علينا أن نلفت النظر إلى ما يتعلق بهذا الأثر الكبير والنادر والذي لم يعهد التاريخ أثراً مثله بعد القرآن وكلام النبي وعلي صلوات الله عليهم أجمعين، ومن جهة ثانية فإن الدفاع عن حق الزهراء واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، ومسؤولية على كل صاحب رأي حر وضمير صاح، فمن تخلف عن القيام بهذا الواجب أو قصّر في تولي هذه المسؤولية وحَمْلِها كما يجب فقد تخلى عن إسلامه وقيمه وأخلاقه بل عن إنسانيته لأن الدفاع عن حق الزهراء أمر إنساني قبل أن يكون أمراً دينياً ومسألة إسلامية كونها(ع) تعني الإسلام الحنيف، وهي في ذات الوقت أحد أركانه الأساسية، بل هي المدخل إليه، فمن أراد أن يكون إسلامه صحيحاً وجب عليه أن يعتقد بعصمتها وبكونها ظُلمت على أيدي الذين اقتحموا دارها، وأنها مشمولة بآية التطهير، وأن رضا الله تعالى متوقف على رضاها.
ومن هذه النقطة يجب أن ننطلق في حياتنا، وبهذا المنظار يجب أن نعمل ونسلك الطريق، فمن تولى عنها وأعرب عن خطها فقد خسر خسراناً مبينا.
خُطْبَةُ الزَّهْرَاءِ(ع) مِنْ أَعْظَمِ النُّصُوْصِ
وإن خطبتها الشهيرة التي يحفظها الكثيرون ويقرؤها العديدون تُعتبر من أعظم النصوص التاريخية وأكبر الآثار التي خلّفتها الزهراء في الأمة، فهي صحيفة حق لا باطل فيها، ونور لا تعتريه ذرة من ظلمات الحياة، ونحن نعتقد بأن كثيراً من غير المسلمين احترموا هذا النص الفاطمي وعظّموه لأنهم أدركوا قيمته التي تجاهلها المسلمون كعادتهم، فغيرنا يرى بأن هذا الأثر هو مصدر نور للبشرية ووثيقةٌ يجب فهمها والأخذ بما ورد فيها، لأن ما ورد فيها نافع على كل حال سواء كان الآخذ مؤمناً بالزهراء أو جاحداً بحقها ومنكراً لشأنها، فإذا لم يرد هؤلاء التعاطي مع آثارها على أنها سيدة النساء فعلى الأقل عليه أن يتعامل معها على أساس كونها عالمة وبليغة وفصيحة وصاحبة حق لنتعلم منها كيف نسترجع الحق من غاصبيه.
وقد أطلنا الكلام في التمهيد للدخول إلى فقرات تلك الخطبة ولكننا لا نلام، لأن الواقع المنطقي يفرض علينا التقديم بهذه الطريقة، حيث أننا لا نقدم لأمر عادي، بل لأمر خرق نواميس العادة حتى تحول إلى رمز تاريخي لا مثيل له، وإن هذه المقدمات تنفعنا كثيراً في فهم المراد من تلك الفقرات التي وردت على لسان الزهراء سلام الله عليها، ولعل أبرز سبب في إطالة التمهيد هو الضمانة من عدم خسران أمر أو تجاوز مسألة قد تتوقف عليها أجزاء كثيرة من حياتنا، فلا يمكن أن نتعامل مع هذا الأثر الذي نعتبره جوهرة ثمينة كما نتعامل مع النصوص العادية الأخرى، ثم الذي يدعونا إلى ذلك هو أن الآثار الواردة عن الزهراء قليلة جداً، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى آثارها بتلك النظرة الكبيرة ونضع كلامها أوسمة على صدورنا.
ثم إنه مهما طالت المقدمات وكثرت التمهيدات لكلامها(ع) نبقى قاصرين عن إدراك جوهرها والوصول إلى تمام المراد من ذلك البحر الزاخر الذي لا نفاد له، وسوف يظهر لنا في البحوث القادمة أننا قصرنا في المقدمات لأن معانيها وأبعادها لا يمكن أن تنال إلا بالإحاطة بكل ما يتعلق بخطبتها، يبقى هناك أمور يجب أن نمهد بها الطريق للوصول إلى الهدف المطلوب والمقصد المراد من خلال الغوص في بحر كلامها.
ونحن ننصح كل طالب معرفة بالرجوع إلى أهل العلم ليسأل عن معاني كلام الزهراء، وسوف يدرك بأن لكلامها أغواراً مهما تبحرنا فيها فلن نحصي تمام مرادها لأنها(ع) ليست امرأة عادية، بل هي العالمة والصدّيقة والزكية والراضية والمرضية والمعصومة، فالشخص الذي يحمل مثل هذه الصفات لا بد وأن يكون كلامه فوق مستوى كلام الناس العاديين.
الشيخ علي فقيه
