
قِصةُ جَنَتَيْ سَبَأ
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)
ترتبط هذه القصة بقصة سَدِّ مأرِب الواقع في الجنوب الغربي من اليمن، والذي يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من ألف سنةٍ قبل الميلاد، وكانت مياه المطر تنزل على تلك البقعة بغزارة، ولكنها كانت تذهب هباءاً لا يُستفاد منها بشيء لأنه سرعان ما يبدأ القحط عندهم بعد انتهاء المطر بقليل.
وكان حاكمُ تلك البلاد رجلاً طموحاً أراد لتلك البلاد أن تزدهر فيها الزراعة والصناعة حيث سئم من لون التراب المحيط به، فأراد أن يغيّر واقع تلك البلاد حتى يطغى عليها اللون الأخضر، ولكن لا زراعةَ من دون ماء، وليس عندهم ما يكفيهم لإرواء ظمئهم، فما بالك بالزراعة التي تحتاج إلى الكثير من المياه، فأرسل في طلب كبير المهندسين آنذاك لطلب المشورة علّه يجد حلاً لتلك الأزمة، فأشار عليه المهندس ببناء سدٍ عظيم يحفظ خلفه ماء المطر، ويستعمل أهل سبأ ماءه في أيام الجفاف، فلا يبقى هناك خطر من الظمأ أو القحط، وبالتالي فإن الزراعة تزدهر فيها فوافق الحاكم على تلك الفكرة التي سوف تخلِّد اسم سبأ في التاريخ، وظنّ بأن بناء السد سوف يتم في وقت وجيز فأخبره المهندس بأنه ربما لن يعيش ليرى السد، ورغم ذلك أمر ببنائه حتى يستفيد منه الأبناء والأحفاد، وباشروا على الفور في بنائه الذي استغرق من الوقت عشرات السنين ومن المال الكثير.
فُني الجيل القديم بمن فيهم الحاكم صاحب فكرة السد والممول لبنائه، فاكتمل البناء وظهر جيلٌ جديد من أهل سبأ وبدأ الإزدهار يظهر فيها بشكل سريع، وكانت حدائقهم غنيةً ومميزة ذات فاكهة ناضجة وزروعٍ نضِرةٍ لا مثيل لها في باقي البلاد.
لقد تمتعوا كثيراً واستفادوا من تلك الخيرات التي أفاضها الله عليهم ليشكروه، وجمعوا الثروات الطائلة واشتُهروا في البلاد، فبعث الله إليهم أنبياءه ليدعونهم إلى الإيمان بالله الواحد فكذبوهم، وجحدوا بالنعمة وأصروا على عبادة الشمس من دون الله عز وجل.
(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)
جعل الله أكلهم قليلاً بعد أن كان وفيراً، وبدّلهم بأردى الأنواع من الطعام بعد أن كان طعامهم شهياً ونضراً ومميزاً بشكله وحجمه وطعمه.
وقيل بأن حاكمهم في تلك الآونة كان جشعاً، وقد لاحظ حدوث تغيّرات في قواعد السد فعلم بأنه سوف ينهار عما قريب فجمع أمواله وترك البلاد ولم يسمع عنه أحد بعد ذلك، فقيل إن الله تعالى أهلكه في الصحراء.
فبعد إنكارهم لدعوة الحق حَقَّ عليهم العذاب فانهار ذلك السد الذي كان منيعاً قبل أمر الله تعالى، وتدافعت المياه بقوة وغزارة وقد هلك منهم الكثيرون، أما الناجون فقد عادوا إلى الجفاف مرة أخرى، وقد تبدلت جنتاهما الجميلتان بقدرة الله سبحانه بجنتين لا نسبة بينهما وبين الذي كانتا عليه من قبل.
لم تعد فاكهتهم لذيذة ولم يعد زرعهم ناضجاً فصاروا يتمنون لو تعود تلك الأيام الجميلة، وكان بإمكانهم أن يبقوا في العيش الرغيد لولا إنكارهم لرسالة ربهم.
لقد حرمهم الله تعالى من الوفرة في الطعام وأعادهم إلى زمن الجفاف وكأنّ السد لم يبنى من الأساس، هذا بما اقترفت أيديهم من السوء، ولو أنهم آمنوا وشكروا لزادهم الله من فضله، ولكن ماذا نفعل ببني آدم الذين يؤثرون الشر على الخير والباطل على الحق.
وقد صدق مَن قال: الإنسانُ عدو نفسه:
وهنا يظهر الدرس المطلوب: بالشكر تدوم النعم وتزداد: ولا بد أن يكون الشكر بالقلب واللسان والسلوك حتى يترجم المرء إيمانه عملياً.
وقد ذكر الله سبحانه عاقبة أهل سبأ الذين لم يحفظوا النعمة فقال(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)
لكثرة الوفرة التي كانت عندهم تمنوا لو تكون القرى المجاورة بعيدة عنهم حتى لا يسافر الفقراء بمحاذاة الأغنياء، أو حتى لا يأتيهم من يقول لم أحمل معي طعاماً بسبب قرب المسافة، ولهذا فقد مزقهم الله تعالى وعاقبهم أشد العقاب وأنزلهم إلى أدنى مستويات المعيشة.
الشيخ علي فقيه

