
قِصةُ المُتَخَاصمَين عِنْدَ داوود(ع)
هي قصةٌ ذكرها الله تعالى في سورة ص ليعطي بها درساً في القضاء بين الناس ويؤكد على التأني قبل إصدار الحُكم، ويبيّن مدى حساسية مهنة القضاء التي ربما تُهلك القاضي إن قصّر في مقدمات الحكم، أو حَكم بغير العدل، أو كان في منصبٍ ليس أهلاً له من الأساس، فلا يجوز التصدي لهذه المهنة إلا إذا كان من أهل العِلم والعدل والتقوى.
وبَطلُ هذه القصة نبيٌ من أنبياء الله(ع) وقع عليه امتحان ربه في خَصمين دخلا عليه من غير الباب فأشعراه بالخوف، فطمأناه بأنهما مجرد متخاصمين يريدانه أن يحكم بينهما بالعدل.
وهو من الأنبياء الذين منّ الله عليهم بالعديد من العطاءات الكبرى، فقد ألان له الحديد ليصبح كالعجين بين يديه، وسخّر له الجبال تسبّح معه والطير، وربما يكون للتسبيح معنى عملي آخر لا يمكن ذكره في هذه العجالة، بل يمكن اختصار المسافة بما ذكره سبحانه في هذا الشأن(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)
بالفعل إنها من النعم الكبرى التي منّ الله بها على عبده داوود.
قيل إنّ الرجال كانت تحيط ببيت نبي الله داوود(ع) تحرسه، فلم يستطع هذان الخصمان أن يدخلا عليه من الباب في ذلك الوقت المتأخر من الليل خوفاً من أن يُمنعا من الدخول وهما مضطران لحكم نبي الله، فتسلقا جداراً عالياً وقفزا منه ودخلا على داوود وهو محرابه بطريقة غير معتادَة، وإلى هذا أشار القرآن الكريم بقوله تعالى(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ)
اطمأن داوود لهما، ولحسن أخلاقه استمع لهما رغم ذلك الخطأ الذي ارتكباه.
لقد كان لأحدهما تسعٌ وتسعون نعجة، وكان لأخيه نعجةٌ واحدة فطلبها ليضمها إلى قطيعه ويرعاها، وأغلظ القول له، وكان أخوه صاحب النعجة ضعيف الشخصية لم يستطع أن يمنع أخاه من طلبه فاحتكما إلى داوود(ع) فقال صاحب النعجة الواحدة(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)
فبمجرد أن سمع داوود كلام الأول وهو يعلم بأنَّ كثيراً من الشركاء يبغي بعضهم على بعض أصدر الحكم على الثاني دون أن يستمع إليه(قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
وبعد صدور الحكم خرجا من داره، وعلى الفور أدرك داوود(ع) بأنه تسرّع في حكمه فأناب إلى الله لأنه أوّاب، واستغفر ربه وعلم بأنَّ هذا امتحان من الله له وفتنة.
كان ينبغي التأني قبل إصدار الحكم إذ لا ينبغي للقاضي أن يتسرع، بل يجب عليه دراسة جميع حيثيات القضية قبل إصدار الحكم.
إنّ حكم داوود لم يكن خطئاً، بل إنه حَكَم قبل أن يسمع للآخر فاستدرك الخطأ مباشرة واستغفر الله فغفر له، ولم يكن خطئاً بمعنى الخطأ الذي يُعاقب عليه المرء، بل كان خطئاً بالعنى العام، ثم أمره الله أن يحكم بالعدل بين الناس، بكل ما تعنيه كلمة العدل(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)
هناك لفتة نظر ينبغي التنبّه لها جيداً كيلا يُفهم من الكلام غيرُ وجهه.
إننا عندما نتحدث عن الأنبياء لا ينبغي نسيان كونهم معصومين، وإذا ورد لفظ الخطأ أو الذنب في سلوكياتهم فيجب حمله على معنى خاص جداً.
إن المعصوم لا يخطئ خطئاً يستحق عليه العقاب وإلا لما كان معصوماً، وقد سمّيت أخطاؤهم أخطائاً لأنهم(ع) اعتبروا خلاف الأفضل خطئاً وكأنه في أنظارهم ذنبٌ عظيم.
وكثيراً ما يُستعمل لفظ الذنب لدى الحديث عن الأنبياء من باب المجاز وليس من باب الحقيقة.
إن الأنبياء(ع) بفعل عظمة إيمانهم وحبهم لله وخشيتهم منه يعتبرون أنهم مقصّرون في واجباتهم وهذا ضربٌ من ضروب اتهام النفس، وهو صفةٌ عظيمة استعملها النبي وآله(ص) فضلاً عن جميع المعصومين قبلهم.
فمثلاً إنَّ طلب نوح من ربه أن ينجي ابنه ليس طلباً محرّماً بل هو سلوك عادي، ولكن عندما لم يستجب الله له بسبب كفر ابنه ندم نوح واستغفر ربه وهو لم يأت بأي ذنب.
فعندما يخاطب الله تعالى خاتم أنبيائه بقوله(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) والمعلوم أنه لا يوجد للنبي(ص) لا ذنوب متقدمة ولا ذنوب متأخرة بل هو سلوك ديني واضحٌ ومعلوم.
وكذا أمير المؤمنين وسيد المتقين علي(ع) في دعاء كميل يطلب من الله أن يغفر له الذنوب التي تهتك العِصم وتُنزل النقم وهو لم يرتكب أي ذنب في حياته.
نعلم من خلال ذلك أن هذا أمرٌ طبيعي وأن اتهام النفس بالذنب هو نوع من أنواع العبادة، وليس كذباً كما يُمكن أن يتوهم البعض لأن التعامل مع رب العالمين له طريقة خاصة، وهذه من ضمن الطرق الخاصة بالتعامل مع الخالق سبحانه الذي يجب أن نتهم أنفسنا بالخطأ تجاه عظمة عطائه وكرمه ورحمته.
الشيخ علي فقيه

