
حروب بونية أولى
لما مات اليوناني اغاثوقليس عام 288 ق م، كان الأجراء الإيطاليون في جيشه قد فقدوا خدمتهم، فغضبوا وحكموا مدينة مسينا اليونانية في صقلية وسموا أنفسهم “ماميرتين” يعني “تابعي إله الحرب” وأخذوا يحاربون على كل مدن صقلية. فبعدما أصبح هييرون الثاني طاغية سيراقوسة في عام 265 ق م هجم عليهم، فأرسل الماميرتين سفير إلى روما ليطلب عونهم، وسفير ثان إلى قرطاجة. وأجابت قرطاجة وبعثت جيشا إلى مدينة مسينا اليونانية ومجلس أعيان روما لم تزل يتناقش. لكن بعد قليل اتفق القرطاجيون مع سيراقوسة، فطلب الماميرتين عون روما ليخرجوا جيش قرطاجة. قبل الرومان طلب المامرتيني لأن روما لم تقبل أن تكون دولة قوية مثل قرطاجة في مسينا لأنها قريبة جدا إلى جنوب إيطاليا (اليونان الكبرى التي أصبحت تحت السيطرة الرومانية)، فقرروا أن يبعثوا بجيش لتأييد الماميرتين، وبدأت الحرب البونية الأولى.
الجيش الروماني الأول لم يربح، لكن في عام 263 ق م، بعثت روما جيشا ثانيا يقدر ب 40،000 ألف مقاتل، لترهيب وتخويف هييرون الثاني طاغية سيراقوسة، الذي سرعان ما نقض تحالفه مع قرطاج وتحالف مع الرومان وعقد معهم معاهدة عدم اعتداء لمدة 15 سنة.
أخذ الرومان يعدون لمهاجمة قرطاج نفسها انطلاقا من جزيرة صقلية حيث ثبتوا أقدامهم. فتمكنوا من إعداد أسطول كبير تألف من 250 سفينة حربية، فضلا عن 80 سفينة نقل. ولما علمت قرطاجة أخذت هي الأخرى بالاستعداد وإن كان أسطولها الباقي أقل من الروماني بقليل.
في سنة 256 ق.م أبحر الرومان نحو قرطاج فالتقوا بالأسطول القرطاجي عند رأس أقنوموس جنوب صقلية حيث اشتبكا وانتهت المعركة بهزيمة القرطاجيين، تابع بعدها الأسطول الروماني إبحاره بقيادة القنصل مرقس اتيليوس رجولوس ونزل على الشاطئ الإفريقي حيث أنزل عدة هزائم متتابعة بالقرطاجيين مكنته من التوغل بعيدا عن الشاطئ لقضاء فصل الشتاء في مكان قريب من قرطاجة مما جعل الأخيرة تطلب الصلح منه. عرض القنصل الروماني مرقس شروطا قاسية على قرطاجة فرفضتها ثم أخذت تستعد للقتال في نهاية الشتاء باستقدام فرقة من المرتزقة المشهود لهم بالشجاعة في القتال وعلى رأسهم قائد إسبارطي محترف هو زانتيبوس الذي عمل على فوره على تدريب الجيش القرطاجي وفقا لأفضل الأساليب القتالية الإغريقية.
وفي ربيع عام 255 ق.م بعد أن أنهى الجيش القرطاجي تدريباته، اشتبك مع الجيش الروماني الذي هزم وأسر قائده القنصل مرقس. ولكن الأسطول القرطاجي تصدى للأسطول الروماني الذي كان قادما بتعزيزات لمرقس فمني بخسارة فادحة شلت قدرة قرطاج البحرية لمدة ال5 أعوام التالية. وكان الأسطول الروماني وصل بعد انتهاء المعركة البرية فأنقذ فلول جيشه تجاه شاطئ صقلية الجنوبي ولكن تحطمت أكثر من 250 سفينة– من بينها 100 سفينة قرطاجية كان الرومان قد اغتنموها فلم يتبق من الأسطول الروماني الناجي سوى أكثر من 100 سفينة فقط.
أعاد الرومان بسرعة كبيرة بناء أسطولهم الذي دمرت معظمه الأنواء وركزوا هجومهم على القواعد القرطاجية في غرب صقلية. فسقطت مدينة بانورموس (باليرمو) في أيدي الرومان عام 254 ق.م لتتوقف الحرب بين الطرفين لمدة سنتين فقد أشتعلت الحرب بين قرطاج ونوميديا في شمال أفريقيا عام 253 ق.م.
عام 250 ق.م حاولت قرطاج استعادة بانورموس ولكنها منيت بالفشل مما شجع الرومان في العام التالي على مهاجمة مدينة ليلوبايوم ومحاصرتها برا وبحرا. إلا أن القرطاجيين تمكنوا من هزيمة الرومان برا وبحرا هذه المرة واستعادوا سيادتهم البحرية مؤقتا.
ووصل إلى صقلية في عام 247 ق.م القائد القرطاجي أملكار برقا الذي اسندت إليه قيادة القوات القرطاجية في صقلية يعاونه القائدان أذربعل وقرتالو اللذان كانا يقومان بتخريب سواحل إيطاليا. كما كان أملكار يشن حرب عصابات أقضت مضاجع الرومان وأوقعتهم في مأزق مالي بسبب الخسائر وازدياد النفقات واستولى حملقارت على موقعين منيغين هما جبل هرقيتي قرب بانورموس وجبل إيريكس قرب دربانا واتخذ منهما قاعدتين لشن الغارات على القوات الرومانية.
كاد القرطاجيون أن يححقوا نصرا حاسما في صقلية لولا قرارها المبهم في استدعاء أسطولها من صقلية لتجمع قواتها للتحكم في مناطق شمال أفريقيا الداخلية جنوب غرب قرطاج بسبب الحرب مع نوميديا.
استغل الرومان الفرصة فأعادوا بناء أسطولهم حيث أنزلوا 200 سفينة إلى البحر بقيادة القنصل كاتولوس، فبعد قليل نجت روما وأرسلت لوتاتيوس كاتولوس ليضيق الحصار حول مدينتي دربانا وليلوبايوم القلعتين القرطاجيتين. عجزت فرطاج عن إعداد أسطول لإنقاذ هاتين القلعتين. ولم تسطع سوى إرسال حملة بحرية هزمها الرومان قرب دربانا في ربيع 241 ق.م أضطر القرطاجيون إلى قبول الصلح مع الرومان في معاهدة(قاتولوس) والذي تتضمن تخلي قرطاجة النهائي عن جزيرة صقلية، تتعهد قرطاج بدفع غرامة مالية قدرها 320 وزنة تسددها سنوبا على شكل أقساط لمدة 20 عاما وأن تسلم قرطاجة كل الرهائن الرومان بدون أية فدية.
حروب بونية ثالثة
كانت روما تبحث عن الذرائع لتشن الحرب على قرطاجة من جديد لكن الجماعة الحاكمة في قرطاجة بعد الحرب البونية الثانية (218-202 ق.م) كن همها الحفاظ على الوئام والسلام مع روما والاهتمام بإنعاش التجارة في قرطاجة وزراعتها. ولم يمض كثير من الوقت حتى غدت قرطاجة ثاني أكبر مركز تجاري في غرب البحر المتوسط. كما أصبحت أرضها تغل حاصلات وفيرة. مما جعلها تعرض على روما أن تدفع الأقساط الباقية جميعها دفعة واحدة، وأن تتبرع لروما وفي العام نفسه وفي عدة مناسبات تالية بكميات كبيرة من القمح دون مقابل.
نظرت روما إلى نجاح ونهوض قرطاجة من عثرتها بعدم الرضى والقلق الشديد الذي مرجعه الغيرة والحسد من ناحية والخوف من أن تعيد قرطاجة بناء قوتها مما حذا بالسناتو الروماني إلى انتظار الفرصة المناسبة لتدمير قرطاجة.
كان ماسينيسا ملك نوميديا يطمع في أن يسيطر على أراضي قرطاجية كثيرة لذلك كان دائما يزرع الخوف عند الرومان ضد قرطاجة. فكان يعتدي مرات كثيرة على ألأراضي القرطاجية فتشتكي قرطاجة الأمر للرومان ولكنهم يقفون مع حليفهم الملك ماسنيسا.
و حدث أن طلب ماسينيسا من قرطاجة السماح له بدخول طرابلس بحجة ملاحقة ثائر فر إلى برقة وعندما رفضت هذا الطلب هاجم إقليم طرابلس وأحتل سهل الجفارة لكنه عجز عن الاستيلاء على مدن طرابلس الثلاث.
أرسلت روما سفارة إلى قرطاجة بشأن الموضوع بقيادة كاتو الكبير فعاد إلى روما محرضا على شن الحرب على الفرطاجيين بحجة تكديسهم للأخشاب في الميناء لبناء أسطولهم وأن الجيش الذي حاربوا به ماسينيسا هو نواة جيش الانتقام من روما.
أرسلت روما بعثة أخرى إلى قرطاجة وفي هذه المرة طلبت البعثة الرومانية من قرطاجة تسليم مدن طرابلس الثلاث لماسينيسا مما أثار القرطاجيين وأشعل نار الغضب فيهم لدرجة أن البعثة فرت من قرطاجة خوفا على حياتها.
و أستمر كاتو في تحريضه ضد قرطاجة حيث كان يقول في مجلس السناتو (يجب أن تدمر قرطاجة، يجب أن تدمر قرطاجة). وأنحاز الرومان لماسينيسا الذي تشجع بالخوض في شؤون قرطاجة الداخلية فما بين عامي 151-150 ق.م ظهرت الخلافات السياسية داخل قرطاجة فطرد الحزب الموالي لماسينيسا من المدينة فطلب هذا الأخير بأعادة مواليه إليها الأمر الذي رفضته قرطاجة فقامت الحرب بينهما وأنتهت بانتصار ماسينيسا.
قامت قرطاجة بعد ذلك بإعدام القادة العسكريين وأرسلت شكوى إلى روما من تصرفات ماسينيسا لكن الرومان أستغلوا الفرصة.
في عام 149 ق.م أستسلمت أوتيكا للرومان فأعلنوا الحرب على قرطاجة. في ذلك الوقت توجهت بعثة قرطاجية إلى روما تطلب الاستسلام دون شرط أو قيد فقال لها السناتو بأنه سيسمح ببقاء حرية القرطاجيين وقوانينهم وإقليمهم وممتلكاتهم العامة والخاصة شرط أن يسلموا ثلاثمائة من أبرز رجالهم كرهينة وأن يطيعوا الأوامر التي يصدرها القنصلان الرومانيان المتوجهان إلى أوتيكا. فوافق القرطاجيون على كل ذلك.
و عند وصول القنصلين إلى أفريقيا كشفا هدف السناتو الحقيقي بأن طلبوا من القرطاجيين أن يخلوا مدينتهم وأن يبتعدوا عن الشاطئ ل16 ميلا واكن ذلك الشرط المفاجئ المخادع بقصد تدمير اقتصاد قرطاجة. لكن القرطاجيين لم يتخلوا عن مدينتهم وبدؤوا بالتحصن فيها إلى أن سقطت وأحرقت نهائيا ودمرت بعد حصار ثلاثة أعوام متتالية (149-146 ق.م).



