
قِصةُ إِرْضَاعِ موسى(ع)
(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)
بعد أن وصل الطفلُ موسى إلى قلب قصر فرعون بقدرة الله تعالى، كَرِه فرعون الرجوع عن قرارٍ قد اتخذه، فأمر الذباحين بتنفيذ الأمر، فتوسلت إليه زوجته أن يعفو عنه، فهو طفلٌ بريء لم يرتكب أي ذنب، وراحت ترغّبه به وترجوه العفو عنه، وتطلب منه النظر إلى وجهه الجميل، فسمع لها ونظر إلى وجهه فسحره هذا الوجه الجميل فرقّ قلبه، وامتنع عن ذبحه بقدرة الله الذي ألقى محبةَ موسى في قلب فرعون وقلب زوجته، فأصبح كولدهم يعيش بينهم وينام في غرفة نومهم(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) لا يشعرون بأنه الولد الذي سوف تتحقق رؤيا فرعون على يديه.
لقد سلّط الله قدرته على قلب فرعون المجرم فتحوّل في لحظتها من مجرم قاتل إلى أبٍ عطوف ليبقى موسى حياً ويحق القول على الكافرين.
ولا يُخلف الله وعْده، فقد وعد أم موسى بإرجاع وليدها إلى حجرها، فشاءت قدرته النافذة على أن يجتمع شمل أم موسى بوليدها بعد كل ذلك الخوف والقلق الذي اعتراها، فامتنع موسى بقدرة ربه الذي اصطنعه لنفسه عن الإرتضاع من أية مرضعة غير أمه، فلم تترك آسية وسيلة لإرضاعه إلا وفعلتها، وقد وضعت مكافئة كبيرة لكل امرأة تستطيع أن ترضعه، حيث خشيَت عليه من الهلاك، وبقدرة الله تحوَّل قصر فرعون من قاعة اجتماعات عسكرية وأمنية واقتصادية إلى قاعة تستقبل المرضعات، وقد نفذت قدرة الله كالعادة(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ) بمعنى أنّ الله تعالى جعل موسى يمتنع عن الإرتضاع منهن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وكانت أخت موسى ترقُب كل ما يحصل عن بُعد، وترى بأم عينها كيف يمتنع أخوها عن الإرتضاع من المرضعات، لقد سهّل الله سبحانه وصول أخت موسى إلى قصر فرعون رغم الحراسة المشددة، فتقدمت نحو آسية وعرضت عليها أن تدلها على مرضعة لم يُرسلوا إليها فوافقت آسية بعد أن كانت قد يئست من حياته وظنّت بأنها لعنة نزلت عليها، ولم تكن لتوافق بعدُ على طلب أخت موسى، ولكنَّ الله تعالى ألهمها أن تقبل بالعرض(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)
لقد انشغلت آسية ومن معها عن السؤال لأخت موسى كيف دخلت القصر لأن همّ آسية كان نجاة موسى من الموت.
رجعت أخت موسى إلى أمها وأخبرتها بالأمر فلم تصدّق نفسها ما تسمع، وذهبت مسرعةً إلى قصر فرعون، وبمجرد أن حملت موسى بين يديها بدأ يرتضع منها، وهناك اجتمعت الدهشة والفرحة معاً في قلب الطاهرة آسية بنت مزاحم التي هيّأت غرفة في القصر لأم موسى لتعيش معهم طيلة فترة الرضاعة فرفضت أم موسى العرض بحجة أنها لا تستطيع أن تترك بيتها وزوجها وقد أقنعت آسية بأن تأخذ موسى معها إلى بيتها فوافقت بعد نقاش طويل دار بينهما.
وحقّت كلمة ربك، ورجع موسى إلى أمه(فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ولا يكون إلا ما يريد الله، فهو فعّالٌ لما يريد، وقد جاء في الحديث القدسي:عبدي.. تريدُ وأريدُ، ولا يكون إلا ما أريد.
الشيخ علي فقيه

