حقائق

حَقَائق

حِوَارُ الله تَعَالَى مع آدَمَ(ع)

 

 

حِوَارُ الله تَعَالَى مع آدَمَ(ع)

 

قال تعالى(فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى){طه121/124}

ولكي يتضح لنا الأمر أكثر نذكر لكم حوار إبليس مع آدم(ع).

قال تعالى(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ){الأعراف20/22}

وما عليكم سوى التأمل بفحوى تلك الحوارات وسوف تدركون أنّ آدم(ع) لم يرتكب المعصية بالمعنى الذي نعرفه، وعليكم أن تسألوا أنفسكم: لماذا غضب الله على إبليس وواعده العذاب الأبدي، ولم يصنع ذلك مع آدم؟ فهل معصية آدم مغفورة لأنه بشر، ومعصية إبليس ليست مغفورة لأنه من الجن؟ وهل أن الله تعالى يتعامل بهذه الطريقة مع عباده؟ أو ليس الإمتحان هو نفسه للجن والإنس؟

وأريد هنا أن أزيد في البحث لتكون الحجة أبلغ فأقول:

لقد أُجرِيَت أكثر من محاولة لتنزيه نبي الله آدم(ع) من المعصية التي ذُكِرت في الكتاب العزيز وذلك لعدم اجتماع العصمة والخطأ، فإن المعصوم مُسدَّد بالرعاية الإلهية، فلا يصدر منه أي نوع من أنواع الخطأ وإن كان خطأً عابراً في نظرنا.

لقد ذكر القرآن خطأ آدم بلفظ المعصية ففهم بعضهم المعنى على غير الوجه المراد فظنوا بإمكانية صدور المعصية من المعصوم من دون أن يخرج عن العصمة، وهذا عين الوهم وقلب الخطأ إذ يجب التزام فكرة أن المعصوم لا يرتكب المعاصي صغيرها فضلاً عن كبيرها.

وكثير من الناس يتغنَّون بمعصية آدم، وهم بذلك يحاولون تبرير أخطائهم بحجة أن النبي يخطئ فكيف لا يخطئ الناس العاديون.

ولكنهم لو رجعوا إلى أهل الذكر في ذلك لعرفوا معنى تلك المعصية، وأنها ليست كما يظنون.

وقبل تفسير معنى تلك المعصية وبيان حقيقتها نريد أن نطرح على كل من يعتقد بمعصية آدم(ع) سؤالين.

الأول: لماذا لا تذكرون فضائل آدم كما تذكرون خطيئته المغفورة من الأساس؟

الثاني: لماذا استطاع إبليس أن يجر آدم إلى المخالفة في الجنة حيث لا يوجد تكليف وامتحان فيها، ولم يستطع أن يجرّه إليها بعد الهبوط إلى الأرض وهي موضع الإمتحان؟ مع أنه استعمل معه كل أساليبه وخدعه في الأرض فلم يقدر عليه، ألا يوجد في هذا الأمر نوع من التساؤل والغموض؟ فلو أننا فكرنا قليلاً في فحوى هذا التساؤل لاستغنينا عن كل دليل آخر لأن الأمر واضح، ولكن كثيراً منا يحاولون فرض التعتيم على هذه الحقيقة لأسباب باتت معلومة لدى الكثيرين من أهل العقل والحكمة.

قد نجيب على هذين السؤالين بإجابات مقنعة، ولكن قد يقف شخص ويقول: لماذا تبررون معصية آدم، مع أن الله تعالى هو الذي أخبرنا عن تلك المعصية فقال(وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)

وهنا تعبيران عن المعصية، وهما لفظ المعصية، ولفظ الغواية الذي من شأنه أن يؤكد العصيان.

ونضيف إلى ذلك أننا لو قرأنا الآيات التي تحدثت عن مخالفة آدم وإنزاله إلى الأرض لشعرنا بأن السبب في ذلك هو معصية آدم، نحن نعرف ذلك تماماً ولكننا لا نستسلم لذلك لأن الإستسلام أمام هذا الرأي يعني ضرب مفهوم العصمة من أساسه.

ورغم كل تلك الإشارات يبقى الأمر غامضاً، لأننا نعتقد بنبوة آدم وعصمة الأنبياء، فلا بد من وجود تفسير لتلك المعصية يكشف لنا عن أنها ليست معصية يستحق عليها فاعلها العقاب، وأن هبوط آدم إلى الأرض ليس عقاباً له وإن شعر بعضهم بذلك أو فهم منه معنى استحقاق العقوبة، ولا يمكن أن نقول بأن الله صنع ذلك مع آدم ليخرجه إلى الأرض فإن الله تعالى لو أراد أن ينزل آدم إلى الأرض لأنزله إليها بألف طريقة وطريقة مع الحفاظ على شأن آدم، ولكنه تعالى يسبب الأمور بأسبابها، وهو أعلم بمراده، فنحن عبيده، يفعل بنا ما يشاء، ولا يحق لأي عبد منا أن يعترض على خالقه.

وهذا الطرح حول معصية آدم يحتاج إلى شيء من البيان المفصَّل كيلا يبقى الظن موجوداً في قلوب البعض تجاه هذا النبي العظيم الذي جعله الله تعالى آية من آيات الوجود وأبا البشر الأول. فنقول:

أولاً: لا يليق بأبي البشر أن يكون مرتكباً للخطأ، فهو أول الأنبياء الذين اختارهم الله تعالى لحمل الأمانة.

ثانياً: هو نبي معصوم، ولا تجتمع العصمة مع الخطأ لأن الله تعالى قد نزَّه المعصومين عن كل عيب ونقص.

ثالثاً: لماذا يتداولون على ألسنتهم خطيئة آدم ولا يتحدثون عن الشخص الذي قتله نبي الله موسى(ع)؟ فإنه لم يخطئ في ذلك كما لم يخطئ آدم بالمعنى الذي نفهمه.

رابعاً: هل يليق بعظمة الله وجلاله وعدله أن يأمر الملائكة الكرام بالسجود لشخص مخطئ؟ فلو ارتكب آدم معصية كالمعاصي التي نرتكبها نحن لما استحق كل هذا التكريم ولما كان نبياً من الأساس.

خامساً: عندما أقدم آدم على الأكل من الشجرة المنهي عنها لم يكن مكلَّفاً بعد، لأن التكليف الشرعي قد بدأ لحظة نزوله إلى الأرض إذ لو كان مكلَّفاً قبل ذلك لما أكل من الشجرة، ونحن نثق بذلك تماماً.

سادساً: تؤكد الأحاديث أن آدم عندما سمع كلام إبليس لم يكن يعرفه، بل لعله اعتقده ناصحاً له، وليس هذا الأمر ببعيد لاحتمال أن يكون الخطأ قائماً على واحد من الأسباب التي ذكرناها، بل لا بد من أن يقوم عليها لكونه معصوماً وإلا انتفى كونه كذلك.

سابعاً: لو فهمنا الجواب على السؤال الثاني الذي طرحناه في أول هذا البحث لأدركنا أنه يستحيل على شخص مثل آدم أن يرتكب خطئاً في الحالات العادية.

ثامناً: قيل إن الأمر الذي وجّهه الله تعالى إليه لم يكن أمراً مولوياً حتى يستحق العقاب عليه، أكثر ما في الأمر أن الله تعالى كان ناصحاً تجاه ذلك الأمر ومرشداً.

تاسعاً: لماذا لا نتهم يوسف بالخطأ عندما صنع مكيدة لأخوته واتهمهم بالسرقة وهم في الواقع بُراء مما نُسب إليهم.

عاشراً: لماذا لم نتهم نبي الله يونس الذي قال الله فيه(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

فمن خلال هذه الأوجه التي ذكرناها يتضح لدينا بشكل جلي أن آدم لم يرتكب معصية يستحق عليها العقاب.

ثم إن المعصوم يرى في نفسه أن أية مخالفة هي معصية وإن كانت جائزة ، ولكنها في الواقع ليست كذلك، ولعل الله تعالى عندما استعمل لفظ المعصية أراد أن يكشف عن الشعور الذي كان يراود آدم عند الأكل من الشجرة، ولو غضب الله على آدم لكان مصيره سيئاً.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى