
هذا ما حصل بعد معركة كربلاء
فجْرَ اليوم العاشر من شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة بدأ القتال العسكري بين جيش الإمام الحسين(ع) الذي لم يتجاوز عدده المئة، وبين جيش يزيد بن معاوية الذي تجاوز عدده ثلاثمائة ضعف جيش الحسين(ع) حيث قُدِّر بأكثر من ثلاثين ألف مقاتل جمعهم أعوان يزيد من بقاعٍ مختلفة.
وانتهت تلك المعركة عصر اليوم نفسه بالنتيجة التالية:
استشهاد الإمام الحسين(ع) وسبعة عشر رجلاً من أهل بيته وما يقرب من سبعين رجلاً كانوا معه على السراء والضراء، فكان الحر الرياحي أول شهيد في تلك المعركة، والإمام الحسين(ع) آخر شهدائها.
ولم تقتصر الخسارة في الأرواح على الطرف الحسيني فقط، وإنما شملت الطرف الآخر بزيادة ملحوظة في عدد قتلاهم وجرحاهم، فإذا كان قد سقط من معسكر الحسين مئة رجل فقد سقط من معسكر يزيد المئات حيث لم يستشهد بطلٌ من أبطال كربلاء إلا بعد أن يقتل مجموعة من الطرف الآخر ويجرح مجموعة أخرى.
والجدير في الأمر هو أنّ الأنظار توجهت إلى عدد شهداء الطرف الحسيني ولم تعط الإهتمام لعدد قتلى الطرف اليزيدي، مع أنّ إحصاء عدد قتلاهم ينفعنا كثيراً في دراسة شؤون الثورة الحسينية.
فبعد استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عطاشى في تلك الصحراء هجم القوم الظالمون على خيام النساء والأطفال فأحرقوها وألقوا الرعب في قلب كل طفل وامرأة انتقاماً منهم للحسين وتشفياً من أهل البيت(ع) من دون أي سبب يدعو إلى ذلك، هذا بالإضافة إلى أن العطش لم يقتصر على الرجال فقط وأنما طال النساء والأطفال لأيام، وكذلك لم يكتف القوم بأسرهن وسبيهن وسبّهن بل راحوا يضربونهن ضرباً مبرحاً.
لملم الجيش اليزيدي عتاده ودفن قتلاه وداوى جرحاه، ولا ندري كم من الجرحى ماتوا بعد ذلك بسبب الجراحات، وأتاهم الأمر بسبي بنات الرسول بهدف التشفي والإنتقام، ولم يكن معهن من الرجال سوى واحد عليل لا يقوى على الوقوف بسبب المرض، وهو الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع).
وعلى ذِكر مرض الإمام السجاد تجدر الإشارة إلى مسألة مهمة في هذا المجال.
لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا موضوع الحكمة الإلهية التي تدخلت في بعض شؤون هذه الثورة، فلقد حاول الجيش اليزيدي أكثر من مرة أن يقتلوا الإمام السجاد، ولكن السيدة زينب(ع) كانت تمنعهم في كل مرة وتحول بينهم وبين قتله، وكانوا يتراجعون عن قرارهم مع أن الأمر أتى بإفراغ الساحة من جميع رجال أهل هذا البيت.
وكذلك فإنهم عندما أسروا الإمام(ع) لم يكن لديه القدرة على الجلوس فوق ظهر الناقة فربطوه ببطنها واصطحبوه معهم، ولم يفعلوا هذا حتى مع بعض أهم رجالهم من الجرحى، فكيف صبروا على الإمام؟
الجواب: إن الإرادة الإلهية هي التي حالت بينهم وبين الإمام السجاد لأن الله تعالى أراد له أن يبقى حتى ينجز الجزء الآخر من تلك الثورة الإلهية(الثورة الحسينية) ولا أقول بأن الإرادة الإلهية نظرت إلى كون الإمام زين العابدين هو مصدر باقي الأئمة(ع) لأن الإمام الباقر(ع) في تلك الأثناء كان موجوداً مع أبيه ولكنه كان طفلاً صغيراً، فعلى فرض أن الجيش اليزيدي أقدم على ارتكاب تلك الجريمة وقتل الإمام السجاد فإن الأئمة سوف يستمرون بسبب وجود الإمام الخامس(ع)
وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يشفى الإمام السجاد من مرضه بشكل سريع بحيث أن آثار البرء من المرض بدأت تظهر عليه فور خروج القوم من كربلاء لأنه(ع) هو الذي أتى بعد يومين تقريباً ودفن جثث شهداء كربلاء مع بني أسد.
نَدْبَةُ الحَوْرَاءِ زَيْنَبَ(ع) لِجَدِّهَا(ص)
مهما تكن قدرة الإنسان على التحمّل قوية فلا بد أن ينهار أمام بعض الأحداث المفجعة، ومهما كان واعياً ومدركاً فلا يمنعه ذلك من أن يبدي مشاعره الإنسانية تجاه بعض النكبات والمصائب، ولكن المهم هو أن لا يخرجه حزنه عن صوابه فتزداد بذلك حجم مصيبته.
فعندما نظرت العقيلة زينب(ع) إلى تلك الأجساد الطاهرة مطروحة على ثرى كربلاء صاحت قائلة: يا جداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا حسين مرمّل بالدماء مقطع الأعضاء وبناتك سبايا وإلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء وامحمداه هذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العماة والرداء، بأبي من أضحى معسكره يوم الإثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من ردت له الشمس حتى صلى.
لقد أبكت بهذه العبارات كل عدو وصديق، وقد سألتها سكينة: من تخاطبين؟ فقالت(ع): أخاطب أباك الحسين، فألقت بنفسها من محملها إلى جسد أبيها واعتنقت جثته، وقد بكى لها الأعداء، فقال ابن سعد: نحّوها عن جسد أبيها، فاجتمع عليها أكثر من رجل فجروها من على جسد أبيها.
ونفس هذه الكلمات المؤثرة التي صدرت من زينب(ع) تحكي لنا الحالة النفسية التي كانت عليها تلك المرأة الجليلة، أم المصائب واللوعات، زينب ابنة علي عليهما السلام.
مُغَادَرَةُ المَوْكِبِ أَرْضَ كَرْبَلاء
في فجر اليوم الحادي عشر من شهر محرم لذلك العام غادر الموكب أرض كربلاء متوجهاً كمرحلة أولى إلى قصر الإمارة في الكوفة حيث الطاغية عبيد الله بن زياد ينتظرهم للإحتفال بهذا النصر الموهوم والمزعوم، وأقول ذلك لأن هذا الإحتفال في الكوفة وبعده الإحتفال في الشام لم يكن سوى بداية لدمارهم وسقوطهم بفضل الله أولاً وفضل أهل الإيمان ثانياً الذين تابعوا الثورة واقتلعوا الطغاة من جذورهم.
فبعد أن أرعبوا النساء والأطفال وأحرقوا الخيام وهتكوا حرمة النساء وعاملوهن بقسوة وغلظة حملوهن على الجمال والنياق سبايا كما كانت تسبى نساء الأتراك والروم.
وقبل مغادرة أرض الطف طلبت النسوة من عمر ابن سعد وأعوانه ان يمروا بهن على مصارع الشهداء حتى يودعن تلك الأجساد الطاهرة التي صنع أصحابها تاريخاً مشرقاً للأمة الإسلامية عبر الزمن.
لقد وافق عمر ابن سعد على طلبهن، ولكن السؤال هنا: هل نبعت الموافقة من الإنسانية أو من أمر آخر؟
إن للموافقة على طلب النساء ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:يحتمل أن تكون الموافقة على هذا الطلب بداعي الشفقة عليهن لأن ما صنعوه بهن كان كافياً للتشفي والإنتقام.
الوجه الثاني: ربما كانت الموافقة على طلبهن بهدف زيادة الأذى لهن من خلال النظر إلى الأحباب وهم جثث مقطعة وأشلاء متناثرة.
الوجه الثالث: قد تكون الموافقة على طلبهن ليست من باب الشفقة ولا من باب التشفي، وإنما استسلاماً للأمر الواقع ومراعاة لظروف أعوانهم.
وعندما مروا بهن على مصارع الشهداء أخذت يصحن ويبكين ويضربن على وجوههن حزناً على قتلاهن.
وبدأ السير باتجاه الكوفة حيث رايات النصر الموهوم مرفوعة، والناس مهيؤون للإحتفال بانتصار يزيد على الإسلام، لقد غادر الموكب أرض الطف مخلفاً وراءه ما يقرب من مئة جثة، وهي جثث الحسين وأهل بيته وأصحابه، ولم يكن في ركب الحسين(ع) ما يمكن أن يغنمه القوم سوى بعض السيوف المتواضعة، فلم يكن معهم عتاد ولا مال ولا أمتعة، فضلاً عن أنهم لم يكن لديهم طعام أو شراب، ففي معركة كربلاء لم تكن الغنائم مالاً وأسلحة، وإنما كانت رؤوس الشهداء التي تقاتل أفراد الجيش على اغتنامها لأن في إيصالها إلى ابن زياد ويزيد جوائز قيمة.
حَالَةُ أَهْلِ البَيْتِ لَدَى خُرُوْجِهِمْ مِنْ كَرْبَلاء
نساءُ ثكلى وأرامل، وبناتٌ يتيمات، وأولاد أيتام، وإمام مربوط ببطن الناقة في ظل الخوف والعطش والحزن والسب والشتم والضرب وغير ذلك من أشكال العنف التي واجهها أهل الموكب الزينبي يأتي الأمر بالخروج فيسير الموكب مودعاً شهداء كربلاء فتنظر زينب(ع) إلى جثة أخيها الإمام الحسين(ع) مطروحة على رمضاء كربلاء محزوزة الرأس من القفا، فهذه تبكي أباها، وتلك تندب أخاها، وهذه تودع أولادها، ورمال مجبولة بالدماء، وأرض احتوت الأشلاء، وصراخ ورعبٌ وضياع لبعض الأولاد وكان عدد الأولاد معهم ما يزيد على الثمانين وليس معهم رجل يحميهم ويراعي شؤونهن، كيف يا تُرى سيكون الحال؟ لا شك بأنه أسوأ مرحلة تمر بها مجموعة من الناس.
وهم على تلك الحال غادر الموكب أرض كربلاء تاركاً فيها الذكريات الأليمة التي لا يمكن أن تُنسى أبداً.
ومهما حاولنا أن نصوّر تلك الحالة فلن نستطيع بيان الواقع إلا إذا تخيّلنا بأننا كنا معهم أو كنا أحد أفراد ذلك الموكب، ولهذا فلننظر إلى الموكب وكأننا معهم وسوف ندرك الحالة النفسية التي كان عليها النساء والأطفال.
وأبلغ تعبير لهذا الوضع مني هو أن أسكت عن بيان تلك الحالة مراعاة مني لمشاعر بعض القراء.
إِرْسَالُ الرُّؤُوْسِ إِلَى الأُمَرَاءِ
روي بأن رؤوس الأصحاب رضوان الله عليهم قد تقاسمتها القبائل لتتقرب بها إلى يزيد وابن زياد.
فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وهوازن باثني عشر رأساً، وقبيلة بني تميم بسبعة عشر رأساً، وبنوا أسد بستة عشر رأساً، ومذحج بسبعة رؤوس، وسائر الناس بثلاثة عشر رأساً.
لقد تكالبت تلك القبائل على تسليم تلك الرؤوس الشريفة ليزيد وابن زياد بهدف التزلّف لهما ونيل الرضا منهما.
لقد أعمت الدنيا بصائرهم، وأنساهم حب الجاه أنفسهم، فراحوا يبيعون ضمائرهم بأزهد الأثمان وأرخص الأسعار، تلك الأسعار التي كان يحددها الحاكم وليس الناس.
قُبْحُ التَّمْثِيْلِ بِالجَسَد
لقد حرّمت الشريعة الإسلامية التمثيل في جثث الأموات، لأنها تحترم الإنسان حياً وميتاً، وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: لا تمثّلوا ولو بالكلب العقور.
والتمثيل هو التشويه بالجثة بعد موتها، وقد نهانا الرسول(ص) عن المثلة حتى بالحيوان ليكون النهي في الإنسان بشكل أولى وآكد، حيث ليس من شيم الأخلاق الإسلامية ذلك، ولا يدعو الإسلام إلى أي أمر يخرق الأحاسيس الإنسانية، كالعنف والظلم والإهانة وغير ذلك من صفات النقص في الإنسان.
لقد كان التمثيل بالجثة في العصر الجاهلي أمراً عادياً فإن الدليل الأوضح على كون فلان قد نفذ أمر السلطان المجرم بقتل فلان أو فلان هو قطع الرأس، فلم يكن السلطان ليطمئن إلا إذا رأى رأس المستهدَف أمام عينيه.
إن التمثيل ضرب من ضروب الإجرام، ولو رجع العرب إلى عروبتهم لوجدوا بأن المبادئ التي نشأت عليها العرب تحرّم المثلة لأنها توحي بالجبن، حيث لم يكن من الشجاعة أن تجلس على جسد ميت وتقطع رأسه أو يده أو تستخرج كبده كما فعلت زوجة أبي سفيان بجثة حمزة بن عبد المطلب بعد معركة أحد.
لقد كان من عاداتهم أن يقطعوا رأس الظالم بعد قتله ليدخلوا الفرحة إلى قلوب الناس فيتداولون الرأس من بلد إلى بلد مباهاة بالإنتصار الذي حققوه.
ولكن شريعة يزيد بن معاوية كانت شريعة خاصة يباح فيها القبيح، ويحرّم فيها الواجب ويُستقبَح فيها الحسن.
لقد تعامل العرب المسلمون بعد معركة كربلاء مع رؤوس الحسين وأصحابه كما كانوا يتعاملون مع رؤوس الظالمين في الجاهلية بل بشكل أبشع وأفظع.
لقد بالغ يزيد بالمثلة في تلك الأجساد، فلم يكتفوا بقتلها، وإنما أمروا الفرسان بالمرور عليها وطحن عظامها، ولم يشعر يزيد بالإرتواء بعد، فراح يضرب شفتي الرأس الشريف وهو يتبختر في قوله ومشيه مشيراً بذلك إلى كونه قد حقق أعظم انتصار للإسلام، ولكنه في الحقيقة كان انتصاراً للشيطان من خلال الأهداف اليزيدية، وانتصاراً للإسلام حقاً من خلال الأهداف الحسينية.
كانت الأفراد من أعوانه يتقاتلون على حمل الرمح الذي حُمل في أعلاه رأس الإمام الحسين(ع).
مِن أجل مَنْ فعلتم فعلتكم القبيحة؟
على أي شيء حصلتم بعد أن شاركتم في سفك الدماء الطاهرة؟
ماذا أعطاكم يزيد بن معاوية؟
الجواب: لم يعطهم سوى كلام لا يقدم ولا يؤخر، فلم يعطهم ما وعدهم به من المال والجاه، وإنما قتل الكثير منهم لاعتقاده بأن من يجرؤ على قتل الحسين كان من السهل عليه أن يقتل غيره.
لقد ظنوا بأنهم عندما تناقلوا الرؤوس قد أبلوا بلاءاً حسناً، ولكنهم في الحقيقة قد جلبوا العار لأنفسهم في الحياة والنار لها بعد مفارقة هذه الحياة.
الوُصُوْلُ إِلَى الكُوْفَةِ
كان أهل الكوفة مهيئين نفسياً لاستقبال السبايا، فمنهم من كان يعرف الحقيقة وهوية السبايا، ومنهم من كان يجهل ذلك إذ لا نريد أن نظلم المظلوم، وهم بالأمس قتلوا سفير الحسين بعد أن بايعه الآلاف منهم فغدروا به وقتلوه شر قتلة.
لقد غادر موكب السبايا صحراء كربلاء وهم على الحالة التي ذكرناها متوجهين بهم نحو المحطة الأولى(الكوفة) من أجل الإحتفال بانتصارهم المزعوم على الحسين وأصحابه، وعندما شارف الموكب الوصول إلى الكوفة خرج الناس من بيوتهم للنظر إلى السبايا والمشاركة بهذا الإحتفال، ولكن كثيراً من لم يكونوا يعرفون هوية السبايا لأن أعوان ابن زياد كانوا قد نشروا بين الناس مقولة أن السبايا هم نساء وأطفال الخارجين عن الإسلام بخروجهم على مبايعة الخليفة يزيد، فلم يكونوا يعلمون بأن تلك النساء هم نساء رسول الله وحريمه.
لقد أثيرت هذه الدعاية قبل البدء بمعركة كربلاء لأن هناك كثيراً من المسلمين الثابتين على العقيدة الصحيحة كانوا على استعداد للجهاد، ولكن الظروف القاسية قد منعتهم من تحريك أي ساكن، وهم يشكلون قلة قليلة من أهل الكوفة الذين كانوا على علم بما يريد الحسين أن يصنعه، وذلك من خلال ما أخبرهم به مسلم ابن عقيل.
ولكن سرعان ما قضي على تلك الدعاية بفضل السيدة الجليلة زينب بنت علي(ع) التي لم تقابل مجموعة من الناس إلى وبادرتهم بالحقيقة المجهولة، فتحولهم بذلك من أعداء إلى أحباب ومناصرين.
وقد اقترب رجل من الموكب وقال للنساء: الحمد لله الذي قتلكم وأراح البلاد منكم: ولكن هذا الرجل المخدوع عندما عرف الحقيقة أخذ يبكي نادماً على ما قال.
فعندما قارب الموكب مدينة الكوفة خرج الناس للنظر إليهم، أقبلت امرأة من الكوفيات وسألت السبايا: من أي الأسارى أنتن؟
فأجابتها النساء: نحن أسارى آل محمد(ص) فأعطتهن ما يسترن به أبدانهن.
وقد غصت شوارع الكوفة وأزقتها بالناس، ويا له من شعور مرير قد اعترى تلك النسوة العظيمات.
قال بشير الأسدي: فجعل الناس ينوحون ويبكون، فقال الإمام علي بن الحسين(ع) أتنوحون وتبكون من أجلنا؟ فمن الذي قتلنا؟
خُطْبَةُ السَّيِدَةِ زَيْنَبَ(ع) فِيْ أَهْلِ الكُوْفَة
بعد أن اجتمع آلاف الناس حول موكب السبايا إستغلت السيدة زينب(ع) تلك الجموع وتلك الظروف المؤثرة للكشف عن الحقيقة التي لم يكن بعضهم عالماً بها، فأومأت بيدها إلى الناس أن اسكتوا فسكت الجميع ليسمعوا كلامها، فقالت(ع):
الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطاهرين، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر والمكر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة أو الزفرة، وإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم با أهل الكوفة..أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم، وأي كريمة له أبرزتم، لقد جئتم بها صلعاء عنقاء فقماء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض وملئ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الله أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد”
أيها القارئ الكريم.. إنها عبارات كبيرة وكلمات معبرة ومؤثرة والتي إن دلت على أمر فإنما تدل على مدى الظلم الذي ألحقه أهل الكوفة بأهل البيت(ع).
بهذه الكلمات أحدثت العقيلة زينب(ع) ثورة نفسية بداخل الكوفيين الذين تمنوا لو أن الأرض تنشق وتبتلعهم قبل أن يروا زينب(ع) غاضبة عليهم حيث أوحى لهم هذا الغضب بغضب الله عليهم.
لقد شعر الكوفيون بعد هذه الكلمات بحجم الذنب الذي ارتكبوه في حق نبيهم وآله، واستصغروا أنفسهم التي اتبعت الهوى وتخلت عن الهدى.
ماذا يصنعون وقد جرى ما جرى، ماذا يقولون وجسد الحسين مطروح على أرض كربلاء، ماذا يفعلون وقد غضب الله عليهم.
خُطْبَةُ السَّيِدَةِ فَاطِمَةَ الصُّغْرَىْ فِيْ أَهْلِ الكُوْفَة
لم يقف الأمر عند كلام السيدة زينب(ع) فقد تتالت الكلمات العلوية كصواعق نزلت على رؤوس أهل الكوفة.
وقد تحدثت النساء من منطلق قوي، فلم يضعفن أمام ابن سعد وأعوانه، ولم تؤثر تلك الظروف على بلاغتهن وفصاحتهن لأنهن ثمرة أهل البيت(ع).
لقد نقل المؤرخون تلك الخطب لكونها من المستندات الأساسية التي يُعتمد عليها في الحكم على بني أمية، فإن السبايا أصدق مورد لمعرفة الحقيقة لأنهن شاهدن بأعينهن وسمعن بآذانهن كا ما جرى أو قيل في كربلاء، وما قالته تلك النسوة فهو الصحيح الذي يجب الأخذ به والإعتماد عليه.
فبعد أن أنهت السيدة زينب ابنة علي عليهما السلام كلامها قامت فاطمة الصغرى فخطبت في الناس خطبة لم تكن بأقل شأناً من خطبة العقيلة(ع) وبعد مقدمة طويلة قالت فاطمة الصغرى:
” أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخُيَلاء، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، وأكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمد(ص) على كثير ممن خلق تفضيلاً بيّناً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأننا اولاد ترك أو كابُل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم افتراءاً على الله، ومكراً مكرتم والله خير الماكرين، فلا تدعُونّكم أنفسكم إلى الجذل فيما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نقرءها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور، تبّاً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حلّ بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين، ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رِجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا، والله قست قلوبكم وغلظت أكبادكم، وطُبع على أفئدتكم، وخُتم على سمعكم وبصركم، وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون، فتباً لكم يا أهل الكوفة، أي تراث لرسول الله قبلكم، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب(ع) جد بنيه وعترته الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال:
نحن قتلنا علياً وبني علي
بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك
ونطحناهم فأي نطاح
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب، افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهرهم، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعا أبوك، فإنما لكل امرء ما كسب وما قدمت يداه، أحسدتمونا ويلاً لكم على ما فضلنا الله تعالى به…الخ ”
أيها القراء الأعزاء.. ما رأيكم بهذه الكلمات الفصيحة والبليغة التي صدرت عن فاطمة الصغرى وهي لا تبلغ من العمر احد عشر عاماً؟
لو تأملنا قليلاً بمنبع هذا الكلام لأدركنا الحقيقة التي نبحث عنها، فلا يكفي العلم لوحده من دون تفكّر وتأمّل.
إن فاطمة الصغرى رضوان الله عليها لم تنبئ بكلامها عن حجم المأساة فقط، وإنما كشفت أسراراً أخرى من أسرار آل محمد، وهي الحكمة التي وضعها الله في تلك الذرية المباركة التي توارثت العلم والحلم والأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة.
أيها القراء..أليس من هوان الدنيا أن تسبى مثل تلك البنات العظيمات والنساء الكريمات؟
خُطْبَةُ أُمِّ كُلْثُوْم
بعد أن أنهت فاطمة الصغرى كلامها وضج له الناس بالبكاء، ولم يستطيعوا الرد على أية واحدة منهن لأنهم علموا بجريمتهم التي ارتكبوها في حق الرسول وآله(ص) قامت إليهم أم كلثوم إبنة أمير المؤمنين(ع) وتابعت البيان والكشف عن الحقائق فقالت:
” يا أهل الكوفة.. سوأة لكم ما لكم خذلتم حسيناً وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتباً لكم وسحقاً، أتدرون أي دواه دهتم، وأي وزر على ظهوركم حملتم، وأي دماء سفكتموها، وأي كريمة أصبتموها، وأي صبية سلبتموها، وأي أموال انتهبتموها، قتلتم خير رجالات بعد النبي، ونُزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إن حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.
قتلتم أخي ظلماً فويل لأمكم
ستجزون ناراً حرها يتوقد
سفكتم دماءاً حرّم الله سفكها
وحرّمها القرآن ثم محمد
كَيْفَ سُمِحَ لِلسَّبَايَا بِالكَلامِ
لو حصل السبي قبل افتعال مجزة كربلاء لما أذن أعوان يزيد لواحدة أن تتكلم، ولكنهم سمحوا لهن لأن كلامهن في نظرهم لن يقدم ولن يؤخر، فما أرادوا فعله فقد فعلوه، فلم يعد هناك خوف من إفشال المهمة.
ثم إن الله تعالى قد أعمى أفئدتهم عمّا يمكن أن يحدث بعد كلام النساء، وقد كان للغيب دور في ذلك.
ولم يكن ابن سعد ليظن بأن الكلام سوف يكون بهذا المستوى من البيان والتأثير على قلوب الناس، ولم يكن بإمكانه أن يسكتهن كيلا يقال فيه: لقد خاف من امرأة، وهذا معيب عند العرب.
ولم يكن قادراً على إسكاتهن لأن الناس هم الذين يريدون سماع كلامهن بهدف حب الكلام.
لقد كانت الأهداف في البداية كما ذكرنا، ولكنه بعد أن تكلمت النسوة بلهجة محمدية وبلاغة علوية وحكمة حسنية وجرأة حسينية فقد انقلبت الموازين لصالح أهل البيت.
فلو منع ابن سعد بنات رسول الله من الكلام لحكم الناس لصالحهن مباشرة، وهذا ما أجبره على القبول كما أُجبر يزيد على صعود زيد العابدين(ع) إلى منبره.
السَّبَايَا فِيْ قَصْرِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَاد
بعد أن أنهت النسوة كلامها أمر ابن سعد بهنّ إلى قصر ابن زياد لمتابعة مراسم الإحتفال بالنصر العظيم.
وقد كان ابن زياد قد أذن لجميع الناس بالدخول إلى قصره في ذلك اليوم ليشاركوه فرحة الإنتصار فاجتمع جمع كبير من أهل الكوفة في قصره ثم أُدخلت السبايا عليه.
ولم يكن ابن زياد قد حسب حساباً لما قد يطرأ على برنامجه، كان يظن بأن الدفّة لصالحه دائماً لأنه الأقوى، فلم يكن يعلم بأن ركب السبايا هو بداية هزيمته وبوادر قتله واقتلاع حكمه الجائر.
لقد جلس ابن زياد على عرشه متبختراً كعادته، وأمر بأن يأتوه برأس الحسين فيوضع بين يديه، هذا والسبايا ينظرن إلى الرأس الشريف أمامهنّ، فجعل ابن زياد ينظر إلى الرأس الشريف ويتبسم بسمة فرحة وتشفّ، وكان يحمل في يده سوطاً فراح يضرب ثنايا الرأس بسوطه ويقول: إنه كان حسن الثغر: ويقصد بذلك الحسين بن علي(ع) ثم قال مستهزءاً : لقد أسرع الشيب إليك أبا عبد الله، يوم بيوم بدر:
وكان الصاحبي أنس بن مالك موجوداً في قصر ابن زياد، فراح يبكي لحال الحسين ويقول: كان أشبههم برسول الله(ص)
كما وحضر المجلس زيد بن أرقم صاحب رسول الله وهو شيخ كبير، فلما رآه يضرب ثناياه قال: إرفع سوطك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله-ما لا أحصيه كثرة- يقبلهما:
ثم انتحب زيد بن أرقم باكياً، فالتفت إليه ابن زياد وقال له: أبكى الله عينيك، أتبكي لفتح الله؟
لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، وعندما سمع زيد من ابن زياد هذا الكلام نهض قائلاً: أيها الناس.. أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة، والله ليقتلنّ خياركم، وليستعبدنّ شراركم، فبعداً لمن رضي بالذل والعار.
ثم قال لعبيد الله بن زياد:لأحدثنّك أغلظ عليك من هذا: رأيت رسول الله(ص) أقعد حسناً على فخذه اليمنى، وحسيناً على فخذه اليسرى، ثو وضع يده على يافوخيهما، ثم قال أللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين.
فكيف كانت وديعة رسول الله عندك يابن زياد؟
ومن كل ما ذُكر هنا أعلق على كلمة من كلام ابن زياد وهي وصف قتل الحسين بالفتح.
هكذا كان ينظر ابن زياد وأميره إلى جرائمهم في حق الإسلام والمسلمين، فلقد قتلوا وظلموا ونشروا الفساد في البلاد واستعبدوا الناس وشربوا الخمر وتعاطوا كل المنكرات باسم الدين والخلافة.
إن الذين يعتبرون قتل ابن بنت رسول الله فتحاً لا شك أنهم لا يعرفون من الحق شيئاً.
لقد فتحوا بهذا الفتح المزعوم أبواب جهنم على حكمهم، وقد كانت أفعالهم القبيحة سبباً في هلاكهم على مستوى الدنيا والآخرة، ولقد كانوا عبرة لمن يعتبر عبر الزمن.
الحِوَارُ بَيْنَ زَيْنَبَ(ع) وَابْنِ مَرْجَانَة
لم يكن حديث العقيلة زينب(ع) مع ابن زياد بأقل شدة مما كان عليه مع أهل الكوفة إذ أنها لا تهاب سوى الله تبارك وتعالى.
وقد كان لهذا الحوار الذي دار بينهما صدى كبير في الوسط الإسلامي حيث كان كلامها معه إثباتاً لأحقية الحسين ونفياً لخلافة يزيد بن معاوية، وأن ما جرى في كربلاء من قبل الأمويين لم يكن من أجل الإسلام وإنما كان على الإسلام، لأن الذي يمثل الإسلام حقاً وصدقاً إنما هو الحسين بن علي(ع) وليس يزيد كما يزعم هو وأعوانه.
لقد ظن بن زياد بأنه سوف يذل زينب في مجلسه، فكان هو الذليل بفضل حكمتها وجرأتها.
يذكر المؤرخون بأن ابن زياد حاول أن يستفز العقيلة زينب(ع) ببعض الأسئلة، ولكنها كانت أقوى منه وأجرأ وأعلم إذ لا نسبة بالوعي والفهم والحكمة بينهما، فمن الطبيعي أن يكون النصر في ذلك لإبنة أمير المؤمنين، وإليكم نص الحوار:
إبن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم.
زينب: إنما يُفتضح الفاسق، ويُكذّب الفاجر، وهو غيرنا يا عدو الله.
إبن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
زينب: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج؟ ثكلتك أمك يومئذ يابن مرجانة.
فعندما سمع ابن زياد أجوبتها انتفض يريد ضربها أو قتلها، فقيل له: إن المرأة لا تؤاخذ بما تقول، ثم تابعا حوارهما:
إبن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.
زينب: لعمري لقد قتلت كلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.
إبن زياد: هذه سجّاعة، ولعمري لقد كان أبوك شاعراً وسجاعاً.
زينب: يابن زياد، ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن نفث صدري با قلت.
أيها القراء الأعزاء.. لو لم تتكلم السيدة الحوراء زينب ابنة علي(ع) بتلك الجرأة والشجاعة لاستطاع ابن زياد أن يسيطر على الموقف، ولكن حكمة زينب حالت بينه وبين ذلك.
وقد لاحظتم من خلال هذا الحوار كيف حاول ابن زياد بألاعيبه الكلامية وخدعه الشيطانية أن يصور للناس بأن هؤلاء السبايا هنّ من أهل بيت عصاة ومردة، ولكن بعون الله تعالى فقد انقلب السحر على الساحر، وفضح الله نوايا ابن زياد على يد العقيلة زينب(ع).
لقد أسست ابنة علي(ع) بكلامها قواعد عامة ثبتت في نفوس الناس، وهي تقضي بكذب يزيد وأعوانه وأحقية الحسين واصحابه حتى أصبح كلامها ميزاناً يفرقون به بين الخير والشر في كل زمان ومكان.
لقد فشل ابن زياد في ذلك الحوار مع أنه عندما بدأ الكلام فقد كان واثقاً من نفسه وظاناً بأنه الأقوى حيث لم يكن يعلم مستوى زينب(ع)، ولأجل ذلك أوقف الحوار كيلا تتضح الفضيحة أكثر واتهمها بالسجاعة فأفهمته وكل الحاضرين بأن الوضع التي هي عليه لا يسمح لها بالسجاعة، وإنما نبع الكلام من واقعها الأليم، ولأجل ذلك حوّل الحوار بينه وبين زين العابدين فكانت النتيجة عليه وخيمة لأنه رأى من كلام الإمام السجّاد(ع) ما لم يكن يتوقعه.
حِوَارُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَاد مَع الإِمَامَ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ(ع)
بعدما كُتب عليه الفشل في حواره مع زينب أراد أن يحاور زين العابدين(ع) كي يرجح الأمر لصالحه، ولكن ما كان، لم يكن بمستوى ما يهدف إليه لأن حواره مع الإمام السجاد(ع) قد زاد الطين بلة وزاده عاراً فوق العار الذي هو عليه.
إبن زياد: أليس قد قتل الله علياً؟
الإمام: كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس.
إبن زياد: بل قتله الله.
الإمام: ألله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها.
إبن زياد: أو لك جرأة على رد جوابي؟ ثم أمر ابن زياد بضرب عنق الإمام(ع).
وهنا لعبت السيدة زينب(ع) دوراً مهماً حيث حفظت الإمام السجاد من القتل، وعندما سمعت زينب أمر ابن زياد القاضي بقتل ابن أخيها زين العابدين فتعلقت به، فقالت يابن زياد حسبك ما أبديت من دمائنا إنك لم تبق منا أحداً، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني قبله، فقال زين العابدين لعمته زينب: أسكتي يا عمة حتى أكلمه، ثم أقبل(ع) على ابن زياد وقال له: أبالقتل تهددني يابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة.
ثم أمر ابن زياد بإخراج الإمام السجاد من داخل القصر.
وَيَنْتَهِي الإِحْتِفَالُ فِيْ الكُوْفَةِ
بعد أن جالوا بركب السبايا في شوارع الكوفة وأزقتها، وشفى اليزيديون صدورهم بالإنتقام من رسول الله وأهل بيته(ع) ودار ما دار بين الركب والمحتفلين بهذا الإنتصار، اختتم هذا الإحتفال بهزيمة بن زياد وأعوانه.
لقد شعر ابن زياد بحجم الخطر الذ يتهدد عرشه وحكمه إن أبقى زينب وابن أخيها في الكوفة ساعة أخرى لأنهما سوف يحدثان ثورة كبرى ضد الحكم الأموي الغاشم.
أمام تلك الظروف الخطيرة بعث ابن زياد برسالة إلى أميره يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين وأصحابه وما فعل بالسبايا، فأمره يزيد بإرسال السبايا إلى الشام ليتم بذلك مراسم الإحتفال بهذا الإنتصار الذي كان بوابة هزيمتهم وهم لا يشعرون.
مُغَادَرَةُ الكُوْفَةِ
بعد وقت صعبٍ قضاه السبايا في الكوفة أمر أميرها بإرسالهن والإمام زين العابدين إلى الشام ليحتفل يزيد بهزيمتهن وسبيهن، وكما مهّد ابن زياد طريق إذلال السبايا وحرّض الناس عليهنّ ليكون ذلك دعامة لجريمته التي ارتكبها في حق الحسين وأهل بيته وأصحابه، من باب المثل الشعبي الشهير(ضربني وبكى وسبقني واشتكى) فكذلك صنع المسؤول الأول عن تلك الجريمة البشعة يزيد بن معاوية الذي بثّ في الأوساط الشامية دعايات كاذبة تهدف إلى إسقاط الحسين في نظرهم ليكونوا عوناً ليزيد على متابعة طريقه ضد الحق.
لقد بثّ عيونه وجواسيسه لبث تلك الدعايات خوفاً من أن تنقلب الموازين لصالح أهل البيت عندما يرون حالة السبايا.
لقد زرع يزيد في نفوس الناس أفكاراً شيطانية تمس بكرامة أهل البيت وتنفّر القلوب منهم حيث اتهمهم بالظلم وليس كمثله ظالم، واتهمهم بالعصيان والتمرد، وإن الذي يتمرد على الباطل لا يكون متمرداً وإنما مجاهد في سبيل الله تعالى.
لقد تهيأ الناس في الشام للحذر من تلك العصبة التي وصفها يزيد بالمجرمة والمتمردة واستعدوا لرضخهم بالحجارة ومشاركة الخليفة يزيد بمعاقبتهم ليكونوا عبرة لغيرهم ممن يفكر يوماً في مواجهة الحكم المتمثل بيزيد.
ولكن الواقع الذي رآه أهل الشام كان مختلفاً تماماً مع ما صوره يزيد لهم حيث رأوا نساءاً ثكلى وأطفالاً قد أيتمتهم معركة كربلاء، فلم يروا في وجوههم أثراً من آثار الإجرام والعصيان والتمرد كما وصفهم يزيد.
لقد رأوا وجوهاً ملائكية، وسمعوا كلاماً نبوياً، وشاهدوا أخلاقاً رسالية عالية.
لقد شاهدوا أشخاصاً مظلومين، ولم يروا ظالمين كما قيل لهم، ولأجل ذلك انقلبت الموازين لصالح الإمام الحسين(ع).
إِرْسَالُ السَّبَايَا إِلَى الشَّامِ
لم يكن ما واجهه موكب السبايا في الكوفة كل شيء، وإنما كان ينتظرهم من الأذى المادي والمعنوي ما هو أشد مما رأوه في الكوفة، لأن أهل الشام ليسوا بأرأف بهن من أهل الكوفة.
فإذا كانت الكوفة تحت سيطرة ابن زياد الظالم فإن الشام تحت سيطرة يزيد الأظلم.
فبعدما تشفى ابن زياد بأهل البيت وأمر بأن يُمَرَّ بهنّ في أزقة الكوفة تابع مسلكه القبيح بإرسال كتاب للطاغية الأكبر يزيد بن معاوية يخبره فيه عن قتل الحسين وسبي نسائه، فأمره يزيد بأن يرسل له السبايا ليضيف إلى الأذى الذي ألحق بهم أذى آخر، ويحمل معه رأس الحسين ورؤوس الأصحاب كعلامة على انتصارهم.
فانطلقوا بالموكب نحو مركز الخليفة الظالم وقد استعد أهل الموكب المظلوم أهله إلى مواجهة الأمر بكل حكمة ووعي وتدبر لأن الأمر لا يقف عند حدود السبي أو المرور بهن على أكبر عدد ممكن من الناس، ولكن الأمر هو رسالة تريد زينب الحوراء أن توصلها إلى أكبر عدد ممكن من المسلمين.
انطلق موكب السبايا وفي مقدمته رأس أبي عبد الله(ع) وقد كان كل ما واجهه السبايا من ظلم وضرب وإهانات في كفة، والنظر إلى الرأس الشريف في كفة أخرى، وكأن وضعه أمامهن كان بهدف الإيذاء النفسي.
لقد انطلقوا بهن وقد أجهدهن التعب وأنهكهن السفر فمضوا وقتاً طويلاً في السير من دون راحة لأن أمر يزيد كان مستعجَلاً.
وبعد مسير طويل أشرف الموكب على الوصول للشام.
المُرُوْرُ بِمَدِيْنَةِ تَكْرِيْت
عندما وصل موكب السبايا إلى مدينة تكريت كتب شمر ابن ذي الجوشن إلى حاكمها أن يخرج مع أهلها لاستقبال سبايا الخوارج ورأس قائدهن، ولما وصل الكتاب إلى حاكم المدينة نشر أعلام الفرح وخرج مع الناس للإحتفال بهذا الإنتصار ضد ما أطلق عليهم(الخوارج)
وعندما وصل الحاكم ورفقاؤه إلى مكان موكب السبايا سأل عن صاحب هذا الرأس الموضوع في المقدمة؟
فقيل له: هو رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، فاستنكروا الحادث وأنزلوا أعلام الفرح التي نشروها، وضربوا نواقيس الحزن ونصبوا أعلام الحزن.
لم يصنع شمر بن ذي الجوشن هذا في تكريت فقط وإنما كان يصنع ذلك في كل بلدة يمر بها ليؤلّب الناس ضد أهل هذا الموكب، ولكن الناس كانوا يتراجعون عندما يعلمون بأن السبايا هم آل محمد(ص) وأن صاحب الرأس المحمول على الرماح هو رأس الحسين بن علي.
وكان كلما استنكِر عليه فعله من قبل أهل البلدات كان يسرع بالخروج كيلا يثور عليه الناس.
وكان إذا قدّم الناس شيئاً من الطعام والثياب للسبايا كان يأخذها ويمنعهم منها.
ويذكر المؤرخون بأنّ سكينة بنت الحسين(ع) كانت كلما رفعت رأسها رأت رأس والدها فوق الرمح فترفع صوتها بالبكاء، هذا بالإضافة إلى تعبها من طريق السفر الطويل، فوجّه لها الحادي إنذاراً وأمرها بأن توقف البكاء، ولكنها لم تتمالك نفسها فرمى بها من على راحلتها في الصحراء ليلاً.
فجعلت سكينة تصرخ وتستغيث فسمعت العقيلة زينب صراخ سكينة فرمت بنفسها من على ظهر الناقة وراحت تبحث في تلك الليلة المعتمة عن ابنة أخيها فوجدتها وأرجعتها إلى الراحلة.
مَوْكِبُ السَّبَايَا يَصِلُ إِلى مَدِيْنَةِ المُوْصِل
عندما اقترب الموكب من مدينة الموصل فعل شمر ما فعله في تكريت، فكتب إلى حاكم الموصل بأن يتهيّأ لاستقبال موكب الخوارج من أجل الإحتفال بنصر يزيد عليهم، وكان في الموصل رجل يعرف حقيقة الأمر فصاح في أهل الموصل قائلاً: يا قوم..ليس هذا برأس خارجي، وإنما هو رأس ابن بنت نبيّكم، وهؤلاء السبايا بنات رسول الله(ص) فلما سمع أهل الموصل هذا الكلام غضبوا على يزيد وأعوانه وخرجوا لقتال شمر وأخذ الرأس الشريف منه، ولما علم شمر بذلك سار مسرعاً قبل أن يدركوه.
الوصول إلى مدينة حلب
كان حاكم حلب من الموالين ليزيد بن معاوية، ولذلك عندما وصله كتاب شمر أمر بأعلام الفرح وقرع الطبول، واستقبلهم استقبالاً عظيماً وكرّمهم غاية التكريم، وقضوا في مدينة حلب ثلاثة أيام ثم تابعوا السير نحو الشام.
أهل قنسرين يغلقون أبواب مدينتهم
ذكر صاحب كتاب(الدمعة الساكبة) أنه عندما بلغ أهل قنسرين كتاب شمر أدركوا بأنها كذبة من أكاذيبه هو وأميره يزيد بن معاوية، فأغلقوا باب مدينتهم ولعنوا يزيد وأعوانه على ارتكابهم تلك الجرائم في حق النبي وآله.
وقد قيل بأن أهل قنسرين خرجوا إلى الموكب ودارت معركة بينهم وبين شمر وأعوانه بهدف حماية السبايا وأخذ الرأس، ولكن شمراً أمر رجاله بالهروب كيلا يخسروا الرأس فيحرمهم يزيد من الجائزة ويعاقبهم على ذلك.
في مدينة حمص
لم يلق الشمر ترحيباً من أهل مدينة حمص، وإنما لقي منهم اللعن والتوبيخ، وقد أغلقوا باب المدينة في وجهه ومنعوه من الدخول إليها والإحتفال فيها برأس الحسين والسبايا.
في مدينة حماه
تابع الموكب سيره باتجاه مدينة حماه التي صنع أهلها مع الشمر ما صنعه أهل حمص.
راهب حماه
لو أردنا أن نحصي الإستنكارات التي صدرت من الرهبان لوجدناها كثيرة جداً لأن الجريمة التي ارتكبها يزيد في حق الحسين لم تكن جريمة في نظر الدين الإسلامي فقط، وإنما كانت جريمة إنسانية يستنكرها كل صاحب ضمير من المسلمين وغيرهم.
فعندما أغلق أهل مدينة حماه باب مدينتهم في وجوه الظالمين وقف الموكب أمام صومعة الراهب، فسمع الراهب أصواتاً وضجيجاً فنظر فإذا به يرى ما رآه كثير من الناس فنزل وسأل عن قائد الموكب فأرشدوه إلى شمر بن ذي الجوشن.
تقدم الراهب من شمر وسأله عن صاحب هذا الرأس فقال له: إنه رأس خارجي خرج على يزيد فقتلناه، فقال الراهب: وما اسم صاحبه؟ فقال شمر: الحسين بن علي، وعندما سمع الراهب ذلك خرّ مغشياً عليه من هول تلك الجريمة التي ارتكبها الناس في حق ابن بنت نبيهم، فلما أفاق الراهب قال للشمر: أعطني هذا الرأس قليلاً، فقال الشمر: لا أعطيك الرأس إلا إذا أعطيتنا الجائزة، وهي عشرة آلاف درهم، فدخل الراهب إلى الصومعة وأحضر المال المطلوب، ثم أخذ الرأس الشريف وهو يبكي ويقول: لعن الله قاتليك وظالميك، ثم نطق هذا الراهب بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم أرجع الرأس إلى شمر بن ذي الجوشن.
قبل دخول الموكب إلى الشام
كان كلما تقدم الموكب خطوة نحو الشام كلما ازداد الحزن وعظم الأسى عليهم لأنهم سوف يواجهون أكثر مما واجهوه في الكوفة، وكانت كل خطوة باتجاه الشام تبعدهم عن الأجساد الطاهرة التي خلّفوها وراءهم في كربلاء.
قبل الدخول إلى دمشق أقبلت أم كلثوم من شمر بن ذي الجوشن تطلب منه طلباً إنسانياً، ولكنه لم يكن إنساناً حتى يلبي مثل هذا الطلب لأنه كان وحشاً بصورة إنسان.
قالت له أم كلثوم: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في طريق قليل النّظّارة، وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال.
فأمر في جواب سؤالها أن يجعلوا الرؤوس على الرماح، فلم يستجب لطلبها، وإنما راح يصنع كل ما يدخل الأذى على قلوبهن.
وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على انعدام الإنسانية في داخلهم.
وقد اختار الطرق الغاصة بالنظّار وسار بهم بين تلك الجموع بهدف الإهانة والإذلال.
وعندما اقتربوا من دمشق كتب شمر إلى يزيد بن معاوية باقترابه من المدينة فأمر يزيد أهل الشام بأن يظهروا الزينة والفرح والسرور لاستقبال الموكب، وأمر بتجهيز الجيش وخروجهم لاستقبالهم.
الوصول إلى الشام
بين العراق والشام مسافات شاسعة وطرق طويلة تنشق لها أكباد المسافرين، وبالأخص من كان يحمل منهم الهموم والأحزان، فإن ذلك يجعل الطريق أطول وأشق وأمر، وبعد هذا المسير المتعب الذي كان يحتاج من الوقت شهراً وصل موكب السبايا إلى الشام في خلال عشرة أيام يتقدمه الرؤوس الشريفة، وفي مقدمتها رأس الإمام الحسين بن علي(ع) وأعوان يزيد يرقصون من شدة الفرح ويتسارعون لحمل الرماح التي وضعت في أعلاها تلك الرؤوس المظلوم أصحابها.
وقد كانت النساء والأطفال في وضع مزري لا يحسدون عليه، حيث كانوا فرجة لمن يرغب بالنظر إليهم، وموضعاً للشتم والضرب لمن سوّلت له نفسه ذلك.
لقد أتى بهم شمر بن ذي الجوشن باب دمشق فأوقفهم أمام المسجد الجامع حيث يقام السبي.
حوار بين زين العابدين(ع) والشيخ الشامي
جاء شيخ شامي ودنا من نساء الحسين وعياله وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين(يزيد) منكم، فقال له الإمام زين العابدين(ع): يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال نعم، قال(ع) فهل عرفت هذه الآية(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت في بني إسرائيل(وآت ذا القربى حقه) فقال الشيخ قد قرأت، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية(فاعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) قال الشيخ نعم، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال(ع) نحن أهل البيت الذين خصنا الله بآية التطهير، فسكت الشيخ نادماً على ما صدر منه تجاه أهل البيت(ع) ثم التفت إلى زين العابدين(ع) وقال: بالله عليك..أنتم هم؟ فقال(ع) إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله، فبكى الشيخ ورمى عمامته على الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: أللهم إنّا نبرأ إليك من عدو آل محمد من جنّ وإنس، ثم قال الشيخ للإمام:هل لي من توبة؟ فقال(ع) نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا: فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ مع الإمام السجّاد(ع) فأمر بقتله فقُتل.
سهل الشهروزي
وهو من الذين شهدوا ظلم يزيد لموكب السبايا في الشام حيث كان حاضراً أثناء دخول الموكب.
يقول هذا الرجل: كنت حاضراً عند دخولهم إلى دمشق، فنظرت إلى السبايا فإذا فيهم طفلة صغيرة على ناقة مهزولة، وهي تقول: وا أبتاه وا حسيناه، ثم نظَرَت إليَّ وقالت لي: أما تستحي من الله وأنت تنظر إلى بنات رسول الله؟ فقلت لها يا بنية والله ما نظرت إليكم نظرة أستوجب بها التوبيخ، فقالت: من أنت؟ قلت أنا سهل الشهروزي قد كنت في زيارة جدك رسول الله، فهل لك من حاجة يا سيدتي؟ فقالت إن كان معك شيء من الدراهم فأعط حامل الرأس وقل له أن يتقدم برأس أبي الحسين أمامنا حتى تشغل الأنظار إليه عنّا فقد خزينا من نظرة الناس إلينا.
كرامة من كرامات الرأس الشريف
اجتمع الناس للإحتفال بهذا النصر المزعوم فرحين مستبشرين، فمرّ حامل رأس الحسين أمام نسوة شاميات قد اجتمعن للمشاركة في هذا الإحتفال، وكان من بينهن امرأة عجوز محدوبة الظهر، فحملت بيدها حجراً ورمت به الرأس المبارك، فرأتها أم كلثوم فدعت عليها وقالت: أللهم أهلكها: فوقعت العجوز من على الروشن الذي كانت واقفة عليه وماتت على الفور.
موكب السبايا أمام قصر يزيد
لقد أُدخل الموكب من باب جيرون ووقفوا بهم على باب قصر يزيد، وكان الإمام زين العابدين(ع) موثقاً بالقيود، والنساء مربطات بالحبال واحدة بالأخرى، وعندما نظر بن معاوية إليهم ابتسم وقال:
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح
فلقد قضيت من النبي ديوني
ثم دخل شمر إلى القصر وقال ليزيد: إن السبايا والرؤوس واقفون أمام باب القصر: فأمره بأن يدخلهم حتى ينظر إليهم ويشمت بهم.
فخرج الشمر وأخذ الرأس الشريف فغسلّه وطيبه ووضعه في طشت من الذهب وأُدخل الرأس إلى يزيد، وقال حامله:
أنا صاحب الرمح الطويل المهند
أصول به على الأعداء في كل مشهد
طعنت به في بني محمد
كي أرضي به مولانا يزيد المؤيد
فأخذ يزيد الرأس ووضعه بي يديه وقال:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
قد قتلنا القرم من ساداتها وعدلناه ببدر فاعتدل
ثم طرد يزيد شمر بن ذي الجوشن من مجلسه ولم يعطه الجائزة، وقد خسر الدنيا والآخرة.
وبدأت المواجهة
بعد احتفال أهل الشام بوصول الرؤوس والسبايا إنتهى الموكب داخل قصر يزيد الذي بدت عليه ملامح الفرح والسرور، ولم يكن ذلك فرحاً بالإنتصار لأنه في قرارة نفسه لم يكن مقتنعاً بكونه منتصراً، وإنما كان ذلك فرحة الإنتقام بدليل مخاطبته للرأس قائلاً: وقد قضيت منك كل دين.
ففي داخل القصر بدأت المواجهة الثانية بين الحق والباطل، وبدأت ثمار الثورة الكربلائية تظهر منذ ذلك الحين، فلقد كانت المواجهة الكلامية بين يزيد وزين العابدين أشد على يزيد من المواجهة العسكرية في كربلاء، حيث لم يكن أثر كلام الإمام بأقل من أثر الدماء التي سفكت ظلماً على أرض الطف.
فقال الإمام زين العابدين(ع) ليزيد بن معاوية: يا يزيد فما ظنك برسول الله لو رآنا ونحن على هذه الحالة وسألك، فما يكون جوابك؟
فأمر يزيد بفك الحبال عنهم، وطلب من السبايا أن يجلسوا على الأرض، ثم راح يتنصّل من دم الإمام الحسين ويقول: ما علمت بقتل الحسين ولا بخروجه من مكة، لعن الله ابن زياد، لو كان بينكم وبينه قرابة ما صنع معكم هذا العمل.
ثم نزع الستار عن الرأس الشريف، ولمّا رأته زينب(ع) بكت ونادت بصوت حزين: واأخاه واحسيناه يل حبيب رسول الله يابن مكة ومنى يابن زمزم والصفا يا أخاه يعز على رسول الله أن يراك على هذه الحالة.
وقد أبكت كل من حضر ذلك المجلس.
ورغم هذه الكلمات المؤثرة التي أبكت الجميع لم يخشع قلبه ولم يتأثر لتلك الحادثة الإنسانية، إذ كيف يتأثر وهو الذي أمر بارتكاب الجريمة، فأخذ عود الخيزران وراح يحرك به شفتي الرأس الشريف بهدف التشفي والتحقير.
موقف أبي برزة الأسلمي تجاه ممارسات يزيد
لو كان يزيد بن معاوية يدرك عواقب الأمور لما أقدم على قتل الإمام الحسين(ع) ولكن كرهه لآل الرسول قد أعمى بصيرته عن التأمل في عاقبة فعله.
لقد فتح على نفسه أبواب جهنم من خلال محاولته لإذلال السبايا وزين العابدين(ع) لأنه واجه مشاكل كثيرة أطاحت بدولته وحطمت عرشه الذي قام على الظلم.
فبعدما ضرب شفتي الإمام الحسين(ع) بقضيب الخيزران قام رجل من الحاضرين يدعى(أبو برزة الأسلمي) وقال ليزيد: ويلك يا يزيد، تنكث ثنايا الحسين وكان جده يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول لهما: أنتما سيدا شباب أهل الجنة أحب الله من أحبكما وقاتل الله من قتلكما: فغضب يزيد على الأسلمي غضباً شديداً وأمر بضربه وإخراجه من المجلس.
موقف لإحدى نساء الشام الصالحات
وهي هند بنت عبد الله من بني هاشم.
قال سهل الشهروزي: بينما نحن جالسون عند يزيد وإذا بامرأة تدخل مجلسه وهي ترفل باذيالها فأقبلت ووقفت بين يدي يزيد فقالت له: ما هذا الرأس؟ قال لها: هذا رأس الحسين، فقالت: يعز والله على جده وأبيه وأمه وأهل بيته، والله لقد رأيت الساعة وأنا نائمة كأن أبواب السماء قد فتحت وهبط منها خمسة من الملائكة بأيديهم كلاليب من النار وهم يقولون: أمرنا الله بإحراق هذا الدار ولكن صبرنا حتى يخرج منها آل رسول الله، فقال لها يزيد: ويلك أنت في ملكي ونعمتي وتنطقين بهذا الكلام؟ فقالت: نعم، أتكلم الحق وأنكر الباطل، بجده وأبيه قد هدانا الله وأنقذنا من الضلالة والجهالة، فقال يزيد: والله لأقتلنّك شر قتلة أو تتبرئين منه وتسبيه هو وأباه وأخاه، فقامت وقالت:أيها الناس إن يزيد يأمرني أن أسب علياً وأولاده وهو الساقي على الحوض غداً، ولواء الحمد بيده، وولداه سيدا أهل الجنة، فاسمعوا ما أقول: ألا لعنة الله على يزيد ولعنة اللاعنين على كل ساع في قتل الحسين وأهل بيته، وصلاة الله وسلامه على علي وعلى أولاده وأهل بيته الطاهرين.
وبعد تلك الكلمات العظيمة أمر يزيد بقتلها فقتلها وأخفى أثرها، وقد كان لتلك الحادثة أثر عظيم في نفوس الناس حيث ازدادت بذلك حقيقة يزيد وضوحاً وجلاءاً.
زينب(ع) تهز عروش الأمويين
كانت نظرة العرب للمرأة مختلفة عمّا أصبحت عليه بعد أن رأوا الدور الذي قامت به النساء الصالحات، ومنهن زينب بنت أمير المؤمنين علي(ع) تلك البطلة المجاهدة التي أنارت التاريخ بمواقفها البطولية ومحطاتها الجهادية حيث لعبت دوراً مهماً في عملية حفظ الدين وأهله بعد استشهاد أخيها الحسين(ع) في كربلاء.
لقد تابعت السيدة زينب مسيرة جدها وأبيها وأمها وأخويها فأتمت ما بدأ به الحسين، وتحملت تلك المسؤولية الكبرى بعده، ولم تكن مسؤولية حفظ النساء والأطفال فقط، وإنما كانت مسؤولية حفظ الدين والأمة.
ولو نظرنا إلى المواقف التي اتخذتها ضد أعداء الدين والإنسانية لأدركنا حجم دورها تجاه هذا الدين العظيم، وأنها العامل الثاني بعد أخيها من عوامل حفظ الإسلام.
ونحن كمؤمنين بها نعتقد بأن يزيد ابن معاوية لو كان على علم بجوهر زينب وجرأتها لما أتى بها إلى قصره وجال بها المدن والبلدات لأنها لم تدخل بلدة إلا وأحدثت فيها ثورة ضد يزيد وحكمه الجائر.
لقد ثارت زينب ضد يزيد وكانت ثورتها إكمالاً لثورة أخيها الحسين(ع) لأنها قامت بمهمة الإكمال هي وزين العابدين بعد أن قام الإمام الحسين بمهمة التنفيذ.
لقد بدأت الثورة الزينبية من قصر يزيد، وذلك بعد أن خطبت هناك خطبة كشفت بها الحقائق وفضحت بها يزيد بن معاوية وأعوانه، فحركت المشاعر الإنسانية والدينية في داخل المسلمين، وحثتهم على التحلي بالجرأة في وجوه الظالمين.
وقد نجحت في تنفيذ المهمة حيث ثار الناس ضد الظالمين واقتلعوا الحكم اليزيدي من جذوره.
لقد دخلت قصر يزيد وهي حزينة ومكبلة بالحبال، وخرجت منه منتصرة بعد أن أحدثت ثورة نفسية في قلوب الجميع.
دخلت القصر وبعض الناس ينظرون إليها من منظار الشفقة، وخرجت وهم ينظرون إليها من منظار الإجلال والإكبار.
خطبة السيدة زينب(ع) في قصر يزيد
خطبت عقيلة بني هاشم خطبة غيّرت بها مجرى التاريخ، وأصلحت بها ما فسد من أمور الدين، حيث شفت القلوب بالحقيقة، وروت الأنفس بعذوبة كلامها فظن الناس بأن علياً(ع) هو الذي يتكلم، وذلك لقرب منطقها وبلاغتها من منطقه وبلاغته.
ولم تقف(ع) موقف المدافع عن حق شخصي، ولم تهدف بكلامها إلى التشفي، وإنما وقفت موقف المدافع عن الحق والدين، فقالت عليها السلام:
” الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، وصدق الله سبحانه حيث يقول(ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوء أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون) أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت بعطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، لا تطش جملاً، أنسيت قول الله تعالى(ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين) أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والشريف والدني، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف ترتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يُستبطَئ من بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف، والشنآن والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم داعياً بأشياخك، ليت أشياخي ببدر شهدوا، منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكثها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد(ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، أتهتف بأشياخك.. زعمت أنك تناديهم، فلتردنّ وشيكاً موردهم، ولتودّنّ أنك شُللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت، أللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا، فوالله يا يزيد ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك، ولتردنّ على رسول الله(ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقهم(ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبجبريل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً، ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي مطروحة في كربلاء، تنتابها العواسل، وتعفوها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنّ وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما ربك بظلام للعبيد، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة”
أبرز ما ورد في هذه الخطبة
كل الخطبة عظيمة، وجميع عباراتها جليلة، وكل ما ورد فيها كان يحمل في طياته الخير للمعتبرين بهذا الكلام الذي لا يصدر إلا عن أهل النبوة، وزينب(ع) سليلة بيت الوحي والنبوة.
ولقد كان الأجدر بالمؤرخين أن يخطوا عباراتها بحروف من ذهب، فهي خلاصة الحق والحقيقة، وعصارة جوهر الإسلام، وثمرة من ثمرات القرآن.
كان جديراً أن يخطوها بحروف من نور، ويزينوا بها التاريخ، فقد كانت عبارات معجزة أنبأت عن عظمة أهل البيت حيث صدرت منها في تلك الظروف التي يجمد عندها الفكر، ويكل أمامها اللسان.
لقد أنبأت تلك العبارات عن أشياء عظيمة ينبغي الوقوف عليها من باب لفت النظر إلى أهميتها.
أولاً: لقد لاحظ الجميع تلك الجرأة التي تكلمت بها هذه المرأة المنكوبة، مما يؤكد لهم كونها على حق، فلو لم تكن كذلك لما استطاعت أن تتكلم بتلك الجرأة النادرة.
ثانياً: كان كلامها كلام المستميت في سبيل هدف راق وقضية كبرى، تلك القضية عندها كانت قضية الحق المطلق.
ثالثاً: لم يكن تحقيرها ليزيد استفزازاً، وإنما كان واجباً تؤديه من أجل جلاء الصورة لمن كان ظاناً بكونه على حق، فلقد هزأته وفضحته وذكرت أسلافه بسوء، ولم يستطع أن يفعل معها شيئاً، فقد دل هذا الوضع على كونه ملاماً، إذ لو لم يكن مذنباً لما سكت لكلامها الذي كان بمثابة صاعقة نزلت على رأسه.
فإن قيل بأنه لم يقتلها لكون المرأة لا تقتل بكلامها، فلقد قتل امرأة قبل أن تبدأ السيدة زينب بكلامها، تلك المرأة التي أخبرته بالمنام الذي رأته ثم صلّت على النبي وآله وتبرأت من يزيد وأعوانه فأمر بضرب عنقها.
لم يكن المانع من قتل زينب أنوثتها، وإنما كان المانع هي الحقيقة الواضحة التي لم يكن لأحد أن ينكرها في ذلك المجلس، فلقد سكت يزيد وسكت من كان يحرضه ويوسوس له.
رابعاً: لقد كشفت عن سبب ارتكابه للجرائم البشعة في حق أهل البيت ومن اتبعهم من المؤمنين.
خامساً: أنبأته بالمصير الأسود الذي سوف يواجهه، وقد واجه ذلك المصير السيء.
سادساً: لقد أرعبه تهديدها الواضح فأحدث ذلك في نفسه خوفاً، ولأجل ذلك بدأ بتغيير سياسة العنف ضد آل الرسول من أجل المحافظة على وجوده، غير أن أساليبه لم تنجح، فباءت بالفشل الذريع وقُتل شر قتلة.
سابعاً: لا شك بأنه كان لفصاحتها وبلاغتها أثر في نفوس القوم الذين تذكروا بمنطقها أمير المؤمنين علياً(ع).
أحداث ما بعد خطبة العقيلة زينب(ع)
لقد أحدث كلام زينب(ع) ثورة في داخل نفوس الناس حيث كشفت لهم الحقائق، وذكّرتهم بالماضي الذي كانوا عليه قبل مبعث جدها(ص) وكيف منّ الله تعالى عليهم بمحمد بن عبد الله الذي أنقذهم من العمى والضلال بعد أن كانوا على شفير الهاوية.
لقد أحدث كلامها زلزالاً في عروش الظالمين حيث أشعرتهم بأن أصحاب الضمائر الحية ما زالوا موجودين، وأن خطرهم على الظلم كبير، وقد وضعت بهذا الكلام حدوداً لتجاوزات الحكام الظلمة حيث جعلتهم يحسبون لأفعالهم وأقوالهم ألف حساب قبل أن يقدموا عليه.
لقد كان كلاماً نافعاً على مستوى الأمة كلها ليس في زمن يزيد فقط، وإنما في كل زمان ومكان.
ونحن بدورنا نستخلص عدة فوائد من تلك الخطبة العظيمة:
الفائدة الأولى: تحريك القوى الإيمانية في داخل المسلمين.
لم يكن أهل الشام ملحدين أو مشركين، وإنما كانوا مسلمين ومؤمنين بالله ورسوله، غير أن الطاغية يزيداً هو الذي زرع الشك والوهم في قلوبهم فأعمى لهم بصائرهم تجاه مسؤولياتهم الدينية تجاه ربهم وأسرهم وأخوانهم في الدين، وبالأخص تجاه أولي الأمر الذين تجب طاعتهم.
لقد ظنّ يزيد بن معاوية بأنه من خلال تلك القوة التي يتمتع بها سوف يسيطر على الأرواح والعقول والنفوس، ولكنه كان مخطئاً في ظنه وتفسيره، وذلك لوجود أشخاص لا ترهبهم الكثرة، ولا ترعبهم القوة، ولا يستطيع أحد من الناس أن يجردهم من مشاعرهم الدينية والإنسانية.
إن هناك فرقاً واضحاً بين أن يسكت الإنسان حفاظاً على نفسه وماله وعياله، وبين أن يتخلى عن مبادئه أمام الخوف والرعب.
إن كثيراً من المسلمين آنذاك لم يتخلوا عن دينهم، ولكنهم لم يعرفوا كيف يتصرفون معه بسبب تلك الضغوط التي كانت تواجههم بين الفينة والفينة من قبل يزيد وأعوانه الذين قام وجودهم على ظلم الناس.
الفائدة الثانية: تهييج المشاعر الإنسانية التي ترفض بطبعها منطق العنف.
ويدلنا على وجود هذه الفائدة وقوف رسول قيصر في وجه يزيد وتوبيخه على تلك الجريمة البشعة التي ارتكبها في حق ابن بنت نبيّه.
فلو حكمنا على فعل يزيد من باب الإنسانية المجردة عن أحكام الأديان لتبين لنا قبح فعله النادر.
الفائدة الثالثة: تحقير يزيد في نفوس الناس.
لقد حطمت السيدة زينب(ع) بكلامها الجريء شخصية يزيد في نفوس الذين كانوا يرونه عظيماً وقوياً، وهذا من أهم العوامل المساعدة على مواجهة العدو.
فلكي تنجح في القضاء على عدوك فلا بد أن تصغره في نفسك، وإلا إذا بقي كبيراً في نظرك فلن تستطيع أن تحرك ساكناً تجاهه.
الفائدة الرابعة: زرع الجرأة في القلوب.
فكما استطاع الإمام الحسين(ع) أن يزرع الجرأة في قلوب الناس من خلال ثورته العسكرية على أرض كربلاء فكذلك استطاعت أخته العقيلة أن تزرع الجرأة في نفوسهم من خلال ثورتها الإنسانية التي بدأت بها في قصر يزيد.
الفائدة الخامسة: صياغة أسس لحياة عزيزة وكريمة.
لقد أوضحت بكلامها العظيم معنى الحياة الكريمة ووضعت للناس نهجاً ينتهجونه في حياتهم من أجل أن يحافظوا على كيانهم أمام ممارسات أي ظالم في الوجود.
رسول قيصر في قصر يزيد
لم تكن ممارسات يزيد منافية للشريعة الإسلامية فقط، وإنما كانت منافية للشرائع الإنسانية في كل بقاع الأرض.
لقد صادف وصول السبايا إلى قصر يزيد وجود رسول قيصر النصراني الذي استنكر على يزيد فعله في حق أهل بيت نبيّه وقال له: يا يزيد يوجد في بعض الجزر حافر الحمار الذي كان لعيسى بن مريم(ع) ونحن نقصد ذلك المكان في كل سنة ونقدم له النذور والهدايا، وأنتم تفعلون ذلك بآل نبيكم؟ فأمر يزيد بقتله فانكب رسول قيصر على رأس الحسين(ع) يقبله ثم نطق بالشهادتين قبل أن يقتله يزيد.
أيها القراء الكرام.. انظروا إلى مدى إجرام يزيد وحقده على محمد وآله، فلقد كان يأمر بقتل كل من يدافع عنهم ولو بكلمة، وقد وطّن نفسه على تحمّل عقاب قيصر في سبيل أن ينفذ حقده في آل رسول الله.
هند زوجة يزيد ترفض فعل زوجها
بعد أن نظرت زوجة يزيد إلى حال زينب والسبايا وسمعت تلك الخطبة الباهرة خرجت إلى مجلس زوجها مهتوكة الحجاب وحافية الأقدام مستنكرة بذلك فعل زوجها مع زينب وباقي السبايا، فغطاها بثوبه وأخرجها من المسجد.
لقد أرادت زوجته أن تقول له من خلال فعلها: كيف ترضى بأن تهتك حرمة بنات رسول الله ولا تقبل ذلك على نفسك.
لقد كان لفعل هند أثر كبير على حكومة يزيد لأنها أقرب المقربين لديه، وعندما نظر الناس إلى ذلك أيقنوا بكون يزيد ظالماً ومفترياً.
الإجتماع في المسجد الأموي
بعد أن شعر يزيد بحجم الخسارة التي سوف يتكبدها من خلال البقاء في القصر أراد أن يغير المعادلة فأمر الناس بالإجتماع في المسجد علّه يستطيع ستر ما حدث داخل القصر.
فاجتمعوا في المسجد وأمر يزيد بعض الخطباء أن يصعد المنبر ويسب علياً والحسين عليهما السلام، فلما بدأ الخطيب بالسب قام إليه الإمام زين العابدين(ع) فوبخه وأسكته وقال له: ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار.
الإمام علي بن الحسين(ع) يطلب الإذن بالكلام
لقد استغل الإمام السجاد(ع) وجود تلك الجموع في المسجد من أجل بيان الحقيقة التي أخفاها يزيد عن كثير من الناس فقال(ع)يا يزيد أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلام فيه لله رضا ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب؟
امتنع يزيد عن ذلك وقال لبعض زبانيته: إن صعد هذا الشاب تلك الأعواد فإنه لن ينزل إلا بفضيحة وفضيحة آل أبي سفيان فإنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً.
فألح الناس على يزيد أن يسمح له بالكلام ليزدادوا سخرية به لظنهم بأنه شاب لا يعرف من الكلام شيئاً.
فأذن له يزيد على مضض فصعد منبر المسجد وبدأ بالكلام.
خطبة الإمام زين العابدين(ع)
قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع)
“أيها الناس..أعطينا ستاً وفُضّلنا بسبع، أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضّلنا بأنّ منا النبي المختار ومنا الصدّيق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ومنا سيدة النساء ومنا سبطا هذه الأمة ومنا مهديها.
أيها الناس.. من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا بن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا بن مجمد المصطفى، أنا بن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنيت ووارث النبيين وقامع الملحدين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وتاج البكائين وزين العابدين وأصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل يس رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حُرَم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعدائه الناصبين، وأفضل من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله ولي أمر الله، وبستان حكمة الله وعيبة علمه، سمح سخي، بهي بهلول زكي، أبطحي رضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذب قوام، قاطع الأصلاب ومفرق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة واقتربت الأعنة طحن الرحى، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز وكبش العراق، مكي مدني، خيفي عقبي، جري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
أنا ابن عديمات العيوب، أنا ابن نقيات الجيوب، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء.
أنا ابن المذبوح بكربلاء، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن من حُرمه من كربلاء إلى الشام تسبى”
ثم تابع الإمام كلامه والناس تضج بالبكاء فأمر يزيد المؤذّن أن يصعد المنبر ويؤذن ولم يكن وقت أذان.
قال المؤذن: الله أكبر: قال(ع) كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا شيء أكبر من الله.
فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، قال(ع) شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي وعظمي وجلدي ومخي.
ولما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، قال(ع) ليزيد: محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت وأثمت، وإن زعمت أنه جدي فلما قتلت ذريته وسبيت نساءه.
ثم نزل(ع) من على المنبر والتف النس حوله.
ولا حاجة إلى بيان عظمة هذه الخطبة وآثارها فإن ذلك واضح ومعلوم.
خوف يزيد من وقوع الفتنة
لو دققنا فيما اعتبره يزيد فتنة لوجدناه رحمة للناس وكرامة لهم، وليس فتنة كما ادعى يزيد.
نعم.. هو فتنة بالنسبة له، لأن بقاء زين العابدين(ع) والسبايا في الشام سوف يقلب الموازين رأساً على عقب، أي من صالح الأمويين إلى صالح الهاشميين.
فعندما رأى كيف انكب الناس على آل رسول الله، واجتمعوا حول الإمام زين العابدين(ع) يسألونه عن الحقيقة شعر يزيد بحجم المخاطر التي سوف تواجه ملكه وسلطانه فأمر بعودة الموكب إلى الوطن، أي إلى المدينة المنورة.
لقد اتخذ هذا القرار بعد فوات الأوان حيث وقع فيما خشيه، وواجه ما احترز منه حيث لم يكن قراره من الأول حكيماً، فقد أخطأ عندما قتل الحسين وأولاده وأصحابه في كربلاء، وأخطأ عندما أمر بإرسال السبايا إليه، لقد أراد من خلال ذلك أن يذل آل رسول الله(ص) فكانت المذلة له ولأعوانه لأن إرادة آل محمد أقوى من إرادته، والحكمة التي متعهم ربهم بها لم يمتع بها غيرهم.
كان كلما أُخبِر يزيد بتفاصيل مسير السبايا كان يضحك شامتاً ومستهزءاً، وفي المقابل كان الدهر يضحك عليه، حيث خبّأ له هذا العمل ما لا يحب ولا يرغب.
قبل مغادرة الشام
قبل أن يغادر موكب السبايا مدينة الشام كان قد حدث أحداث كبرى لصالح الأمة الإسلامية، فما بناه يزيد بالظلم والجور عبر سنوات طويلة قد هدمه آل الرسول بساعات من الزمن وكلمات لم تتجاوز مدتها ساعة.
لقد أحدث كلام الإمام السجاد وعمته زينب عليهما سلام الله ثورة في نفوس أهل الشام، وزلزالاً تحت عروش الظالمين، لقد انقلبت الدفة من صالح أهل الظلم والضلال إلى مصلحة الإسلام المتمثل بأهل هذا الموكب الشريف.
قبل مغادرة الشام كان أهلها وكأن على رؤوسهم الطير، منهم مؤنب لنفسه، ومنهم نادم على تقصيره، ومنهم من يفكر في وسيلة لبقاء الحكم القائم لأنه مستفيد منه، ومنهم من يقي متأملاً بكلام زينب وزين العابدين ويخطط لكيفية القضاء على الظلم بعد أن فتح(ع) لهم المجال للمواجهةوحلاّهم بالجرأة.
كيف كان وضع يزيد عند مغادرة الموكب
لم يكن يزيد بن معاوية لدى مغادرة السبايا من الشام في وضع يُحسد عليه، فلقد كان ما حصل له بمثابة صاعقة نزلت على رأسه فمنعته من التفكير، وشلّته من الحركة، وقد كان تغييره لسياسة العنف موضع استهجان لكثير من المسلمين وغيرهم، فإذا كان يزيد القوي قد ضعف أمام تلك الحادثة، كان من الأولى لباقي الناس أن يتعاطفوا مع آل نبيهم، وبالأخص بعد أن قصّروا بواجباتهم تجاه الدين الحنيف وأهله.
وبعبارة أخرى، لم يكن يزيد عند مغادرة الموكب هو يزيد الذي عرفه الناس قبل ذلك، هذا الشخص الذي أرعب الكبار فضلاً عن الصغار أصبح اليوم خائفاً ومتحيراً لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا يصنع.
ولو كان المسلمون يؤمنون بالسحر آنذاك لظنوا بأنه مسحور.
الرفق الملغوم
لقد تحوّل يزيد من إنسان قاس ومتحجر إلى إنسان يتعامل بالرفق واللين، ولم يكن ذلك ندماً على ما فعل بأهل البيت، وإنما كان ذلك بسبب الرعب الذي دخل إلى قلبه من خلال كلام زينب في قصره، وكلام زين العابدين في المسجد، والتفاف الناس حولهما، وتعاطفهم معهما، وتأييدهم لهما.
إن كل تلك الأمور حالت بين يزيد وقوته التي كانت قبل ذلك مرعبة، لأن ما حدث في مجلسه جعله يحسب لكل حركة ألف حساب.
فقبل خروج الموكب من الشام أمر يزيد بن معاوية بعض رجاله بمرافقة الموكب إلى المدينة، كما وأمرهم بالرفق واللين.
وإذا أردنا أن نحلل هذا السلوك ونقارنه بالسلوك الذي بدا منه قبل وصول الموكب إلى الشام لانكشفت لنا عدة احتمالات وتساؤلات.
لماذا عاملهم معاملة قاسية من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام، وتغيرت السياسة لديه عند إرجاعهم إلى المدينة؟
لماذا بعث معهم الأدلاء والحماة ليرافقوهم حتى المدينة؟ هل من أجل الحفاظ عليهم؟ فلو كانت النية هكذا فلماذا أمر بقتلهم من الأساس.
نحن نستنتج من خلال هذا السلوك ومقارنته بالماضي أن الأدلاء الذين أمرهم بمرافقة السبايا لم يكونوا مجرد أدلاء وحماة، وإنما كانوا جواسيس يراقبون تحركات الموكب وينظرون ماذا سيكون من أمر الناس معهم في كل بلدة ومنطقة.
إسترداد الرؤوس
قبل انطلاق الموكب طلب الإمام زين العابدين(ع) من يزيد رأس الحسين(ع) ورؤوس الأصحاب فلم يتردد في إجابته لهذا الطلب فدفع إليه الرؤوس بالإضافة إلى تزويد الموكب بكل ما يلزمه أثناء السفر.
وانطلق الموكب متجهاً نحو مدينة رسول الله(ص) من أجل متابعة المسيرة وإكمال ما بدأ به الحسين(ع) في كربلاء.
لقد خرج السبايا من الشام بشكل مختلف عما كانوا عليه أثناء الدخول إليها، فقد خرجوا منتصرين أعزاء قد حققوا للأمة أعظم انتصار في تاريخها.
العروج إلى كربلاء
في طريق العودة من الشام إلى المدينة طلب الإمام زين العابدين(ع) من الأدلاء أن يعرّجوا بهم نحو كربلاء، إذ لا يعقل أن يرجعوا إلى مدينة جدهم من دون أن يزوروا ذلك المكان الذي حدثت فيه الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى.
لقد كان من الضروري أن يزوروا كربلاء ليعبروا عن مشاعرهم الإنسانية بحرية بعد أن منعه جيش يزيد من الإقتراب نحو الجثث الطواهر عصر يوم المجزرة.
فتوجه الموكب نحو هذا المكان الذي اقترن بالدمعة والحزن والأسى منذ اليوم الذي استشهد فيه أبو عبد الله الحسين(ع).
الوصول إلى أرض كربلاء
قلنا في الجزء السابق إن السبايا وزين العابدين(ع) كانوا كلما ابتعدوا عن كربلاء باتجاه الشام خطوة كلما ازداد حزنهم بسبب بعدهم عن الأجساد الطاهرة، ونفس هذه المعادلة تجري أثناء عودتهم إلى أرض الكرب والمصائب فلقد كانت قلوبهم تقطر حزناً كلما دنوا من ذلك المكان الذي يذكرهم بالأهل والأحبة والحماة الذين قُطّعت أجسادهم فيه.
ولكي نستطيع تقريب المعنى إلى الأذهان فلنتصور بأننا نحن هم، فكيف سيكون شعورنا عند الإقتراب من المكان الذي فقدنا فيه أهلنا وأحبتنا.
إن وصف هذه الحالة لا يمكن أن يتم إلا من خلال التصور لأن كل الأقلام لا تستطيع كتابة تلك المشاعر النابعة من الحزن على أفراد مثلّوا الأمة كلها، ودفعوا أرواحهم ثمناً لبقائها قوية وعزيزة ومستمرة.
لقد كان السير نحو كربلاء سريعاً من أجل لقاء الأحبة وضم الرؤوس المباركة إلى أبدانهم الشريفة.
وبعد مسير طويل قطعوا به الصحاري والأودية والجبال والمدن والبلدان أشرفوا على ذلك الموقع وقد تجدد الحزن وكأنهم فقدوا الأحبة لتوهم.
لقد كان اللقاء مؤثراً حيث تعانقت هناك أرواح الأحياء بأرواح الشهداء إذ يستحيل عليهم أن يعانقوا الجسد الذي غيّبه التراب.
جابر بن عبد الله
وصل ركب السبايا إلى مدينة كربلاء في أواسط شهر صفر، فوجدوا في مكان المصرع الصحابي الجليل(جابر بن عبد الله الأنصاري) ومعه جماعة من بني هاشم قدموا لزيارة قبر الإمام الحسين(ع) وقبور أهل بيته وأصحابه، وقد كان جابر أول زائر لقبر الحسين بعد استشهاده.
لقد التقى الطرفان وهم يبكون وينتحبون حزناً على أبي عبد الله(ع) وأقاموا المأتم الأول من مآتم كربلاء، وقد اجتمع في ذلك المكان أهل ذلك السواد الذين شاركوا زين العابدين وبنات رسول الله(ص) مصابهم الأليم، وقد بقوا في كربلاء ثلاثة أيام كانت من أكثر الأيام ألماً وحزناً وبكاءاً.
من هو جابر الأنصاري
هو أحد أكبر الصحابة الذين لازموا رسول الله(ص) وكانوا عوناً له في جميع مراحل حياته الرسالية.
وهو من المملوئين فهماً وعلماً ومخافة من الله تعالى وحباً للرسول وآله الأطهار(ع).
ماذا صنع جابر ابن عبد الله الأنصاري في كربلاء
عندما وصل جابر إلى كربلاء أتى شاطئ الفرات واغتسل ثم ائتزر بإزار وارتدى بآخر، ثم توجه نحو القبر الشريف وهو يذكر الله تعالى بكل خطوة، وهو يريد بذلك أن يشير إلى عظمة ساكنه حيث كان يسمع رسول الله(ص) مراراً يدعو إلى نصرة الحسين لأنه باب السعادة ومصباح الهدى.
ولمّا وصل إلى القبر الشريف خرّ مغشياً عليه من شدة الحزن على أبي عبد الله الحسين(ع) فقدم إليه أحد الأصحاب ورشّ عليه الماء حتى أفاق من تلك الغيبوبة القصيرة، وعندما رجعت نفسه صاح قائلاً يا حسين، يا حسين، يا حسين، حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنّى لك بالجواب وقد شُخبت أوداجك على أثباجك، وفُرِّق بين بدنك ورأسك، أشهد أنك ابن خير النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، ورُبيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت في الإسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، ولا شاكة في حياتك، فعليك سلام الله ورضوانه وتحياته.
ثم أقبل جابر على قبور الأصحاب الكرام وقال: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين، وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين.
ثم قال: والذي بعث محمداً بالحق قد شاركناكم فيما دخلتم فيه، فقال له عطية العوفي: فكيف ذلك يا جابر ولم نهبط مع القوم وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف ولم نطعن برمح والقوم قد فُرّق بين أبدانهم ورؤوسهم، وأؤتمت الأولاد وأرملت الأزواج؟ فقال جابر: يا عطية.. سمعت حبيبي رسول الله(ص) يقول: من أحب قوماً حشره الله معهم:
وبينما هم كذلك وإذا بسواد قد طلع عليهم من جهة الشام، فقال جابر لعطية: إنطلق إلى هذا السواد وآتنا بخبره، فإن كان ابن سعد وأصحابه فارجع إلينا حتى نتحول عن القبر ونلجأ إلى ملجأ يمنعنا من الأعداء، وإن كان زين العابدين فأنت حر لوجه الله تعالى، فانطلق عطية نحو ذلك السواد ثم رجع بعد قليل وهو يقول: يا جابر قم واستقبل حرم رسول الله، هذا زين العابدين قد جاء بعماته وأخواته.
ثم انطلق جابر مسرعاً لاستقبال الموكب المبارك، ولما رآه الإمام زين العابدين(ع) قال له: أنت جابر؟ قال نعم يابن رسول الله.
كلام يدمي الفؤاد
عندما التقى الإمام زين العابدين(ع) بجابر بن عبد الله وجد من يشكو إليه خزنه من الناس، وقد حملت شكواه بياناً لما حدث مع الحسين وأهل بيته وأصحابه في هذا المكان، فقال(ع) هاهنا والله قتلت رجالنا، وذبحت أطفالنا، وسبيت نساؤنا، وحرقت خيامنا.
زينب تنظر إلى القبر الشريف لأول مرة
مهما حاول الخطيب أو المحاضر أو الكاتب أن يصوروا الحالة التى اعترت زينب(ع) عندما وقفت أمام قبر أخيها الحسين.
لقد كان حالها حاكياً عن حجم حزنها، وكان الناس يبكون لبكائها ويحزنون لحالها.
وأنا الآن أخاطب كل من فقد حبيباً لأقول له إن شعور زينب تجاه فقيدها الأكبر لم يكن بأقل من حزنك على ولدك أو والدك أو أحد ممن تحب، وإنما كان حزنها أكبر من حزنك لأن الظروف التي فقدت فيها أحبتها زادتها حزناً فوق حزنها.
وإن أعظم ما أصف به حالة زينب(ع) في هذا المقام هو قولي: إنني لا أستطيع بيان حالها وحزنها وألمها عبر الكلمات.
الخروج الثاني من كربلاء
بعد مكوث في كربلاء استغرق ثلاثة أيام قرر الإمام زين العابدين(ع) الرجوع إلى المدينة المنورة من أجل متابعة المسيرة في الطريق التي خطها الإمام الحسين(ع) بدمه الشريف.
لقد كان خروجهم من كربلاء هذه المرة مشابهاً لخروجهم منها إلى الكوفة، ولكن هناك فارقاً صغيراً بينهما، فلقد خرجوا أول مرة والجثث الطواهر مطروحة على وجه الأرض، أما خروجهم الثاني فقد حصل وتلك الجثث تحت التراب.
لقد خرجت من كربلاء أجسامهم، ولكن قلوبهم ومشاعرهم بقيت مستقرة بجنب القبر الشريف.
العودة إلى الوطن
بعد حوالي تسعة أشهر من مغادرة المدينة المنورة رجع الموكب إليها بصورة مختلفة عن الصورة التي خرجوا بها من وطنهم.
لقد كان خروجهم من الوطن مأساوياً، ولكن العودة إليه كانت أكثر مأساة من الخروج، فقد خرجوا من الديار بفقة الرجال والحماة، وعادوا إليها من دونهم.
لقد تغيرت أمور كثيرة في أشهر الغياب، فقد خرجوا من المدينة والناس عليهم، ورجعوا إليها والناس معهم بفضل ما قام به الإمام الحسين(ع).
قال بشر بن جذلم: لما انفصل زين العابدين عن كربلاء وتوجه نحو المدينة حتى أشرفوا عليها، وقبل أن يدخل زين العابدين المدينة أمر بحط رحاله وضرب خيامه، وأنزل أخواته وعماته خارج المدينة ثم قال يا بشر: رحم الله أبك إنه كان شاعراً، فهل أنت تقدر على شيء من الشعر؟ فقال بشر: يابن رسول الله إني لشاعر: فقال(ع):تقدم وادخل المدينة وانع أبا عبد الله ببيتين من الشعر، فركب بشر فرسه ودخل المدينة، وعندما وصل إلى مسجد رسول الله(ص) رفع صوته بالبكاء وأنشأ هذه الأبيات:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلاء مضرج والرأس منه على القناة يدار
يا أهل يثرب يا لها من محنة ومصيبة تروى بها الأخبار
ثم قال لأهل المدينة: يا أهل المدينة هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه.
فما بقي في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا وخرجت تلطم الخد وتشق الجيب حتى أشبه ذلك اليوم ببكائهم يوم وفاة رسول الله(ص)
ثم قالت له إحداهن: أيها الناعي جدّدت حزننا بأبي عبد الله، وخدشت منا جروحاً لمّا تندمل، فمن أنت؟ قال: أنا بشر بن جذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين إليكم وهو نازل خارج المدينة ومعه أهل بيته:
فتركوه وأسرعوا في المشي، فركب فرسه وعاد إلى الإمام يخبره بما حدث، وبعد قليل وصلت وفود أهل المدينة من أجل أن يعزوا بالإمام الحسين وهم يبكون وينحبون، فأومأ إليهم الإمام بالسكوت فسكتوا ثم خطب فيهم خطبة جاء فيها:
” الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعد فلا يُرى، وارتفع في السموات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وآلم الفظائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاجعة الفادحة الجائحة، أيها الناس..إن الله وله الحمد قد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسين وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها في الإسلام، فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله…فقد بكت السبع الشداد لأجله، وبكت البحار بأمواجها، والسموات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السموات أجمعون، أيها الناس..أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن إليه، أم أي سمع يسمع هذه الثلمة ولا يصم، أيها الناس..إنّا أهل بيت رسول الله أصبحنا مطرودين مشردين شاسعين عن الأبصار، كأننا أولاد ترك وكابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة ثلمناها في الإسلام، ما سمعنا بهذا في الملة الأولى…لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوه بنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأمرها وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ منا، فإنه عزيز ذو انتقام، هذا ابن رسول الله يبقى طريحاً على الرمضاء ثلاثة أيام تصهره الشمس، لا يدفن ولا يوارى في التراب…وأهله سبايا من بلد إلى بلد ينظر إليهن البر والفاجر”
بنوا أسد في أرض كربلاء
يذكر الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب(أسرار الشهادة) أنه عندما غادر جيش يزيد أرض كربلاء بقيت الجثث الطاهرة ملقاة ثلاثة أيام، مرّ في كربلاء جماعة من بني أسد ولم يكونوا على علم بما حدث في تلك المنطقة.
وصلوا إلى كربلاء ونصبوا خيامهم وأرسلوا نساءهم إلى الفرات ليملأن قرب الماء.
فعندما اقتربت النسوة من الماء رأين جثثاً كثيرة، فرجعن إلى رجالهن وأخبرنهم بالأمر، فأتى الرجال للتعرف على تلك الجثث ودفنها، فلم يستطيعوا فعل شيء أمامها.
لقد كان في عجزهم عن دفن الجثث حكمة من الله سبحانه وتعالى، وبينما هم على تلك الحالة من الحيرة في أمر الجثث إذا بإعرابي يأتي على فرس وينزل بتلك الدار.
الإمام زين العابدين يدفن الجثث المباركة
لقد واكبت المشيئة الإلهية موكب الحق لحظة بلحظة وخطوة بخطوة كيلا تسير الأمور بشكل غير صحيح.
فليس من الحكمة أن تضيع آثار تلك الجثث التي أصبحت قبورها مقصداً للمؤمنين من كل بقاع الأرض.
لقد نزل الإمام السجاد(ع) من على فرسه وأمر بني أسد بحفر قبور كثيرة لدفن تلك الجثث كلها فأعانوه على ذلك وترك جثة الإمام الحسين(ع) إلى الأخير.
وكان بنوا أسد قبل مجيء الإمام السجاد قد عجزوا عن تحريك جسد الإمام الحسين(ع) فأيقنوا أن في الأمر سراً وحكمة، وقد عرفوا هذا السر بعد قدوم الإمام(ع) الذي أخبرهم عن تلك المجزرة ودلهم على أصحاب تلك الأجساد حيث لم يكن لبني أسد ولا لغيرهم أن يميزوا بين جثة وأخرى لأنها كانت أجساداً بلا رؤوس.
جثث تفوح منها روائح المسك
ماذا نقول في أجساد مقطعة بقيت مطروحة على وجه الثرى ثلاثة أيام تحت أشعة الشمس المحرقة، كيف يمكن أن تكون رائحة تلك الجثث التي لو كانت لغير الحسين وأصحابه لأصبحت جيفة يحظر الإقتراب منها.
إن بني أسد قد جالوا على جميع تلك الجثث ولم يشموا منها سوى الروائح الطيبة وكأن أحداً قد عطّرها بالمسك والعنبر، وتلك كرامة من الله سبحانه وتعالى.
دفن جسد الإمام الحسين(ع)
بعد أن أنهى الإمام زين العابدين(ع) دفن أجساد الشهداء من أهل البيت والأصحاب أتى إلى جسد أبيه الحسين(ع) فجاء إليه بنوا أسد ليساعدوه في دفنه فمنعهم من ذلك وقال لهم: إن معي من يعينني: أي معي الله ورسوله، فوضع(ع) يده تحت ظهره الشريف وقال: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله: ثم قال: طوبى لأرض فيها دفنت يا أبا عبد الله،أودعتك الله من شهيد قتيل محتسب، أما الدنيا بعدك فمظلمة، وأما الآخرة بنورك مشرقة، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، حتى يختار الله لي دارك التي أنت فيها، ثم ألحد الجسد الشريف وأهال عليه التراب، ثم كتب على القبر: هذا قبر الحسين المظلوم.
التمييز بين أصحاب الجثث
لم يكن لأحد من الناس القدرة على التمييز بين جسد وآخر حيث كانت عبارة عن أشلاء متناثرة فاقدة للرؤوس.
ولكن العلم الذي أودعه الله تعالى في صدور أهل البيت كانوا يقدرون به على معرفة ما لا يعرفه الناس.
فلو دفنت الجثث على يد غير زين العابدين(ع) لضاعت آثارها وأخبارها، ولكنه(ع) كتب اسم كل شهيد على قبره كما هو عليه الحال في هذا اليوم.
ولعله(ع) دفن كل جثة في مكان استشهاد صاحبها.
وهذا هو سبب التباعد بين قبر وقبر.
كرامة من كرامات أهل البيت(ع)
لقد استغرق مسير موكب الإمام السجاد والسبايا إلى الشام من اثنين وعشرين يوماً، ولقد كان الإمام زين العابدين من جملة ركاب هذا الموكب، وقد دفن الجثث بعد يومين من مغادرته لكربلاء، فكيف حدث ذلك وما هو السر في هذا الأمر؟
فلو كان ذهابه وإيابه بالطائرة لما استطاع العودة إل كربلاء في أقل من يومين.
لا يوجد لهذا الأمر تفسير سوى الكرامة التي أجراها الله تعالى على يد الإمام زين العابدين من أجل أن يتم أمره في شأن الإمام الحسين(ع).
ولا يمكن لأحد أن ينكر كون الإمام السجاد هو الذي دفن الجثث في كربلاء.
ولا نستغرب حدوث كرامة لأشخاص أودع الله فيهم أسراره وعله وحكمته.
أما سؤالنا، كيف حصل ذلك وما هي الطرق التي استعملها الإمام في تركه للموكب دون أن يشعر به أحد، وفي وصوله إلى كربلاء في ذلك الوقت القصير، مع أنه كان مريضاً ومقعداً من شدة المرض.
ولكي تستريح نفوسنا وتطمئن قلوبنا تجاه هذا الحدث لزمنا العمل بمقتضى القاعدة القائلة: أسكتوا عمّا سكت الله عنه:
جراحات الإمام الحسين(ع)
إنّ جسد الإمام الحسين يحكي لنا مدى الظلم إذ لم يسلم من جسده الشريف أي موضع بل كانت الضربة تقع على الضربة والطعنة تنزل على الطعنة ..هذا أثناء المعركة وقبل الإستشهاد أما ما حصل بعد استشهاده فلم يكن أقل ظلماً وفتكاً من فتكهم به قبل ذبحه وقطعِ رأسه الشريف، فالذي يواجه آلافاً مؤلَّفة من الفرسان لا شك بأن الجراحات التي سوف تصيبه سوف تُعدُّ بالمئات، وهذا ما كان من شأن إمامنا المظلوم(ع) الذي عدت جراحاته بالمئات، ولذا ينقل صاحب كتاب المناقب حديثاً عن الإمام الباقر(ع) يقول فيه:أصيب الحسين ووُجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنةً برمح أو ضربة بسيف أو رميةً بسهم: وفي رواية أخرى عن الصادق(ع) وُجد بالحسين(ع) ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة: طبعاً لم يُذكَر في هذا الحديث عدد الرميات والرشقات بالنبال والحجارة وغير ذلك لأن الثابت هو أن عدد الجراحات التي تحمّلها جسد الحسين كانت أكثر من ذلك، ولذا يقول المسعودي في مروج الذهب وابن الأثير في الكامل: إن في جسده أثر ثلاث وثلاثين طعنة وأربع وثلاثين ضربة غير أثر السهام، وهذا الكلام يوافق ما ورد في الحديث عن الصادق(ع) وقد ورد في كتاب روضة الواعظين أن جميع تلك الضربات والطعنات كانت موجودة في مقدمة جسد الحسين الذي لم يعط ظهره للأعداء قط.
هذا كله غير أثر حوافر الخيول التي وطئت جسده الشريف وطحنت عظامه، حيث أمر بن سعد عشرة من جنوده بأن يدوسوا جسد الحسين بخيولهم ففعلوا ذلك.
الذين داسوا عظام صدر الإمام بحوافر خيولهم
لقد أحصى المؤرخون أسماء الذين داسوا جسد الحسين وقد حُقِّق في تواريخهم فتبيّن بأن الجميع أبناء عاهرات فاجرات زانيات، وهؤلاء العشرة الذين داسوا جسد الحسين بحوافر الخيول هم: إسحاق بن حَيوَة الحضرمي الذي سلب قميص الحسين، وأحبش بن مُرثِد الذي سلب عمامة الحسين، والحكيم بن الطفيل الذي قتل أبا الفضل العباس، وعمرو بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن المنقذ العبدي، وسالم بن خيثمة، وصالح بن وهب، وواخط بن ناعم، هانئ بن شبيب، وأُسيد بن مالك.
وبعد أن نفّذ هؤلاء المجرمون جريمتهم النكراء ذهبوا إلى ابن زياد فقال أسيد بن مالك: نحن رضضنا الصدر بعد الظهرِ بكل يَعبوبٍ شديد الأسر، فقال ابن زياد من أنتم؟ فقالوا نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا جناجر صدره وجناجن ظهره فأمر لهم بجائزة صغيرة، ويظهر من كلامهم أنهم لم يعبروا بخيولهم على جسد الحسين مرة واحدة بل أكثر من مرة لأنهم وطأوه مرة وهو على ظهره ومرة وهو على صدره، وهؤلاء العشرة الذين حصلوا على جائزة الأمير كان لهم جائزة أخرى يستحقونها وهي أن المختار أحضرهم جميعاً فقيّد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل على ظهورهم حتى هلكوا، ويظهر لنا من بعض الروايات أن معاقبتهم لم تتم مرة واحدة بل كان يعاقب واحداً تلو الآخر.
ويذكر التاريخ بأن بعض الأغنياء اشتروا بعض نعال الخيول بأثمان غالية وعلّقوها على أبواب دورهم افتخاراً منهم بقتل الحسين وتقرباً منهم إلى يزيد، وربما علّق بعضهم حوافر الخيول وهو لا يعرف السبب كما في مصر والعراق، وبعضهم حتى الآن يعلق نعالاً على باب داره شماتة منه بالحسين وحباً ليزيد الحاقد، وأنا أقول إن الذين يصنعون ذلك هم ألعن من يزيد لأن يزيد فعل بالحسين ما فعل من أجل أن يحافظ على مركزه، أما هؤلاء الذين يعلقون النعال على أبواب دورهم شماتة هم أخبث من يزيد.
أحداث الرأس الشريف
في يوم عاشوراء وعلى يد اللعين المجرم شمر بن ذي الجوشن قُطع الرأس الشريف باثنتي عشرة ضربة بسيفه الحاد الممزوج بالخبث والإجرام والحقد فقد قطع رأس إمامنا بعد تلك الجراحات الكثيرة وبعد الألم والعطش والحزن والتعب وعلت الأصوات مبتهجةً بقتل الخير والبركة والإنسانية المتمثلة بالإمام أبي عبد الله(ع) فلقد قُطع الرأس الشريف وتكالب الطامعون على أخذه فلم يسمح لهم عمر بن سعد لأن ثمن هذا الرأس عنده رفيع للغاية فثمنه كما ظنَّ ملك الري الذي لم يهنأ به بعد أن نفّذ لأمرائه تلك الجريمة في حق الحسين، وعلى كل حال فقد أمر عمر بن سعد خولى بن يزيد الأصبحي وحُميد بن مسلم الأزدي بأن يأخذا الرأس الشريف ويسلّماه للأمير عبيد الله بن زياد، فحمل خولى بن يزيد الأصبحي الرأس الشريف على الفور وسار نحو الكوفة ليبشر ابن زياد بمقتل الحسين ويأخذ الجائزة التي وعدهم بها فسار مسرعاً حتى وصل إلى الكوفة ودخل على ابن زياد وهو يقول له: إملأ ركابي فضة وذهباً إني قتلت الملك المحجبا وفي بعض الروايات إني قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أماً وأبا وخيرَهم إن يُنسبون النسبا، فقال له ابن زياد ويحك، إذا علمتَ أنه خير الناس أماً وأباً فلم قتلتَه إذاً؟ وعندها أمر ابن زياد بقتل خولى فقُتل، وفي بيان هوية الشخص الذي حمل الرأس الشريف إلى ابن زياد اختلاف بين المؤرخين فمنهم من قال بأنه سنان بن أنس الذي قتله المختار عقاباً لمشاركته في هدر الدماء الزكية، ومنهم من قال بأن حامل الرأس كان بشر بن مالك، وأياً تكن هويته فإن الثابت في التاريخ أن هذا الأمر قد حدث وأن ابن زياد لم يعط حامل الرأس الجائزة بل قتله خوفاً منه لأن الذي يتجرأ على قتل الإمام الحسين لا يتورع عن قتل يزيد وابن زياد.
ولكن المشهور هو أن الذي حمله إلى ابن زياد هو خولى بن يزيد الأصبحي وليس سنان بن أنس الذي قُتل على يد المختار، وقيل بأن خولى وصل إلى الكوفة في الليل فلم يُرد أن يزعج الأمير فأخذ الرأس الشريف ووضعه في منزله فعلمت زوجته بذلك فوبخته أشد توبيخ وأقسمت أن لا يجمعها وإياه سقف واحد أو ستر واحد لإقدامه على تلك الجريمة في حق الرسول(ص).
ويحدّث جمع كبير من المؤرخين بأن عمر بن سعد قد أرسل مع رأس الإمام رؤوس أصحابه الذين قضوا نحبهم في تلك المعركة، ويقول صاحب التذكرة: ثم بعث ابن سد إلى ابن زياد برأس الحسين ورؤوس أصحابه وحُمل مع رأس الحسين اثنان وتسعون رأساً.
ويقول إبن كثير لما سرّح عمر برأس الحسين من يومه إلى ابن زياد كان معه رؤوس أصحابه، ولكن الأصح هو أن الرأس الشريف أُرسل إلى ابن زياد قبل رؤوس الأصحاب لأنه الأساس فلو بعثوا إليه جميع الرؤوس من دون رأس الحسين لما أجزأهم ذلك عنده.
ويؤيد ذلك السرعة التي أُرسل فيها رأس الحسين لم تكن لتسمح بانتظار رؤوس الأصحاب، ثم إنه من المستحيل لشخص أو شخصين أن يحملا معهما عشرات الرؤوس.
وعليه تكون الرؤوس الكريمة قد حُملت مع السبايا في الحادي عشر من محرم، وأما كلام صاحب التذكرة الذي ادعى بأنه حُمل مع رأس الحسين إثنان وتسعون رأساً فهو غير دقيق، لأن أصحاب الحسين وأهل بيته الذين استشهدوا معه لم يتجاوز عددهم التسعين، فلقد كان معه من أهل بيته سبعة عشر رجلاً ومن أصحابه اثنان وسبعون، ومجموع الجميع مع الإمام تسعون رجلاً، ثم إن بعض القبائل التي شاركت في تلك المجزرة لم تسمع بإرسال رؤوس من ينتمي إليها إلى ابن زياد وغيره، وهناك أصحاب لم تُقطع رؤوسهم من الأساس كالحر بن يزيد الرياحي الذي استنكرت قبيلته قطع رأسه وهددت ابن سعد إن أقدم على ذلك، وبناءاً على هذا التحقيق البسيط الذي ذكرته لكم يتبين لنا عدم صحة ما قاله صاحب التذكرة وغيره ممن اعتمدوا مضمون كلامه، وفي كتاب الأخبار الطوال أن عمر بن سعد عندما آذن بالرحيل من كربلاء، حُملت الرؤوس على أطراف الرماح وكانت اثنين وسبعين رأساً، جاءت هَوَازِنُ منها باثنين وعشرين رأساً وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنوا أسد بستة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأَزد بخمسة رؤوس مع عَيهمة بن زهير، وجاءت ثقيف باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمر، ويقول الطبري بأن رؤوس الأصحاب رضوان الله عليهم قد جاء بها إلى ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس.
وورد في اللهوف أن القبائل تقاسمت الرؤوس لتتقرب بها إلى يزيد بن معاوية وقد ذكر التفصيل الذي بيناه قبل قليل.
ويذكر بعض المؤرخين بأن رؤوس أولاد الحسين وأخوته وأبناء عمه قد أُتيَ بها إلى الكوفة محمولة على رؤوس الرماح.
وقيل بأن ابن زياد أمر أن تنصب الرؤوس على الرماح ليستقبل بها السبايا، وقيل بأن عمر بن سعد أمر بوضعها على الرماح وأن يسار بها أمام السبايا، وفي كتاب كشف الغمة: أول رأس حُمل على رمح في الإسلام رأس الحسين بن علي(ع) ويقول الراوي فلم أر باكياً أو باكية أكثر من ذلك اليوم.
وعن حميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلت حتى أتيت أهله فأعلمتهم بذلك ثم أقبلت حتى أدخل فأجد بن زياد قد جلس للناس وأجد الوفدَ قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه وإذا هو ينكتُ بقضيبٍ بين ثناياه ساعة فلما رآه زيد بن أرقم لا يُنجم عن نكته بالقضيب قال له: أعلُ بهذا القضيب عن هاتين الشفتين فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله(ص) على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم انفضح الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد أبكى الله عينيك فوالله لولا أنك شيخ قد خرِفتَ وذهب عقلك لضربت عنقك، فخرج زيد وقال الناس والله لقد قال زيد قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، فقال حميد ما قال؟ قالوا مرّ بنا وهو يقول: ملّكَ عبدٌ عبداَ فاتخذهم تُلَداً أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبُعداً لمن رضي بالذل.
وجاء في كتاب مثير الأحزان وكتاب التذكرة أن زيد بن أرقم قال لابن زياد أيضاً يابن زياد لأحدثنك حديثاً هو أغلظ عليك من هذا، رأيت رسول الله(ص) أقعد حسناً على فخذه اليمنى وحسيناً على فخذه اليسرى ثم وضع يده على يافوخَيهما ثم قال:اللهم إني أستودعك إياهما وصالحَ المؤمنين، فكيف كانت وديعة رسول عندك يابن زياد؟
وعن هشام بن محمد قال: لما وُضع الرأس بين يدي بن زياد قال له كاهنه: قم فضع قدمك على فم عدوك، ففعل ذلك ثم قال لزيد بن أرقم كيف ترى؟ فقال زيد والله رأيت رسول الله واضعاً فِيه حيث وضعتَ قدمَك:
ويذكر بعضهم بأنه وضع الرأس الشريف في وعاء وراح بن زياد يضرب ثناياه ويقول: لقد أسرع إليك السيب يا أبا عبد الله، ثم قال يوم بيوم بدر، وكان عنده أنس بن مالك فبكى وقال كان أشبههم برسول الله، وعن سعد بن معاذ وعمر بن سهل أنهما حضرا مجلس عبيد الله فرأياه يضرب بالقضيب الذي كان يحمله أنف الحسين وعينيه ويطعن في فمه:
وفي الإرشاد للشيخ المفيد أن عمر بن سعد أمر بإحضار الرأس فجعل ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه.
وقد حدثت عدة كرامات للرأس الشريف ولكن بعضهم لم يعبر بها لعناده وحقده على فضل النبي وآله(ص) فلقد جاء في ترجمة تاريخ الأعثم الكوفي أنه قال: لما وُضع رأس الحسين عند ابن زياد أخذه بيده وجعل ينظر إلى وجهه وشعره وإذا باللعين يرتعش ارتعاشاً شديداً فوضع الرأس على فخذه فسال من حلقه قطرة دم على ثيابه فجاوز الدم عن ثيابه وفخذه فصار في موضعه جرحاً متعفناً كلما عالجوه لم ينفع إلى أن قُتل لعنه الله.
وجاء في التذكرة أن ابن زياد نصب الرؤوس كلها بالكوفة على الخشب وكانت زيادة على سبعين رأساً وهي أول رؤوس نصبت في الإسلام بعد رأس مسلم بن عقيل بالكوفة.
ويقول الطبري في تاريخه بأن ابن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة فجعل يدار به في الكوفة.
وفي إرشاد المفيد لما أصبح عبيد الله بن زياد بعث برأس الحسين(ع) فدِير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها، وورد أن الذي دار بالرأس هو عمر بن جابر المخزومي.
لقد بعث ابن زياد برأس الحسين إلى الشام وكان رسله كلما وصلوا إلى منطقة أخرجوا رأس الحسين من صندوق ورفعوه على رأس رمح ليراه الناس وليكون درساً لكل من يجرؤ على الوقوف في وجه الخليفة الطاغي يزيد، والمستفاد من التواريخ أن ابن زياد أرسل الرؤوس إلى يزيد قبل أن يبعث إليه بالأسرى حيث وكّل بهم شمر بن ذي الجوشن، ثم بعد يوم أو يومين أتبع جنوده بجنود آخرين على رأسهم عمر بن سعد أرسلهم سنداً لحاملي الرؤوس والموكلين بالأسرى كيلا تحدث انتفاضة من الناس إذا استطاع الأسرى أن يكشفوا الحقيقة لهم.
وقد حدثت أمور وكرامات للرأس الشريف أثناء نقله من الكوفة إلى الشام فلقد ذكر بن حجر في الصواعق بأن الذين ساروا برأس الحسين أرادوا أن ينتهكوا حرمة الرأس الشريف فراحوا يشربون الخمر به فحدث أمر رهيب أرعبهم فهربوا من مكانهم، وقريب من هذا ما ذكره القاضي حسين بن محمد المالكي في كتابه الخميس في أحوال أنفس النفيس حيث قال: فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق فنزلوا به، فوجدوا مكتوباً على بعض جدرانه: أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحسابِ، فسألوا الراهب عن هذا السطر ومن كَتَبه فقال لهم الراهب إنه مكتوب فيها من قبل أن يُبعث نبيكم خمس مئة عام.
وفي كتاب مثير الأحزان عن سليمان بن مهران الأعمش قال: بينما أنا في الطواف أيام الموسم إذا رجل يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك لا تغفر، فسألته عن السبب فقال كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد على طريق الشام فنزلنا على دير للنصارى والرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن ونأكل فإذا بكف على حائط الدير فكتوب عليها بالدم: أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحسابِ، فجزعنا جزعاً شديداً وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها فغابت.
وفي كتاب روضة الأحباب لما اقترب القوم من الموصل كتب الشمر إلى عاملها أن يهيأ لهم الزاد والعلف وأن يزين المدينة حيث كتب له: إن معنا رأس الخارجي الحسين بن علي بن أبي طالب فأخبر العامل أهل الموصل بكتاب الشمر فاستنكروا الأمر واجتمع حوالي أربعة آلاف شخص وقد استعدوا لقتال الشمر ومن معه فبعث العامل إلى الشمر بأن لا يأتي وأخبره بأن أكثر أهل الموصل من شيعة الإمام الحسين فخاف الشمر أن يدخلها بل تمركز بعيداً عنها.
وفي ذلك المكان وضعوا الرأس الشريف على صخرة فسالت عليها نقطة دم من الرأس الشريف فأصبحت تلك الصخرة مكاناً للزيارة حيث كان الناس يتهافتون إليها لأنها موضع الرأس الشريف، وبقي هذا الحال قائماً إلى أيام عبد الملك بن مروان الذي أخفى الصخرة ولم يبق لها أثر فبنى الناس في ذلك المكان قبة وأطلقوا عليها إسم مشهد النقطة.
ومن أحداث الرأس الشريف أثناء إرساله إلى الشام قضية الراهب الذي أسلم بعد أن أبدى الحب الكامل للإمام وأبيه وجده، فقد ورد في التذكرة أن حملة الرأس نزلوا في إحدى المنازل وفي ذلك المنزل دير فيه راهب فأخرجوا الرأس الشريف من الصندوق ووضوه على رأس الرمح وأسندوا الرمح إلى الدير وفي منتصف الليل لفت نظرَ الراهب نورٌ يصعد من الخارج أي من المكان الذي فيه الرأس الشريف فجاء إليهم وسألهم وقال لهم من أنتم قالوا نحن أصحاب بن زياد، قال وهذا رأس من؟ قالوا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت محمد، قال نبيكم؟ قالوا نعم قال بئس القوم أنتم لو كان للمسيح ولد لأسكناه أحداقَنا، ثم طلب منهم أن يأخذ الرأس منهم لما تبقّى من الليل فقط على أن يعطيهم في المقابل عشرة آلاف دينار…. فوافق أصحاب بن زياد على عرض الراهب فأعطوه الرأس لليلة وأخذوا منه الدنانير، فأخذ الراهب الرأس المبارك ووضعه في حجره وقعد تلك الليلة يبكي على مظلومية صاحب هذا الرأس وعندما أسفر الصبح قال الراهب يا رأس لا أملك إلا نفسي وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن جدك رسول الله وأُشهِد الله أني مولاك وعبدك، وقد أصبح هذا الراهب من خدمة أهل البيت(ع).
وقد نقل جملة من المؤرخين حديث سهلِ الساعدي الذي نُقل في العديد من الكتب المعتبرة فقال سهل: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطتُ الشام في يوم ورود الأسارى…إلى قوله قلت ولما ذلك؟ قالوا هذا رأس الحسين عترة محمد يُهدى من أرض العراق قلتُ واعجباً يُهدى رأس الحسين والناس يفرحون.. قلت من أي باب يدخل؟ فأشاروا من باب الساعات قال فبينما أنا كذلك حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً فإذا نحن بفارس بيده لواء عليه رأس من أشبه الناس برسول الله(ص) ورأيت نسوة على جمال بغير وطاء فدنوت من أولاهن فقلت يا جارية من أنت؟ فقالت أنا سكينة بنت الحسين، فقلت لها ألكِ حاجة إليَّ؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمع حديثه قالت يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدّم الرأس أمامنا حتى يتشغل الناس بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله، فلبى سهل سؤالها وأتى إلى حامل الرأس الشريف وطلب منه أن يتقدم بالرأس مقابل مبلغ من المال ففعل ذلك.
وهذا مما يبين لنا مأساة أهل البيت وبالخصوص النساء والأطفال الذين أحيطوا برؤوس الآباء والأخوة والأحباب فيا لها من مصيبة ما أعظمها وما أشدها على الرسول وآله.
وقد ذُكر في بعض المقاتل أنه بينما هم يطوفون بالرأس الشريف في بعض شوارع الشام فإذا بغرفة وروشن فيها خمس نسوة وبينهن عجوز محدودبة الظهر فلما حاذى الرأس الروشن أخذت العجوز حجراً رضربت به الرأس الشريف فأصابته ولكن مشيئة الله تعالى تدخلت فأحدثت كرامة لهذا الرأس المبارك حيث وقع الروشن من الأعلى فماتت النسوة اللواتي كن فيه على الفور، وأنا هنا أتساءل عن مدى الحقد الذي كان مركوزاً في قلوب بعض الناس، والذي يظهر من خلال هذه الكرامة أن هذه العجوز كانت تعرف صاحب الرأس ولحقدها على أبيه فعلت ما فعلت إذ لو كانت جاهلة بالأمر لما عاقبها الله تعالى، وليس ببعيد أن يكون هناك حقد بهذا الحجم لأن كثيراً من الناس لم يكونوا راضين عن آل الرسول بسبب الأحقاد التي زرعها الأمويون في قلوبهم والضغائن التي زرعوعا في نفوسهم، وعلى فرض أن هذه العجوز كانت جاهلة بهوية صاحب الرأس فلقد كان الأجدر بها أن تسأل عن صاحبه قبل أن ترميه بحجر ولكنها أحبت أن تتقرب من أمراء الجور وتشارك بالإحتفال الملعون مهما كان الأمر.
وفي بعض الروايات أن الإمام السجاد(ع) رأى تلك العجوز تضرب رأس أبيه بالحجر فدعا عليها فسقط الروشن على الفور وماتت هي ومن كان معها.
هذا الحقد لم ينته بعد بل هو آخذٌ بالزيادة في تلك المناطق التي كانت مركزاً للحكم الأموي، وما زال أولاد قتلة الإمام الحسين موجودين في الشام وهم يتباهون بهذا الذي يظنونه شرفاً لهم بل هو خزي لهم في الدنيا وفي الآخرة.
فبنو السراويل: وهم الذين سلب جدهم سراويل الإمام الحسين، وبنو السراج: وهم أحفاد الذين أسرجوا خيولهم وداسوا صدر الإمام الحسين، وبنو السنان: وهم أحفاد الذين نصبوا الرأس الشريف على السنان، وبنو الملح: وهم الذين ألقوا الملح على الرأس المبارك، وبنو الطست: وهم أولاد من وضع رأس الحسين على الطست وأتى به إلى يزيد، وبنو القضيب: وهم أولاد من أعطى يزيد بن معاوية القضيب الذي ضرب به رأس الحسين، وبنو الفروجي وهم أولاد من داروا برأس الحسين في فروج جيرون الشام، وهكذا ما زال بعضهم يتباهى بما فعله أجداده بآل رسول الله(ص).
ووصل الموكب إلى باب قصر يزيد وانتظر حملة الرأس ساعة أمام باب داره، فأذن لهم بالدخول فوضعوا الرأس على طست من ذهب ووضعوا الطست بين يدي يزيد، ثم جاء المعرّف وعرّف عن أصحاب الرؤوس واحداً واحداً، وكان رأس الإمام مغطىً بمنديل فرفع يزيد المنديل بالقضيب الذي كان يحمله فجعل ينكث ثنايا الرأس الشريف ويقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القَرمَ من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل
….لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
ويذكر المسعودي أنه جعل ينكث ثنايا الحسين ويقول: نُفَلَِق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما، وقد كان أبو برزة الأسلمي حينها موجوداً عند يزيد فقال له إرفع قضيبك فطال والله ما رأيت رسول الله يضع فمه على فمه يلثمه.
وفي رواية أخرى أنه عندما نكث يزيد ثنايا الحسين بقضيب الخيزران قام إليه أبو برزة الأسلمي وقال ويحك يا يزيد تنكث بقضيبك ثنايا الحسين وقد كان جده يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة قاتل الله قاتلَكما: فغضب يزيد لهذا الكلام وأمر بإخراجه من مجلسه سحباً، لقد غضب يزيد لأن هذا الشخص نطق بالحق، ويزيد عدو للحق بجميع أشكاله.
وفي رواية أنه لما ضرب يزيد بقضيبه على ثنايا الحسين(ع) قال سَمُرة بن جُندَب وكان حاضراً عند يزيد قطع الله يديك يا يزيد أتنكث موضعاً رأيتُ رسولَ الله يقبله، قال له يزيد لولا صحبتك لرسول الله لقتلتك، قال سمرة أتراعي فيَّ صحبة رسول الله ولم تراع فيهم قرابته وهم أولاده وأهل بيته، فعند ذلك بكى الناس وخاف يزيد من وقوع الفتنة.
دفن الرأس الشريف
لقد دُفنت الأجساد الطاهرة التي سقطت في سبيل الحق على أرض الطف في الثالث عشر من شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة على يد الإمام الرابع من أئمة الهدى علي بن الحسين زين العابدين(ع) وقد أعانه على دفن الجثث مجموعة من بني أسد الذين صادف مرورهم في ذلك اليوم بأرض كربلاء، فلقد أجرى الله تعالى كرامة للإمام السجاد حيث منّ عليه بالشفاء السريع وأوصله إلى أرض كربلاء بشكل سريع خارج عن حدود الطبيعة، فلقد دفن الإمام السجاد جسد أبيه وأجساد الأهل والأحباب والأصحاب، وقد اقتضت حكمة الله أن يتحير بنوا أسد في دفن الجثث حتى يأتي الإمام لأنه الوحيد الذي يعرف أصحاب الأجساد والأشلاء لأنها كان جثثاً من دون رؤوس، فهو(ع) الذي كتب على كل قبر إسم صاحبه، ولولا ذلك لما عرفنا شيئاً حول تلك المقامات الشريفة.
لقد دُفن جسد الإمام الحسين في تلك الفترة وبقي رأسه الشريف مرفوعاً على رؤوس الأسنة والرماح يدار به من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة بهدف الشماتة وتخويف كل من يفكر بالخروج على أمر الأمير وأعوانه الظلمة، لقد حُمل هذا الرأس المبارك من كربلاء إلى الكوفة، وهناك حدث ما حدث ثم نُقل إلى الشام وقد أشرنا إلى أحداث الرأس الشريف في الشام وفي قصر يزيد، ثم انتقل الرأس من الشام إلى كربلاء، ولا شك بأن هناك اختلافاً بين المؤرخين في تحديد الموضع الذي دُفن فيه رأس الإمام، ولكن المشهور والأصح والمتفق عليه بين الفريقين من الخاصة والعامة هو أن الرأس دفن مع الجسد في العشرين من صفر بعد أن بقي فوق الأرض أربعين يوماً.
قال صاحب اللهوف: فأما رأس الحسين فروي أنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف.
وجاء في كتاب مثير الأحزان: والذي عليه المُعوّل من الأقوال أنه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه.
ويقول صاحب روضة الواعظين: وخرج علي بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من الشام ورُد رأس الحسين إلى كربلاء.
ويقول صاحب البحار: المشهور بين علمائنا الإمامية أنه دفن رأسه مع جسده رده علي بن الحسين(ع).
ويقول صاحب التذكرة: ثم رُد إلى الجسد بكربلاء فدفن معه.
ويقول المرتضى: بأن الرأس رد إلى البدن من الشام إلى كربلاء، ويقول الطوسي: ومنه زيارة الأربعين، وفي ترجمة تاريخ الأعثم: ثم جهز يزيدُ عليَ بن الحسين ومن معه إلى المدينة وسلّم إليهم رؤوس الشهداء فتوجهوا إلى المدينة ووصلوا إلى كربلاء في يوم العشرين من صفر فدُفن الرأس مع الجسد الشريف ودفنوا رؤوس سائر الشهداء هناك.
بناء القبر الشريف وتوسعته
في العشرين من شهر صفر سنة إحدى وستين للهجرة وأثناء عودة السبايا من الشام إلى المدينة عرّجوا على كربلاء لزيارة الإمام الحسين والشهداء ولدفن الرأس الشريف مع الجسد أو بالقرب منه، فنزلوا في تلك البقعة وقد تجدد عليهم المصاب من جديد ومكثوا فترة هناك حيث وجدوا هناك الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري الذي كان له مواقف كثيرة تجاه ما جرى على آل الرسول في تلك البقعة وقد أشرنا إلى ذلك في البحوث السابقة.
ثم ترك الموكب أرض كربلاء بالحزن والأسى والبكاء وتوجه نحو المدينة لمتابعة الثورة التي افتتحها الحسين بمعركته في كربلاء، وقد تحول قبره الشريف إلى مزار للمؤمنين والأحرار عبر الزمن حيث ظهرت لهذا القبر كرامات لا يستطيع أحد أن ينكرها.
يقع المرقد الشريف وسط مدينة كربلاء غربي نهر الفرات ويحيط به شارع رئيسي يوصل إلى ضواحي المدينة، وعلى بُعد ثلاث مئة متر يقع ضريح العباس، فبعد استشهاد الحسين(ع) دُفن في الحائر المقدس وقد أقيم على لقبره الشريف رسماً نُصب عليه علامة وبناءٌ كيلا يزول أثره، وفي عهد بني أمية وُضعت على القبر مسالح لمنع الزائرين من الوصول إليه حيث كان متوقاً بمخافر تتولى هذه المهمة البشعة، وبعد هذا العهد أخذ الناس يتوافدون لزيارة القبر الشريف وبدأ عمران المدينة يتسع وقد استوطنها الكثيرون سنة مئة وسبعين للهجرة.
وقد حدثت تغييرات كثيرة للقبر الشريف عبر الزمن، ففي سنة خمس وستين للهجرة بنى المختار بن أبي عبيدة الثقفي قبة على القبر الشريف، وفي أيام أبي العباس السفاح سنة مئة وست وثلاثين جرى تعمير المرقد الشريف، وفي عهد المأمون عام مئة وثمانية وتسعين أعيد بناء القبر الشريف بعد أن هدم الرشيد الأبنية التي كانت محيطة بالأضرحة المقدسة وموضع القبر، وفي عهد المنتصر بالله العباسي سنة مئتين وسبع وأربعين للهجرة تم بناء الضريح المقدس، وفي سنة مئتين وثمانين قام محمد بن محمد بن زيد القائم بطبرستان بتجديد البناء، وفي عام ثلاثمئة وسبعة وستين بنى عمران بن شاهين أحد أمراء البطائح الرواق المعروف باسمه وبنى بجنبه مسجداً، وفي عام ثلاث مئة وواحد وسبعين شيّد عَضُد الدولة البويهي قبةً ذات أروقة وضريحاً من العاج وعمّر حولها بيوتاً وأحاط المدينة بسور، وفي عام ثلاثمئة وثمانين شيد الداعي العلوي محمد بن زيد بن الحسن قبة على القبر لها بابان وبنى حولها سقفين وأحاطهما بسور، وفي سنة أربعمئة وسبعة وعلى إثر الحريق الذي أصاب الحرم الشريف قام الحسن بن الفضل وزير الدولة البويهية بإعادة البناء نفسه مع تشييد السور.
وفي عام أربعمئة وتسعة وسبعين أمر الملك شاه السلجوقي بترميم سور الحائر الحسيني، وفي عام سبعمئة وسبعة وستين جدد السلطان أويس الجلائري بناء القبر، والقبة الموجودة حالياً هي من آثار بنائه وقد أتم نجله السلطان أحمد تجديد القبر، ومن بعده ولده السلطان حسين حيث شيد البهو الأمامي للروضة المعروف بإيوان الذهب، وفي عام تسعمئة وأرعة عشر أمر الشاه اسماعيل الصفوي بتذهيب حواشي الضريح وقد أهدى اثني عشر قنديلاً من الذهب كما أهدى صندوقاً فضياً بديع الصنع للحائر المقدس تم وضعه على القبر عام تسعمئة واثنين وثلاثين.
وبين عام تسع مئة وثلاثين وعام تسع مئة واثنين وثمانين بذل الشاه طهماسب الصفوي الكثير من الأموال لأجل تعمير الروضة الحسينية وقد وسّع المسجد الكبير الملحق بالمشهد الشريف، وفي عام ألفٍ وثمانية وأربعين للهجرة شيد السلطان مراد الرابع العثماني القبة وجصص خارجها، وفي عام ألف ومئتين وسبعة قام السلطان آغا محمد خان مؤسس الدولة القاجارية بتذهيب القبة لأول مرة، وفي عام ألف ومئتين وسبعة وعشرين أمر السلطان فتح علي القاجاري بتجديد بناء المشهد وتبديل صفائح الذهب القديمة وقد تبرعت زوجته بتذهيب المئذنتين، وقد أمر هذا السلطان أيضاً سنة ألف ومئتين وخمسين بإعادة بناء قبة مرقد الإمام الحسين وقبة مرقد العباس، وفي عام ألف ومئتين وسبعة وثمانين أمر ناصر الدين شاه بتجديد المشهد ووسّع الصحن الشريف من الجهة الغربية، وفي عام ألف وثلاثمئة وخمسة وخمسين أمر السلطان طاهر سيف الدين الإسماعيلي بتجديد شباك الضريح من الفضة الخالصة ، وما زال المحسنون حتى هذه الأيام يتبرعون في سبيل هذا المَعلَم الكبير من معالم الإسلام الحق ومعالم البذل والتضحية والجهاد في سبيل الله عز وجل.
أحداث القبر الشريف
لو لم يذكر المؤرخون ما حدث عند القبر الشريف عبر التاريخ البعيد والقريب لأدركنا وأيقنا بحدوث أمور يعجز المؤرخون عن إحصائها لكثرتها لأن أحداث العظماء لا تتوقف عن موتهم وغياب أجسادهم عن الساحة بل إن أحداثهم تستمر كما لو كانوا موجودين بين الناس بأجسادهم وأرواحهم، والإمام الحسين موجود فينا قبل ولادته وموجود فينا بعد ولادته وكذلك بعد استشهاده ولو كشف لنا الغطاء ما ازددنا يقيناً بعظمته ونزاهة ثورته، فلقد تتالت الأحداث بعد استشهاده وبقي الجسد الطاهر محط أنظار الناس قبل دفنه وبعده، وما زال مرقده الشريف مزاراً لملايين الناس من كل حدب وصوب، وها هي كربلاء حتى اليوم مزدهرة ببركة ما حدث عليها قبل أربعة عشر قرناً ومباركة لضمّها الأجساد المباركة وفي مقدمتها جسد أبي عبد الله الحسين(ع) وها هم المؤمنون يتوافدون على شكل الدوام إلى تلك البقعة الطاهرة رغم الأخطار المحدقة بهم من قبل أعداء الله والحسين والإنسانية.
لقد تعرّض القبر الشريف إلى نكبات على أيدي مبغضي صاحبه ومنكري الحق بجميع وجوهه، كما وأنه حدثت أمور جيدة عند قبره المقدس، فمن جملة تلك الأحداث الجيدة زيارة الناس له بُعَيد استشهاده بأيام حيث تحولت أرض الطف إلى مزار للشرفاء والأحرار والأوفياء وأصحاب الإرادات الصادقة النابعة من الإخلاص لله ورسوله وآل الرسول(ص) ويذكر التاريخ بأن أول من قام بزيارة الحائر المقدس عبيد الله بن الحر الجعفي الذي كان قريباً من ذلك الموضع، ونحن نحتمل بأن أكثر الذين أتوا إلى زيارة تلك القبور كانوا خائفين من جواسيس يزيد وأعوانه لأن الخطر آنذاك لم يكن محدقاً بالحسين فقط بل بكل من يحبه وينصره بفعل أو بقول أو بإشارة ولقد أحصى التاريخ وقائع كثيرة قريبة من هذا النوع فلقد حدثنا المؤرخون عن كثير من المؤمنين الذين قُتلوا على أيدي الأمويين وغيرهم لمجرد أنهم موالون لعلي وأولاده كما صنع معاوية بأصحاب الإمام علي كحجر بن عدي الكندي وميثم التمار وأبي ذر الغفاري وغيرهم من الأطهار الذين قضوا لأنهم من شيعة علي، وقد استفحل هذا الأمر في عهد المجرم الأكبر الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لاحق المؤمنين في كل مكان وقتلهم لأنهم من شيعة علي، فعبيد الله بن الحر الجعفي هو أول من زار القبور في كربلاء حيث وقف عليها واستعبر باكياً ورثا الحسين بقصيدة معروفة.
وكذا فعل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري حيث زار القبر الشريف مع جماعة من أهل المدينة في العشرين من صفر، وقال لمن معه ألمسوني القبر لأنه كان كفيفاً، وهذا دليل على كون قبر الحسين لم يكن مخفياً كما يدعي بعض المشككين والمعادين.
فيقول بعض المؤرخين بأن زيارة جابر بن عبد الله حصلت سنة اثنتين وستين للهجرة ونحن نعلم بأن ذلك حدث سنة إحدى وستين للهجرى حيث التقى الإمام زين العابدين والسيدة زينب بجابر أثناء عروجهم إلى كربلاء لدى عودتهم من الشام إلى المدينة فلا مانع من أن تكون الزيارة قد تكررت من جابر في السنة الثانية ولا مانع من أن يكون هناك خطأ من المؤرخ فبدل أن يقول سنة 61 قال سنة62 وربما يكون ذلك خطئاً مطبعياً لأن الأرجح أن يكون جابر قد زار القبر الشريف مرة واحدة، هذا بالنسبة للأحداث الجيدة وهي كثيرة، وأما بالنسبة للأحداث السلبية ففي سنة مئة وأربعين للهجرة المنصور الدوانيقي العباسي بتخريب القبر الشريف….. وفي عهد هارون الرشيد أي من سنة مئة وسبعين للهجرة وإلى سنة مئة وثلاث وتسعين ضُيّق الخناق على زائري القبر الشريف وقُطعت شجرة السدرة التي كان يستدل بها الزائرون على موقع القبر الشريف ويستظلون تحتها من حرارة الشمس، وفي عهد هارون أيضاً خُرّب القبر وهدمت الأبنية التي كانت تحيط به.
وفي الفترة ما بين سنة 236 و247 أمر المتوكل العباسي بهدم القبر الشريف وحرث أرضه وأسال الماء عليه فحار الماء حول القبر الشريف وبسبب ذلك سميت البقعة الشريفة لموضع القبر بالحائر كما أنه منع الناس من زيارته.
وفي شهر شوال سنة 247 قُتل المتوكل على يد ابنه المنتصر الذي سمح بزيارة المرقد الشريف ووضع إشارة يُستدل بها على موضعه وأعاد بناء القبر فراح العلويون يتوافدون إلى كربلاء في ذلك العهد وسكنوا بجوار المرقد وقد كان أول ساكن لكربلاء في ذلك العهد هو السيد ابراهيم المجاب.
وفي سنة 407 احترق حرم الإمام الحسين حيث كان مزيناً بخشب الساج وذلك على إثر سقوط شمعتين كبيرتين فيه، وفي سنة 1216 هاجم سعود بن عبد العزيز الوهابي مدينة كربلاء وأباد أهلها قتلاً وسبياً وكسر جنوده شباك القبر الشريف ونهبوا ما فيه من كنوز ذهبية ثمينة، وفي سنة 1258 وقعت مجزرة نجيب باشا التي سميت بغدير دم حيث لم يمنعه احتماء المستضعفين بضريح الإمام من أن يقتحم المرقد ويجعل دماء الضحايا تسيل في الحرم وقد وقعت هذه المجزرة البشعة في حق المؤمنين يوم عيد الأضحى من تلك السنة.
ثم تعرض المرقد منذ سنوات إلى القصف والدمار على يد النظام الذي كان حاكماً.
الشيخ علي فقيه



