
مَثَلُ الكاذب مع الله
إن أظلم إنسان في هذا الوجود هو الذي يكذب على ربه، وهو في الحقيقة يكذب على نفسه لأنه يخدعها بالبعد عن الله وإنكار ما جاء به الأنبياء أو بعض ما جاؤوا به من الحق، فتارة يوصف المرء بالكاذب لأنه يكذّب الرسالات السماوية وينكر كونها من عند الله تعالى، وتارة يكذب بطريقة أخرى فيقول هكذا قال الله أو هكذا أراد الله وهو تعالى لم يقل هذا ولم يرده، والكاذب سواء كان من النوع الأول أو الثاني فإنه مقبوح عند الله عز وجل بل هو من أهل غضبه وعذابه، ولذا قال سبحانه في سورة هود(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) هؤلاء سوف يفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، والأشهاد هم الأنبياء والملائكة الذين سوف يشهدون عليهم، وسوف يشار إليهم بأصابع الغضب وإشارات العذاب وسوف تحل فيهم وعليهم لعنة الله لأنهم ظالمون، ظالمون لأنفسهم ولغيرهم من الناس بل هم ظلموا الحق حين ادعوا أشياء نسبوها إليه وهو بريء منها، ثم زادتنا سورة هود بياناً حول السلوك السيء الذي كان يمارسه هؤلاء المنعوتون بالكاذبين والظالمين فقال تعالى(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)
فمن أوصاف هؤلاء أنهم يصدون عن سبيل الله، ففي الدرجة الأولى يصدون أنفسهم عن تلك السبيل، وبالدرجة الثانية يصدون غيرهم عنها وينعتون طريق الصواب بالإعوجاج فيجعلون الباطل حقاً والحق باطلاً، وفي نفس الوقت لا يؤمنون بيوم القيامة وكل من أنكر القيامة كان كافراً لأنها أصل من أصول الدين التي يتحقق بها الإيمان الصادق.
ثم يقول الله فيهم(أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) فهم لا يؤثرون شيئاً على ملك الله وقدرته بل هم محتاجون إليه في كل شيء وهو غني عنهم وعن إيمانهم وأعمالهم ولكنه بفعل رحمته الواسعة يدعوهم إلى ما هو خير لهم، وبما أنهم انحرفوا عن الحق واستحبوا الكفر على الإيمان فسوف يضاعف لهم العذاب في يوم الحساب.
ثم وصف الله حالهم يوم القيامة وذكر لنا النتيجة الوخيمة التي سوف يصل إليها أمرهم فقال(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) والذي يخسر نفسه فقد خسر كل شيء ولا يعوّض له تلك الخسارة شيء، وقد قال عيسى بن مريم(ع) ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه: وهؤلاء خسروا الآخرة ولم يربحوا الدنيا لأنها لم تبق لهم ولن تبقى لغيرهم ممن هم أشد منهم قوة وأكثر جمعاً وسلطاناً وسلطنة، فهؤلاء لا شك بأنهم الأخسرون في يوم الحساب لقوله تعالى(لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) ثم يذكر الله تعالى عاقبة المؤمنين به من باب بيان الحقيقة وترغيب الناس ليؤمنوا ويعملوا صالحاً فيقول(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وبعد ذلك يذكر لنا مثل الفريقين مثل الذين أعرضوا عن ربهم ومثل الذين آمنوا وأطاعوا وأخلصوا فقال سبحانه(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) ويضرب لنا الله تعالى مثلاً آخر للذين كفروا فيقول(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ).
الشيخ علي فقيه



