
قِصةُ سَفَرِ النبِي(ص) إِلَى الطائِف
بعد وفاة أبي طالب نالت قريشٌ من رسول ما لم تنله في حياة عمّه، وضيّقوا عليه كثيراً ووقفوا في وجه دعوته فقرر أن يبحث عن بيئة أخرى يؤسس فيها لدين الله وتكون بيئة حاضنة للرسالة السماوية فاختار السفر إلى الطائف، وقد بيّن(ص) مكانة عمه أبي طالب عندما قال: ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب.
فعندما توفيت السيدة خديجة وبعدها بشهر تقريباً توفي أبو طالب أصبحت مهمة النبي أصعب حيث تكالب عليه قادة قريش وراحوا يؤذونه بكل وسيلة، وقد تعرّضت حياته الشريفة لخطر القتل، فسافر إلى الطائف في السنة العاشرة للبعثة الشريفة.
وقد اختار الطائف بالذات لأنها من أهم المراكز بعد مكة يتوافد إليها التجار من كل حدب وصوب، وهذا ما كان النبي يصبو إليه.
وصل إلى الطائف، وفور وصوله بدأ بدعوة أهلها إلى الإيمان بالله سبحانه فبادروه بالسخرية والإستهزاء وراحوا يشتمونه ويهددونه إن لم يتوقف عن دعوته تلك، فشعر حينها بخطر شديد فلجأ إلى بستان عتبة وشَيبة ابنَي ربيعة للتخلص من أولئك السفهاء، فجلس في ظلٍ هناك وكان يتصبّب عرقاً حيث حيث ألحقوا الأذى بجوانب عديدة من جسده المبارك، وكانت الدماء تسيل من رجليه، وبينما هو على تلك الحالة إذ تقدّم نحوه ابنا ربيعة اللذان رأيا كل ما أصابه وقد أمرا غلاماً نصرانياً من أهل نينوى بتقديم طبق عنب له حتى يأكل ويرتوي.
وجرى بينهما حديثٌ طويل فأيقن هذا النصراني بأن محمداً هو النبي الموعود فأسلم من فوره.
ولم يكن البقاء في الطائف ذا فائدة، ولم يكن الرجوع إلى مكة أمراً سهلاً حيث كانت قريش تنوي قتل النبي فور رؤيته فرجع إلى حراء والتقى بشخص من خزاعة فطلب منه أن يُخبر المطعم بن عدي بحالته، وكان المطعم ذا شأن رفيع عند سادة قريش، فذهب الرجل إلى مكة وأخبر المطعم بقول رسول الله(ص) فوافق أن يجيره من قريش، ودخل النبي إلى مكة بإجارة المطعم وتابع نشر الدعوة دون أن يناله أحد من قريش بأذى.
ولم ينس النبي(ص) فضل هذا الرجل رغم أنه كان وثنياً، وقد أراد أن يردَّ له الجميل بأي ثمن، ولكنه فارق الحياة، وتلك هي أخلاق رسول الله(ص) الذي وصفه ربه تعالى بأنه على خُلُقٍ عظيم.
وكان النبي (ص) يستخدم كلّ وسيلة وطريقة لنشر دعوته، فكان يقوم بالدعوة في كلّ وقت وكلّ مكان، منتهزاً الفرص المناسبة لذلك، مثل استغلاله لاَسواق العرب الشهيرة: عكاظ والمجنة وذي المجاز، حيث كان الخطباء والشعراء يقفون فيها ليلقوا ما عندهم من شعر وخطب، وفكان النبي يقف على مكان مرتفع خاطباً: «قولوا لا إله إلاّاللّه تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذلّ لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة».
كما أنّه كان يلتقي في مواسم الحج بروَساء القبائل وأشرافها يعرض عليهم دينه، ويدعوهم إلى اللّه سبحانه، ويخبرهم بأنّه نبي مرسل، ويقول ابن هشام في ذلك: كان(ص) لا يسمع بقادم من العرب إلى مكة له اسم وشرف إلاّ تصدّى له فدعاه إلى اللّه وعرض عليه ما عنده.

