
الشيخ علي فقيه
تَطْهِيْرُ القُلُوْبِ
مِنْ آثَارِ الذُنُوْب
البَابُ الأَوَّلُ
الذُّنُوْب
أَسْبَابُهَا وَآثَارُهَا وَعَوَاقِبُهَا
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واصحابه المنتجبين، وجميع المؤمنين والمؤمنات، وبعد:
لقد كان من الضروري جداً أن نقدّم لمجتمعنا ما نستطيع من الخدمات العلمية والدينية لِعِلْمنا بالحاجة الماسة إلى معرفة أحكام الدين ومفاهيمه العامة والخاصة من قِبَل الكبار والصغار على اختلاف مستوياتهم العلمية والفكرية، فلا يحق لنا كمسؤولين عن تبليغ الرسالة أن نعطي الإهتمام إلى طبقة واحدة فقط ونهمل حقوق باقي الطبقات التي كانت مسؤولياتنا تجاههم كمسؤولياتنا تجاه الطبقات الأخرى، فلا يكفي أن نقدم لهم المناهج العلمية التي تساعدهم في دراساتهم الأكاديمية فقط ونهمل لهم الجانب الأهم في حياتهم وهو المناهج الدينية التي نحفظ بها دنياهم وآخرتهم، فإن واجبنا تجاه أفراد مجتمعنا الإسلامي على وجه الخصوص أن نقدّم لهم كل احتياجاتهم العلمية والثقافية بمختلف أنواعها، ونحن بهذا السلوك نؤدي واجبنا الديني تجاه إخواننا وأخواتنا أولاً، ونساعدهم على فَهم أحكام دينهم ثانياً، ونحفظ لهم مستقبلهم في يوم القيامة ثالثاً، إذ لا ينبغي أن نهتم بجانب واحد ونهمل باقي الجوانب التي لا تقل أهمية عن الجوانب التي اعتنينا بها دون سواها.
وقد اخترت لكم في هذا الكتاب مواضيع متفرقة تتعلق ببيان الذنوب التي يجب التخلي عنها بشدة لأنها السبب في هلاك الأمم والأفراد عبر التاريخ، وأنتم بدوركم يجب أن تساعدونا في إيصال الفكرة عبر الإهتمام بها من قِبَلِكم، بمعنى أن لا تحتقروا مسائل الدين بدعوى أنها أمور رجعية كما يحاول البعض أن يصورها لكم، فليس من الرجعية أن تفهم أحكام ربك وتطيعه، وإنما الرجعية هي أن تَنزل بروحك ونفسك إلى مستويات وضيعة أراد ربك عز وجل أن ينزهك عنها.
وسوف ينحصر الكلام هنا حول الذنوب الكبيرة التي كان تركها رادعاً عن ترك غيرها مما يسمّى صغار الذنوب، وسوف نراعي في أسلوبنا أفهام الجميع لأننا نحترم الجميع بدرجة واحدة، ولأجل ذلك سوف نختار أسهل العبارات التي يفهمها الجميع لأن الهدف الأساسي من وضع هذا الكتاب بين أيديكم هو أن يفهم الجميع مرادنا.
ونحن بدورنا نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لبيان أكبر عدد ممكن من المفاهيم المتعلقة بهذا الشأن، إنه سميع مجيب الدعاء.
علي فقيه
2007
الذَّنْبُ وَالأَلْفَاظُ المُرَادِفَةُ لَهُ
لم يُعبَّر عن الذنب بلفظ الذنب فقط، وإنما استُعمل في بيانه ألفاظ مرادفة له تؤدي نفس المعنى وتقوم بذات المهمة التي تقوم بها دلالة لفظ الذنب.
ويوجد ألفاظ كثيرة تُستعمَل للدلالة على الخطأ، فلا حصر لمعنى الذنب في لفظ واحد، لأنه من الألفاظ المشترَكة في الدلالة على معنى واحد، وقد ذُكر في كتب اللغة العربية فوارق بسيطة بين هذه الألفاظ لا تخل بالمعنى المراد، فيمكن التعبير عن الذنب بلفظ الذنب أو المعصية أو الحنث أو الخطأ أو الرجس.
وقد استعمل القرآن الكريم هذه المرادفات كلها في الدلالة على الذنب فقال في سورة الأنعام(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وفي سورة الواقعة(وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ) وفي سورة الحج(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
وفي سورة الأحزاب(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)
وفي سورة المائدة(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
وفي سورة الشعراء(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)
وفي سورة الإسراء(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا)
وهناك مجموعة كبيرة من الآيات التي استعملت مثل هذه الألفاظ المرادفة للفظ الذنب، والمعنى في الجميع واحد غير أن لفظ الخطأ يحمل معنيين: معنى الحرمة، ومعنى الخطأ غير المحرم كالخطأ في الكلام مثلاً.
ولعل التنوع في هذه الإستعمالات له دلالة على حجم المعصية التي يرتكبها الإنسان في الدنيا لأن المعصية درجات مختلفة، منها ما يستحق فاعله الدرك الأسفل من النار، ومنها ما يستحق الدخول في سقر، ومنها ما يستحق فاعله العذاب الطبيعي، فلا مانع من أن يكون هذا التنوع في الإستعمالات اللفظية الدالة على الذنب ذا علاقة مباشرة بنوع المعصية وحجمها ومستوى تبعاتها في يوم الحساب.
الكَبَائِرُ وَالصَّغَائِرُ
قال سبحانه في سورة النساء(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا)
يوجد في شريعة الإسلام أنظمة دقيقة وقوانين محدَّدة لكل سلوكٍ سواء كان فِعلاً أو تَرْكاً أو كلاماً أو حركة معيَّنة، وهذا ما امتاز به هذا الدين الحنيف عن باقي الأديان التي لم تكن بهذا المستوى من الدقة في وضع الأنظمة وسَنِّ القوانين.
ومن جملة تلك الأنظمة الدالة على عظيم الحكمة والعدالة موضوع الفصل بين الذنوب وتصنيفها إلى كبائر وصغائر، فلا يعاقَب فاعل الصغيرة بمثل ما يعاقَب به صاحب الكبيرة.
ويعود سبب هذا التصنيف إلى مستوى المعصية التي تصدر عن الإنسان، حتى في ذات الكبائر يوجد هذا التمايز فإن البهتان أقبح من الغيبة، والقتل أقبح من الكذب، والشرك أعظم من القتل، وهكذا الأمر في الصغائر أيضاً.
ومن هنا نشأت الدرجات في جهنم فإن لكل عاصٍ درجة خاصة من العذاب بحسب الذنوب التي كان يرتكبها في دار الدنيا، وهذا التمايز لا يختص بالمعصية فقط بل هو يشمل الحسنات أيضاً، فكما كان في جهنم درجات ومستويات مختلفة فكذلك يوجد في الجنة مثل هذا التمايز، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذه الحقيقة الثابتة والواضحة.
والآية الكريمة أشارت إلى وجود نوعين من الذنوب من دون أن تشير إلى وجود تمايز في نفس الكبائر ونفس الصغائر.
والآية الكريمة هنا موضع نقاش واسع حيث يتعلق بها مفهوم عقائدي كبير لا يقبل أي نوع من أنواع الوهم، ولا يكفي النظر إلى ظاهرها من دون الرجوع إلى النصوص المفسرة لها حيث قد يفهم البعض جواز ارتكاب الصغائر، وهذا وهم واضح، لأن الإنسان مأمور بترك النوعين، ولكن السؤال هناهو أنه: إذا كان الإنسان مأموراً بترك النوعين فلماذا اشترطت الآية علينا ترك الكبائر دون الصغائر وجعلت ترك الكبيرة سبباً في تكفير الصغيرة أو في زوال أثر الصغيرة؟
فهل أننا عند اجتناب الكبائر تُكَفَّرُ عنّا الصغائر بشكل أوتوماتيكي من دون أن نستغفر منها أو نندم على ارتكابها؟ وهل أن تارك الكبيرة سوف يترك الصغيرة حتماً؟
أما بالنسبة للسؤال الأخير فإن الإجابة عليه واضحة لأن الإنسان إما أن يفعل الكبائر دون الصغائر، أو يفعل الصغائر دون الكبائر، أو يفعلهما معاً، وقد عرفنا أن الكبيرة لها حسابها الخاص، والصغيرة لها عقابها المحدَّد، غير أن الإشكال وقع في كون الآية الكريمة تحتوي على شرط وجزاء، والشرط فيها هو اجتناب الكبائر، والجزاء تكفير الصغائر، فلو تركنا الأمر على ما هو عليه من دون الإستعانة بالقرائن الأخرى فسوف نقع في مشكلة يصعب حلها، وقد ينشأ لدينا من خلال هذه الآية الكريمة عدة احتمالات:
الإحتمال الأول: أنه بمجرد تكرك الكبائر تُغفَر الصغائر مباشرة، وهذا احتمال مرفوض لاعتقادنا التام بكون التبعات ملازمة لكبائر الذنوب وصغائرها مع وجود فارق بينهما في حجم العقاب جيث نعتقد بأن عقاب الصغيرة أقل من عقاب الكبيرة.
الإحتمال الثاني: أن يكون ترك الكبيرة سبباً في ترك الصغيرة، بمعنى أن الذي يترك الكبائر فإنه حتماً سوف يترك الصغائر، وهذا وهم واضح لعِلْمنا بأن الواحد منا قادر على ترك الكبيرة مع فعله للصغيرة أو العكس حيث أن الكبائر تصب في جهة، والصغائر تصب في جهة ثانية.
الإحتمال الثالث: أن لطف الله بعباده كبير، وأن الحكمة عنده اقتضت الغفران لكل من اجتنب الكبائر خوفاً من عقابها الشديد فلا يبقى مع ترك الكبائر عقاب على الصغائر، وهذا ليس من القواعد الصحيحة لأنه يفتح المجال أمام الناس بارتكاب الصغائر وإن كثرت، وهذا مخالف للنظام العام المجعول للذنب وما يتعلق به من تبعات وآثار.
ولا يمكن الأخذ بأي احتمال من هذه الإحتمالات لأنها لا تصيب الحقيقة، ولكن البحوث التالية سوف ترشدنا إلى المعنى المراد من الآية الكريمة.
مَعْنَى الإِجْتِنَاب
إجتَنَبَ الشيء، أي تَرَكَه، واجتناب الكبائر تَرْكُها، والمعنى: أن فعل الكبيرة حرام، وأن الذين يفعلون الكبائر يجب عليهم التخلي عن هذا السلوك القاتل، وكذا الحكم في الصغائر، وقد يتوهم بعض الناس أن الإجتناب لا يدل على التحريم، وهذا خطأ كبير، لأن النهي عن الأشياء يتم عبر استعمالات كثيرة، فإن كل لفظ يدل على النهي هو نهي.
الكَبِيْرَةُ وَالسَّيِّئَةُ
في قوله تعالى(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) بيانٌ لأمرين:
الأمر الأول: أنها تشير إلى قسمين من المعاصي، كبير وصغير.
الأمر الثاني: أنها عبّرت عن الصغائر بالسيئات.
والتعبير عن الصغائر بالسيئات في هذه الآية الكريمة لا يجعله قاعدة عامة مع وجود آيات تستعمل لفظ السيئات للدلالة على الكبائر مثل قوله تعالى(أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)
معنى ذلك أن الألفاظ الدالة على المعصية لا تُخصَّص في معنى الكبائر أو الصغائر فيجوز استعمالها للدلالة على القسمين، وقد تعمدتُ الإشارة إلى هذا الأمر كيلا نقع في الوهم عند الحديث عن الذنوب واستعمال أحد الألفاظ الدالة عليها في معنييها.
المَعْصِيَةُ والسَّيِّئَةُ
تارة نقول: فلانٌ ارتكب سيئة، وتارة أخرى نقول: فلانٌ ارتكب معصية، فالمعصية هي ارتكاب الذنب كبيراً كان أو صغيراً، فلفظ العصيان أعم من كونه دالاً على أحد القسمين لأنه يشملهما فيصح استعماله للدلالة على كليهما، أما السيئة فرغم كونها دالة على القسمين ومستعمَلةً للدلالة عليهما إلا أنها تُستعمل لمعان أخرى لا علاقة لها بارتكاب الذنب، فقد يُستعمل لفظ السيئة للدلالة على المصيبة كما في قوله تعالى(مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) وكقوله سبحانه(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا)
كما وأن لفظ السيئة يُستعمل للدلالة على نتائج المعاصي الدنيوية والأخروية، وهذا ما أشار إليه سبحانه في قوله الكريم(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)
كِتَابٌ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
في أواسط سورة الكهف أشار القرآن الكريم إلى وجود كبائر وصغائر من الذنوب، وأن هذا النظام له أثر في يوم الحساب، ففي ذلك اليوم يُعطى كل إنسان كتاباً قد دُوِّنَ فيه كلُّ صغيرة وكبيرة من الذنوب التي ارتكبها في الحياة الدنيا فيتفاجأ لدقة الإحصاء، وفي ذلك قال سبحانه(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
وإخبارُنا عن إشفاقهم مما في الكتاب يدل على كون المراد بالصغيرة والكبيرة هي الذنوب الصغيرة والذنوب الكبيرة التي سوف يُسئلون عنها يوم القيامة.
تَحَوُّلُ الصَّغَائِرِ إلى كَبَائِر
أبدأ هذا البحث بميزان وضعه رسول الله(ص) للتفريق بين الكبيرة والصغيرة، وهو قوله: لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار:
فإن الإصرار على الذنوب الصغيرة يتحول إلى ذنوب كبيرة، وقد عَدَّ علماؤنا الكرام مسألة الإصرار على الذنب من كبائر الذنوب، وكذا الإستخفاف بالذنب فإنه يجعل الذنب الصغير كبيراً عند الله عز وجل سواء كان هذا الإستخفاف استخفافاً بتبعات الذنب أو استخفافاً بذات الله عز وجل.
وقد ركّز الرسول وآله(ص) على هذه المسألة كيلا يهلك بها الإنسان لظنه بأنها تمر مرور الكرام، فقد قال(ص) : إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً جعل ذنوبه بين عينيه ممثَّلَةً والإثم عليه ثقيلاً وبيلاً، وإذا أراد بعبدٍ شراً أنساه ذنوبه:
وقال أمير المؤمنين علي(ع) : أعظم الذنوب عند الله سبحانه ذنبٌ صغُر عند صاحبه:
وعنه(ع) قال: أشد الذنوب ما استخف به صاحبه:
لا تَنْظُرُوا إِلَى حَجْمِ المَعْصِيَة
إن تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر إنما يتم بالنظر إلى نفس المعصية، فإن كانت قتلاً أو غيبةً أو رباً قلنا إنها كبيرة، وإن كانت نظرة بشهوة أو استماع أغنية قلنا هذه صغيرة، وهذا هو الميزان المعمول به عند تصنيف المعاصي وتقسيمها.
أما عند النظر إلى الله تعالى فإن جميع المعاصي تصبح بمستوى واحد يصح أن نعبّر عنه بالكبير، لأنك بمعصيتك سواء كانت كبيرة أو صغيرة في حساباتنا فإنك تستهدف بها العزة الإلهية التي ينبغي أن ننظر إليها عند العصيان لا إلى حجم المعصية ونوعها، فأنت بالصغيرة تخالف ربك، وكذلك بالكبيرة.
قال رسول الله(ص): لا تنظروا إلى صِغَر الذنب ولكن انظروا إلى من اجترأتم:
الصَّغِيرَةُ طَرِيقٌ إِلَى الكَبِيرَة
ينبغي على المؤمن العاقل أن يحتاط لدينه ويحصنه من دخول المفاسد عليه، بمعنى أن يبتعد عن كل ما يقرّبه من الحرام، حتى المكروه الذي هو جائز في الشريعة فإن ترك المكروه يساعدك أكثر على ترك الحرام لأنه سوف يشكّل لك حاجزاً بينك وبين الحرام، ولهذا فقد ورد أن المكروه سياج الحرام، فالذي يأتي بالمكروه لا يُؤمَن عليه من ارتكاب الصغائر، والذي يفعل الصغيرة لا يُؤمن عليه من ركوب الكبيرة لأن الصغائر باب إلى الكبائر فهي تشكّل لك جسراً قائماً بينك وبين الذنوب الكبيرة، فإذا استهترت بالمكروهات وقعت في الصغائر، وإذا لم تعصم نفسك عن الصغائر فلا تدري متى تقع في الكبائر.
وفي بيان هذه الحقيقة وردت مجموعة من النصوص التحذيرية عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم، فقد قال أمير المؤمنين علي(ع) : لا تستصغروا قليل الآثام فإن الصغير يُحصى ويَرجع إلى الكبير:
وقال الإمام الصادق(ع) : إن رسول الله(ص) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال(ص) فليأت كل إنسان بما قدَر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله(ص) هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقَّراتِ من الذنوب فإن لكل شيء طالباً، ألا وإن طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين:
العِصْمَةُ مِنَ الذُّنُوب
العصمة نوعان: نوع من الله والعبد، ونوع من العبد، أما العصمة التي من الله والعبد فهي عصمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما العصمة التي من العبد فهي التي تتحقق بفعل كل واجب وترك كل محرَّم، ويمكن دعم هذا النوع من العصمة بفعل المستحبات وترك المكروهات فإن الأجر بذلك أعظم والبعد عن الحرام أضمن.
ويجب على كل إنسان في هذا الوجود أن يكون معصوماً بالمعى الثاني لأنها الباب الذي يدخل منه المرء إلى رضوان ربه عز وجل، وليس الأمر صعباً كما يتوهم كثير من الناس لأن العصمة بالمعنى الثاني هي من الأمور الميسورة والمقدور عليها من قبل الجميع، ولكن الذين يستثقلون الأمر هم الذين تعودوا على الحرام فشعروا بأن التخلي عن الحرام أمر صعب، فكما يعيش الإنسان على الأرض بالحرام فهو قادر على أن يعيش من دون حرام، فالأمر يحتاج إلى شيء من الإرادة في بادئ الأمر ثم يجد بعد ذلك أن الأمر بغاية السهولة لأنك كما تعوّد النفس تعتاد، فإذا عودتها على الفلتان وأطلقتَ لها العنان تاهت في بحور الشهوات المحرمة، أما إذا لجمتها من الأساس وأمرتها بالتزكية والإنصياع لأوامر الله تعالى ونواهيه فإنها سوف تكون نفساً زكية، واعلم أن الله تعالى لم يكلفنا بما هو خارج عن حدود طاقاتنا.
الإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْب
إن من علامات أهل التقوى عدم الإصرار على الذنب، فقد قال تعالى في محكم كتابه(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
واللافت في المقام هو أن الله تعالى جعل عدم الإصرار على الذنب علامة من علامات المتقين لأن عدم الإصرار على الذنب يدل على مدى خشية الإنسان من ربه، وفي مقابل هذه المجموعة يوجد مَن يصر على الذنوب ويستهتر بها ويجعلها جزءاً من حياته اليومية بحيث لا يهدأ له بال ولا يهنأ له عيش إلا بارتكابها.
فقد ورد عن رسول الله محمد(ص) أنه قال: من علامات الشقاء جمود العين وقسوة القلب وشدة الحرص في طلب الرزق والإصرار على الذنب:
فهناك ثلاثة أمور لها انعكاسات سيئة على صاحبها:
الأمر الأول: مسألة الإصرار على الذنب: وهي ما تجعل صغار المعاصي من الكبائر، فقد قال أمير المؤمنين علي(ع): أعظم الذنوب عند الله ذنبٌ أصر عليه عامله: وقال(ع): عجبت لمن علم شدة انتقام الله منه وهو مقيم على الإصرار:
الأمر الثاني: التبجُّح بالذنب: وهو أن يكون المذنب آمناً من سخط الله ومستهتراً بعاقبه فإن نفس هذا الإستهتار يجعل من المعصية الصغيرة معصية كبيرة، فقد قال الإمام علي(ع) :التبجح بالمعاصي أقبح من ركوبها: وقال(ع) :لا وزر أعظم من التبجح بالفجور: وقال(ع) :من تلذّذ بمعاصي الله أورثه الله ذلاً: وقال الإمام زين العابدين(ع) : إياك والإبتهاج بالذنب فإن الإبتهاج به أعظم من ركوبه:
الأمر الثالث: موت القلب بركوب المعصية: وهذا أمر قد لا يشعر به الإنسان إذا اعتاد على ارتكاب المعاصي.
الذُّنُوبُ تُفْسِدُ القَلْبَ
وهذا من أوضح العواقب الناجمة عن ارتكاب المعاصي والإصرار عليها، فقد قال الإمام الصادق(ع) : كان أبي يقول: ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إنّ القلب لَيُواقعُ الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيُصيَّرُ أعلاه أسفله: وقال(ع) : إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نُكتة سوداء فإن تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يُفلح بعدها أبداً:
آثَارُ الذُّنُوبِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا
عندما حرّم الله تعالى على عباده ارتكاب الذنوب فقد صنع ذلك من أجلهم، لأنه عز وجل يريد لهم الخير في الدنيا وفي الآخرة، وهناك أنواع من الذنوب لها آثارها السلبية على الإنسان في دنياه قبل آخرته، فإن ارتكاب الذنوب يميت القلب، وإذا مات القلب مات في الإنسان كل الخير، ومن آثار الذنوب على فاعلها في الحياة الدنيا زوال النعمة عنه، فقد ورد عن رسول الله(ص) قوله: إتقوا الذنوب فإنها مَمْحَقةٌ للخيرات، إن العبد لَيُذنب الذنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه: فالرسول(ص) في هذا الكلام يعطي نموذجاً واحداً من نماذج الآثار السلبية الكامنة خلق ركوب الذنوب، وإذا كان الذنب يذهب بنعمة العلم فإنه لا شك سوف يذهب بالنعم الأخرى.
وفي هذا المجال أيضاً قال الإمام الصادق(ع) : إن الرجل يذنب الذنب فيُحرَمُ صلاة الليل، وإن العمل السيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم:
وقال(ع) : ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إياه حتى يذنب ذنباً يستحق بذلك السلب:
ومن آثار الذنوب على فاعلها في الحياة الدنيا نزول البلاء والنقم، فقد قال تعالى في محكم كتابه(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)
قال أمير المؤمنين علي(ع) : تَوَقُّوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب، حتى الخدش والكبوة والمصيبة:
وقال الإمام محمد الباقر(ع) : إن العبد ليُذنب الذنب فيُزوى عنه الرزق:
وقال الإمام الصادق(ع) : إن المؤمن ليأتي الذنب فيُحرَم به الرزق:
وقال الإمام الرضا(ع) : كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون:
وإلى هذا المعنى العام يشير القرآن الكريم بقوله تعالى(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
الإِسْتِغْفَارُ دَوَاءٌ لِلذُّنُوب
من ألطاف الله الكبرى علينا أنه تعالى لا يأخذنا بالجرم مباشرة، ولا يعجّل لنا العقوبة ليكون معنا مجال واسع من أجل الإنابة والتصحيح قبل حلول الأجل المانع من التوبة والعمل، فلقد جعل الله عز وجل الإستغفار الصحيح النابع من القلب النادم طريقاً إلى محو الذنوب كأنها لم تحصل من الأساس، فمهما تراكمت علينا الذنوب فلا ينبغي أن نيأس من رحمة الله الواسعة لأنه عز وجل لا ينظر إلى الماضي قبل الإستغفار، فإن التائب من الذنب لا ذنب عليه بشرط أن تكون التوبة صادقة، ومعنى الصدق فيها أن لا يكون التائب مخادعاً لنفسه وربه، وبمعنى أوضح أن لا يكون في قرارة نفسه نية الرجوع إلى الخطأ، فلكي يكون الإستغفار دواءاً للذنوب وماحياً للتبعات ينبغي أن يكون حقيقياً، والإستغفار الحقيقي هو ما بيّنه الإمام علي(ع) عندما سمع رجلاً يقول أستغفر الله، فقال(ع) : الإستغفارُ إسم واقع لمعانٍ ست: أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤديَ حقها والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبَه بالأحزان حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأَ بينهما لحم جديد والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر الله:
الذُّنُوبُ الّتِي لا تُمْحى بالإستِغْفَار
يكون الإستغفار ماحياً للذنوب في بعض أنواعها دون الأنواع الأخرى، لأن هناك ذنوباً لا يكفي الإستغفار في عملية مسحها وإلغائها، بل لا بد من ضميمة أمور أخرى، ومثال ذلك ظُلمُك لبعض الناس فإن الإستغفار من دون التسامح من المظلوم قد لا يكون مجدياً لأي نفع، وكذا إذا سرقت مالاً من أحدهم وأردت أن تتوب فإن الله تعالى لا يقبل منك التوبة إلا بعد أن تُرجع الحق إلى أهله أو يسامحوك.
المَعْصِيَةُ الظَّاهِرَةُ وَ المَعْصِيَةُ المَسْتُورَة
ورد في الحديث: خفِ الله خوفاً كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن قلت بأنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم بأنه يراك وبرزت إليه بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين إليك: فقد يرتكب الإنسان ذنباً على مرأى ومسمع من الناس، وقد يرتكبه وهو لوحده، وكلاهما قبيح، لأن المعصية قبيحة على كل حال، ولكنك إذا تجاهرت بالمعصية بنية التجرؤ كان ذنبك أقبح من الطبيعي، فواجب كل إنسان أن يترك جميع الذنوب ظاهرها وباطنها، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم حيث يقول تعالى(وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ)
الذُّنُوبُ الَتِي لهَا عِقَابَان
مما لا شك به أن للذنوب آثاراً سيئة في يوم القيامة، فكل ذنب له حساب وتبعة سوف يُسئل عنها فاعلها في يوم الحساب إلا إذا استغفر منها فلا يُحاسَب عليها حينئذ، وقد شاءت القدرة الإلهية أن يكون هناك أنواع من الذنوب لها آثار في الدنيا وآثار في الآخرة، أما الآثار الدنيوية لبعض الذنوب فهي نوعان: نوع يقف عند حدود النفس فتكون آثاره نفسية فقط، ونوع لها عقاب يقوم به الإمام المعصوم أو نائبه، كعقاب القتل والزنا والسرقة والقَطع، فإن القاتل عمداً يُقتل بالمقتول وله عذاب أليم في يوم القيامة، هذا ما أخبرنا به القرآن الكريم بقوله(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)
وكذا حكم السارقة والسارق، فقد قال تعالى(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وكذا الحكم في الزنا فإنه ذنب عليه عقابان أحدهما دنيوي والآخر أخروي، قال تعالى(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
وعلى أي حال فمهما كان نوع الذنب الذي نرتكبه فلا ينبغي أن نقنط من رحمة الله لأن القنوط من رحمته أشد من عقاب المعصية، قال تعالى(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
وَظَائِفُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم
إن أهم سلوك يجب القيام به في هذه الدنيا منذ يوم التكليف وحتى آخر رمق لنا في الحياة هو الحذر من سطوات الشيطان الرجيم الذي لن يتركنا وشأننا مهما كانت ظروفنا حرجة وصعبة ومحزِنة فإنه لا يرحم ابن آدم لكونه العدو الأكبر له، فلا ينبغي الإطمئنان له لأنه يتحل الفرص وينتهزها أقلها للإنقضاض على الإنسان وإلقائه في الهلاك، وإن لهذا العدو الخطير أكثر من وظيفة يقوم بها ضد البشر، ولأجل ذلك ينبغي التعامل معه على أساس كونه أخطر الأعداء لأن عداءه مستمر ودائم لن ينتهي إلا في يوم القيامة.
وسوف نتحدث هنا عن الشيطان ووظائفه باختصار مراعاة منّا لأساس الموضوع.
أولاً: إن للشيطان الرجيم وظيفتين أساسيتين: الأولى: إغواؤنا حتى نفعل الحرام، والثانية: إنساؤنا للإستغفار، وهذا ما يفعله معنا الوسواس الخناس الذي قال لزعيمه الأكبر(إبليس) أمنيهم وأغريهم حتى يواقعوا الخطيئة فإن واقعوها أنسيتهم الإستغفار.
ومن جملة وظائف الشيطان ما ذكره القرآن الكريم في سورة النساء(لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)
ثانياً: إن الشيطان الرجيم عدو خطير، فيجب التعامل معه على هذا الأساس لأن الله تعالى هو الذي حذرنا منه حيث قال في شأن عداوته لنا(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقال تعالى(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا)
وقال تعالى(إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) وقال سبحانه(لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) وقال عز وجل(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
بَعْضُ النَّاسِ أَفْضَلُ مِنَ المَلائِكَة
يستطيع كل إنسان بما أوتي من القوى العقلية الرحمانية أن يرتقي بإيمانه وعمله الصالح إلى مستوى تغبطه عليه الملائكة فيكون أفضل منها لأنه رغم مطاردة الشيطان له وتزيين الدنيا في عينه اختار ما عند الله وآثر الآخرة على الدنيا وداس على الشهوات المحرمة وصعد بروحه إلى عالم الملكوت كما صنع النبياء والأئمة والصلحاء عبر الزمن، وليس من الصعب أو المستحيل على الإنسان أن يبلغ هذه الدرجة لأن الأمر مقدور عليه، فما هي إلا التقوى ويرتقي الإنسان إلى هذا المستوى العظيم الذي يخوّله دخول الجنة والفوز بنعيمها.
بَعْضُ النَّاسِ أَحَطُّ شَأْناً مِنَ الحَيَوَان
عندما يدوس الإنسان بقدميه على القوى العقلية التي أنار الله بها قلبه وروحه، ويختار الداني ويؤثره على العالي ويعمل عمل الحيوانات التي لم يكن همها سوى الإشباع مهما كانت الوسيلة فعند ذلك سوف ينزل بروحه إلى أحط المستويات التي أراد الله تعالى أن ينزهه عنها، وهذا النوع من الناس يشكّل الأكثرية الساحقة في كل المجتمعات ومن جميع الطبقات ومن مختلف المستويات الفكرية والإجتماعية والسياسية.
فالذي يُشبع شهواته بشكل مطلق من دون أن يراقب في ذلك حكم الله عز وجل فهو لا شك أوضع شأناً من الحيوانات الفاقدة للقوى العقلية، والذي يظلم الناس ويسرقهم ويخدعهم ويكذب عليهم فلا شك بأنه من دون كرامة، ومن الطبيعي أن يكون عديم الكرامة أحط شأناً من الحيوانات، وعلى الإنسان أن يختار أحد هذين الأمرين.
التَوْبَة
من نِعَمِ الله تعالى على عباده أنه فتح لهم باب التوبة حتى لا تبقى التبعات ملازمة لهم إلى يوم الحساب، فجعل التوبة تطهيراً لهم من ذنوبهم التي هي السبب في شقاء الإنسان يوم القيامة، فمهما فعل الإنسان من الحرام في دنياه فإنه عندما يريد الرجوع إلى الله عز وجل يجده تواباً رحيماً بشرط أن يكون الإنسان صادقاً في توبته، والصدق في التوبة هو أن تتوب من الذنب وأنت ما تزال قادراً على فعله، وليس أن تترك الحرام عندما لم يعد جسمك قادراً على تحمّله كمن يترك شرب الخمر لأن الأطباء منعوه، فلو لم يمنعه الأطباء لما تخلى عن شرب الخمر ولما أقلع عن هذا السلوك الشيطاني القبيح، فإن مثل ذلك لا يًعدُّ توبةً بل هو شيء آخر، ونحن بذلك لا نريد أن نزرع اليأس في قلب الإنسان وإنما نريد أن ننصحه كيلا يدركه الموت وهو على المعصية، وعلى كل حال فمهما كان الأمر فلا ينبغي أن نتخلى عن التوبة حتى ولو أصبحنا شيوخاً وعجائز أتعبنا الهرم والتقدم في السن، وقد وضع الله عز وجل ميزاناً واضحاً للتوبة كي نسير على ضوئه في هذه الحياة بشرط أن لا نقنط من رحمة الله مهما كانت الظروف فقال تعالى(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
الحَسَنَاتُ تَذْهَبُ بالسَّيِّئات
قال تعالى(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)
يمكن لنا أن نستخلص من هذه الآية الكريمة معنيين:
المعنى الأول: أن الإهتمام بطاعة الله عز وجل يضمن لك الإبتعاد عن المعصية، فإذا شغلت نفسك بالحسنات فلا شك بأنها سوف تبعد عنك السيئات، فلو ارتكبت محرماً معيّناً ثم أتيت بعده بألف حسنة فلن تُمحى عنك تبعات هذا الحرام إلا بالإستغفار منه، والإستغفار من أهم الحسنات الماحية للسيئات، فلا نريد أن نفهم أنّ فعل الحسنة يشفع لك فعل السيئة، فهذا وهم واضح، فأي ذنب تذكره ولم تستغفر منه فإنك سوف تُسئل عنه في يوم الحساب.
المعنى الثاني: أن السيئات تنقسم إلى قسمين: الأول: وهي السيئات التي تتعلق بها حقوق للمخلوقين، والثاني: وهي السيئات التي ارتكبها الإنسان بحق نفسه، أما التي تتعلق بحقوق الناس فإن كل الحسنات لا تمحوها، وأما التي تتعلق بين المرء وربه فإنه إن مات قبل أن يستغفر منها فإن هناك ميزاناً وضعه الله تعالى بداعي الرحمة، وهو أن الذي كانت حسناته أكثر من سيئاته فإن الأمر يعود إلى الله وحده فإن شاء محى سيئاته بتلك الحسنات وإن كانت أقل من السيئات، وإن شاء عذّب الإنسان بذنب واحد، ولكن ثقتنا بالله عز وجل كبيرة، ولأجل ذلك نحن نأمل منه الرحمة على كل حال لأننا الفقراء إليه في الدنيا والآخرة، ولأنه تعالى غني عن عذابنا.
الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ وَالسَّيّئَةُ بِمِثْلِهَا
هناك ثلاثة أنواع من الآيات التي تتحدث عن جزاء الحسنة والسيئة، منها ما يذكر مضاعفة الأجر، ومنها ما يذكر الجزاء الحسن بشكل عام، ومنها ما يحدد الحسنة بعشر والسيئة بمثلها، أي بواحدة.
أما النوع الأول: فمنها قوله تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
وأما النوع الثاني: فمنها قوله تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وأما النوع الثالث: فمنها قوله تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
ونحن نعتقد بعظيم كرم الله عز وجل وأن جزاء الحسنة يتجاوز العشرة التي لم تُذكَر –والله أعلم- إلا لبيان الكثرة، ولقد انتزعت هذا الرأي من معنى قوله تعالى(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا بأن جزاء الحسنة لا حدود له لأن كرم الله عز وجل لا تحده حدود، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عظمة رحمة الله وسعتها، وقد قيل إن السبب في هذا التفاوت بين الحسنة والسيئة أن الإنسان عندما يريد أن يفعل الحسنة فإنها لا تصدر عنه إلا بعد عراك مع النفس الأمارة بالسوء فإنه يصرعها ويفعل الخير بعد أن يلجمها، ولكن اعتقادنا في الأمر أن السبب في ذلك إنما هو لطف الله وكرمه وليس شيئاً آخر.
البَابُ الثَّانِي
كَبَائِرُ الذُّنُوْب
الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالى أَوَّلُ الكَبَائِر
ينقسم الناس بالمبدأ العام في هذه الدنيا إلى قسمين: مؤمنين وكافرين:
الكَافِرُون
وَهُمْ قِسمان:
القسم الأول: المُلْحِدون: وهم الذين أنكروا وجود الخالق عز وجل كفراً وعناداً في حين أن الدلائل على وجوده واضحة وجلية وكثيرة.
القسم الثاني: المُشْرِكون: وهم الذين أيقنوا بوجود الله عز وجل، ولكنهم أشركوا في عبادته، والشرك نوعان: نوعٌ عبدوا مع الله غيره، ونوع عبدوا الله بواسطة، أما النوع الأول فينقسم إلى مجموعتين:
الأولى: وهي التي آمنت بوجود الله وكفرت بوحدانيته عبر عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الكواكب والأصنام بدعوى أن لها تأثيرات معيّنة عليهم، ومن هنا نشأت تلك الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان كإله الشمس وإله المطر وإله والرزق وغيرها من الأسماء التي قال الله فيها(أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)
الثانية: وهي التي آمنت بوجود الله تعالى وكفرت بوحدانيته عبر الشرك في العبادة، بمعنى أنهم اتخذوا بعض المخلوقات وسيلة تقرّبهم من الله تعالى وهم يعرفون جيداً بأن عبادة الله عز وجل لا تحتاج إلى أية واسطة، غير أنهم انطلقوا بهذا الشعار كعذر يحتجون به على أنبياء الله عليهم السلام، وهذا ما علّق عليه القرآن المجيد بقوله(أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
المُؤْمِنُون
وهم قسمان أيضاً:
قسم آمنوا بالله تعالى وبجميع صفاته الثبوتية والسلبية، ولم يكفروا بشيء بأي أمر يجب الإيمان به كالملائكة والنبيين والكتب السماوية والآخرة والجنة والنار والثواب والعقاب، وقسمٌ آمنوا بشيء دون شيء آخر، كمن آمنوا بكل الصفات ما عدا كون الله تعالى عالماً بالسر وما هو أخفى أو أنه يعلم ما سوف يكون، ولا شك بأن حكم القسم الثاني حكم المشركين عند الله تعالى وإن أُطلِق عليهم في الحياة عنوان الإيمان، فلكي يكون الإنسان مؤمناً حقاً عليه أن يؤمن بكل ما يجب الإيمان به، وهذا القسم مصداقٌ من مصاديق قوله تعالى(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
والقسم الأول نوعان: نوع آمنوا وعملوا ما يوجبه عليهم الإيمان، ونوع آمنوا واستهتروا بالعمل، ولكل نوع منهما حكمه الخاص عند الله عز وجل.
الإِيمَانُ التَّامُّ والإِيمَانُ النَّاقِص
الإيمان التام هو الإيمان المستتبِع للعمل الناتج عن الإعتقاد الصحيح، وقد بيّن لنا رسول الله(ص) حقيقة الإيمان ومتمماته لنكون على بصيرة من أمر إيماننا بالله عز وجل، فقد قال(ص) : الإيمان معرفة بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالأركان:
وقال(ص) : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن الإيمان ما خلَص في القلب وصدّقه الأعمال:
وقال علي(ع): الإيمان شجرة أصلها اليقين، وفرعها التقى، ونورها الحياء، وثمرها السخاء:
وبهذا يظهر لنا معنى الإيمان التام ومعنى الإيمان الناقص، فمن كان إيمانه ناقصاً وجب عليه إتمامه قبل أن تأتي لحظة عليه يخسر فيها كل شيء.
الإِسْلام
إن الإسلام الحنيف هو دين الحق الشامل لجميع المعارف الإلهية والكتب السماوية التي لم يعد لها دور بحلوله، حيث جاء هذا الدين بشريعة تامة فيها ما يحتاج إليه الناس عبر الزمن، وهو الدين الذي جعله الله عز وجل خاتمة الشرائع السماوية، والوسيلة الوحيدة لنيل الرضوان، فمن لم يتخذ الإسلام ديناً له في هذه الحياة فسوف يخسر الدنيا والآخرة في وقت واحد، وإلى هذا المعتقَد الكبير يشير الله تعالى بقوله المبارك(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
وقد حدثنا النبي وآله(ص) عن الإسلام:
فقال(ص): الإسلام يعلو ولا يعلى عليه:
وقال علي(ع): إن هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته، وأذلّ الأديان بعزته، ووضع المِلل برَفْعِه:
وقال(ع) في صفة النبي(ص) : أرسله بحجة كافية، وموعظة شافية، ودعوة متلافية، أظهر به الشرائع المجهولة، وقمع به البدع المدخولة، وبيّن به الأحكام المفصولة، فمن يبتغ غير الإسلام ديناً تتحقق شَقوتُه، وتنفصم عروته، وتَعظُم كبوته، ويكن مآبُه إلى الحزن الطويل والعذاب الوبيل:
التَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْك
إن أخطر أمر يمكن أن يقع فيه الإنسان هو الشرك بالله عز وجل، فهو ذنب لا يُغفر، وهو السبب الأكبر في شقاء الإنسان يوم القيامة، وقد طال ما حذّرنا الكتاب المجيد من الوقوع في هذا السلوك السيء الذي ينتهي العذاب الأبدي.
قال تعالى(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)
وقال سبحانه(إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)
اليَأسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
وهو من كبائر الذنوب التي ورد النهي عنها صريحاً في محكم الذكر الحكيم حيث قال سبحانه(وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
وقد ورد في القرآن ما يدل على اليأس بلفظ القنوط، وهو قوله سبحانه(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
وقد ذمّ الله تعالى أصحاب اليأس والقنوط، وواعدهم العذاب على عدم الثقة به والقنوط من رحمته، فإن اليأس علامة على كفر الإنسان أو جهله لأنهما مصدر اليأس، فاليائس من رَوح الله كافر، هذا هو القانون القرآني الذي بيّنه الله تعالى بكل وضوح، وقد أشار إلى ذلك في سورة هود حيث قال(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)
آثَارُ اليَأْسِ عَلَى عَمَلِ الإِنْسَان
ما من شكٍ بأن الله تعالى نهانا عن كل ما لَهُ أثر سلبي علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة، وقد نعلم بهذا الأثر، وقد يبقى مخفياً عنا بأحد الأسباب المانعة من ظهوره، وهذه الأسباب إما أن تكون طبيعية وإما أن تكون غيبية، فإذا كانت تلك الأسباب طبيعة فإنه بإمكان الإنسان أن يسعى أكثر لمعرفة الأثر، ومع السعي الجدي يمكن الوصول إليه، أما إذا كانت الأسباب غيبية فمن الأفضل أن نسلِّم الأمر إلى الله تعالى ونثق بأنه لم يأمرنا إلا بما فيه المصلحة لنا على مستوى الدنيا والآخرة، ولم ينهَنا إلا عما فيه المفسدة لنا في الدنيا والآخرة أو في إحديهما على نحو الإستقلال.
فاليأس له أثر سلبي واضح، وهو منع الإنسان عن العمل، وجَعْلُهُ في حالة نفسية متردية قد تقضي عليه إذا استمر حاله هكذا، فاليأس يجعلك تكره الحياة وما بعد الحياة، ويجعلك كارهاً للآخرين من أقاربك وأصحابك وغيرهم، ويجعلك منزوياً في مكان لا يليق بك أن تتخذه مقاماً لنفسك التي أراد الله لها الإنطلاق في جميع مجالات الخير والنفع.
فإذا لم يكن الزمان مؤاتياً لمصلحتك فاصبر حتى يحكم الله في الأمر ويبدله من حال إلى حال، قال الإمام علي(ع) : لا تيأس من الزمان إذا منع، ولا تثق به إذا أعطى، وكن منه على أعظم الحذر:
وقال(ع) : أعظم البلاء انقطاع الرجاء:
وقال(ع) : قَتَلَ القنوطُ صاحبَه:
عُقُوْقُ الوَالِدَيْن
إن العقوق من كبائر المحرمات المانعة من دخول الجنة، وهو الإساءة إلى الوالدين بقولٍ أو فعلٍ أو إشارة أو بغير ذلك مما يُدخل الأذى إلى قلبيهما، وقد حدثتنا الروايات الواردة عن النبي وآله الكرام(ص) أن العاقّ لوالديه أو أحدهما لن يشم رائحة الجنة لأن الجنة تحت أقدام الأمهات وخلف رضا الآباء، فلا يظنّنَّ أحد بأنه سوف يلقى الرضا في يوم القيامة وهو غير مطيع لأبويه أو هو عاق لهما، وهذه فكرة أساسية يجب أن نضعها نصب أعيننا في هذه الحياة ونكون على بصيرة من أمرنا حول مسألة الأبوين، فهي مسألة حساسة يرتبط بها الفوز أو الشقاء، وقد قال الإمام الصادق(ع) : عقوق الوالدين من الكبائر…
وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْساناً
إنها عبارة أطلقها القرآن الكريم، رددها في أربع سور ليؤكد على أهميتها، بل على أهمية الإلتزام بها لأنها ترسم طريقاً سهلاً للحياة الدنيا ولحياة ما بعد هذه الحياة حيث أن للإحسان إليهما فوائد وآثار على مستوى الدنيا والآخرة.
ففي سورة البقرة قال سبحانه(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ)
وفي سورة النساء قال تعالى(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا)
وفي سورة الأنعام قال عز وجل(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
وفي سورة الإسراء قال سبحانه(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
وقال أمير المؤمنين علي(ع) : برُّ الوالدين من أكرم الطباع:
وقال(ع) : بر الوالدين أكبر فريضة:
التَّأَفُّفُ فِي وَجْهِ الأَبَوَيْن
عندما يحرّم الله تعالى علينا فعل المعصية الصغيرة فإنه وبشكل أولى يحرّم علينا المعاصي الكبرى، وإذا كان الله تعالى قد نهانا عن التأفف في وجه الآباء والأمهات فمعنى ذلك أن اي خطأ معهما هو أمر محرّم مستوجب للعذاب، وقد خصص الله تعالى ذكر التأفف في الآية لأنه أقل خطأ يمكن أن يُرتكب مع الوالدين، وذلك كيلا نُقدِم على ما هو أكبر من التأفف، وفي هذا المجال قال الإمام الصادق(ع) : أدنى العقوق(أفٍّ) ولو علم الله عز وجل شيئاً أهونَ منه لنهى عنه: وقال(ع) : في قوله تعالى(ولا تقل لهما أفٍ) هو أدنى الأذى حرّم الله فما فوقه:
وأما في معنى قوله تعالى(واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) فقد قال الإمام الصادق(ع): لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما ولا تَقَدَّمْ قُدّامهما:
وقال(ع) في معنى قوله تعالى(وقل لهما قولاً كريماً): إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما:
وقد جاء رجل إلى الإمام الصادق(ع) وقال له: إن والدي تصدَّق عليَّ بدارٍ ثم بدا له أن يرجع فيها… فقال(ع): بئس ما صنع والدك، فإن أنت خاصمته فلا ترفع عليه صوتك، وإن رفع صوته فاخفض أنت صوتك:
الآثارُ الدُّنْيَوِيَّةُ لِلبِرِّ بِالوَالِدَين
إن الواجبات والمحرمات نوعان: نوعٌ له آثاره في الآخرة فقط، ونوع له آثاره في الدنيا والآخرة، ووجوب البر بالوالدين له آثارٌ في الدنيا والآخرة، أما آثاره في الدنيا فهي كثيرة جداً
منها: طول العمر والزيادة في الرزق: فقد قال رسول الله(ص) : مَن سرَّه أن يُمدَّ له في عمره ويُزاد في رزقه فليَبَرَّ والديه، وليَصِلْ رحِمَه:
ومنها: إكتساب البر من الأبناء: فقد قال الإمام الصادق(ع) : بَرُّوا آباءكم يَبَرَّكم أبناؤكم:
ولا شك بأن هناك العديد من الآثار الدنيوية التي تعود على الولد البار في دنياه قبل آخرته لأن البر بالوالدين سبب كل خير في الدنيا والآخرة.
الآثَارُ الأُخْرَوِيَّةُ لِلبَرِّ بِالوَالِدَيْن
ليست الآثار الحسنة في الدنيا الناتجة عن البر بالوالدين سوى مقدمة للآثار الكبرى التي تعود على البار في يوم الحساب، ويكفي في بيان تلك الآثار أن نقول بأن البار من أهل الجنة.
آثَارُ العُقُوق
كما كان للبر بالوالدين آثار إيجابية على مستوى الدنيا والآخرة، فكذا الأمر في العقوق، فإن له آثاراً سلبية على مستوى الدنيا والآخرة، أما آثار العقوق في الآخرة فهو النار الكبرى، وأما آثار العقوق في الدنيا فهي كثيرة:
منها: عدم قبول العمل: فإذا كان الإنسان يرجو ثواب ربه فلا ينبغي أن يكون عمله في يوم القيامة كناقل الماء في الغربال، وهذا الأثر مشترَكٌ بين الآثار الدنيوية والآثار الأخروية، على اعتبار أن هناك أعمال تُرفض منه ولها آثار إيجابية في الدنيا، وهذا ما أشار إليه الرسول الأكرم(ص) : حيث قال: يقال للعاق: إعمل ما شئت فإني لا أغفر لك:
ومنها: إكتساب القلّة والذلّة في الدنيا: وفي ذلك قال الإمام علي الهادي(ع) : العقوق يُعقِبُ القِلّة ويؤدي إلى الذلّة:
ومنها: عدم التوفيق للطاعة، ومنها: كفر النعمة، ومنها: عدم الشكر، ومنها: قلة النسل: وهذا ما أشار له النبي الأعظم(ص) حيث قال: حرّم الله عقوق الوالدين لما فيه من الخروج من التوفيق لطاعة الله عز وجل، والتوقير للوالدين وتجنُّب كفر النعمة، وإبطال الشكر، وما يدعو من ذلك إلى قلة النسل وانقطاعه، لما في العقوق من قلة توقير الوالدين والعرفان بحقهما، وقطع الأرحام، والزهد من الوالدين في الولد، وترْك التربية بعلة ترْكِ الولد بِرَّهما:
قَتْلُ النَّفْسِ المُحْتَرَمَة
إن قتل النفس من كبائر المحرمات التي يستحق مرتكبها الخلود في نار جهنم، وقد ذُكر هذا الحكم الإلهي في القرآن الكريم بشكل واضح وجلي، فقال تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
وقتل النفس من الذنوب التي يستحق عليها فاعلها عقابين أحدهما في الدنيا والآخر في يوم الحساب، وهو أشد من عقاب الدنيا الذي لا يقاس بذرة من عذاب الآخرة.
تَشْدِيدُ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلَى حُرْمَةِ قَتْلِ النَّفْس
من العادات التي اتبعها القرآن المجيد أنه يركز على المسائل الكبرى ويكرر ذكرها في العديد من سوره من باب بيان أهمية هذا الأمر المركَّز عليه، وهذا من شأنه أن يلفت أنظار الناس نحو الأمر ويجعله موضع عناية عندهم، وقتل النفس أمر عظيم لأنه من الجرائم الكبرى التي تُحدث خللاً واضحاً في النظام الحياتي الطبيعي، وها هو كتاب الله العزيز يذكّرنا باستمرار بحرمة قتل النفس، وذلك حتى تكون الذكرى المتكررة رادعاً لنا عن الخوص في هذا الجرم، ففي سورة الأنعام الآية 151 قال سبحانه(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وفي سورة الإسراء الآية 31 قال تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا)
كَلامُ النَّبِيِّ وَآلِهِ(ص) حَوْلَ قَتْلِ النَّفْس
لم يدعِ النبي وآله(ص) أمراً من أمور الدين والدنيا إلا وكشفوا لنا غوامضه وبيّنوا حقائقه، وذلك من أجل أن نسير في الحياة على بصيرة من أمر ديننا ودنيانا، فلقد أتحفوا العقول وأناروا القلوب بتلك التعاليم التي نشروها بيننا، والتي لولاها لعاشت البشرية في ظلام دامس.
قال رسول الله(ص) : إن أعتى الناس على الله تعالى من قَتل غيرَ قاتله، ومن ضَرَب مَن لم يضربه:
وقال(ص) : لا يزال العبد في فُسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً:
وقال(ص) : لا يزال قلب العبد يقبل الرغبة والرهبة حتى يسفك الدم الحرام فإذا سفكه نُكس قلبُه، صار كأنه كِيْرٌ مُحْمٍ أسودُ من الذنْب، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً:
وقال(ص) : أول ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف ابني آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك حتى يأتي المقتول بقاتله فيتشخَّبَ في دمه وجهُه فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلتَه؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً:
وقال(ص) : لا يغرنّكم رحب الذراعين بالدم فإن له عند الله عز وجل قاتلاً لا يموت، قالوا يا رسول الله: وما قاتلٌ لا يموت؟ فقال(ص): النار:
وقال(ص) : لَزوال الدنيا جميعاً أهون على الله من دمٍ سُفك بغير حق:
وقال(ص) : لو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن أو رضُوا به لأدخلهم الله في النار:
وقال(ص) : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه: آيس من رحمة الله:
وقال الإمام الباقر(ع) : من قتل مؤمناً متعمداً أثبت الله تعالى عليه جميع الذنوب، وبرئ المقتول منها، وذلك قول الله تعالى(أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)
قَطْعُ صِلَةِ الرَّحِم
يُعتَبر قطع هذه الصلة من كبائر المحرمات لشدة بغضها عند الله عز وجل، وكثرة المفاسد المترتبة عليها، بل كثرة المصالح والفوائد التي سوف تفوت الإنسان بسببها، ولا تختص تلك المصالح بيوم القيامة فقط، وإنما هي في الدنيا أيضاً، لأن هذا الواجب(صلة الرحم) من جملة السلوكيات التي تحمل معها الفائدة في الدنيا قبل الآخرة.
وقد حدّثنا القرآن الكريم عن هذا الواجب وضرورة العمل به وأنه من الأمور العظيمة في نظر الله عز وجل الذي قال في محكم كتابه(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
والملاحَظ في هذه الآية الكريمة هو أن الله تعالى جعل مسألة قطع الرحم في عرض واحد مع نقض العهد والإفساد في الأرض، وكلاهما من كبائر الذنوب.
وفي بيان المراد من الأرحام في هذه الآية قال الإمام الصادق(ع) : هي أرحام الناس، إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظّمها، ألا ترى أنه جعلها منه:
وفي بيان ضرورة هذه الصلة وحرمة قطعها قال الإمام علي(ع) : أيها الناس: إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عترته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطةً من ورائه وأَلَمُّهُم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به، ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يرثه غيره، ألا لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخَصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا يَنقصه إن أهلكه، ومن يَقبِضْ يده عن عشيرته فإنما تُقبض منه عنهم يدٌ واحدة، وتُقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة، ومَن تلِن حاشيته يستدم من قومه المودة:
آثَارُ صِلَةِ الرَّحِم فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة
إن لصلة الأرحام آثاراً تظهر على صاحبها في الدنيا لأن هذا السلوك من شأنه أن يعكس المنفعة على الإنسان في دار الدنيا لكونه يحمل منفعتين: واحدة في الدنيا والثانية في الآخرة.
أما آثار هذا السلوك في الدنيا فهي كثيرة:
منها: الزيادة في الرزق: فهي بابٌ من أبواب العيش الكريم حيث أن الله تعالى ييسّر أمر الواصل لرحمه فلا يقبل له الجوع.
ومنها: دَفْعُ البلاء: وهو من أعظم الآثار التي يطلبها العقلاء في الدنيا، فإن دفع البلاء نعمةٌ كبيرة، وصلة الرحم وسيلة لدفع البلاء من وجهٍ.
ومنها: طول العمر: وافضل الأعمار وأقدسها هي التي تُستغَلُّ في الطاعة فيكون طول العمر حينئذ محبوباً للخالق والمخلوق، والعاقل عندما يسأل ربه طول العمر فإنه يقيّد دعاءه بالعمل الصالح، وهذا ما أشار إليه الإمام السجّاد(ع) في دعائه حيث قال: وعمّرنب ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك: لأن بطن الأرض من دون ذنب خير من ظهرها مع العصيان.
ومنها: تحسين الخُلُق: وهو من صفات أهل الإيمان التي ينبغي أن تكون في كل مسلم، فهي طريق يؤدي بصاحبه إلى الرضوان.
ومنها: تطييبُ النَّفْس: ومن منّا لا يريد أن يكون ذا نفس طيبة وروح كريمة؟
ومنها: نماء العدد: لأن التواصل مع الأقارب يجعلك كثيراً بهم.
ومنها: إبعاد ميتة السوء: وقد بيّن الرسول وآله(ص) هذه الآثار في صلة الرحم على مستوى الدنيا والآخرة، وإليكم بعض تلك النصوص الواردة في هذا الشأن:
ومنها: تيسير الحساب: في ذلك اليوم العظيم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة.
ومنها: تخفيف سكرات الموت: وهي من أشد الساعات التي يمر بها ابن آدم.
ومنها: العصمة من الذنوب: وهو غاية مطلوب المؤمن.
قال رسول الله(ص) : اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في الدنيا وخيرٌ لكم في الآخرة:
وقال(ص) : مَن سرّه أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأَ له في أجله فليصِلْ رحِمَه:
وقال(ص) : صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر:
وقال(ص) : صلة الرحم تعمُرُ الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار:
وقال(ص) : صلة الرحم تُهوِّن الحساب وتقي مِيتة السَّوء:
وقال الإمام الحسين(ع) : مَن سرَّه أن يُنسأ في أجله ويُزاد في رزقه فليصل رحمه:
وقال الإمام الباقر(ع) : صلة الأرحام تزكي الأعمال وتُنمي الأموال وتدفع البلوى وتُيسّر الحساب وتنسئ في الأجل:
الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله تَعَالى
إن الأمن من مكر الله تعالى من كبائر الذنوب، وقبل الخوض في أعماق هذا الذنب العظيم تجدر الإشارة إلى حقيقة مكر الله تعالى، وحقيقة مكر الإنسان، لأن هناك فرقاً كبيراً بين المكرين ، أو بين المعنيين.
أما مكر الله عز وجل: فهو نوعٌ من العقوبة والإنتقام نتيجة لبعض الذنوب التي يرتكبها الإنسان، والتي يستحق عليها هذا النوع من المكر الإلهي.
وأما مكر الإنسان: فهو المخادعة والعصيان والكذب والدجل وما شاكلها من المعاني، وقد استفاضت النصوص المبينة لقبح مكر الإنسان، فعن النبي(ص) قال: ليس منّا مَن ماكرَ مسلماً: وقال(ص) : المكر والخديعة والخيانة في النار: وقال(ص) : ملعون مَن ضارَّ مؤمناً أو مكر به: وقال(ص) : من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع، فإني سمعت جبرئيل(ع) يقول: إن المكر والخديعة في النار:
مَعْنَى الأَمْنِ مِنْ مَكْرِ الله
وهو الإستخفاف بعقاب الله عز وجل، وهذا أقبح سلوك يتعاطى به الإنسان مع ربه، ولسان المواعدة في القرآن على الأمن من مكر الله واضح، فقد قال سبحانه(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)
فهل يظن الظالم بأنه سيدوم ظلمه؟ وهل يظن بأن الله تعالى لا يرى ولا يسمع، وهل أن استخفاف الظالمين بمواعدة الله لهم سوف تمر من دون أي حساب أو مجازاة؟ فلقد أخبرنا القرآن بأن الذين يمارسون هذا السلوك هم الخاسرون، وغداً في يوم القيامة سوف نعلم الرابح من الخاسر، ولكن هذا لا يعني أن الله تعالى غافل عما يصنع الظالمون، بل سوف ينزل عليهم ألواناً من العذاب كما صنع بقوم نوح وقوم لوط وقوم صالح وغيرهم من الأقوام التي تمادت في الكفر والعناد.
أَكْلُ مَالِ اليَتِيم
لا يجوز لأي إنسان أن يأكل مال غيره بوجه غير شرعي، حيث لا يحلُّ المال إلا عن طيب نفس كما ورد في الأحاديث، وإذا كان أكل المال بوجه غير شرعي أمراً قبيحاً فإن أكل أموال اليتامى أقبح، وقد نص القرآن الكريم على هذا الذنب بالتحديد مما دل على كونه من كبائر الذنوب، ففي أكل الأموال بالباطل من دون تقييده باليتم قال سبحانه(وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) وفي خصوص أكل أموال الأيتام قال عز وجل(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
قال رسول الله(ص) : شرُّ المآكل أكلُ مال اليتيم ظلماً:
وعنه(ص) قال: يُبعث أناسٌ من قبورهم يوم القيامة تأَجَّج أفواههم ناراً، فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى:
شُرْبُ الخَمْر
إن شرب الخمر من كبائر المحرمات، وقد ورد تحريمه في الكتاب العزيز صريحاً.
قال سبحانه(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) وقال عز وجل(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)
ولا تختص حرمة شرب الخمر بكمية معيّنة فإن حكم النقطة فيه كحكم الجرّة، فقليله حرامٌ مثل كثيره، وما كان كثيره مسكراً فقليله حرام، وهو حرام أيضاً حتى لو لم يتأثر به بعض الناس كالمدمنين عليه.
وقد وردت نصوص كثيرة في بيان حرمة شرب الخمر وكونه من كبائر الذنوب، فقد قال رسول الله(ص) مبيّناً لنا مدى قبح الخمر: لعن الله الخمر وعاصرها وغارسها وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه:
وقال(ص) : لا تُجمَعُ الخمر والإيمان في جوفِ أو قلب رجل أبداً:
عَاقِبَةُ شَارِبِ الخَمْر
قال رسول الله(ص) : يجيء مدمن الخمر يوم القيامة مُزرقةً عيناه مسودّاً وجهه مائلاً شِقُّه يسيل لُعابُه:
وقال(ص) : يخرج الخمّار من قبره مكتوبٌ بين عينيه :آيسٌ من رحمة الله:
وقال(ص) : والذي بعثني بالحق نبياً إن شارب الخمر يأتي يوم القيامة مسوداً وجهه يَضرب برأسه الأرض وينادي: واعطشاه:
القِمَار
وهو من كبائر الذنوب التي واعد الله عليها العذاب، وهو من المحرمات التي تؤثر سلباً على فاعلها في الدنيا قبل الآخرة، والقمار هو الميسر الذي وصفه الله تعالى بأنه رجسٌ من عمل الشيطان، وأن الشيطان يريد أن يوقع بيننا العداوة في الميسر، وهذا ما نراه ونسمع به حيث أن الأغلبية الساحقة من المقامرين يعادون بعضهم البعض حيث يتحول كل هم المقامر إلى الربح وإن كان الطرف الآخر أباه أو إبنه، فإنه عند الخسارة سوف تقع العداوة.
قال تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)
وقد سُئل النبي(ص) عن هذه الآية الكريمة فقال: كلُّ ما تُقُومِرَ به حتى الكِعابُ والجوز، قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوه لآلهتهم، قيل فما الأزلام؟ قال: قِداحهم التي يستقسمون بها:
وقال الإمام علي(ع) : كلَّما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر:
وقال الإمام الرضا(ع) : الميسر هو القمار:
الكَذِب
قال الشيخ الأنصاري: الكذب حرام بضرورة العقول والأديان ويدل عليه الأدلة الأربعة: القرآن، السنّة، العقل، الإجماع:
والكذب من كبائر المحرمات التي حملت الكثير من المفاسد الدينية والإجتماعية والإنسانية قديماً وحديثاً.
الكَذِبُ يَذْهَبُ بِالإِيمَان
مَن كان من المؤمنين غيوراً على دينه وحريصاً على آخرته وجب عليه البحث عن الصفات التي تثبّت الإيمان، والصفات التي تذهب به ليحافظ على عمل الأولى ويتجنب الثانية حرصاً منه على عاقبته في يوم القيامة، ولكننا نُفاجأ في حياتنا بأشخاص يصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن وربما يقومون وقتاً طويلاً من الليل في الدعاء والمناجاة، ولكنهم مستخفون بأمر الكذب الذي يمارسونه من دون وقوف على قبحه وسوء عاقبته وآثاره التي منها ذهاب الإيمان، وإن من أخطر الأخطار على المؤمن في هذه الحياة أن يستخف بشيء من حلال الله أو حرامه لأن ذلك من الإستخفاف بأحكام الله والأمن من مكره، والإنسان قادر بكل سهولة على ترك الكذب، فلا يوجد ما يدعوه إلى ممارسته سوى الإستخفاف به، ولا ينبغي الإستخفاف بما يعقبه، فإن ما يعقبه هو النار الكبرى.
لقد أشار الكتاب العزيز إلى هذه الحقيقة حيث قال تعالى(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)
وقد سأل أبو الدرداء رسول الله(ص) :هل يسرق المؤمن؟ فقال(ص) : قد يكون ذلك، قال: فهل يزني المؤمن؟ قال(ص) بلى وإن كره أبو الدرداء، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال(ص): إنما يفتري الكذب من لا يؤمن، إن العبد يزِلُّ الزَّلَّة ثم يرجع إلى ربه فيتوب فيتوب الله عليه:
وقال(ص) : يُطبع المؤمن على كل خَلّة غيرَ الخيانة والكذب:
وقال(ص) : إياكم والكذب فإن الكذب مجانبٌ للإيمان:
وقال الإمام الباقر(ع) : إن الكذب هو خراب الإيمان:
ثِمَارُ الكَذِب
إن السلوك الذي يحمل من القبح والسوء بهذا الحجم الموجود في الكذب، لا شك بأن له ثماراً ونتائج تظهر على صاحبه في الدنيا والآخرة، وقد بيّن لنا المعصومون(عليهم السلام) كل الثمار الناجمة عن ممارسة هذا الفعل القبيح، وهي كثيرة جداً:
منها: المَهانة في الدنيا والعذاب في يوم القيامة:
ومنها: سوادُ الوجه في الدنيا والآخرة: وهو علامة على شدة غضب الله تعالى حيث أخبرنا في محكم كتابه عن تلك النتيجة فقال(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
ومنها: الذهاب ببهاء الوجه: وهو ذهاب الهيبة والشأن والكرامة وكل ملامح الإيمان وسيمائه وأنواره.
ومنها: فساد الدين وزيادة الوزر: ولا شك بأن كثرة الكذب تفعل ذلك حيث لا يبقى للكذاب دين ولا إيمان، وهذا بالإضافة إلى زيادة وزره وعقابه في يوم الجزاء الأكبر.
ومنها: الندم: وهو من أعظم الآثار السلبية التي تعود من وراء هذا السلوك، حيث لا شك بأن الكاذب سوف يقتله ندمه عندما تُعرض عليه أفعاله في يوم القيامة.
ومنها: فساد جميع الأمور: حيث لا يبقى من ينصت إليه، ولا يبقى من يصدقه حتى لو وقع في المهالك، فسوف يُترَك وحيداً في ظلمات الحياة.
ومنها: العار في الدنيا والآخرة: فعار الدنيا سوء السمعة وفقدان الكرامة، وعار الآخرة هو العذاب في نار جهنم.
ومنها: الطريق إلى النفاق: لأن كثرة الكذب تجعل صاحبها منافقاً، ولأن الكذب من صفات المنافقين الذين واعدهم ربهم الدرك الأسفل من النار حيث يقول في محكم كتابه(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)
ومنها: قلّة المروءة:
ومنها: إنعدام ثقة الناس: فقلّ أن تجد من يثق بالكاذب من المؤمنين وغيرهم، وهذا يعني أن الكذب منبوذ عقلياً وإنسانياً قبل أن يكون منبوذاً في شرائع السماء.
ومنها: زرع الشك في القلوب تجاهه:
ومنها: قلة الرزق: فإن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون رزق الكذاب قليلاً أو عديم البركة، وهو عقاب دنيوي له.
ومنها: الحرمان من صلاة الليل:
ومنها: البُعد عن الصلاح:
قال رسول الله(ص) : إنّ الكذب يسوّد الوجه:
وقال(ص) : أقلّ الناس مروّةً من كان كاذباً:
وقال(ص) : الكذب يَنقُص الرزق:
وقال أمير المؤمنين علي(ع) : ثمرة الكذب المهانة في الدنيا والعذاب في الآخرة:
أَكْلُ الرِّبَا
لقد نصَّ القرآن المجيد وكلام أهل العصمة(ع) على أن أكل الربا من كبائر المحرمات عند الله عز وجل، ويمكن الإستدلال على ذلك بقوله تعالى(وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) بعد نهيه تعالى لنا عن أكل الربا في قوله الكريم(لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) وكذا يدلنا على عظيم هذا الجرم قوله(ص) : شَرُّ الكسب كسب الربا:
الحَالَةُ التِي يَكُونُ عَلَيْهَا المُرَابِي فِي يَوْمِ القِيَامَة
قد لا ينتهي المرابي من نهيك له وإن استعملت معه أكبر عدد ممكن من الأساليب، ولكنه قد يقنع ويتراجع عن الغي عندما تعظه بموعظة مؤثرة تُدخل الخوف على قلبه من خلال المصير الذي سيؤول إليه أمره بعد أن يفراق دار العمل ويدخل في مراحل الجزاء، بدءاً من القبر ومروراً بالبرزخ ووصولاً إلى اللحظة الحاسمة في يوم الحساب الأكبر.
فعندما تذكر له الحالة التي سوف يكون عليها في يوم القيامة، وهي حالة مأساوية بلا شك، فتكون بوادر القَبول منه أكبر وأسرع، ولأجل ذلك نلاحظ بأن القرآن الكريم قد استعمل أسلوبي الترغيب والترهيب في بيان كثير من الأحكام الإلهية، وذلك لِعِلم الله تعالى بما ينفع الناس أو بما ينتفعون به من الأساليب.
ففي بيان تلك الحالة الوخيمة قال تعالى(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
فقد ورد عن رسول الله(ص) أنه رأى ليلة أُسريَ به رجالاً بطونهم كالبيت الطَّحِم وهم على سابلة آل فرعون، فإذا أحسوا بهم قاموا ليعتزلوا عن طريقهم، فمالَ بكل واحد منهم بطنُه فيسقط حتى يطأهم آل فرعون مقبلين ومدبرين، فقلت لجبرئيل: من هؤلاء؟ قال: أكلة الربا:
وقال الإمام الصادق(ع) : آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان:
قَذْفُ المُحْصَنَة
وهو من كبائر الذنوب، وهو اتهام المرأة بالزنا سواء كانت متزوجة أم عزباء، وسواء كان المتهم لها زوجها أو غيره، فلا يجوز لأي إنسان أن يُقدِم على هذا العمل الحرام لما يترتب عليه من مفاسد في الدنيا والآخرة، وها هو كتاب الله العزيز ينهانا عن اتهام المحصنات بشدة، ويواعد عليه عذاب النار بعد أن وضع له عقاباً في الدنيا، وهو الجلد بثمانين جلدة، قال سبحانه(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
قال رسول الله(ص) : قذف محصنة يُحبط عبادة مائة سنة:
وقال الإمام علي(ع) : من الكبائر(الشرك بالله)…ورَميُ المحصَنات الغافلات المؤمنات:
اليَمِيْنُ الكَاذِبَة
وهي الحَلف بالله تعالى كذباً، كمن يقول: أقسم بالله أن هذه العين لي، وهي في الواقع ليست له، وهو يعرف أنها ليست له، فهذا اجتراء على الله عز وجل، وهو من كبائر الذنوب التي سوف يعاقَب عليها مرتكبها في يوم الحساب.
إن الذين يمارسون هذا العمل المبغوض من قِبل الله عز وجل، إنما يرتكبون ذنباً كبيراً لا يتجاوز الله عنه إلا بالتوبة الصادقة، وإن لسان المواعدة على اجتراح هذه السيئة صريح في الكتاب العزيز، حيث يقول سبحانه(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
أَحَادِيْث حَوْلَ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ وعَوَاقِبِهَا وآثَارِهَا
قال رسول الله(ص) : يا علي، لا تحلف بالله كاذباً ولا صادقاً من غير ضرورة، ولا تجعل الله عُرضة ليمينك فإن الله لا يرحم ولا يرعى مَن حلف باسمه كاذباً:
وقال(ص) : إياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بَلاقع من أهلها:
وقال(ص) : اليمين الكاذبة مَنفَقةٌ للسلعة مَمحَقة للكسب:
وقال أمير المؤمنين علي(ع) : كيف يَسلَم من عذاب الله المتسرّع إلى اليمين الفاجرة:
وقال الإمام الصادق(ع) : لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنه عز وجل يقول: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) :
وقال(ع) : مَن حلف على يمين وهو يعلم أنه كاذب فقد بارز الله عز وجل:
الشَّهَادَةُ الكَاذِبَة
يأمرنا ربنا عز وجل بالشهادة الصادقة والعادلة، ويحرِّم علينا الشهادة الكاذبة أو كتمان الشهادة، فإن للشهادة بالحق والقسط دوراً كبيراً في استمرار الحياة بشكلها الطبيعي.
قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)
كِتْمَانُ الشَّهَادَة
النهي في القرآن الكريم عن كتمان الشهادة واضح، وهو حجة على كل إنسان، وقد ذكر الله عز وجل هذا النهي أكثر من مرة، مشيراً إلى عاقبة كتمانه عنده بلفظ التهديد والوعيد حيث قال في محكم كتابه(وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)
وفي بيان قبح هذا الكتمان وصف الله عز وجل كاتم الشهادة بأظلم الناس حيث قال سبحانه(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
وقال تعالى(وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ)
وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: من كتم شهادة، أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم، أو ليُتويَ بها مال امرئ مسلم، أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمةٌ مدَّ البصر، وفي وجهه كُدوحٌ تعرفه الخلائق باسمه ونسبه:
وعنه(ص) قال: من كتمها(أي الشهادة) أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق…
شَهَادَةُ الزُّوْر
لا شك بأن صاحب شهادة الزور إنسان مجرم ومتجرئ على الله عز وجل، لأن شهادته قد تجر إلى المصائب لأنه سوف يظلم المظلوم وينصر الظالم، وإنه لأقبح سلوك يصدر عن الإنسان، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد خرج عن نطاق الإنسانية إلى مرحلة البهيمية، فلو لم يكن هناك حكم وارد في بيان حرمة شهادة الزور فإن نفس واقع هذه الشهادة يجب أن يردع الإنسان عنها لأنها سلوك قبيح وخُلُقٌ سيّئٌ للغاية لا يمكن أن يُطاق بوجه من الوجوه.
وقد ظهرت لنا عاقبة شاهد الزور من كلام الرسول(ص) وكلام أهل بيته الأطهار(عليهم السلام) بشكل واضح وجلي، فلقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: من شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذِمِّي أو مَن كان من الناس، عُلِّق بلسانه يوم القيامة، وهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار:
وقال(ص) : إنّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم منّي ومن الله مجلساً شاهد الزور:
الغِنَاء
مَبْدَأُ تَارِيخِ الغِنَاء
يذكر بعض المؤرخين أن تاريخ الغناء يعود إلى العهود القديمة، أي ما قبل تاريخ نوح(ع) حيث وسوس الشيطان لأحد الأشخاص الذين يملكون صوتاً جميلاً بترجيع صوته أمام بعض الملوك فأعجبه الأمر فراح يعقد السهرات والحفلات من أجل اللهو، وفي تلك الجلسات التي كانوا يُطربون بها كانت تحصل الفواحش وكثير من المآثم نتيجة للشعور الذي كان ينتابهم عند استماع الغناء.
الغِنَاءُ فِي الإِسلام
لقد حرّم الإسلام الغناء نُطقاً واستماعاً لما فيه من العواقب السيئة والتبعات الكثيرة، ولكونه لهواً من صنع الشيطان الرجيم، فقد أراد الله عز وجل أن ينزهنا عن اللهو واللغو وكل صفة نقص في حياتنا، وقد لا تظهر مساوئ الغناء واضحة، غير أنها في علم الله تعالى موجودة، ويكفي في بيان قبح الغناء وكونه من الكبائر أن الله تعالى يُبغض هذا السلوك، وهذا من أهم المعايير التي تقاس عليها الأمور، فنحن أمام الحكم الشرعي لا ننظر في البداية إلى مضارّه المادية أو المعنوية، وإنما نلحظ في ذلك حب الله له أو بغضه له، فإن كان مما يحبه الله كان أمراً جميلاً، وإن كان مما يبغضه الله وجب التخلي عنه، وإن كنا لا نرى فيه المضرة، وهذه هي الحجة التي يحتج بها علينا المغرمون بالغناء، فهم يتذرعون بأنهم لا يؤذون أحداً عند استماع الغناء، ولا يتكلمون على أحد، وأنهم لا يتضررون منه، بل هم يستأنسون بالغناء ويجعلون منه مسكِّناً لآلامهم النفسية ومتاعبهم في هذه الحياة.
إن المعيار في حرمة الشيء أو حلّيته لا تعود إلى آثاره الجانبية، بل هي تعود إلى الحكم الشرعي الذي يدل عليه النص، وهذا النص إما أن يكون آية قرآنية، أو حديثاً عن أحد المعصومين(ع) والغناء ورد فيه نهي في كلا المصدرين لأن هناك آيات وروايات تحرمه وتبيّن مبغوضيته الشديدة عند الله عز وجل.
فلو أردنا أن نستدل على حلّية الغناء بعدم الضرر فيه، فيمكن لنا بناءاً على هذا المقياس أن نستنبط جواز شرب القليل من الخمر فإنه لا يضر، أو نستنبط جواز ترك الصلاة لأن تركها لا يضر والإتيان بها لا ينفع الجسد، ويمكن أن نستنبط جواز الزنا لأنه لا يضر، أو الكذب في بعض الحالات أو الغيبة أو غير ذلك من المحرمات التي لا يوجد فيها ضرر مادي وملموس.
إن هذا المقياس ليس مقياساً شرعياً بل هو ما أوحى به الشيطان لأتباعه ليهوّن عليهم مصيبة المعصية ويزينها لهم حتى يقعوا فيها وهم مرتاحوا الضمائر.
إن العبرة في وجوب الشيء أو حرمته أو استحبابه أو مكروهيته أو إباحته يعود إلى إرادة الشارع المقدس لشيء أو بغضه له، فنحن كعبيد لله تعالى نرجو ثوابه ونخشى عقابه لا ننظر إلى تلك العناوين البعيدة عن المنطق والصواب بل ننظر إلى رضا الله تعالى وعدم رضاه، فما يرضي الله نقوم به وإن كان فيه المشقة كالجهاد والحج والصوم، وما يغضبه نتخلى عنه وإن لم يكن فيه ضرر دنيوي ظاهر، بهذه الطريقة نحن نفهم الحكم الشرعي ونعمل به، وهذا هو المقياس الشرعي في الحلال والحرام، وما عداه ليس حجة علينا، أما الذين يستمعون الغناء ويثورون ضد من يقول بحرمته فإنهم مسؤولون عن هذا السلوك أمام الله عز وجل، وما على الرسول إلا البلاغ.
ولا يحق لنا كعباد لله تعالى أن نتدخّل بإرادته، أو نتفوه بغير علم، أو نقول هذا حلال وهذا حرام كذباً وافتراءاً فإن عاقبة هذا السلوك هي النار، قال تعالى(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
حُكْمُ الغِنَاءِ فِي القُرْآنِ الكَرِيم
إن حكم الغناء أو الإستماع له في القرآن الكريم واضح، وقد حرّم الإسلام كل ما يُطلق عليه عنوان الغناء وإن لم يكن من الغناء في الأصل، وهذا يدلنا على شدة الحرمة فيه، ولقد بيّن القرآن الكريم حرمة الغناء، فقال تعالى(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
وقال سبحانه(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
فقد يحاول البعض أن يضلّل الناس عبر قوله: إن هاتين الآيتين لا تدلان على حرمة الغناء: وكأنه أعلم بالقرآن من النبي وآله(ص) فالنبي وآله – وهم أهل الذكر الأوائل وهم العالِمون بعموم القرآن وخصوصه – أكدوا لنا بأن المراد منهما هو الغناء، وهذا حجة بالغة علينا في يوم القيامة.
يروي صاحب البحار أنّ عبد الأعلى سأل الإمام الصادق(ع) عن قول الله عز وجل(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) قال(ع) : الرجس من الأوثان الشطرنج، وقول الزور الغناء، ثم سأله عن قول الله عز وجل(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) فقال(ع) : منه الغناء:
قُبْحُ الغِنَاءِ وآثَارُه
إن الغناء سلوك قبيح، وهو ذو آثار سيئة في الدنيا والآخرة، وقد ورد كثير من النصوص التي تؤكد هذا المعنى.
فقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: الغناء رُقية الزنا:
وقال(ص) : أربعٌ يفسدن القلب وينبتن النفاق في القلب كما يُنبت الماء الشجر: إستماع اللهو والبَذاء، وإتيان باب السلطان …
وقال(ص) : الغناء ينبت النفاق في القلب كما يُنبت الماء الزرع:
وعن الإمام الصادق(ع) : الغناء يورث النفاق: وقال(ع) : الغناء عشُّ النفاق:
وقال(ع) : المغنّية ملعونة، ومن آواها وأكل كسبها ملعون:
وقد سُئل(ع) عن بيع الجواري المغنيات فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفرٌ، واستماعهن نفاق:
الزِّنَا
الزنا إثم عظيم، وجُرمٌ كبير، وهو من الكبائر المنصوص عليها في الكتاب العزيز والسُّنَّة المطهَّرة، وهو أن يجامع الرجل امرأة من دون وجهٍ شرعي، ونعني بالوجه الشرعي جواز العقد عليها، لأن هناك نساء لا يجوز العقد عليهن كالمحصنة وذات العدة والبكر غير الراشد، وربما البكر الرشيد أيضاً، حيث لا يجوز العقد على الفتيات إلا بإذن من آبائهن، وهذا الإذن يُشترط في العقد سواء كان دائماً أو منقطعاً، وهناك خلاف في مسألة الإذن للبكر الرشيدة، فمنهم من يشترط الإذن، ومنهم من لا يشترط ذلك في صحة العقد.
وعندما نتحدث عن الزاني فإننا نقصد به الطرفين(الرجل والإمرأة) لأن كليهما شريك في الجرم، وعليهما نفس الإثم، إلا إذا اعتدى الرجل عليها وزنا بها من مكرَهةً فعند ذلك يكون الإثم على الباغي خاصةً.
قال تعالى(وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)
وقال سبحانه(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)
وقال عز وجل(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
آثَارُ الزِّنَا فِي الدُّنْيَا والآخِرَة
ينبغي علينا أن نثق بأن الله عز وجل لم يوجب علينا من الأفعال سوى ما فيه المصلحة لنا، وهذه المصلحة إما أن تكون في الآخرة فقط، وإما أن تكون في الدنيا والآخرة، وكذا فإنه عز وجل لم يحرِّم علينا سوى ما فيه المفسدة لنا، وهذه المفسدة، إما أن تكون في الآخرة، أو في الدنيا قبل الآخرة، وجُرم الزنا له هذه الخصوصية، لأن آثاره تظهر على صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، وبيان تلك الآثار يجعلنا أكثر إقبالاً على تلقّي النصيحة وتَقَبُّل الموعظة، وقد بيّن لنا رسول الله(ص) تلك الآثار الدنيوية والأخروية الناتجة عن الزنا، فقال(ص) : يا علي، في الزنا ست خصال: ثلاث منها في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق، وأما التي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمن والخلود في النار:
وقال(ص) : أربعٌ لا تدخل بيتاً واحدةٌ منهن إلا خَرِبَ ولم يعمُر بالبركة: الخيانة والسرقة وشرب الخمر والزنا:
وقال الإمام علي(ع) : الزنا يورث الفقر:
وقال الإمام الصادق(ع) : الذنوب التي تحبس الرزق، الزنا:
وهناك العديد من المصائب التي تنزل على الإنسان ويكون سبب نزولها بعض المحرمات التي يرتكبها في حياته.
وقال رسول الله(ص) : لن يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله تبارك وتعالى من رجل قتل نبياً أو إماماً، أو هدم الكعبة التي جعلها الله عز وجل قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراماً:
وقال(ص) : إشتد غضب الله عز وجل على امرأة ذات بعلٍ ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي مَحرَمٍ منها، فإنها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عمِلَته، فإن أوطأت فراشَه غيرَه كان حقاً على الله أن يحرقها بالنار بعد أن يعذبها في قبرها:
وقال الإمام علي(ع) : ألا أخبركم بأكبر الزنا؟…هي امرأة توطئ فراش زوجها فتأتي بولد من غيره فتُلزمه زوجها، فتلك التي لا يكلمها الله ولا ينظر إليها يوم القيامة ولا يزكيها ولها عذاب أليم:
اللّوَاط
إذا كان الزنا فاحشة تتلاءم مع التركيبة الكونية للتواصل الجنسي فإن اللواط أشد فُحشاً وأقبح سلوكاً لأنه لا ينافي الأديان فحسب وإنما ينافي الأخلاق الإنسانية العامة والعادات والتقاليد، ولذا عُبِّر عن هذا السلوك بالشذوذ الجنسي لأنه شذوذ عن الخط البشري وانحراف واضح عن الطبيعة، وإن إطلاق صفة الشذوذ على اللواط ليس من صنع الأديان بل من صنع الناس الذين يرون الشذوذ الواضح في هذا السلوك المنبوذ من قبل الأكثرية الساحقة فإن أقبح شيء في الرجل أن يتشبّه بالأنثى، ولذا كان اللواط من الذنوب الكبيرة.
وسبب تسمية هذا السلوك (باللواط) هو النسبة لقوم لوط الذين اخترعوا هذه الفاحشة لشدة عشقهم للحرام وتفنُّنِهم في ارتكابه.
قال(ص) : من يعمل من أمتي عمل قوم لوط ثم يموت على ذلك فهو مؤجَّلٌ إلى أن يوضع في لحده فإذا وضع فيه لم يمكث أكثر من ثلاثٍ حتى تقذفه الأرض إلى جملة قوم لوط المهلكين فيُحشَر معهم:
فلقد أراد الله سبحانه أن ينزهنا عن كل عيب ونقص، وأن يرحمنا في الدنيا والآخرة بشرط أن نفعل ما أوجبه علينا ونترك المحرمات من أجلنا، لأن الطاعة منا لا تنفعه، والمعصية لا تضره في شيء، ونحن ينبغي علينا أن نفهم.
الغِيْبَةُ
مَا هِيَ الغِيبَة
الغيبة هي أن يُذكَر المؤمن في عيبٍ مستور فيه، وهو لا يرضى بذِكره، وقد يحصل هذا الأمر بحضور المؤمن أو في غيبته، وكلاهما أقبح من الآخر، لأنك إذا ذكرت هذا العيب في غيبته فقد اغتبتَه، وإذا ذكرت ذلك في حضوره فقد أتيت بذنبَين في وقت واحد، الغيبة، والإحراج، وربما يلحق بهما الإهانة والإستخفاف وإدخال الأذى إلى قلب المؤمن، وكلها صفات بشعة قد نُهينا عنها في شرعنا الحنيف.
والغيبة من كبائر الذنوب التي صرّح بها القرآن الكريم ونصّت عليها السنّة المطهَّرة حيث ذُكر فيهما الوعيد الواضح والقاضي بتعذيب المغتاب في النار الكبرى، هذا كله بالإضافة إلى التشبيه الذي ذكره القرآن في الغيبة مما يبيّن لنا حجم قبحها في نظر الخالق عز وجل.
نقل صاحب البحار أن رسول الله(ص) قال لأبي ذر: يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا…قال أبو ذر: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذِكرُكَ أخاك بما يكره: قال أبو ذر: يا رسول الله فإن كان فيه ذاك الذي يُذكَر به؟ قال(ص) : إعلم أنك إذا ذكرتَه بما هو فيه فقد اغتبتَه، وإذا ذكرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه:
وعنه(ص) : الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه:
وعنه(ص) : من ذكر رجلاً بما فيه فقد اغتابه:
وعنه(ص) : الغيبة ذِكرُك أخاك بما يكره:
وعن الإمام الصادق(ع) : الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه مما قد ستره الله عليه، فأما إذا قلت ما ليس فيه فذلك قول الله(فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً):
حَدِيْثُ القُرْآنِ عَنِ الغِيْبَة
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد وتوجيهٍ نحو الأصلح وتعليمٍ لأحكام الله من حلال وحرام، فمن عمِل بالقرآن نجا، ومن استنار بأنواره سلك الطريق ووصل إلى الرضوان.
إن القرآن الكريم أعظم كتاب سماوي أنزله الله تعالى للبشر، فهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو النور المبين، وهو المعجزة الخالدة التي واكبت كل العصور وعالجت جميع القضايا العامة والخاصة، فتارة نجد القرآن يعالج قضايا الأمم، وأخرى نجده يعالج قضايا الفرد بشكل تميّز به عن غيره في الأسلوب والمضمون والطريقة، فمرة يستعمل السموات والأرض للتمثيل، وأخرى يستعمل البعوضة للغرض ذاته، وقد حدثنا هذا الدستور العظيم عن الغيبة ليعالج بذلك قضايانا العامة والخاصة حيث أن الغيبة تتعلق بالفرد وبالمجتمع، فإنك تارة تغتاب فرداً، وأخرى تغتاب مجموعة كبيرة دفعة واحدة، ثم إن غيبة الفرد للفرد تتولد عنها مساوئ وعداواة من الصعب أن تنتهي بسهولة لأن آثار الغيبة سيئة جداً، وقد تمتد جذورها لتطال المجتمع كله.
ففي الحديث عن هذا السلوك الإنحرافي الكبير قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
وقال عز وجل(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
المُؤْمِنُ لا يَغْتَابُ
لا يمكن للمؤمن الراجي عفو ربه والخائف من عذابه والعارف بحق ربه عليه أن يُقدِم على ارتكاب الحماقات التي تتبعها العواقب المهلكة، والتي تنتهي بالنتائج السلبية، وشر النتائج عذاب النار، وشر منه غضب الله على العبد لأن غضبه أشد من عذابه.
فالمؤمن الحقيقي عندما يمر على النهي القرآني الوارد في شأن الغيبة تأخذه الخشية فتردعه عن ركوب هذا الذنب العظيم الذي كانت كفارته معقَّدة نوعاً ما، ولأن المؤمن لا يسمح لنفسه بالنزول إلى هذا المستوى الوضيع الذي ترفضه الإنسانية فضلاً عن شرائع الله عز وجل.
وعندما ينزّه العبد نفسه عن ممارسة تلك السلوكيات التي يأمر بها الشيطان فإنه بذلك يعتلي المنزلة التي خصصها الله تعالى لأهل الخشية، ويرتقي بروحه إلى المستوى الذي أرادها الله عز وجل أن تكون فيه، لأن الله جل وعلا خلق العباد من أجل أن يبلغوا بسلوكهم واعتقاداتهم تلك المستويات التي تخوّلهم لحيازة النعيم في الجنة.
وترى المؤمن خائفاً مشفقاً عندما يعترضه أي حرام، أو عندما يقف الشيطان في طريقه يريد أن يوسوس له ويغريه ويمنّيه ليوقعه في المعصية، فتراه عند هذا الوضع مستنفراً ومنتبهاً وحذراً أشد الحذر كيلا يصرعه الشيطان مرة، لأنه إذا صرعه الشيطان مرة فقد قدِر على صرعه غير مرة، وإذا حصل ذلك أصبح الإنسان رهين الشهوات في هذه الحياة، وهذا معناه السقوط، وهذا السقوط يعني في نظر الإنسان المؤمن الخسارة الكبرى التي لا يمكن أن تُعَوَّض إلا بالأوبة السريعة والتوبة الصادقة والنية الحسنة.
لا تَوْبَةَ للمُغْتَابِ إِلا بِطَلَبِ المُسَامَحَة
إن الذنوب التي يرتكبها الناس نوعان: نوع ينحصر بالمذنب وربه، ونوع يشمل بعض الأطراف الأخرى، فالسرقة مثلاً عملٌ محرّم، فإذا قام بها أحدهم ثم أراد أن يتوب فإن قبول توبته متوقف على إرجاع الحق لأصحابه أو طلب المسامحة منهم، والغيبة كذلك، فإنك إذا اغتبت شخصاً وأردت أن تتوب من تلك المعصية فيجب عليك أن تذهب إلى من اغتبتَه وتطلب منه المسامحة، فإذا تعذّر الوصول إليه بسبب الموت أو عدم معرفة مكانه فعند ذلك ينبغي عليك أن تستغفر الله لك وله، وتطلب من ربك أن يلهم من اغتبته مسامحتك كيلا تموت وعليك تبعات الغيبة.
ولهذا فإن الغيبة تأكل الدين كما تأكل النار الحطب، ومعناه أنه لا دين للمغتاب، إذ لو كان له دين لخشي الله في العباد.
وفي إثبات هذا المفهوم الدقيق قال النبي الأعظم(ص) : الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه:
وفي مسألة كون الغيبة مَذهَبة للحسنات، ورد عن النبي(ص) قوله: يُؤتى بأحدٍ يوم القيامة يُوقَف بين يدي الله ويُدفَع إليه كتابه فلا يرى حسناته، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي، فإني لا أرى فيها طاعتي؟ فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهبَ عملك باغتياب الناس، ثم يُؤتى بآخر، ويُدفَع إليه كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملت هذه الطاعات، فيقال: لأن فلاناً اغتابك فدُفِعَت حسناته إليك:
آثَارُ الغِيْبَةِ وتَبِعَاتُهَا
إن السلوك الذي يكون بهذا الحجم لا شك في أن له آثاراً على صاحبه في الدنيا وتبعات في الآخرة، ولا شك بأنه مسؤول عن هذا الأمر أمام الله عز وجل، فلقد وردت نصوص كثيرة في تحريم الغيبة بشدة، وفي بيان آثارها على المغتاب خصوصاً وعلى غيره عموماً.
وأول من أطلق تلك الحرمة وبيّنها هو القرآن الكريم الذي نهى عن الغيبة بشكل واضح متبوع بالوعيد حيث قال سبحانه(وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) ثم راح رسول الله وآله الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، يبيّنون لنا هذا النهي بشكل أوضح مع ذكر بعض آثاره وتبعاته.
قال(ص) في خطبة حجة الوداع: أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إن الله حرّم الغيبة كما حرّم المال والدم:
وعنه(ص) : مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم:
وقال أمير المؤمنين(ع) : الغيبة جُهد العاجز: وقال(ع) : الغيبة آية المنافق: وقال(ع) : الغيبة شر الإفك:
وعن الإمام الصادق(ع) قال: لا تَغتبْ فتُغْتَب، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها فإنك كما تَدين تدان:
وعن الإمام الكاظم(ع) : ملعون من اغتاب أخاه:
البُهْتَان
البهتان أشد قبحاً وأسوأ عاقبةً من الغيبة، لأنه يشتمل عليها وزيادة، فإن مضمون الغيبة قد يكون أمراً واقعياً، وذلك عندما تذكر عيباً موجوداً في الإنسان وهو مستور، أما البهتان فإنه غيبة لا واقع لها، وهنا يكمن السر في شدة قبح البهتان لأنه يشتمل على الغيبة والكذب في آن واحد، ناهيك عن الأذى النفسي الذي سوف يُحدثه البهتان في نفس المبهوت، ومن هنا كان لسان المواعدة على البهتان أشد من لسان المواعدة على الغيبة.
إن الذي يقوم بهذا الفعل الشنيع قد أسقط نفسه من مستوى الإنسانية ونزل بها إلى أوضع مستوى يمكن أن يتصوره عقل، لأن البهتان من أبشع الجرائم التي تُرتكب في حق الإنسان.
والحكم الإلهي في هذا المجال واضح حيث قال سبحانه(وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) وقال عز وجل(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)
والمواعدة في كلتا الآيتين واضحة، وقد أوضح الرسول(ص) هذه المواعدة أكثر كما ورد عنه قوله: مَن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى يوم القيامة على تَلٍّ من نار حتى يخرج مما قاله فيه:
وفي بيان شدة قبح البهتان فقد صوّر لنا الإمام علي(ع) هذه العملية بقوله: البهتان على البريء أعظم من السماء:
وقد ذكر الإمام علي بن الحسين زين العبدين(ع) أثراً من آثار الغيبة فضلاً عن البهتان، وهو قوله(ع) : من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه:
النَّمِيْمَةُ
وهي أن ينقل الشخص كلاماً سمعه من شخص إلى الشخص المَعنيّ بالكلام بهدف إشعال نار الفتنة بين المتكلم وبين المَعنيّ بالكلام.
والنميمة من الذنوب التي ثبت أنها من الكبائر عن طريق الوعيد عليها بالعذاب في القرآن الكريم، وقد ذكر الله عز وجل النمّام في قوله(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ)
والمشّاء بنميم هو الساعي للإفساد بين الناس عبر نقل الكلام لهم، وبالأخص عندما يزيد في الكلام أو ينقص منه ليضع الزيت على النار.
فعن رسول الله(ص) قال: شرُّ الناس المُثلِّث، قيل يا رسول الله، وما المثلّث؟ قال: الذي يسعى بأخيه إلى السلطان، فيُهلِك نفسه ويهلك أخاه ويُهلِك السلطان:
فالذي يسعى بأخيه إلى السلطان سوف يهلَك إما عن طريق السلطان الذي سوف يعمل على التخلّص منه كيلا يفضحه عند الناس، وإما سوف يهلكه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهؤلاء كالعملاء الذين باعوا ضمائرهم لأعداء أوطانهم وأديانهم، فعندما قضى العدو وطره فيما قضى تخلّص منهم بألف طريقة وطريقة.
وأما الطرف المظلوم فإنه سوف يهلَك من قبل السلطان الذي لا يخشى الله في دماء الناس، وإن من السلاطين من لا يهدأ لهم بال حتى تُهدَر يومياً أمامهم كثير من دماء الأبرياء كما حصل في بعض الدول العربية المعروفة.
وأما السلطان فإنه سوف يهلك إذ أن الله عز وجل سوف يعاقبه في الدنيا والآخرة، وكل ذلك تمَّ بالنميمة التي حرّمها الله تعالى لسوئها وقبح عاقبتها على الجميع.
وقد أشار رسول الله(ص) في بعض المناسبات إلى العاقبة السيئة التي سوف يصل إليها الساعي بإخوانه، وإنها لشر العواقب حيث سوف يجمعه الله تعالى في جهنم مع شرار الخلق، ومهما كانت نسبة النميمة قليلة فإن عاقبتها عند الله عز وجل واحدة، فلو ارتكبت هذا الأمر مرة ومُتَّ عليه أو ارتكبته مئة مرة ومتَّ عليه، ومن عواقب النميمة ما قال الرسول الأكرم(ص):من سعى بأخيه إلى سلطان أحبط الله تعالى عمله كله، وإن وصل إليه مكروه أو أذىً جعله الله تعالى مع هامان في درجةٍ في النار:
وفي كتاب غرر الحِكم ورد العديد من الأحاديث عن أمير المؤمنين علي(ع) يذكر فيها مساوئ السعاية بالإخوان، منها: الساعي كاذب لمن سعى إليه، وظالمٌ لمن سعى عليه: ومنها: شرُّ الناس من سعى بالإخوان ونسي الإحسان: ومنها: النميمة شِيمة المارق: ومنها: أسوأ الصدق النميمة: ومنها: من سعى بالنميمة حاربه القريب ومَقَتَه البعيد:
التَّحْذِيْرُ مِنَ النَّمِيْمَة
لو أدرك الإنسان حجم الضرر المجعول في النميمة على جميع الأطراف لتخلّى عنها من دون تردد لأن سوءها لوحده يُعتبَر موعظة للمتعظين، فهي أشبه بالنار الملتهبة، وكيف يمكن للعاقل أن يحرق نفسه بنار لا علاج لآثار حروقها.
وما ورد عن النبي وآله(ص) في هذا المجال لَهُوَ أكبر حجة علينا حيث لم يدع الرسول وآله أمراً يتعلق بهذا الشأن إلا وبيّنوه لنا من باب إرشادنا نحو الأصلح وإبعادنا عما هو سبب الهلاك لنا في الأولى والآخرة.
فعن رسول الله(ص) قال: إياكم والنميمة:
وعنه(ص) : ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرَآء العيب:
وها هو رسول رب العالمين(ص) يبيّن لنا جزءاً من آثار النميمة في بيت الوحشة فيقول: إحذَر الغيبة والنميمة، فإن الغيبة تُفطِر، والنميمة توجب عذاب القبر:
وعنه(ص) : لا يدخل الجنة نمّام:
هَتْكُ حُرْمَةِ المُؤْمِن
المؤمن إنسان كريم على الله عز وجل، وهو عنده ذو شأن رفيع وفضل كبير ومنزلة عالية لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الإخلاص لله عز وجل.
وللمؤمن حرمة كبيرة تفوق حرمة الكعبة المشرَّفة، وهذا ما صرّح به رسول الله(ص) عندما نظر إلى الكعبة وقال بما مضمونه: أيها البيت، ما أعظم حرمتك، وأعظم منك حرمةً حرمة المؤمن:
وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: سابّ المؤمن كالمشرف على الهلكة:
وقد ورد عن الإمام الباقر(ع) قوله: ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات بشرّ ميتة، وكان حقاً ألا يرجع إلى خير:
الفِتْنَة
لقد ثبت بالنص القرآني الصريح أنّ الفتنة من الكبائر، بل هي أكبر من الكبائر المعروفة، ويدلنا على هذه الخصوصية قوله تعالى(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وقوله(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) وهي أبشع جريمة يمكن أن تُرتكَب في حق الفرد والمجتمَع لأن آثاره وخيمة جداً قد يُقتل بسببها مئات الآلاف من الأبرياء.
تَرْكُ الصَّلاةِ عَمْداً
إن بيان شأن هذه الفريضة وعظمتها ومكانتها وأجرها وثوابها وبيان جوهرها وسبب إيجابها لأكبر دليل على كون تركها من كبائر المحرمات حيث حُكم على تاركها بالكفر كما دلَّ عليه كثير من النصوص الواردة عن أهل العصمة عليهم الصلاة والسلام، ولكي نعي تماماً حجم هذه المعصية لا بد لنا من الرجوع إلى الكتاب العزيز لنرى رأيه في تارك الصلاة، وعندها نفهم جيداً ونتيقن بأن تركها من الكبائر.
وهناك نوعان من الآيات التي تتحدث عن ترك الصلاة، نوعٌ يذمُّ التكاسل بها لأنه باب تركها والإستخفاف بها، ونوعٌ يصرّح بالوعيد على تركها عبر بيان العاقبة.
قال تعالى(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) وقال سبحانه حاكياً عن عاقبة الذين يتركون الصلاة عمداً (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)
وإن (سَقَرَ) مكان في جهنم أعده الله تعالى لتعذيب أناس، منهم تاركوا الصلاة، ونلاحظ من خلال هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى جعا عاقبة الكافر وتارك الصلاة واحدة عنده، لأن المكذب بيوم الدين هو الكافر، وقد جعل الله تعالى شأن تارك الصلاة شأن المكذّب بيوم القيامة.
وقد كثرت النصوص الناهية عن تركها والمبيّنة لعقاب ذلك، فقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: ما بين المسلم وبين الكافر إلا أن يَترك الصلاة الفريضة متعمداً، أو يتهاون بها فلا يصليها:
وعنه(ص) : الصلاة عماد الدين، فمن ترك صلاته متعمداً فقد هدم دينه، ومن ترك أوقاتها يدخل الويل، والويل وادٍ في جهنم كما قال الله تعالى(فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ):
وعنه(ص) : بين الإيمان والكفر تركُ الصلاة:
وعنه(ص) : من ترك صلاته حتى تفوته من غير عذر فقد حبِط عمله…
وعنه(ص) : من ترك الصلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا أبالي أن يموت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً:
وعن أمير المؤمنين علي(ع) : تَعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرّبوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئلوا (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين):
وعن الصادق(ع) : لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة:
تَرْكُ أَحَدِ الوَاجِبَات
الواجب: هو كل ما أمر الله عز وجل به، بحيث كان الإتيان به ثواباً وتركه سبباً للعذاب، والواجبات التي فرضها الله تعالى على عباده كثيرة، وأهمها التي بُني عليها الإسلام وهي خمسة:
وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، وعلى رأس الفرائض الولاية للنبي وآله(ص)، وقد عُبِّر عن هذه الفرائض في بعض الروايات بأركان الإسلام.
فإذا ترك الإنسان أي واجب من الواجبات عمداً فقد ارتكب ذنباً عظيماً سوف يسأله الله عنه ويعاقبه عليه إلا إذا تاب قبل الموت.
وعن الإمام الصادق(ع) قال: ولا ينظر الله إلى عبده ولا يزكّيه لو ترك فريضة من فرائض الله، أو ارتكب كبيرة من الكبائر، قلتُ: لا ينظر الله إليه؟ قال(ع) : نعم قد أشرك بالله، قلت: أشركَ؟ قال(ع) : نعم إن الله أمره بأمرٍ وأمره إبليس بأمرٍ فترك ما أمر الله عز وجل به وصار إلى ما أمر به إبليس، فهذا مع إبليس في الدرك السابع من النار:
وإن أعظم الأمور التي يتقرب بها العبد إلى ربه هو الواجبات، إذا لا ينفعك الإتيان بالمستحب مع ترك الواجب، فالواجب أولاً، ثم المستحب.
نَقْضُ العَهْد
إن نقض العهد من الذنوب الكبيرة لأن الوعيد بالنار على خُلفه واضح، كما أن الأمر بالوفاء به واضح حيث قال سبحانه في محكم كتابه(وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)
لقد ركّز القرآن الكريم على مسألة الوفاء بالعهد لما فيه من المصالح الكبرى على مستوى الدنيا والآخر، ونلاحظ بأن الذي يخالف العهد منبوذ عقلاً وشرعاً وإنسانياً، وها هو الوعيد على نقض العهد بيِّنٌ في الكتاب العزيز، قال سبحانه(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
وقال تعالى(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)
خِيَانَةُ الأَمَانَة
إن خيانة الأمانة سواء كانت مادية أو معنوية من كبائر الذنوب، حيث ورد الأمر بأداء الأمانة واضحاً، وقد جعل الله تعالى أداء الأمانة صفة من صفات أهل الإيمان، حيث قال في محكم كتابه(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)
فقد يكون خائن الأمانة مصلياً وصائماً وحاجّاً، ولا يستفيد شيئاً من أداء تلك الفرائض إذا لم يؤدِّ الأمانة إلى أهلها، وهذا ما أشار إليه رسول الله(ص) بقوله: لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة:
وعن أمير المؤمنين علي(ع) : أفضل الإيمان الأمانة، أقبح الأخلاق الخيانة:
وعن الإمام الباقر(ع) : ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البَرِّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين بَرِّين كانا أو فاجرين:
وعن الصادق(ع) : إتقوا الله، وعليكم بأداء الأمانة إلى مَن ائتمنكم، فلة أنّ قاتل أمير المؤمنين(ع) ائتمنني على أمانة لأدَّيتها إليه:
وعنه(ع) : إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر:
وعنه(ع) : إتقوا الله وأدوا الأمانات إلى الأبيض والأسود، وإن كان حَرورياً أو كان شامياً:
آثَارُ الأَمَانَة
إن أداء الأمانة له آثار كبيرة على الإنسان في دنياه قبل آخرته، فهو يؤدي به إلى الصدق، ويجلب له الرزق، وهذا جزء صغير من المكافأة الدنيوية الموضوعة لهذا السلوك، ويوصلك أداؤها إلى السعادة في دارَيْك، وهذا منتهى غاية المؤمن.
وفي بيان هذه الآثار ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: الأمانة تجلب الغَناء، والخيانة تجلب الفقر: وعن أمير المؤمنين علي(ع) : الأمانة تؤدي إلى الصدق: وفي هذا المجال قال لقمان الحكيم لابنه: يا بُنيّ، أدِّ الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكن أميناً تكن غنياً:
حَبْسُ الحُقُوْق
في رواية الأعمش عن الإمام الصادق(ع) عَدَّ حبس الحقوق من كبائر المحرمات إذا لم يكن هناك ضيقٌ وعُسر، حيث يقول(ع) : وحَبْسُ الحقوق من غير عسر:
ولو علِم الإنسان ما في حبس حقوق العباد من التبعات لما حبس حق أحد منهم، ويكفينا في تصوير حالة الحابس ما ورد عن الإمام الصادق(ع) حيث قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الصَّدود لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنَّفوهم في دينهم، ثم يُؤمَر بهم إلى جهنم:
وفي رواية أخرى قال(ع) : كانوا والله الذين يقولون بقولهم ولكنهم حبسوا حقوقهم وأذاعوا عليهم سرهم:
ربما يكون الحابس للحق مشابهاً في ظاهره لأهل الإيمان، ولكن باطنه مختلف عن بواطنهم، فعندما يحبس حقوق الناس وهو قادر على إرجاعها فلا يكون حينئذ مؤمناً حقاً لأن المؤمن الحقيقي يجب عليه أن يترجم إيمانه عملياً.
وشد موقف على الإنسان في يوم القيامة هو أن يدعي عليه شخص أن له بذمته حقاً، وهذا ما أرشدنا الإمام السجاد(ع) إليه حيث قال: يؤخَذ بيد العبد يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ألا مَن كان له قِبل هذا حق فليأخذه، ولا شيء أشد على أهل القيامة من أن يروا من يعرفهم مخافةَ أن يدّعي عليهم شيئاً:
فكيف سيتصرف المحقوق عندما يطالَب من قبل المخلوقين بحقوقهم عليه، فلكي يرتاح من ذلك فما عليه سوى إرجاع الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي يوم لا يستطيع أن يفعل شيئاً فيه.
ولذا فقد قال(ص) لأصحابه: أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم ولا مال ولا متاع له، قال(ص) : إن المفلس من أمتي من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ويأتي قد شتم هذا وأكل مال هذا، وهتك دم هذا، وضرب هذا، فيؤتى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياه عليه، ثم يُطرح في النار:
مَا هُوَ حَبْسُ الحَق
هو أن يكون للناس عليك ديون لم تؤدها إليهم مع قدرتك على إرجاعها، أما مع العسر فلا يكون ذلك حبساً للحق بل عجز وقصور، والأفضل أن نتعاطى في هذا المجال بمقتضى قوله تعالى(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
السِّحْرُ
لقد عدَّ رسول الله(ص) السحر من الكبائر كما جاء في كتاب الوسائل، وهو من السلوكيات المنفِّرة والمبغوضة في آن واحد، وقد مرَّ عبر العصور الماضية التعبير عن أي إنسان قبيح أو كذّاب بالساحر، وهذا يعني أن المجتمع البشري بطبعه يُبغض السحر قبل أن يرد بُغضه في الكتب السماوية.
عَاقِبَةُ السَّاحِر
يكفي في بيان عاقبة الساحر ما جاء في كتاب الله العزيز عند حديثه عن الملِكين الساحرَين هاروت وماروت حيث أشار الله تعالى في آخر الآية إلى العاقبة الوخيمة لكل من يسلك طريقتهما في هذه الحياة فقال عز وجل(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ)
وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، ومدمن سحر، وقاطع رحم:
الكَهَانَةُ والشَّعْبَذَةُ والقِيَافَةُ والتَّنْجِيْم
الكَهَانَةُ: وهي التنبّؤ بالأمور المستقبلية والإخبار بها، وهذا مخالف لثوابت العقيدة الإسلامية التي تنفي معرفة الغيب عند غير الله عز وجل، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم مراراً ليزرع اليقين في قلوبنا تجاه هذه الحقيقة.
قال سبحانه(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
وقد اتفق جميع الفقهاء على كون الكهانة من المحرمات، وقد روي عن الإمام الصادق(ع) قوله: مَن تَكهَّن أو تُكُهِّن له فقد برئ من دين محمد(ص):
وفي صحيحة الحسن بن محبوب عن الهيثم قال: قلت لأبي عبد الله(ع) : إن عندنا بالجزيرة رجلاً ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يُسرق أو شبه ذلك، أفَنسأله؟ فقال(ع): قال رسول الله(ص) : من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب:
ويقول الشيخ الأنصاري في المكاسب: وظاهر هذه الصحيحة أن الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرَّم مطلقاً، سواءً كان بالكهانة أو بغيرها.
وقد انتشرت الكهانة في عصرنا بصورة متطورة وثوب جديد وعنوان مستحدَث وهو قراءة الأبراج الذي نعتبره الكهانة بعينها، والأسف الكبير يقع على الذين يؤمنون بقراءة الأبراج ويطبقون الأثر على ما يقال لهم.
الشَّعْبَذَةُ: وهي إراءة شيء لا واقع له ولا حقيقة، وذلك بفعل الحركة السريعة، وقد عدّه الإمام الصادق(ع) من أقسام السحر، والشعبذة محرّمة باتفاق الفقهاء.
القِيَافَةُ: وهي أن تنسب أحد إلى آخر على خلاف الموازين الشرعية، كما لو حكمت حكماً قطعياً بأن فلان هو إبن فلان أو أخ فلان بناءاً على علم القيافة، وهو في الشريعة ليس إبنه أو أخاه، وهذا من الأمور المحرمة.
التَّنْجِيْم: وهو الإخبار القطعي بالحوادث الكونية أو بالأمور العامة والخاصة للناس كالغلاء والرخص والخير والشر استناداً إلى علم الفلك وقراءة النجوم كما يدعي البعض، فإن الإعتقاد باستقلالية الأفلاك بالتأثير من دون أن تكون للقدرة الإلهية دخل في ذلك فهو أمر محرّم، أما مع الإعتقاد بأن المؤثر الأول هو الله تعالى فعند ذلك لا يكون تنجيماً بل علم قائم بحد نفسه كما يعلم الخبراء بأن الخسوف أو الكسوف سوف يحصل في وقت معيّن.
مَعُونَةُ الظَّالِمِيْن
إن معونة الظالمين من كبائر الذنوب كما ورد في رواية الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(ع) حيث قال: ومعونة الظالمين والركون إليهم: وقد استُوحيَ هذا المعنى أيضاً من رواية الأعمش عن الإمام الصادق(ع) حيث قال: وتَرْكُ إعانة المظلومين: أي أن ترك ذلك من الذنوب الكبيرة، وإذا كان ترك إعانة المظلوم حراماً كانت إعانة الظالم محرمة بشكل أولى.
وقد ورد في كتاب(وسائل الشيعة) أن النبي(ص) رأى ليلة الإسراء والمعراج مكتوباً على أبواب النار كلام، ومن جملة ما كُتب: لا تكن عوناً للظالمين:
فمعونة الظالم والرضا بفعله كل ذلك من كبائر الذنوب لأن النهي عن ذلك ورد صريحاً في كتاب الله حيث قال سبحانه(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)
والنتيجة الحتمية من وراء الركون إلى الظالم واضحة وهي النار، والمعنى من الآية واضح.
فالركون المنهي عنه في هذه الآية هو المَيل اليسير، فيكون المعنى: ولا تميلوا قليلاً إلى الذين ظلموكم أو ظلموا غيركم، فتعظيم ذكرهم، والمخالطة معهم، وإظهار محبتهم، والطمع بهداياهم، ومداهنتهم، واتباع أوامرهم، كل ذلك ركون للظالم.. فكيف بالمَيل الكثير إليهم، مثل معونتهم على الظلم، والرضى به، والإشتراك معهم فيه، ففي الخبر عن رسول الله(ص) أنه قال: من دعا ظالماً بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه:
الفرارُ مِنَ الزَّحْف
وهو تَرْكُ الجهاد والهروب من المعركة التي يجب فيها القتال، وقد ورد في سورة الأنفال آيتان تتحدثان عن هذا الموضوع، أما الآية الأولى فإنها تكشف عن نهي إلهي واضح، والثانية تكشف عن نتيجة الفرار من الزحف في يوم الحساب، وهي غضب الله عز وجل.
قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
إن الفار من الجهاد هو الذي رضي بعيش الذل والمهانة تحت رحمة الظالمين والمتغطرسين، وتناسى أن الله تعالى فرض الجهاد عزاً للإسلام وأهل الإسلام، وقد ذكر لنا رسول الله(ص) كلاماً بيّن فيه مدى قبح الفرار من الزحف وكونه من كبائر الذنوب حيث قال(ص): فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً في نفسه، وفقراً في معيشته، ومَحقاً في دينه، إن الله تبارك وتعالى أعزَّ أمتي بسَنابِك خَيْلِها ومراكز رماحها:
التَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَة
إن التعرب بعد الهجرة من كبائر المحرمات، حيث جعله أمير المؤمنين(ع) في عَرْض واحد مع الشرك بالله تعالى حيث قال: التعرُّب والشرك واحد:
وكلمة(الأعرابي) تُطلق في اللغة العربية على ساكن البادية الذي لا يعرف شيئاً عن أحكام الدين، والهجرةُ معناها ترك البادية والمجيء إلى بلاد الإسلام لأجل معرفة الدين وأحكامه.
وفي صدر الإسلام كانت الهجرة من البادية إلى جهة النبي(ص) واجباً شرعياً حيث كانت تحرم الإقامة في بلاد الكفر إذا كانت الإقامة فيها تمنع المسلم من القيام بواجباته كالصلاة والصوم، وإلى هذا المعنى يشير الله تعالى بقوله(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا)
الإِسْرَاف
وهو من كبائر الذنوب التي نُصَّ عليها في الكتاب العزيز، والإسراف هو نوع من التبذير، وهو وضع الشيء في غير محله أو في ما لا مصلحة فيه، كما لو كان عند شخص فاضل طعام أو شراب صالحَين للإستهلاك فرماهما، فهذا عمل محرَّم يعقبه عذاب أليم في يوم الحساب، فلا ينبغي الإستخفاف بالأمر كيلا نضيف إلى الإسراف محرَّماً آخر.
قال تعالى(كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
وقال سبحانه(وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
وقال عز وجل(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)
وقال جل شأنه(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ)
وهناك الكثير من الآيات التي ينهانا الله تعالى فيها عن الإسراف مبيّناً لنا عاقبة هذا السلوك الذي اعتبره النبي وآله(ص) من الكبائر.
وقال(ص) : أما علامة المسرف فأربعة: الفخر بالباطل، ويأكل ما ليس عنده، ويزهد في اصطناع المعروف، ويُنكر من لا ينتفع بشيء منه:
وعنه(ص) : لا خير في السرف ولا سرف في الخير:
أي مهما أنفقت في سبيل الله فهو ليس من الإسراف بل من الخير الذي يرجع عليك بالأجر العظيم والثواب الكبير.
وعنه(ع) : الإسراف مذموم في كل شيء إلا في أفعال البر:
الكِبرُ
إن الكبر صفة ذميمة في الإنسان، وهي من الذنوب الكبيرة المستوجبة للعذاب، وهي السلوك الذي تعامل به إبليس عندما امتنع من السجود لآدم، فأخرجه كبره إلى الكفر، قال تعالى(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ)
فلو تفكر المتكبر في حقيقة نفسه لنبذ الكبر من قلبه لأن أوله نطفة وآخره جيفة، ولأنه لن يخلد في الأرض مهما كثر ماله وجنوده، ولقد أرانا رب العالمين تعالى عاقبة المتكبرين عندما أهلك فرعون وجنوده، وقارون وكنوزه، وكان ذلك عبرة للمعتبرين ومعرفةً لحقيقة التكبر ونهايته الوخيمة على صاحبها، والآيات التي حدثتنا عن التكبر في القرآن الكريم كثيرة جداً.
منها: قوله تعالى(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ)
مُحَارَبَةُ المُسْلِمِيْن
عندما يتخذ الإنسان دين الإسلام نهجاً له في الحياة ومعتقَداً ينطلق من خلاله فإنه حينئذٍ يدخل في دائرة الإسلام التي سنّ لها الله تعالى أحكاماً خاصة، ومن جملة تلك الأحكام الخاصة بالمسلم حرمة محاربته حيث عدّها الإسلام من كبائر المحرمات، فقبل أن تحارب المسلم يجب عليك أن تحسب لذلك ألف حساب وتعلم بأن الله تعالى سوف ينتقم منك عندما تُقدِم على مثل هذا السلوك.



