
يوم القيامة يوم الجزاء الأكبر
الدنيا دار عمل وامتحان، والآخرة دار مقر وحساب وجزاء، فمن جمع من دار الإمتحان لدار الجزاء فقد ربح نفسه وفاز فوزاً عظيماً، وأما من أهمل الأمر واستخف به فسوف يلقى ربه وهو غاضب عليه وساخط من سلوكه المنحرف.
ويوم القيامة يوم ظهور النتيجة والحكم على الممتحَنين، فمن كان يعمل الصالحات أعطاه الله أجره ومن اكتسب السيئات واجترح الأخطاء واقترف الذنوب فلن يظلمه ربه وإنما سوف يعامله كما يجب أن يعامَل، وذلك بالميزان الرباني القائل (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) ويوم القيامة هو يوم العدل الإلهي الذي لا يُظلم فيه أحد فقد أخبرنا ربنا تعالى بذلك في العديد من سور القرآن، ففي سورة الجاثية قال سبحانه(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) وفي سورة يونس(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وفي سورة النساء(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وفي سورة الكهف(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) فيوم القيامة يوم الجزاء ولقد أشار القرآن إلى مسألة الجزاء في ذلك اليوم فقال تعالى في سورة البقرة(وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) وقال(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
والكلام عن أحداث يوم القيامة سهل للغاية، وقد يكون جذّاباً لأسماع القلوب قبل أن يكون جذاباً لأسماع الآذان، وقد يشعر المرء بالأنس عند سماع تلك الأحداث، ولكنه بعيد عن الواقع الذي سيكون عليه أمره في ذلك الموقف العظيم، فإننا وإن كنا مؤمنين مخلصين فهذا لا يعني أننا بعيدون عن تلك المراحل، يكفي أننا سوف ننظر إلى النار بأعيننا ونرى اضطراب الخلائق ونشاهد بعض الأهوال وهذا لوحده يكفي لأن يعظّم أمر القيامة في نفوسنا، ولكي تكون الموعظة أنفع والبيان أبلغ فلنتخيل بأننا مساقون في يوم الحساب إلى النار الكبرى، فكيف سيكون شعورنا تجاه هذا الحكم الذي لا خلاص منه إذا لم نكن في دار الدنيا من أهل التقوى والإحسان، فالمؤمن ينظر إلى النار ويخاف منها ويرتعب وهو يعلم بأنه لن يدخلها، فكيف به إذا نظر إليها ورأى لهبها وسمع شهيقها وزفيرها وهو يعلم بأنه من أهلها، هذا التصور لوحده يكفي لأن يرتجف المرء من الخوف ويحثه على العمل الذي يزحزحه عن عذاب النار.
وفي سورة الزمر موعظة بليغة ودرس مؤثر كما هو حال القرآن من ألفه إلى يائه، فلقد تحدث إلينا ربنا عن أحوال الناس في يوم الحساب، فقال (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) والأرض هي مشهد القيامة لا يوجد فيها من المعالم سوى أنوار القداسة، ثم قال (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) هناك يعلم الإنسان ما كان يذكره وما كان قد نسيه، وبعد تلك المحاسبة يأتي دور الجزاء فإن لأهل النار جزاءاً ولأهل الجنة جزاءاً، أما جزاء أهل النار فهو سَوقهم إليها جزاءاً بما كانوا يفعلون في دار الإمتحان والعمل(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) ثم يأمر بالمؤمنين الصادقين إلى نعيم الجنة(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
وقد ورد في الذكر الحكيم كلام حول الكتاب الذي يلقى للإنسان في يوم القيامة فيجد فيه ما صنعه في دار الدنيا من صغير أو كبير من قول أو فعل أو غير ذلك، وقبل الدخول في الحديث عن هذا الكتاب لا بد وأن نشير إلى نقطة عقائدية هامة وهي أن الله تعالى من خلال وضع الملائكة الحفظة فإنه يعاملنا بالطريقة التي نفهمها، وأنه تعالى ليس بحاجة إلى إحصاء الملائكة لأعمالنا فهو العالم بها قبل حدوثها، ولكنه تعالى – وهو أعلم بمراده- يعلمنا كيف ننظم أمورنا في الحياة الدنيا، ثم إن مسألة إعطائنا الكتاب في يوم الحساب ليس من أجل الله، بل من أجلنا نحن حتى نقرأ ونتذكر ولا نقع في الإنكار، وفي موضوع الملائكة الذين يحفظون علينا أفعالنا قال تعالى(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) وقال سبحانه(إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) وحقيقة الكتاب لا نعرفها، هل هو قرطاس، أو جلد، أو مادة خاصة بمواد يوم الحساب، فهذا الأمر لا نعلق عليه ولا نتوقف عنده لأن ما يهمنا هو بيان ما أحاطه هذا الكتاب بأمر من الله عز وجل، وعلى الذين ينكرون الكتاب أن يقرؤوا قوله تعالى في سورة الإسراء(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)
وفي موضوع الكتاب الأخروي أيضاً قال تعالى(وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ومن جملة الأنظمة الخاصة بهذا الكتاب أنه إذا أوتي الإنسان كتابه بيمينه فهو علامة على صلاحه أما إذا أوتي كتابه بشماله فهو علامة على هلاكه، وفي هذا الشأن قال تعالى(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)
الشيخ علي فقيه


