كبائر الذنوب

سِلْسِلَةُ كَبَائِرِ الذنُوْب

اليَمِيْنُ الكَاذِبَة

 

 

 

اليَمِيْنُ الكَاذِبَة

 

وهي الحَلف بالله تعالى كذباً، كمن يقول: أقسم بالله أن هذه العين لي، وهي في الواقع ليست له، وهو يعرف أنها ليست له، فهذا اجتراء على الله عز وجل، وهو من كبائر الذنوب التي سوف يعاقَب عليها مرتكبها في يوم الحساب.

إن الذين يمارسون هذا العمل المبغوض من قِبل الله عز وجل، إنما يرتكبون ذنباً كبيراً لا يتجاوز الله عنه إلا بالتوبة الصادقة، وإن لسان المواعدة على اجتراح هذه السيئة صريح في الكتاب العزيز، حيث يقول سبحانه(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

إن اليمين الغموس الفاجرة الكاذبة ليست بالأمر العابر الذي يمر من دون مساءَلة أو حساب لأن الله عز وجل سوف يسأل الإنسان في يوم القيامة عن كل كلمة وفعلٍ وحركة وسكنة قام بها في دار الدنيا حيث يُلقى إليه هناك كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وها هو الكتاب العزيز يشرح لنا جانباً من جوانب اليمين الكاذبة وكيف ستكون عاقبة أمرها وأمر العامل بها يوم القيامة حيث قال عز وجل حاكياً عن المنافقين الذي استعملوا اليمين الكاذبة وسيلة للنجاة فكانت نهايتهم شر نهاية، وعاقبتهم شر عاقبة(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فهؤلاء المنافقون تولّوا قوماً غضب الله عليهم، وهم اليهود، ولكن الله تعالى يخبرنا هنا عما في ضمائر أهل النفاق، فيقول : ليسوا منكم ولا من اليهود، بل هم فئة معيّنة لها حكمها الخاص عنده.

فهؤلاء المنافقون كان يحلفون للمسلمين بأنهم من المسلمين، وإذا جلسوا مع اليهود كانوا يحلفون لهم بأنهم على ملتهم، والحقيقة هي ما أخبرنا القرآن الكريم.

إن عاقبة أيمانهم الكاذبة لن تمر من دون عقاب، وقد أخبرنا الذكر الحكيم عن جزء من عقابهم في سورة المجادلة حيث تابع القرآن حديثه عنه قائلاً(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إن حلفهم بالله كذباً أمر سيّء سوف يُؤخَذون به في يوم الجزاء لأنهم استعملوا الحلف بالله تعالى وقاية لهم من جميع الأطراف التي يكذبون عليها، وذلك من أجل المحافظة على وجودهم ومصالحهم حيث أن الهم الوحيد عندهم كان الدنيا دون سواها، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله سبحانه(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) حيث لا مجال للعفو عنهم في يوم القيامة، فلن تنفعهم هناك أموالهم ولا أولادهم ولا من كان معهم في دار الدنيا حيث أُمضِيَ القضاء الإلهي في حقهم وأُبرِم الحكم القاضي بتعذيبهم إلى الأبد، وهذا معنى قوله تعالى(لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

 

اليَمِينُ الكَاذِبَةُ فِي يَوْمِ القِيَامَة

 

يوجد في يوم الحساب أطباع مختلفة للناس الواقفين الذين ينتظرون دورهم في المحاسبة على ما كانوا يعملون في دار الدنيا، فمنهم من يقف ساكتاً خوفاً من النتيجة التي قد تكون سيئة للغاية، ومنهم من يبقى متجرئاً على الله عز وجل حتى في ذلك المشهد العظيم، وقد يتفاجأ البعض من هذا الكلام فيقول: كيف يمكن للإنسان عندما يرى الحق بعين اليقين أن يكذب ويتجرأ على الله وهو يعلم أنه سوف يعاقَب؟

وهذا سؤال وجيه نابع عن معرفة غير تامة، لأن الذين يعرفون عظمة ذلك اليوم وشدة الموقف فيه يستغربون وجود أشخاص يفترون على الله هناك، غير أن القرآن الكريم أخبرنا عن نماذج كثيرة من هذا النوع الذي لا يتورع عن الكذب والإفتراء حتى في تلك اللحظات الحاسمة.

منهم: الذين يحاولون إخفاء الحقيقة لظنهم بأن الله عز وجل غافل عما كانوا يصنعون في دار الدنيا فهم يحاولون أن يموّهوا الأمر بدافع التضليل، وهناك تشهد عليهم أعضاؤهم بما كانوا يفعلون فيتفاجؤون لذلك، ويعاتبون أعضاءهم على الإفصاح بتلك الشهادة، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم حيث يقول(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ  وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ) ويقول سبحانه(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

ومنهم: الذين يحلفون بالله كذباً في يوم القيامة، أي أنهم كرروا هذا السلوك السيء الذي كانوا يمارسونه في دار الدنيا، وهم المنافقون الذين اشتروا بأيمانهم في الحياة الدنيا ثمناً قليلاً فهم لا يتورعون عن اليمين الكاذبة حتى في يوم الحساب، وهذا ما ذكره الله تعالى في محكم كتابه حيث يقول(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ  اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ولا يحتاج إثبات الأمر هنا إلى المزيد من البيانات والأدلة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى