
السِحْرُ
لقد عدَّ رسول الله(ص) السحر من الكبائر كما جاء في كتاب الوسائل، وهو من السلوكيات المنفِّرة والمبغوضة في آن واحد، وقد مرَّ عبر العصور الماضية التعبير عن أي إنسان قبيح أو كذّاب بالساحر، وهذا يعني أن المجتمع البشري بطبعه يُبغض السحر قبل أن يرد بُغضه في الكتب السماوية.
والسحر: هو إراءةُ غير الواقع واقعاً، وهو الكذب بعينه، فإن الساحر بحركاتٍ معيَّنة يُخيِّل لك أنك في مكان ما، أو أن شخصاً اقترب منك أو ابتعد عنك، وهو في الواقع ما زلتَ مكانك، ولم يقترب منك أحد، ولم يبتعد عنك أحد، غاية ما في الأمر هو أن الساحر يسحر لك عينك فيريك غير الواقع واقعاً، كما فعل السحرة في المواجهة مع كليم الله موسى بن عمران(ع) عندما ألقوا حبالهم فرآها الناس أفاعي تتحرك وتقترب منهم، ولكنك لو اقتربت من تلك الأفاعي المسحورة ولمستها بيدك فسوف ينفك السحر ولن تتأذى لأنها في حقيقتها وواقعها ليست أفاعي بلل هي حبال مهما رأتها عيناك، والتعبير القرآني واضح في كون السحر أو ما ينتج عنه ليس حقيقةً حيث ركّزت الآية على مسألة الخيال عندما قال سبحانه(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)
فقوله تعالى(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) يشير بكل وضوح إلى عدم صحة ما شاهدته العيون، ولكن موسى(ع) ومن كان معه من المؤمنين شعروا بالخوف، فأمر الله كليمه موسى بأن يلقي عصاه فألقاها فأبطل الله بذلك سحر السحرة، فما جاء به موسى لم يكن سحراً وإن كان مشابهاً بظاهره للسحر، فإن ما أتى به هو الإعجاز الإلهي، أما ما جاء به السحرة فهو الوهم، ولهذا عندما تحولت عصى موسى إلى حية خاف السحرة لعلمهم بأن ما جاء به موسى ليس سحراً لأنهم أعلم الناس بحدود السحر وفنونه، ولأن الموقف كان حاسماً لم يتوهم أحد من السحرة أن ما جاء به موسى هو سحر جديد، بل سجدوا مباشرة لأنهم كانوا أعلم الناس بفن السحر، فما يأتي بعد ذلك يكون خارقاً لنواميس هذه الطبيعة، ثم إن القرآن الكريم أشار مرة جديدة إلى كون الساحر خاسراً لأنه لم يأت سوى بالوهم والكذي والخداع، ولهذا تابع القرآن الكريم حديثه قائلاً(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)
ومن خلال ما ذُكر يظهر لنا أن السحر عبارة عن حركات سريعة تُسحَر بها العيون، وهنا سوف نعمل على توضيح الفكرة أكثر عبر ضرب مثال يقرِّبنا من المعنى الحقيقي أكثر، فلو فرضنا أن إنساناً من الذين حضروا المواجهة التي وقعت بين كليم الله موسى، وبين السحرة الذين جمعهم فرعون، فلو أن أحداً كان عنده جرأة كافية واقترب من تلك الأفاعي المسحورة وحملها فلن يتأذى منها لأنه بمجرد أن يلمسها سوف ينفك السحر عن عينيه، وحتى لو لم ينفك السحر وحمل الحبال وهو يراها تتحرك بين يديه وتلدغه، فإنها عندما ينفك السحر فلن يرى في أماكن اللدغ أي أثر، أما عصا موسى عندما تحولت إلى ثعبان كبير فقد ابتلعت تلك الحبال المسحورة، ولكنه عندما عادت العصا إلى طبيعتها لم يكن هناك أثر للحبال المسحورة لأن الله تعالى في تلك اللحظة قد خلق ثعباناً حقيقياً من العدم ثم بعد أن أدى الثعبان مهمته أرجعه ربه إلى مرحلة العدم.
وها هو النبي الأعظم(ص) وآله الأطهار(ع) يبينون لنا قبح السحر وسوء عاقبته عند الله عز وجل، فقد ورد عن الإمام علي(ع) أنه قال: أقبلت امرأة إلى رسول الله(ص) فقالت: يا رسول الله، إن لي زوجاً وله عليَّ غِلظة، وإني صنعت به شيئاً لأعطفه عليّ، فقال رسول الله(ص) : أفٍّ لكِ، كَدَّرتِ دينك، لعنتك الملائكة الأخيار، لعنتك الملائكة الأخيار، لعنتك الملائكة الأخيار، لعنتك ملائكة السماء، لعنتك ملائكة الأرض:
وعنه(ع) : من تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر…
وعنه(ع) : المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار:
ويكفي في بيان عاقبة الساحر ما جاء في كتاب الله العزيز عند حديثه عن الملِكين الساحرَين هاروت وماروت حيث أشار الله تعالى في آخر الآية إلى العاقبة الوخيمة لكل من يسلك طريقتهما في هذه الحياة فقال عز وجل(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ)
وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، ومدمن سحر، وقاطع رحم:
الشيخ علي فقيه



