
قَطْعُ صِلَةِ الرَحِم
يُعتَبر قطع هذه الصلة من كبائر المحرمات لشدة بغضها عند الله عز وجل، وكثرة المفاسد المترتبة عليها، بل كثرة المصالح والفوائد التي سوف تفوت الإنسان بسببها، ولا تختص تلك المصالح بيوم القيامة فقط، وإنما هي في الدنيا أيضاً، لأن هذا الواجب(صلة الرحم) من جملة السلوكيات التي تحمل معها الفائدة في الدنيا قبل الآخرة.
وقد حدّثنا القرآن الكريم عن هذا الواجب وضرورة العمل به وأنه من الأمور العظيمة في نظر الله عز وجل الذي قال في محكم كتابه(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
والملاحَظ في هذه الآية الكريمة هو أن الله تعالى جعل مسألة قطع الرحم في عرض واحد مع نقض العهد والإفساد في الأرض، وكلاهما من كبائر الذنوب.
وكذا قال تعالى(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)
وهنا يوجد تحذير واضح من الإقدام على مثل هذه الجريمة في حق الشرائع السماوية وفي حق الإنسانية والمجتمع البشري بشكل عام، هذا المجتمع الذي بناه خالقه من أجل التواصل والإستمرار، فالذين يقطعون الشيء الذي أمر الله تعالى بوصله هم الذين يقفون في وجه الإرادة الإلهية ويرتكبون ذنباً كبيراً يستحقون عليها عذاب جهنم كما هو الواضح في الآية المذكورة.
وقال سبحانه(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
وفي بيان المراد من الأرحام في هذه الآية قال الإمام الصادق(ع) : هي أرحام الناس، إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظّمها، ألا ترى أنه جعلها منه:
إن ثواب صلة الأرحام عظيم، فقد بيّن لنا رسول الله(ص) ذلك حيث قال: إن أعجل الخير ثواباً صلة الرحم:
وفي بيان ضرورة هذه الصلة وحرمة قطعها قال الإمام علي(ع) : أيها الناس: إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عترته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطةً من ورائه وأَلَمُّهُم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به، ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يرثه غيره، ألا لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخَصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا يَنقصه إن أهلكه، ومن يَقبِضْ يده عن عشيرته فإنما تُقبض منه عنهم يدٌ واحدة، وتُقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة، ومَن تلِن حاشيته يستدم من قومه المودة:
آثَارُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَقَطْعِهَا
في سورة الرعد ورد بيانٌ واضح لعاقبة صلة الأرحام وقطعها، وذلك من باب الترغيب والترهيب وبيان الحقيقة التي عليها واقع هذا الحكم الإلهي.
قال سبحانه(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)
لا مَوَانِعَ فِي صِلَةِ الرَّحِم
مهما كان بينك وبين أقاربك موانع من الصلة بسبب بعض المشاكل والخلافات فإن ذلك كله لا يبرر قطع الصلة بينكم، فيجب أن ننحي خلافاتنا جانباً أمام أمر الله لنا بوجوب الصلة ونهيه لنا عن قطعها، ونلاحظ بأن قطع الصلة هو المرض المنتشر في أكثر مجتمعاتنا الإسلامية، فإن الواحد منا مستعد لأن يبيع دينه ويفرط بإيمانه في مفابل عدم التنازل لمن قاطعه من الأقارب، فتراه عند هذه الحالة ينسى ربه وكأنه لم يأمر بالصلة فتشتعل في داخله نار الأحقاد، تلك النار التي يؤججها الشيطان الرجيم لنبقى غارقين في المعصية، ثم إن التنازل من أجل الصلة ليس فيه شيء من المهانة والإذلال بل إن فيه العزة لك لأنك تصل رحمك وتطيع ربك، والعزة للمطيعين، أما الذلة فهي لأهل المعصية.
وفي هذا المجال قال الجهم بن حميد للإمام الصادق(ع) : تكون لي القرابة على غير أمري، أَلَهُمْ عليَّ حق؟ فقال(ع) : نعم، حق الرحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقّان: حق الرحم وحق الإسلام:
آثَارُ صِلَةِ الرحِم فِي الدنْيَا وَالآخِرَة
إن لصلة الأرحام آثاراً تظهر على صاحبها في الدنيا لأن هذا السلوك من شأنه أن يعكس المنفعة على الإنسان في دار الدنيا لكونه يحمل منفعتين: واحدة في الدنيا والثانية في الآخرة.
أما آثار هذا السلوك في الدنيا فهي كثيرة:
منها: الزيادة في الرزق: فهي بابٌ من أبواب العيش الكريم حيث أن الله تعالى ييسّر أمر الواصل لرحمه فلا يقبل له الجوع.
ومنها: دَفْعُ البلاء: وهو من أعظم الآثار التي يطلبها العقلاء في الدنيا، فإن دفع البلاء نعمةٌ كبيرة، وصلة الرحم وسيلة لدفع البلاء من وجهٍ.
ومنها: طول العمر: وافضل الأعمار وأقدسها هي التي تُستغَلُّ في الطاعة فيكون طول العمر حينئذ محبوباً للخالق والمخلوق، والعاقل عندما يسأل ربه طول العمر فإنه يقيّد دعاءه بالعمل الصالح، وهذا ما أشار إليه الإمام السجّاد(ع) في دعائه حيث قال: وعمّرنب ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك: لأن بطن الأرض من دون ذنب خير من ظهرها مع العصيان.
ومنها: تحسين الخُلُق: وهو من صفات أهل الإيمان التي ينبغي أن تكون في كل مسلم، فهي طريق يؤدي بصاحبه إلى الرضوان.
ومنها: تطييبُ النَّفْس: ومن منّا لا يريد أن يكون ذا نفس طيبة وروح كريمة؟
ومنها: نماء العدد: لأن التواصل مع الأقارب يجعلك كثيراً بهم.
ومنها: إبعاد ميتة السوء: وقد بيّن الرسول وآله(ص) هذه الآثار في صلة الرحم على مستوى الدنيا والآخرة، وإليكم بعض تلك النصوص الواردة في هذا الشأن:
ومنها: تيسير الحساب: في ذلك اليوم العظيم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة.
ومنها: تخفيف سكرات الموت: وهي من أشد الساعات التي يمر بها ابن آدم.
ومنها: العصمة من الذنوب: وهو غاية مطلوب المؤمن.
قال رسول الله(ص) : اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في الدنيا وخيرٌ لكم في الآخرة:
وقال(ص) : مَن سرّه أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأَ له في أجله فليصِلْ رحِمَه:
وقال(ص) : صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر:
وقال(ص) : صلة الرحم تعمُرُ الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار:
وقال(ص) : صلة الرحم تُهوِّن الحساب وتقي مِيتة السَّوء:
وقال(ص) : إن القوم ليكونون فجرةً ولا يكونون بررةً فيصلون أرحامهم فتنمي أموالهم وتطول أعمارهم فكيف إذا كانوا أبراراً بررة:
وقال(ص) : إن المرء ليَصل رحمه وما بقي من عمره إلا ثلاثة أيام فيُنْسِئهُ الله ثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع الرحم وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيِّرُه الله إلى ثلاثة أيام:
وقالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) :فرض الله صلة الرحام منماةً للعدد:
وقال الإمام علي(ع) : صلْ رحمك يزيد الله في عمرك:
وقال الإمام الحسين(ع) : مَن سرَّه أن يُنسأ في أجله ويُزاد في رزقه فليصل رحمه:
وقال الإمام الباقر(ع) : صلة الأرحام تزكي الأعمال وتُنمي الأموال وتدفع البلوى وتُيسّر الحساب وتنسئ في الأجل:
وقال(ع) : صلة الأرحام تحسّن الخلق وتُسمِّح الكف وتطيّب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل:
وقال الإمام الصادق(ع) : إن صلة الرحم والبر ليُهوّنان الحساب ويعصمان من الذنوب فصلوا أرحامكم وبَرُّوا بإخوانكم ولو بحُسن السلام وردِّ الجواب:
عن الإمام الهادي(ع) أن كليم الله موسى(ع) سأل ربه: ما جزاء مَن وصل رحمه؟ قال: يا موسى، أنسي له أجله وأهوِّن عليه سكرات الموت:
الشيخ علي فقيه



