تفسير سورة البقرة من الآية 104 إلى 113

تفسير سورة البقرة
من آية 104 إلى الآية 113
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وجّه القرآن الكريم هذا الخطاب إلى الصحابة فنهاهم عن قول راعنا لأن النبي(ص) كان يحدّثهم فيقولون له راعنا بمعنى تمهّل علينا حتى نسمع كلامك ونفهمه، وقد كانت هذه الكلامة مسبّةً عند اليهود الذين خاطبوا بها الرسول بنية سيئة فنهاهم الرسول عن قول راعنا واستبدل مكانها قول انظرنا بمعنى انتظرنا حتى نفهم ونستوعب، ثم أمرهم الله تعالى بأن يسمعوا كلام النبي جيداً حتى ينتفعوا بكلامه الموحى به من عند الله، وأما الكافرون وهم اليهود الذين خاطبوا الرسول بتلك الكلمة بنيةٍ سيئة فلهم عذاب أليم.
(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
لا يرضى الكفار من أهل الكتاب ولا عبدة الأصنام أن يُنزّل الخير على المسلمين، والخير هنا هو النبوة لأنهم أرادوها لهم ومنهم فرد الله عليهم بأنه يختص برحمته الواسعة من يشاء من عباده فهو أعلم بهم وهو ذو فضل عظيم على عباده.
(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
لا يمحو الله تعالى حفظ شيء ويستبدله بشيء آخر إلا إذا كان في محو الأول واستبداله بالثاني مصلحة للبشر فهو العليم وهو على كل شيء قدير، وقد عقد المفسرون والعلماء كثيراً من البحوث المطولة حول إمكانية النسخ في القرآن ولا مجال لذكر آرائهم هنا.
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)
ألم يعلم الناس أن الله تعالى هو المالك للسموات والأرض وما فيهما وهو المدبر لشؤونهما كما تقتضي الحكمة والمصلحة وهو ولينا الذي يقوم بأمورنا فليس لنا من دونه ولي ولا نصير.
(أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) أيها المسلمون.. هل تريدون أن تسألوا الرسول محمداً(ص) كما سألت اليهود موسى بن عمران عندما سيطر عليهم العناد فطلبوا منه أن يريهم الله جهرة فإذا فعلتم ذلك فقد استبدلتم الكفر بالإيمان وهذا ضلال وانحراف عن الصراط المستقيم.
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
لقد تمنى كثير من أهل الكتاب أن يردوا المسلمين عن إسلامهم ويعيدوهم إلى الكفر بداعي الحسد للنبي وللمسلمين حيث رأوا كيف أن المسلمين يشتد ساعدهم يوماً بعد يوم وينتشر ذكرهم في أرجاء المعمورة ببركة النبي الأعظم(ص) فلقد تمنوا ذلك وسعوا له بعدما تبين لهم أنه الحق من الله تبارك وتعالى، ثم أمر الله المسلمين بأن يتعاملوا مع هؤلاء الكفار بالعفو والصفح حتى يأتي أمره لهم بالقتال والتأديب.
(وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لقد تكرر هذا الأمر الإلهي أكثر من مرة في كتاب الله تعالى للتأكيد على أهمية الصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات المفروضة مبيناً لهم أن كل الأعمال التي يقومون بها إنما هي من أجل أنفسهم فهم الذين ينتفعون بها خاصة دون الله عز وجل، وكل ما يصدر عن العباد من الحركات والسكنات وما يدور في ضمائرهم فإن الله تعالى يعلمه.
(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) لقد عاش اليهود والنصارى وهماً كبيراً منذ البداية وما زال اليهود حتى عصرنا الحالي يعتقدون بأنهم شعب الله المختار، هذه مجرد أماني وأوهام فهم يحتكرون الجنة لأنفسهم بحجج واهية وأدلة لاغية ولأجل ذلك يرد عليهم القرآن ويطلب منهم أن يأتوا بالدليل القاطع والبرهان الساطع على كون الجنة لهم دون غيرهم، ونفس هذا الطلب الإلهي المشحون بالغضب عليهم والإنتقام منهم لأكبر دليل على كونهم من أهل النار.
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
نعم.. الذي يُخلص لله تعالى ويحسن لنفسه في دار الدنيا ويسلك الطريق المستقيم التي خطها الرسول الخاتم(ص) فهذا هو الذي يدخل الجنة يوم القيامة وليس الظالمين لأنفسهم، فإذا أسلم المرء وجهه لله وأحسن في هذه الدنيا كان ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
لقد صدق اليهود والنصارى عندما اتهموا أنفسهم بذلك لأنها هي الحقيقة إذ أنهم ليسوا على شيء حيث لم يؤمنوا بالنور الذي أنزله الله عز وجل، فلقد قالوا هذا وهم يعرفون الكتب السماوية ويقرؤونها فلقد قالوا كما قالت عبدة الأوثان من قبل، وفي يوم القيامة سوف يرى هؤلاء من يدخل الجنة ومن يدخل النار.



