
الإِمَامُ الصدْرُ وَالعَمَلُ الإِجْتِمَاعِي
لم يكن الإمام الصدر رجل دين عادي، ولم يقتصر عمله على عقد زواج وإيقاع طلاق وصلاة جمعة أو إمامة مسجد أو تأليف كتاب أو صلاة على جنازة أو حضور حفل تأبيني كما هو حال كثير من إخواننا الكرام من رجال الدين المنتشرين في مدن وقرى لبنان.
لقد وسّع الإمام الصدر رقعة عمله وطبّق ما يجب على نواب المعصومين أن يقوموا به تجاه الأمة، فلم يكتف بالكلمة فقط، ولم يقتصر جهده على التوجيه بل ترجم كل ما دعا إليه عملياً فكان أول العاملين والمشاركين في كل فكره يطرحها أو مشروع يدعو إلى تأسيسه.
لقد كان الإمام الصدر قريباً من الناس، ينظر إليهم ويعيش بينهم ويشعر بجوع الجائع وألم المريض ومرارة الفقير فكان بذلك واحداً منهم.
لم يلبس الجديد، ولم يركب السيارات الفخمة، ولم يبني قصراً له أو حتى منزلاً عادياً، وليس له حتى الآن منزل أو قطعة أرض خاصة به وبعياله، ولم ينافس غيره بالجاه والثروة والمرافقة والخدم وباقي الإمتيازات التي سعى غيره إليها، فكان مثله بيننا وفينا كمثل المصباح الذي يحرق نفسه من أجل أن يضيء على الآخرين.
لقد تعلّم هذا الإمام في مدرسة جده أمير المؤمنين(ع) الذي زهد في الحياة وعمل على خدمة الناس حتى أنه كان يبيت جائعاً ليشبع غيره، وكان يبني المؤسسات العامة لعلمه بدورها في بناء المجتمع الصالح والمتكامل، فلقد تعلّم الإمام الصدر ذلك وطبّقه عملياً، ولم يتغنّى يوماً على المنابر بفكرة أو موعظة أو خطاب لينال به إعجاب الحاضرين والسامعين بل كانت الكلمات تخرج من صميم قلبه، وهذا السبب الذي جعل كلماته تدخل إلى القلوب وتستقر بها إلى الأبد.
لقد أسس الإمام الصدر كثيراً من المؤسسات التي يعود ريعها إلى الفقراء من أهل الجنوب والبقاع خاصة، ولم يودع من ريعها شيء باسمه أو اسم أحد من أولاده أو أقاربه، وهذا ما جعل مؤسساته تنمو وتزدهر وتنطلق وتستقطب القاصي والداني من اللبنانيين وغير اللبنانيين.
وإليكم بعض تلك الأعمال الدينية بالدرجة والأولى والإجتماعية والإقتصادية بالدرجة الثانية.
أولاً: وفي ظل الظروف المالية التي كانت تمر بها حركته وكثير من أبناء وطنه راح يحثّ الأغنياء على مساعدة الفقراء مبيناً لهم مدى عظمة هذا العمل الذي يقومون به وأنه هو الدين الذي يريدونه رب العالمين، فراح يجمع التبرعات منهم ويعطي جزءاً منها للحالات الطارئة والجزء الآخر لبناء المؤسسات لأنه كان يعرف بأن الصدقة تزول بالمصرَف اليوم أو الأسبوعي أو الشهري على أقصى الحدود، أما المؤسسة فإنها تنتج يوماً بعد يوم وتعطي في اليوم الثاني أكثر مما تعطيه في اليوم الأول، وهكذا، وبذلك أسس في مدينة صور برامج محو الأمية العلمية والمهنية والحِرفية وشجع الناس على مزاولة تلك المهن فقضى بذلك على ظاهرة التسول التي لا تليق بالإنسان كإنسان، وقد وجّه هذا النداء للرجال والنساء والكبار والصغار، فمن كان لديه قطعة أرض مهملة راح يحييها ويزرعها لتنتج له وتعيله، ومن كان عنده دكان خال من البضائع كان يعطيه رأس مال ليبدأ التجارة به من جديد، وهكذا، وقد حصلت هذه الخطوة الجبارة عام 1960 في مدينة صور لتكون منطلقاً لغيرها من المدن والقرى.
ثانياً: وبعد تسع سنوات من تلك الإنطلاقة المجيدة في مدينة صور أسس الإمام الصدر روضة الأطفال وألحقها بمدرسة الهدى لإيمانه بدورها الفعّال في تربية الأطفال وجعلهم رجال المستقبل الواعين والمجاهدين والمدافعين عن أرضهم وقيمهم ومبادئهم وشعبهم، وكان الإمام قبل ذلك قد أسس دورات تمريض وإسعافات أولية ثم حوّل هذا المشروع الفردي البسيط إلى مدرسة عريقة ما زالت قائمة حتى يومنا الحاضر.
ثالثاً: لقد كان الإمام الصدر يعاني من وضع الجنوب الإنمائي المتدهور أكثر مما يعانيه الفلاحون والمزارعون وأصحاب المحلات الصغيرة والمؤسسات المحدودة، ورأى مدى الإستهتار من قبل المعنيين فلم يكن أمامه سوى أن يتحرك بجدية وبقوة ليصنع شيئاً لهذا الجزء الجريح من الوطن(الجنوب) فأسس هيئة نصرة الجنوب ودعا اللبنانيين عموماً والجنوبيين خصوصاً إلى إضراب سلمي يعبّرون من خلاله عن بعض استيائهم من الوضع الذي كان قائماً، ويطالبون به ببعض حقوقهم كمواطنين لبنانيين، فكان الإضراب، وكانت النتيجة المرضية حيث نشأ بسببه مجلس الجنوب لتنمية الجنوب ورفع الحرمان عن كل لبناني عموماً وعن كل مواطن جنوبي خصوصاً، وقد ركّز الإمام الصدر على الجنوب أولاً لأنه من أكثر المناطق حرماناً على الإطلاق.
رابعاً: في أوائل السبعينيات نشبت الحرب الأهلية في لبنان، وكان الإمام الصدر من أول الحريصين على تطويقها لعلمه بنتائجها الوخيمة على الوطن وأهله وأن زمام الأمور سوف تفلت من يد اللبنانيين حيث سيصبح لبنان ورقة في يد بعض الدول الطامعة، فساهم الإمام في إنهاء الحرب الأهلية بعد أن تواصل مع أكثر المعنيين، ولكن المؤامرة حينها كانت أكبر منه، بل أكبر من الوطن إن لم نقل أكبر من الشرق الأوسط.
خامساً: لقد عمل الإمام الصدر من أجل كل لبنان، وذلك على خلاف كثير من اللبنانيين الذين دمروا لبنان وعملوا لفئة دون أخرى، وهذا ما كان يدفع بالحرب الأهلية نحو التقدم والإنتشار، ولم يكن لدى الإمام بعد أن فشلت محاولاته المتكررة في تهدئة الوضع سوى التقدم بمقترحات إصلاحية دعا إليها مراراً ولكن من دون جدى لأن المؤامرة كانت تفرض وجود بعض الزعماء أمثال الذين دمروا الوطن.
سادساً: حوصرت بلدتا القاع ودير الأحمر، وكان للإمام الصدر موقف جريء وصارخ وشديد اللهجة فحوّل مسجد الصفا إلى ساحة اعتصام استقطبت الآلاف من المسؤولين والمواطنين، ولم يفك اعتصامه إلا بعد أن رُفع الحصار عن القريتين.
وقد أسس الإمام الصدر الكثير من المؤسسات والجمعيات والمدارس والمبرات والمستشفيات مما ساعد كثيراً على الصمود في وجه الأطماع الخارجية، وقد دُونت تلك التفاصيل في العديد من المجلات والكتب والصحف، فعلى من يريد التعرف عليها الرجوع إلى الجهات المختصة والحصول عليها لأنها محفوظة بالقلوب فضلاً عن حفظها في الأراشيف.
الشيخ علي فقيه



