حقائق

حَقَائق

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً

 

بَحْثٌ حَوْلَ الآيَةِ المَذْكُوْرَة

 

قال تعالى(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً…)

سوف أشير هنا إلى أمور هي في الحقيقة تحليل خاص، واستنتاجٌ من خلال ربط فكرة بفكرة وحمل شيء على شيء، وما سوف يُذكَر إنما هو أمر يمكن لأي متفكر أن يصل إليه إذا فكّر بشكل سليم، فهنا أسئلة ربما طرحها البعض حول معنى هذه الآية، وإذا لم يطرحها البعض فها أنا ذا أطرحها من باب تقريب المعنى المراد وليس من باب بيان المراد التام، فإن ذلك لا يعلمه إلا الله عز وجل:

لماذا قال الله تعالى ذلك للملائكة؟

هل كان قولهم اعتراضاً على الأمر الإلهي؟

لماذا عبّروا عن ذلك بلفظ(وَيَسْفِكُ الدِّمَاء

هل أرادت الملائكة أن تستفرد بالتكريم الإلهي؟

لماذا قالوا لربهم(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ

فهنا خمسة أسئلة، ولو أردنا التأمل أكثر لكان عددها أكثر، ولكننا نكتفي بهذا الكم من الأسئلة لأنها تفي بالغرض في المقام.

الجواب على السؤال الأول

أما بالنسبة للسؤال الأول:  فلقد أخبر الله تعالى ملائكته بما سوف يكون، وذلك من باب اللطف الإلهي، حيث أنه تعالى فعّالٌ لما يريد، فلا يردّ أرادتَه أي كلام أو أي اعتراض لأنه الأعلم بالمصالح والمفاسد من خلقه، ولعله تعالى أخبرهم بذلك ليكونوا على عهدٍ بما سوف يرَون عما قريب، ولأنهم سوف يكونون مَعرِضاً للتكليف في شأن المخلوق الجديد، وعلى كل حال فإن الأسلوب الإلهي الرائع في التعاطي مع الخلق هو الحاكم في تلك الساحة القدسية، وهذا ما عهدناه في ربنا العظيم الذي سبقت رحمتُه غضبَه.

الجواب على السؤال الثاني:

وأما بالنسبة للسؤال الثاني:  فإن الملائكة لم تعترض على أمر ربها بل دُهشت لعظيم صبره وسعة رحمته، وذلك بعد أن عصاه خلقه قبل آدم فظنت الملائكة بأن الخلق الجديد سوف يكون كسابقيه فأوضح الله عز وجل لهم الأمر بطريق غير مباشر، وذلك عندما قال لهم(قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) ولعل الدليل على نفي فكرة الإعتراض التي توهَّمها البعض هو ورود حرف الإستفهام في قوله تعالى(أَتَجْعَلُ) فالهمزة هنا تُستعمل للإستفهام، ثم إن الملائكة لا تستطيع أن تعصي أو تخالف أو تعترض تكويناً حيث خلقهم الله تعالى ليكونوا عباداً مُكرَمين لا يعصونه بشيء، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم في العديد من السور، ففي سورة النحل قال سبحانه(يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وفي سورة التحريم(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)

الجواب على السؤال الثالث:

وأما بالنسبة للسؤال الثالث:  فهو مستوحى من قوله تعالى(وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ومن خلال هذه الكلمة يمكننا إدراك أمرٍ مهم حول مسألة سُكنى الأرض من قِبَل مخلوقات عاشت عليها قبل أن يُخلَق آدم، بل لعلهم كانوا مشابهين لنا بالتكوين يتحركون بلحم وعظم ودم، ولفظة(وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) لا يصح استعمالها مجازاً في الغالب، فيتحصّل لدينا أن هذه الأرض التي نعيش عليها لم تكن ساحة أشباح قبل وجودنا لأن وجودنا نحن الآدميين عليها لم يمر عليه أكثر من آلاف السنين، فلربما كانت عشرة آلاف سنة أو أكثر من ذلك أو أقل، بينما يوجد دلائل مادية تشير إلى أن بعض المخلوقات قد سكنت هذه الأرض قبل مئة مليون سنة، وهناك احتمالات علمية تشير إلى أن عمر هذه الأرض هو أكثر من ثلاثة مليارات سنة.

الجواب على السؤال الرابع:

وأما بالنسبة للسؤال الرابع:  فإن تكريم الله للملائكة شامل وكامل لم ينقصهم من ذلك شيء، بل لم تتغير معاملة الله لهم مع وجود غيرهم وبدون وجود غيرهم، وبما أن الملائكة عبادُ مُكْرَمون فلا يصدر عنهم القبح أبداً فيجب حمل عبارتهم على المِحمل الحسن.

الجواب على السؤال الخامس:

وأما بالنسبة للسؤال الخامس:  فإن قولهم(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) ليس فيه شيء من المِنّة أو استكثار العمل بل لعلم صرّحوا بذلك لينفوا مسألة الإعتراض التي توهمها بعض الناس.

ومما يُثبت لنا وجود الأرض وساكنيها قبل آدم هو عبارتان وردتا في الآية المذكورة، الأولى قوله سبحانه(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) والثاني(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) فلفظة(أَلْ) في قوله(الأَرْض) هي عهدية، أي أنها معلومة، والضمير في قوله(فِيْهَا) يعود إلى الأرض المعلومة أيضاً.

ويمكن القول بأن جميع فقرات هذه الآية الكريمة تشير إلى وجود حياة على الأرض سبقت حياة أبينا آدم(ع).

 

إِشْكَاْلٌ وَحَلٌّ

لقد قرأنا الآية الكريمة الآنفة الذكر، وطرحنا حولها خمسة أسئلة، واستخرجنا منها مجموعة من الأفكار والتحليلات والمعتقدات، ولكن ذلك لم يكن كل شيء، فالقرآن المجيد بحر عميق لا تنتهي عجائبه ولا تخفى غرائبه، فهو أعمق مما يتصور كل الناس وإن كانوا من جهابذة العلماء والمفكرين، بل هم لا يشبعون منه بسبب عمقه العميق.

وما أريده من خلال هذه المقدمة البسيطة أن ترجعوا معي بقلوبكم وعقولكم إلى الآية الكريمة مجدداً لننظر معاً في جهة أخرى تختلف بجوهرها وهيكلها عما ذكرناه حولها، فلْنُعِدْ قراءة قوله تعالى(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ولْنُحَلِّقْ معاً في في فضاء العقل مرة أخرى، ولنرْبُطْ هذه الآية وأحداثها وجميع إشاراتها بقوله تعالى(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) فسوف تنشأ من خلال ربط المعاني نقطة عقائدية هامة لا بدّ من الإشارة إليها، وقبل الإشارة إليها أريد أن أبيّن الهدف من خلال طرح مثل هذه الأفكار التي قد تكون معقَّدة نوعاً ما، أنا أهدف من خلال ذلك إلى بيان الترابط المتين بين جميع آيات الكتاب العزيز الذي لا يجوز الشك بكلمة من كلماته، فإنه إن حصل وهم حول بعض الآيات فليس السبب ذات القرآن، بل السبب يعود إلى عدم فهمنا لمعاني آياته ولو بشكل إجمالي، ومن شأن هذه البحوث أن تدفع بنا نحو التأمل والتفكر أكثر حتى نحيط بأكبر عدد ممكن من التعاليم الإلهية.

أما النقطة التي أريد أن أثيرها في المقام هي: أن الله عز وجل أخبر ملائكته بأنه سوف يجعل في الأرض خليفة، فلم يجعله في الأرض بل في الجنة، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم بقوله(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) والجنة غير الأرض إلا إذا اعتمدنا فكرة أن الهبوط من الجنة لم يكن من الأعلى إلى الأسفل المادي، بل كان هبوطاً من حياة إلى حياة أو من درجة معينة إلى درجة أقل مستوى من سابقتها، وهذا ما يحتاج إلى بحث مستقل يأتي في محله إن شاء الله.

فهنا يرد السؤال وينشأ الإشكال، كيف أخبرهم بإيجاد الخليفة في الأرض ثم أوجده في الجنة، ثم نقله بعد ذلك بسبب المخالفة إلى الأض؟ فهنا احتمالان أذكرهما باختصار حيث أن للبحث تتمة في محله.

الإحتمال الأول: وهو أن الله عز وجل أخبر ملائكته بالنتيجة الحتمية دون أن يذكر لهم المقدمات والأسباب والوسائل فإن هذه من خصوصياته التي لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وقد حصل ذلك نتيجة علم الله بما سوف يكون بغض النظر عن الوسيلة التي قد تكون بإرشاد منه أو باختيار الإنسان، كما ويُحتمل أن يكون المراد بالأرض أرض الجنة، ولا مانع من ذلك.

الإحتمال الثاني: أن وجود الإنسان كخليفة مرتبط بالوظائف التي سوف يقوم بها، فقد لا يصح أن يُعبّر عن ساكن الجنة بالخليفة، حيث لم يكن له فيها أية وظيفة، ثم إن آدم(ع) خُلق من أجل أن يعيش في الأرض وليس في الجنة، ولم يكن ما حدث من سبب هبوطه إليها إلا ليبين الله أموراً للملائكة ولإبليس وليعطي العبرة لنسل آدم من خلال ما جرى في الجنة، والدليل هو أن آدم لم ينزل إلى الأرض لوحده بل كان هذا الحكم شاملاً لإبليس أيضاً وذلك من باب إتمام مقدمات الإمتحان الإلهي للبشر، فبدون ما حدث لا يمكن أن يكون هناك امتحان، ووجود حياة بلا امتحان هو أمر لَغْوي، وقد تنزه ربنا عن كل لغو ونقص وعيب.

وهذا ما سوف يظهر جلياً وواضحاً في الحديث حول هذه المسألة، وأعود وأؤكد أن ما أذكره هو مجرد احتمال لا يُعتمَد عليه كدليل لأن الدليل الحجة يجب أن يكون من القرآن أو السنّة الصحيحة، وغيرهما لا يكون حجة على البشر.

فلا تناقض بين معنى الآية الأولى والآية الثانية، وهذا ما يجب الإعتقاد به.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى