عقائد

أُصُولُ الدين

النبوة

 

النبوة

 

الإيمان بالنبي هو الركن الثاني من أركان الإسلام. وهو ركن لا خلاف فيه بين الفرق الإسلامية، إنما الخلاف يكمن في نظرة كل فرقة إلى النبي كشخصية تؤدي دورها في محيط الرسالة..

يقول فخر الرازي: إن الاختلاف في هذه المسألة واقع في أربعة مواضع.

الأول: ما يتعلق بالاعتقادية. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة إلا الفضلية من الخوارج فإنهم يجوزون الكفر على الأنبياء.

وذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم. والروافض فإنهم يجوزون عليهم إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية..

الثاني: ما يتعلق بجميع الشرائع والأحكام من الله تعالى، وأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو. وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع..

الثالث: ما يتعلق بالفتوى. وأجمعوا على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. فأما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه.

الرابع: ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب.

1 – الحشوية: وهو أنه يجوز عليهم الإقدام على الكبائر والصغائر..

2 – إنه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة. وأما تعمد الصغيرة فهو جائز.

بشرط أن لا تكون منفرة. وأما إن كانت منفرة فذلك لا يجوز عليهم..

3 – إنه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة. ولكن يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطأ في التأويل..

4 – إنه لا يجوز عليهم الصغيرة ولا الكبيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل الخطأ.

أما السهو والنسيان فجائز ثم إنهم يعاتبون على ذلك بالسهو والنسيان. كما أن علومهم أكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ..

5 – إنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو ولا بالنسيان.. واختلفوا أيضا في وقت وجوب العصمة:

فقال بعضهم: إنها من أول الولادة إلى آخر العمر..

وقال الأكثرون: هذه العصمة إنما تجب في زمان النبوة. أما قبلها.. فهي غير واجبة.

 

النبوة عند أهل السنة

 

يعتقد أهل السنة أن إرسال الرسل إنما هو بمحض فضل من الله تعالى وواجب في حقهم الأمانة أي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه.

وواجب في حقهم الصدق والفطانة والتبليغ ويستحيل في حقهم ضد هذه الصفات.. أما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية وغير البلاغية.

أما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية. أما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر الله تعالى أما نسيان الشيطان فمستحيل عليهم. ويجوز على ظواهرهم ما يجوز على البشر مما لا يؤدي إلى نقص وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك متعلقة بربهم.

ويقول ابن حزم: والسهو منهم قد ثبت بيقين وأيضا فإن ندب الله تعالى لنا إلى التأسي بهم لا يمنع من وقوع السهو منهم لأن التأسي بالسهو لا يمكن إلا بسهو منا.. إننا مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سها.

ويعتبر ابن تيمية أن إنكار السهو من الغلو في عصمة الأنبياء وأن هذا القول لم يوافق عليه أحد من أهل السنة.

وقال الأشاعرة: يجوز على الأنبياء الكبائر والصغائر سهوا. إلا الكفر والكذب وعلى هذا طوائف أخرى من أهل السنة.

وهذا التصور الذي يطرحه أهل السنة بالنسبة لقضية العصمة إنما هو مرتبط بفترة ما بعد البعثة. أما فترة ما قبل البعثة فقد جوزوا عليهم الكبائر والصغائر عمدا وسهوا.

وقال القاضي عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف. والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك.

وقال القشيري: والذي صار إليه المعظم أن الله ما بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة.. وإجماع أهل السنة على جواز وقوع النسيان من الرسول صلى الله عليه وآله لكنهم اختلفوا فيما يكون النسيان. هل ينسى في التبليغ عن الله ما يتعلق بالأحكام والأفعال..؟

وقال آخرون: يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم العمر وينقطع تبليغه.

يقول ابن تيمية:.. والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.. وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ لرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في أن العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها. أم هل العصمة إنما في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أم لا؟ والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا. والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها.

وقال: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.

ويرفض ابن تيمية فكرة العصمة قبل البعثة ويرد على أصحاب هذا الاتجاه قائلا:.. وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصا وإن تاب التائب منها وهذا منشأ غلطهم فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطا عظيما فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شئ أصلا لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شئ وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله والأنبياء كانوا لا يؤخرون التوبة بل يسارعون إليها ويسابقون إليها لا يؤخرون ولا يصبرون على الذنب بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة. وأما من قال إن إلقاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب.. بل من عرف الشر وذاقه فقد تكون معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر وبغضه له أكمل ممن لم يعرف الخير والشر ويذوقهما كما ذاقهما. بل من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر. فإما أن يقع فيه. وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه.

 

 

النبوة عند الشيعة

يعتقد الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وآله معصوم عصمة كلية من ولادته وحتى مماته، فلا تجوز عليه الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل ولا بالنسيان..

ودليلنا على ذلك أنه لو عهد منه خطيئة لتنفرت العقول من متابعته فتبطل فائدة البعثة.

وتتجلى عصمة الرسول في مراحل ثلاث:

– مرحلة تلقي الوحي وحفظه وأدائه إلى الأمة.

– مرحلة القول والفعل، وعلى ذلك فهو من عباده المكرمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون..

– مرحلة تطبيق الشريعة وغيرها من الأمور المربوطة بحياته صلى الله عليه وآله لا يسهو ولا يخطئ في حياته الفردية والاجتماعية.

ويقول الشيخ محمد جواد مغنية: الأنبياء معصومون عن الذنوب، كبيرها وصغيرها، قبل النبوة وبعدها. لا يصدر عنهم ما يشين لا عمدا ولا سهوا.

وأنهم منزهون عن دناءة الآباء وعهر الأمهات، وعن الفظاظة والغلظة، وعن الأمراض المنفرة كالبرص والجذام، بل وعن كثير من الأعمال المباحة المنافية للتعظيم والتوقير كالأكل في الطريق ونحوه.

وقد اشتغل علماء الإمامية بالنصوص القرآنية التي توهم مناقضتها للعصمة الكلية والتي استند إليها أهل السنة في موقفهم منها. وقاموا بشرحها ومناقشة مدلولاتها على ضوء اللغة والعقل مثل قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى) وقوله تعالى: (والرجز فاهجر) وقوله: (.. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان..) وقوله: (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) وقوله: (عبس وتولى) وقوله: (سنقرئك فلا تنسى).

يقول السيد شبر: والعصمة عبارة عن قوة العقل من حيث لا يغلب مع كونه قادرا على المعاصي كلها. كجائز الخطأ. وليس معنى العصمة أن الله يجبره على ترك المعصية، بل يفعل به ألطافا يترك معها المعصية باختياره مع قدرته عليها. كقوة العقل وكمال الفطنة والذكاء ونهاية صفاء النفس وكمال الاعتناء بطاعة الله تعالى: ولو لم يكن قادرا على المعاصي بل كان مجبورا على الطاعات لكان منافيا للتكليف وعدم الإكراه في الدين. والنبي أول من كلف، حيث قال: فأنا أول العابدين وأنا أول المسلمين، وقال تعالى: (فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين) الحجر / 99. ولأنه لو لم يكن قادرا على المعصية لكان أدنى مرتبة من صلحاء المؤمنين القادرين على المعاصي التاركين لها.

إن شخصية الرسول عند الشيعة الإمامية هي شخصية متكاملة متجانسة مع روح الإسلام وطبيعة الوحي، وليست شخصية مهزوزة متقلبة ضعيفة الجذور متلونة أخلاقيا..

من هنا فإن الشيعة يرفضون وبقوة أي مساس بشخص الرسول كالسحر والخطأ والنسيان وتعرية حياته الشخصية ومشاركة بعض الصحابة له في شؤون الوحي ونسبة الكفر إلى والديه وعمه..

يقول السيد شبر: المشهور بين الإمامية – بل حكى عليه الإجماع – أنه يجب تنزيه الأنبياء عن كفر الآباء والأمهات وعهرهن. لئلا يعيروا ويعابوا في ذلك، ولئلا يتنفر عنهم. فإن ما في الآباء من العيوب يعود إلى الأبناء عرفا.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى