
الإِنْسَانُ
يتكون الإنسان من جسد وروح، ومن الروح النفس والقلب والعقل وجميع المشاعر والقوى المختلفة في وظائفها وفي ائتلافها مع غيرها وتنافرها معه، وكل من أراد أن ينظر إلى الإنسان فعليه أن ينظر إليه بمجموعه وليس إلى الجسد الذي هو مجرد أداة تستخدمها الروح في هذه المرحلة المسماة بالحياة الدنيا التي تُعتبر من أشبه المراحل لمرحلة القيام من حيث التكوين أي من حيث ائتلاف الأرواح مع الأجساد لأن هناك مراحل يمر بها الإنسان لا علاقة للجسد فيها كمرحلة الذر ومرحلة البرزخ.
فمرة ننظر إلى الإنسان ولا تتعدى نظرتنا له الشكل الخارجي المادي فقط، ومرة ننظر إليه على أنه المخلوق الذي سما عن غيره بروحه وعقله ونفسه وبعض الخصائص التي اختصه ربه بها عمن سواه من المخلوقات، ولكن الأكثرين من الناس ينظرون إلى الإنسان الجسد بحيث إذا رأوه أو ذُكر إسمه أمامهم تبادر إلى أذهانهم صورته الخارجية من دون أن ينظروا إلى شيء مما هو مرتكز بداخله.
وفهم حقيقة الإنسان أمر مقدور عليه، وهو رغم كونه كذلك إلا أنه من الأمور المعقدة والبحوث التي يصعب فهمها إلا بالبحث الدقيق والتأمل الواسع لأن الإنسان يشتمل على قوى، كل قوة منها يحتاج فهمها إلى دراسات واسعة وبحوث مطولة حتى يمكن إدراكها أو إدراك بعض الوظائف التي تقوم بها في حياة صاحبها، نحن عندما نتحدث عن إدراك القوى وقدرة الإنسان على ذلك فإننا نتحدث ضمن الإطار المقدور عليه أي الذي يستطيع العقل إدراكه لأننا نؤمن بأن هناك كثيراً من المسائل لا يمكن للعقل رغم عظمته أن يطالها ولو بشكل سطحي لأن الخالق سبحانه لم يؤتنا من العلم سوى الشيء القليل(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) فمهما أعملنا النظر والفكر في أي أمر من الأمور الخفية فإننا نبقى قاصرين عن إدراك حقائقها الأولى وجواهرها العميقة، أو بمعنى آخر نحن لا ندرك سوى ما أُذن بمعرفته وما أمكن للعقل أن يدركه لأن هناك حجباً بيننا وبين كثير من الأمور التي هي حولنا أو التي هي موجودة فينا كحواسنا ومشاعرنا التي نستعملها ونشعر بها ولكننا لم ندرك حتى الآن حقائقها الأولى، ونحن نقر بأن الإنسان حتى الآن لم يدرك وظائف جميع المحسوسات فكيف يمكن له أن يدرك حقائق الماورائيات كحقيقة العقل والروح والنفس، فلقد أدركنا قوة العقل بعقولنا وتعرفنا على أكثر وظائفها، وما يحصل عندنا من تطور فكري وصناعي وفني إنما هو من بركات القوة العاقلة التي متّع الله بها الإنسان، أما حقيقة العقل فنحن ننصح الجميع بعدم البحث عنها لأنها من المسائل المحجوب عنا معرفتها.
فوجود الروح فينا والعقل والقلب والنفس كل ذلك من الحقيقة، أما ادعاء معرفة كنه هذه المخلوقات العجيبة فإنه وهم واضح.
والإنسان هو ذلك المخلوق الذي انطوى فيه العالَم الأكبر، وهو أعمق سر من أسرار هذا الوجود الذي خلقه الله من أجل الإنسان، وهذه من جملة الحقائق التي يجهلها أكثر الناس الذين يجب عليهم أن يعلموا بأن كل ما تضمّنه هذا الكون من مخلوقات حية وجامدة قريبة وبعيدة معلومة ومجهولة إنما وُجدت من أجل هذا الإنسان الذي يهمل نفسه ولا يعبأ بها ولا يهتم بشؤونها الحالية والمستقبلية على مستوى الدنيا والآخرة.
والإنسان هو قطب رحى الحياة التي وجدت من أجل البشر، إذ لولا وجود البشر فيها لانتفت أكثر المفاهيم والمعاني والمبادئ الخاصة بالحياة الشاملة لبني البشر.
والإنسان هو المخلوق المميز بمظهره وجوهره عن باقي الموجودات، وهو الموجود المكرَّم والمفضّل على كثير من المخلوقين، وهذا ما أشير إليه بصريح القول في سورة الإسراء(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا)
وهو المخلوق الذي كان وما زال محور الخطابات الإلهية، وهو شرف كبير للعبد الذي يوجّه إليه ربه تلك التكاليف حيث جعله موضعاً للإختبار في هذه الحياة.
وهو المخلوق الذي يذكّره ربه بأصل وجوده وتكوينه حتى لا يتجبر ولا يتكبر ولا يخرج عن الخطوط المرسومة له فيرتكب الأخطاء ويقع في الحرام، وليعلم بأنه المخلوق الضعيف الفقير إلى الله والمحتاج إليه وأنه خلق من ماء مهين فقال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)
والإنسان هو صاحب تلك الروح التي قال الله فيها(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
وهو صاحب النفس التي جعلها الله تعالى مورداً للقسم في كتابه العزيز حيث يقول(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)
وهو صاحب العقل الذي قال الله في شأنه، كما ورد في الحديث القدسي :وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعظم منك فبك أُعرف وبك أُعبد وبك الثواب وبك العقاب.
وهو صاحب تلك المشاعر الخاصة والأحاسيس المميزة كالحب والبغض والفرح والحزن، وهو صاحب القوى الخفية كالفطرة التي تشد الإنسان نحو خالقه وترشده إليه وتدله عليه.
وهو مجمع القوى المتناحرة فيما بينها، وصاحب القوى الرحمانية والشيطانية في آن واحد، فهو القادر على أن يستعمل أية قوة شاء في أي وقت من الأوقات.
وهو المخلوق القادر على أن يرتقي ويصل إلى أعلى مراتب الكمال البشري وإلى قمم الفضائل ومكارم الأخلاق من خلال سلوكه الحسن، وهو القادر على أن يبلغ درجة تغبطه عليها الملائكة، وهو المخلوق الذي يستطيع أن ينزل إلى أوضع المراتب وأحط المستويات بحيث يغبط الحيوانات على مستواها التي هي عليه.
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وأعطاه صورته الرائعة وشكله التام وظاهره الجميل، وفيه قال تعالى(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) وفيه قال أيضاً(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وقال علي(ع) في صفة خلق الإنسان: ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَ وُصُولٍ، وَ أَعْضَاءٍ وَ فُصُولٍ : أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَ مَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، والأَذْوَاقِ والْمَشَامِّ، وَالْأَلْوَانِ وَالْأَجْنَاسِ:
وهو المخلوق الذي وجّه إليه ربه أوامره ونواهيه ليجزيه بالخير خيراً وبالشر شراً.
الشيخ علي فقيه



