حقائق

حَقَائق

الإِنْسَانُ النفْسُ

 

 

الإِنْسَانُ النفْسُ

 

قبل الشروع بالكلام عن النفس البشرية وقواها ووظائفها أود أن أشير إلى أن هذه النفس قد يُقصد بها الروح في بعض الأحيان أو ما هو مشتَرَكٌ بينها وبين الروح كالحديث عن النفس الزكية أو الأمارة بالسوء حيث يصح نسب الطاعة إلى الروح دون النفس وكذا نسب المعصية لها فيقال روح طيبة وزكية أو روح شريرة.

والحديث عن النفس ينفصل إلى اثنين: فمرة نتحدث عن النفس المشتملة على الحواس الخمس أو المتقومة بهذه الحواس الموجودة في الإنسان وفي كثير من المخلوقات التي تشارك الإنسان في الروح، ولم أقل هنا المخلوقات الحية لأنها تشمل الحي المتحرك بالإرادة والحي المتحرك من دون إرادة كالنبات، ومرة نقصد بها النفس التي تشارك الروح والقلب والعقل، وأكثر النصوص الذاكرة للنفس تقصد الثانية أي النفس المسؤولة عن حركاتها وسكناتها وأفعالها وتروكها ونواياها، فلا شغل لنا في النفس المشتملة على الشم والذوق والنظر والسمع واللمس.

والنفس مخلوق عظيم يوحي بتجليات سامية في مداليلها وعلى رأس تلك المداليل بيان القدرة الإلهية اللامحدودة التي صنعت هذه المخلوقات المعقدة وأخرجتها من مرحلة العدم إلى مرحلة الوجود، ولهذا فقد نشأ من خلال حديثهم عن حقيقة النفس وقواها ووظائفها العديد من الأوهام التي عمل الإسلام بجِدٍ على إزالتها عبر التعاليم التي وردت في القرآن المجيد وفي كلام النبي وآله(ص) وهما أصح وأصدق مرجع لمعرفة الحقائق وكسب التعاليم الصحيحة النافعة للبشرية كلها على مستوى الدنيا والآخرة.

وقد عبّر أمير المؤمنين عن النفس بتعبير عظيم يصف لنا مكانتها حيث قال: إن النفس لجوهرة ثمينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها:

وقد قُسّمت هذه النفس بحسب وظائفها وقواها إلى عدة أقسام:

القسم الأول: وهو ما سُمّيَ بالنفس الزكية: وهي النفس التي أجبرها صاحبها على الخضوع لأوامر الله تعالى ونواهيه وجعل العقلَ حاكماً عليها فلم يسمح لها بأن تقوم بأي فعل أو تترك أي أمر إلا بعد أن تمر في الموازين العقلية التي لم تُصَبْ بأي خلل أي العقل السليم.

فالله تعالى خلق نفساً قابلة لأن تكون زكية أو عاصية، وقد أمر الإنسان بأن يجعلها زكية لينجو من العقاب الشديد، وقد أقسم الله تعالى بالنفس لكونها من المخلوقات العظيمة مبيناً نتيجة تزكيتها أو إطلاق العنان لها فقال(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) وفي بيان المراد من هذه الآيات قال الصادق(ع) في قوله تعالى(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) خلقها وصوّرها، وفي قوله (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) أي عرّفها وألهمها ثم خيّرها فاختارت: وفي حديث آخر: بيّن لها ما تأتي وما تترك:

فالنفس عندما ينقلها صاحبها إلى مستوى التزكية فإنه يرفعها إلى أعلى المستويات التي يرضاها رب العالمين سبحانه فإذا عمل على تزكيتها فقد جعلها أعظم وأفضل مخلوق في هذه الدنيا لقوله(ص) ليس على وجه الأرض أكرم على الله سبحانه من النفس المطيعة لأمره:

وفي كلام لأمير المؤمنين(ع) يذكر لنا فيه حاكمية العقل على النفس وهذا بيان للعدالة الإلهية أو للرحمة الإلهية حيث لم يجعل قوى الشر في الإنسان أقوى من قوى الخير بل على العكس فإن قوة واحدة من قوى الخير قادرة على أن تتغلب على جميع قوى الشر مهما كانت قوية.

ولذا قال(ع) النفوس طَلِقة لكنّ أيدي العقول تُمسك أَعِنّتها عن النُّحوس:

القسم الثاني: وهو النفس الأمارة بالسوء: فهي تدعو بصاحبها إلى إشباع الشهوات واتباع الهوى من دون أن تنظر إلى الحدود الإلهية، وإطاعة هذه القوة نهايته الهلاك في جهنم، فلقد قال سبحانه(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) فالنفس تأمر بالسوء إلا إذا لجمها صاحبها ونهاها عن الوقوع في الخطأ، وإلى هذا المعنى يشير تعالى بقوله(إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ) يعني أن الإنسان بصبره على الطاعة وعن المعصية يستجلب لنفسه رحمة الله عز وجل، وقد استفاضت النصوص الحاكية عن هذه النفس والكاشفة عن نتائج إطاعتها وعواقبها المشؤومة فقد قال علي: النفس الأمارة المسوِّلة تتملق تملق المنافق وتتصنّع بشيمة الصديق الموافق حتى إذا خَدَعت وتمكنت تسلطت تسلط العدو وتحكمت تحكم العُتُو فأوردت موارد السوء: وقال: إن النفس لأمارة بالسوء والفحشاء فمن ائتمنها خانته ومن استنام إليها أهلكته ومن رضي عنها أوردته شر الموارد: وفي دعاء الإمام السجاد: إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمارة وإلى الخطيئة مبادرة وبمعاصيك مولَعة كثيرةَ العلل طويلة الأمل:

القسم الثالث: النفس اللوامة: وهي النفس التي تلوم صاحبها على الإقلال من الخير وعلى فعل الشر وإن كان قليلاً فهي تريد أن تكون الطاعة مستمرة والمعصية منقطعة، وهي نفس عظيمة جعلها الله تعالى مورداً للقسم في محكم كتابه حيث يقول(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) وفي وصية الرسول لابن مسعود: أكثِر من الصالحات والبر فإن المحسن والمسيء يندمان يقول المحسن يا ليتني ازددت من الحسنات ويقول المسيء: قصّرتُ:

وقد قسّم علماء النفس قوى النفس إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: القوة العقلية الملكية:

وهي التي نعبّر عنها بالنفس الزكية والمطمئنة التي خضعت لقوى الرحمانية في الحياة الدنيا فانقادت لقوة العقل التي جعلها الله تعالى رحمة للإنسان، وفي نفس الوقت جعلها أقوى قوة من قوى النفس البشرية، وهي النفس التي تستلهم الأشياء من العقل الرحماني الذي يمثّل جهة الخير في الإنسان، وهي النفس التي تمتع بها المؤمنون عبر الزمن، وهي النفس التي لازمت الأنبياء والأوصياء والصلحاء، وهي التي أعيت الشيطان الرجيم لأنها كانت وما تزال أقوى منه بمراتب عديدة.

القسم الثاني: القوة الوهمية الشيطانية:

وتندرج هذه القوة تحت عنوان النفس الأمارة بالسوء، وهي النفس التي تدعو صاحبها إلى التمرد والعصيان وإشباع الشهوات بطرق غير مشروعة، وقيل إن صاحب هذه القوة يتسلل إلى عقول الناس وقلوبهم  بأساليب شيطانية -أي عن طريق الوهم والضلال- لينال منهم غاياته الخاصة وأطماعه الذاتية.

وهي من القوى المنتشرة في كل مجتمع من شرق الأرض وغربها لأن أكثر الناس يعيشون على حساب الآخرين بطرق غير مشروعة، منها باسم الدين، ومنها باسم الوطنية، ومنها بأسماء وعناوين لا يحصى لها عدد.

 

القسم الثالث: القوة الغضبية السبعية:

وهي شبيهة بنفوس السباع فإن صاحب هذه النفس يعمل على إخافة الناس من أجل أن يصنع لنفسه مكانة في وسطهم فهو لا يحسن النطق الحسن ولا التصرف السليم وإنما يفرض وجوده عن طريق سرعة الغضب والتصرف البعيد عن منطق الإنسانية.

القسم الرابع: القوة الشهوية البهيمية:

وهي النفس التي تطلب الإشباع عن طريق الشهوة المطلقة التي لا تنقاد إلى أية ضوابط ولا تخضع للقوانين فإن تصرف صاحب هذه القوة يتشبه بالحيوانات التي تسعى إلى إشباع الشهوات من دون أن تراقب مسؤولية في ذلك، ولا عتب على الحيوان في هذا التصرف البهيمي لأنه غير عاقل، أما المسؤولية فإنها تقع على عاتق العاقل الذي أهمل القوة العقلية وتوجه نحو شهواته وسعى إلى إشباعها وإن كان ذلك على حساب الأديان والأخلاق والحقوق العامة والخاصة.

ويمكن للمرء أن تجتمع فيه ثلاث قوى من قوى النفس دفعة واحدة، ولكن لا يستطيع أن يجمع الأربع لأن القوة العقلية لا تتلاءم مع باقي القوى التي تستلهم أحكامها من الأهواء والنزوات.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى