
المواجهة الحاسمة والضربة القاصمة
ثم ختمت الزهراء(ع) كلامها بقولها:
(ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة مني بالجذلة الّتي خامَرَتْكُم والغَدْرَةِ التي استشْعَرَتْها قلوبُكُم، ولكنّها فَيْضَةُ النَفْسِ ونَفْثَةُ الغَيْظ، وخَوَرُ القَناة وَبثَّةُ الصَدْر وتَقْدِمَةُ الحُجَّةِ، فَدونكموها فاحتَقِبوها دَبَرَةَ الظَهر، نَقِبَةَ الخُفِّ باقيةَ العارِ، موسومَةً بِغَضَبِ الجَبّار وشنارِ الأَبَدِ، موصولةً بنارِ الله الموقَدة، الّتي تطّلع على الأفئدة، فبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلونَ (وسيعلمُ الذين ظلموا أيَّ منقلَب ينقلبون) ، وأنا ابنةُ نَذير لكم بَين يَدَي عذاب شديد فاعملوا إنّا عامِلونَ، وانتظِروا إنّا منتَظِرونَ».
وبعد هذا لجأ أبو بكر الى اُسلوب التضليل والاستغفال في محاولة منه لتدارك الموقف فقال: يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً رؤوفاً رحيماً، على الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، إن عزوناه وجدناه أباك دون النّساء، وأخا إلفِك دون الأخلاّء آثره على كلّ حميم، وساعده في كلّ أمر جسيم، لا يُحبّكُم إلاّ سعيد، ولا يُبغضكم إلاّ شقيّ بعيد، فأنتم عترة رسول الله الطيّبون، الخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا.
وأنت يا خِيَرَةَ النساء وابنة خير الأنبياء صادقةٌ في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صِدْقِكِ، والله ما عَدَوْتُ رأْىَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا عملتُ إلاّ بإذنِهِ، والرائدُ لا يكذب أهلَه، وإنّي اُشهد الله وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا فضّةً ولا داراً ولا عقاراً وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلولىّ الأمر بَعْدَنا أن يحكم فيه بحكمه» وقد جعلنا ما حاولتِهِ في الكراع والسِلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفّار، ويجالدون المَرَدَة الفُجّار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي عندي وهذه حالي ومالي، وهي لك وبين يديك، لا تُزوى عنك، ولا تُدَّخَرُ دونَكِ وإنّك وأنتِ سيّدة اُمّة أبيك، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا ندفعُ ما لَكِ من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلِك، حكمُكِ نافذٌ فيما ملكت بيداي، فهل ترين أن اُخالفَ في ذلك أباك (صلى الله عليه وآله)؟
فقالت (عليها السلام): «سبحان الله ما كان أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتاب الله صادِفاً ولا لأحكامه مخالِفاً! بل كان يتّبع أثره، ويقفو سُوَرَه، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزُور، وهذا بَعدَ وَفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حَياتِهِ، هذا كتاب الله حَكَماً عَدْلا، وناطِقاً فَصْلا يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب) ويقول: (وورثَ سُلَيْمانُ داود) وبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذُكران والإناث ما أزاح به علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ بل سوّلتْ لكم اَنْفُسُكُم أمراً فصَبْرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون».
فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا أُبعِدُ صَوابَكِ، ولا اُنكِرُخطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت غيرَ مكابِر ولا مستبدّ، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.
وهذه اُول محاولة لأبي بكر استطاع فيها من إخماد عواطف المسلمين وحرف رأيهم عن مناصرة الزهراء (عليها السلام) من خلال التضليل والتظاهر بالصلاح واتّباع سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله).
ثُمَّ التفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس وقالت : «معاشِرَ المسلمين المسرِعَةَ إلى قيلِ الباطلِ، المُغْضِيَةَ على الفعلِ القبيحِ الخاسِر، أفلا تتدبّرونَ القُرْآن أم على قلوب أقفالها؟ كلاّ بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم. فاُخذ بسَمْعِكُم وأبصارِكُم ولبئس ما تَأَوَّلْتُم، وساء ما به أَشَرْتُم، وشرّ ما منهُ اغتَصَبْتُم، لَتَجِدُنَّ واللهِ مَحْمِلَه ثَقيلا، وَغِبَّهُ وَبيلا، إذا كُشِفَ لكُمُ الغِطاءُ وبانَ ما وراءَه الضَرّاءُ، وبَدا لَكُم مِن ربّكم ما لم تكونوا تحتَسبِون (وخَسِرَ هُنالِكَ المُبطِلونَ).
ثم عطفت على قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقالت:
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثة***لو كنت شاهِدَها لم تكثُرِ الخُطَبُ
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** وأختلّ قومك فاشهدهم ولا تغبُ
وكلُّ أهل له قُربىً ومنزِلَةٌ***عِندَ الإله على الأدنين مُقترِبُ
أبدت رجالٌ لنا نجوى صدورهم *** لما مضيت وحالت دونك الترب
تَجَهَّمَتْنا رجالٌ واستُخِفّ بنا***لمّا فُقِدْتَ وَكُلُّ الأرْضِ مُغْتَصَبُ
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به *** عليك ينزل من ذي العزّة الكتب
وكان جبريلُ بالآياتِ يُؤْنِسُنا***فَقَدْ فُقِدْتَ وَكُلُّ الخَيْرِ مُحْتَجبُ
فَلَيْتَ قبلَكَ كانَ المَوْتُ صادَفنا *** لمّا مَضَيْتَ وحالتْ دونك الكتب
ولو أننا أردنا أن نقف على كل فقرة من كلمات سيدة النساء لطال بنا الكلام كثيراً، ولكننا اكتفينا ببيان أهم ما ورد في خطبتها الشريفة، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا في الدنيا زيارتها وفي الآخرة شفاعتها إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ علي فقيه


