كبائر الذنوب

سِلْسِلَةُ كَبَائِرِ الذُنُوْب

قتلُ الإنسان للإنسان

 

 

قَتْلُ المُؤْمِنِ عَمْداً

 

إن مما لا شك فيه هو أن قتل الإنسان المؤمن جريمة كبرى يستحق فاعلها العذاب مرتين، القصاص في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقد ورد النهي عن قتل المؤمن صريحاً في كتاب الله العزيز مع ذكر العاقبة السيئة للقاتل في يوم الحساب، حيث قال تعالى(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)

والملاحَظ في الآية الكريمة هو التأكيد على معاقبة قاتل المؤمن مما كشف لنا عن موقع أهل الإيمان في الصحيفة الإلهية، وهذا شرف كبير لكل مؤمن ومؤمنة عبر التاريخ.

ونلاحظ بأن التشديد على حرمة قتل المؤمن ومعاقبة القاتل في هذه الآية تكرر خمس مرات مما يكشف لنا عن سوء عاقبة قتلة المؤمنين، فالأول: هو أن هذا القاتل جزاؤه جهنم، والثاني: الخلود فيها، والثالث: غضَبُ الله عليه، وهو أشد من جميع أنواع العذاب في النار الكبرى، والرابع: لعنةُ الله على مرتكب هذه الجريمة البشعة، والخامس: إعداد العذاب الأليم له.

 

قَتْلُ المُؤْمِنِ عَنْ خَطَأ

 

عندما يُحاسَب الإنسان على سلوكه إنما يحاسَب على تعمّد السوء منه، ولا يعاقَب على الخطأ الذي يحتمل صدوره من كل الناس غير المعصومين(ع)، والقتل نوعان: نوع يصدر عن سبق إصرار، ونوع يصدر خطئاً لا نية للإنسان فيه على القتل، كمن يكون سائراً في سيارته بالشكل الطبيعي وهو منتبه للغاية فيُصادف مرور شخص مؤمن فيصدمه ويقتله عن غير قصد، فإن هذا النوع من القتل لا يستحق عليه فاعله لا القصاص في الدنيا ولا العقاب في الآخرة، وهذا هو عين العدالة، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله سبحانه(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)

فلا يمكن للمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئاً، فإذا حصل هذا النوع من القتل فهناك كفارة حددها الشارع المقدس، وهي تحرير رقبة عبد مؤمن، ودفع دية إلى أهل المقتول خطئاً إلا إذا سامحوا القاتل فلا يبقى عليه سوى تحرير الرقبة.

 

قَتْلُ غَيْرِ المُؤْمِن

 

إن حرمة القتل العمدي لا تختص بالمؤمنين فقط، فإن هذا الحكم يشمل غير المؤمنين أيضاً، فلا يجوز لك أنت أيها المسلم أن تقتل إنساناً وإن كان كافراً فإن ذلك معصية كبيرة عند الله تعالى، وإن كان هناك تفاوت بين عقاب قتل المؤمن وعقاب قتل غير المؤمن على مستوى الدنيا والآخرة، فإن قتل المؤمن مستوجب للقصاص الدنيوي ولأنواع العذاب الشديد الذي بيّنه الله تعالى في محكم كتابه كما ذكرنا في البحث السابق، فقتل المؤمن من الكبائر، وكذلك قتل غير المؤمن، والقرآن الكريم صريح في بيان هذا الحكم، حيث يقول تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ) وقتل غير المؤمن من دون سبب شرعي يندرج تحت هذا الحكم حيث لا يجوز للإنسان أن يقتل الإنسان من دون وجه شرعي بغضِّ النظر عن الهوية المذهبية لأن القتل قبيح ما لم يكن هناك حق، وأما قوله تعالى(إلا بالحق) فهذا ما يحتاج إلى شيء من الإيضاح.

فقوله تعالى(التي حرّم الله) يخرج به نوعان من الأنفس، النوع الأول: وهو الحيوانات التي تُذبح ويستفاد منها، أو التي يقتلها الناس كالحشرات، فإن هذه أنفساً، غير أن قتلها لا يحرم، وليس فيه عقاب، والنوع الثاني: قتل النفس بالحق، كمن يستحق العقاب حتى الموت، كالقاتل والمفسد في الأرض، وهذا ما يحدده الشرع وليس الناس العاديين، لأن الذي يحكم بإعدام القاتل هو الحاكم الشرعي، فلا يجوز لأي مسلم أن يقيم الحد على شخص إلا عن طريق الحاكم الشرعي، ومن جملة موارد الحق قتل العدو أثناء المعركة، أو قتل الإنسان لشخص أثناء الدفاع عن النفس أو الأهل أو المال، وكل تلك الأحكام قد بيّنها لنا الإسلام الحنيف.

 

قَتْلُ الجَنِين

 

تتجلى لنا عظمة الإسلام من خلال أحكامه العادلة وقوانينه المنسجمة مع حكم العقل وأنظمة الطبيعة التي خُلق عليها الناس، وجُبلوا على التعاطي بها، وهي الفطرة السليمة التي فطرهم الله عز وجل عليها.

فالإسلام لم يحرّم علينا قتل الأشخاص الموجودين في مرحلة الحياة الدنيا فقط، وإنما حرّم علينا قتل الأجنة في بطون الأمهات، وهناك خلاف كبير في المرحلة التي يجوز فيها قتل الجنين، أما عندنا نحن الإثني عشرية فإن قتل الجنين حرام منذ انعقاد النطفة، وقد حدد الشرع دية لقتل الجنين بحسب المرحلة التي هو فيها، وذلك مع الحفاظ على القاعدة العامة، وهي أن قاتل الجنين لا يُقتَل به، وإنما يدفع الكفارة المستوجبة على قتله، فإذا أُسْقِط الجنين وكان لا يزال نطفة كانت ديته عشرين مثقالاً من الذهب، وإن كان علقة كانت أربعين مثقالاً، وإن كان مضغة كانت ستين مثقالاً، وإن كان عظماً كانت ثمانين مثقالاً، وإن كان لحماً ولم تلج الروح فيه كانت مئة مثقال، وإن ولجته الروح وكان ذكراً كانت الدية كاملة، أما إذا كان الجنين المكتمل أنثى فنصف الدية.

وعلى كل حال فإن قتل الجنين في أية مرحلة من المراحل كان هو عمل محرّم ومبغوض بشدة عند الله عز وجل.

وقد سأل إسحق بن عمار الإمام الكاظم(ع) عن طرح الحمل بشرب الدواء مخافة الحبَل، فقال له الإمام(ع):لا: فقال إسحق: إنما هو نطفة، فقال الإمام: إن أول ما يُخلَق نطفة:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى