
وَظَائِفُ الأَنْبِيَاء(ع)
إن وظائف الأنبياء(ع) كثيرة ومتنوعة لم تنحصر في مسألة التبليغ فقط وإنما عرّفوا البشرية على مهنٍ وحِرَفٍ وصناعات لم يكن عندهم عهدٌ بها من قبل، قال تعالى في بيان وظيفة خاتم الأنبياء المشابهة لوظائف سابقيه من الرسل(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ){الأعراف/157}
وقد أشار أمير المؤمنين علي(ع) إلى بعض وظائفهم حيث قال” فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ”
فقد أشار الكتاب العزيز إلى عدة وظائف وهي التي قام بها رسول الله محمد(ص)، وأشار الإمام(ع) إلى خمسٍ منها، وسوف نقف قليلاً على كل وظيفة منها لنعرف ما يمكن لنا التعرّف عليه منها.
الوظيفة الأولى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهي من أهم الوظائف التي يشترك فيها الأنبياء والمؤمنون لأن الأمر بالمعروف واجب شرعي على الجميع، فهو باب العلم والتزكيةوكل الآثار الكريمة، فمن أمر بالمعروف وعمل به، ونهى عن المنكر وانتهى عنه كُتب عند الله تعالى من الصالحين، ومن البديهي جداً أن يكون هذا الأمر واحداً من وظائف الأنبياء(ع)، وقد ركّز القرآن الكريم حديثه على هذا المفهوم نظراً لأهميته الكبرى في عالَم العقيدة ومجال الإيمان.
الوظيفة الثانية: بيان حلّيّة الطيبات وحرمة الخبائث:
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتنزّه عباده عن تناول الخبائث التي بيّنها عن طريق رسله وأنبيائه ليخلّصهم من تبعاتها وآثارها عليهم في الدنيا والآخرة، وفي ذلك كمالٌ للإنسان وتنزيه لبطنه عن احتواء الخبائث من الخمر والطعام المحرّم والنجس بالأصل أو بالعارض أو ما يُشترى بمالٍ محرَّم، فلقد عمل الأنبياء جاهدين لبيان كل تلك التفاصيل، وقد ألقوا الحجة على الجميع فأصبح الجميع مسؤولين عن أفعالهم، وكان العرب في الجاهلية أكثر الناس انغماساً في الخبائب، وبُعداً عن الحلال الطيب، وأكثر من ذلك فقد حرّموا على أنفسهم بعض الطيبات بسبب بعد العقائد الفاسدة التي تولرثوها عن آبائهم، وأحلوا لها الكثير من المحرمات كأكل لحم الخنزير والميتة، فلقد كان نبيّنا(ص) على وجه الخصوص يقول فيهم صارخاً(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ){الأعراف32/33} (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ){المائدة/3}
الوظيفة الثالثة: وضْع الإصر عنهم وفكُّ الأغلال:
كانوا مأسورين بسبب عقائدهم الفاسدة التي أسرتهم ومنعتهم من ممارسة الكثير من أدوارهم فأتى الرسول ووضع عنهم تلك الأثقال ووجّههم نحو الخير والإستقامة وبيّن لهم تعاليم الإسلام التي تنسجم مع الأطباع السليمة، وهكذا كان يفعل كل نبي مع قومه، كان همّ الأنبياء تخليص الناس من عبودية غيره وتوجيههم نحو السعادة في الدنيا والآخرة، ولكن كثيراً منهم فضّلوا بقاء الأغلال على أعناقهم، وماتوا وهم كفار عناداً منهم للرسالات السماوية حيث استحوذ الشيطان على قلوبهم فأنساهم أنفسهم.
الوظيفة الرابعة: بيان الفطرة والتذكير بالميثاق:
قال سبحانه(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ){الروم/30} وقال رسول الله محمد(ص): كل مولود يولد على الفطرة: والفطرة أعظم دليل على الخالق تعالى ووحدانيته، فهي التي تشد الإنسان نحو خالقه وخصوصاً في بعض الظروف القاسية التي قد يتعرّض لها الإنسان في بعض الأحياة فلا يرى أمامه مُنقِذاً إلا القوة الخفية المرتكزة بداخله والتي عُبّر عنها بالفطرة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الثابتة بالقلب والوجدان عندما حدّثنا عن قوم كافرين سافروا في البحر فتعرّضوا للخطر فذكروا الله تعالى بدافعٍ من تلك القوة المودعة فيهم حيث قال سبحانه(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ){يونس/22}
ولذا فلم تكن وظيفة الأنبياء زرع العقيدة في نفوس الناس وبيان أن لهم خالقاً بل كانت وظيفتهم تحريك هذا الشعور بداخلهم ليذكّروهم بربهم الذي أخذ عليهم الميثاق في مرحلة الذر وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم وهو من تجب طاعته دون غيره فأذعن له الجميع في هذا الميثاق الذي أخذه عليهم من أن خلق أرواحهم، وفيه قال تعالى(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ){الأعراف/172}
فالأنبياء أشعلوا بداخل الناس نور الفطرة فيهم وحرّكوا لهم هذا الشعور الذي هو من أهم الأدلة على الله عز وجل(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ){العنكبوت/61} (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ){المؤمنون84/89}
وهذه من أهم الوظائف التي أدّاها أنبياء الله(ع) إذ لو لم تتحرك فطرتهم لما آمن بالله أحد، وهذا معنى قول أمير المؤمنين(ع)” لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ”
الوظيفة الخامسة: التذكير بنِعَم الله عز وجل
وهذه الظيفة لها علاقة متينة بالوظيفة السابقة لأن تعداد نعم الله تعالى يحرّك تلك القوة في داخلهم فيذكّرهم بربهم، وقد أوضح الأنبياء أن تلك النعم التي لا تعدّ ولا تُحصى لم تُخلق عبثاً وإنما خُلقت من أجل البشر ومن أجل اختبارهم في هذه الحياة ليعلم الله تعالى(وهو العالم) المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي والشاكر من الجاحد، وها هو القرآن الكريم مليء بالآيات التي تذكر نعمه الكبرى، وذلك من باب تحريك الفطرة وإلقاء الحجة.
الوظيفة السادسة: الإحتجاج على الناس بالتبليغ:
لا شك بأن بعث الأنبياء إلى الناس إنما هو من أجل إلقاء الحجة عليهم حتى لا يقول أحد في يوم القيامة لو كنت بعثتَ لنا رسلاً لاتبعنا الحق، فها هو سبحانه قد أرسل إليكم آلاف الأنبياء لتكون الحجة عليكم بالغة، ومع ذلك فإن كثيراً منكم قد جحدوا بالآيات وأنكلاوا الحق رغم قوة ظهوره، بل أنكروا المعجزات التي لا يمكن أن يُنكرها إلا المعاند.
الوظيفة السابعة: إثارة دفائن العقول:
وهذا يرتبط أيضاً بموضوع الفطرة التي تحدثنا عنها قبل قليل، ولا داعي إلى تكرار ما مرّ ذكره.
الوظيفة الثامنة: إظهار آيات القدرة:
وهذه النقطة بالذات هي التي ركّز عليها الأنبياء(ع) لأن بيان الإبداع في الصنع لمن أكبر الأدلة على وجود الخالق ووحدانيته سبحانه وتعالى، وقد أدى جميع الأنبياء هذه الوظيفة لدورها الفعّال في مجال إيصال الحق وإلقاء الحجة وإحقاق الحق وإبطال الباطل كما صنع إبراهيم الخليل(ع) مع الحاكم نمرود حيث تحداه بجانب واحد من جوانب القدرة الإلهية المطلقة، وذلك عندما قال له كما جاء في القرآن الكريم(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ){البقرة/258}
ومن وظائفهم: تعليم الكتاب والحكمة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتزكية الأخلاق، وأن يقوم الناس بالقسط، ورفع الإختلاف، والهداية إلى سبل السلام، وإتمام الحجة.
الشيخ علي فقيه


