حقائق

حَقَائق

الهدفُ مِنْ إجراء المعجزات

 

 

أَنْوَاْعُ المُعْجِزَات

 

يجري الحديث عن أنواع المعجزات في جهتين:

الجهة الأولى: وهي تقسيم المعجزات إلى دائمة الحدوث ومنقطعة الحدوث:

الجهة الثانية: وهي اختلاف نوع المعجزة بين نبي ونبي أو حتى بين معجزات النبي الواحد.

 

بَحْثٌ حَوْلَ الجِهَةِ الأُوْلى

 

لكي نفهم المعنى الحقيقي للمعجزات كان لا بدّ من إلقاء نظرة حول كل ما يتعلق بها سواء كان تعلُّقه بها مباشراً أم غير مباشر، والسبب هو أن الفائدة لا تنحصر في المباشر فقط، فإن هناك نقاطاً لا يفهمها البعض إلا عن طريق السبب الغير المباشر، وهذا ما يدفع بنا نحو الإشارة إلى تلك التفاصيل ولو بشكل مختصر وسريع حتى تكون الفائدة ذا نطاق أوسع وإحاطة أشمل.

هناك معجزات يُعبَّر عنها بالمعجزات الدائمة، ونقصد بالدوام هنا استمرار نفس المعجزة وليس استمرار أثرها لأن هناك معجزات حدثت بشكل خاطف وسريع ولكن آثارها استمرت طويلاً، ومنها ما زال أثرها متصلاً بأيامنا الحالية رغم بُعد المسافة الزمنية بيننا وبينها كأثر معجزة العصا التي مضى على حصولها حتى الآن أكثر من أربعة آلاف سنة.

 

 المُعْجِزَاتُ الدَّائِمَةُ

 

إن المعجزات الدائمة كثيرة جداً وهي تحيط بنا من كل جانب، ولكن بما أننا اعتدنا عليها أصبحت في نظرنا أمراً عادياً، ووصول أثر هذه المعجزات إلى هذا المستوى هو أمر خطير على العقيدة، ولذا كان لا بد من أن نحرك آثارها بداخلنا بين الفترة والفترة عن طريق التأمل والتفكر، وهنا يأتي دور هذه العبادة الكبرى(التفكر) لأنها تشكّل رابطاً قوياً بيننا وبين عقيدة الذاتية والمكتسَبة.

فهذا الفضاء الواسع وما فيه من مجرات وكواكب وأنظمة دقيقة هو في واقع الأمر أكبر معجزة شهدها البشر، وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ){غافر/57} وفي قوله(أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا){النازعات27/28}

إن جميع ما في الكون معجزة، ولكنها تحتاج إلى متأمل يدركها ومتفكر يستفيد منها، فلو نظر الإنسان إلى نفسه لأدرك عظمة خالقه، فالتناسل معجزة، والنمو بعد الخروج إلى هذه الحياة معجزة، وجميع شؤون الإنسان وحركاته وسكناته ونومه واستيقاظه معجزة، والأرض ما تنبته وما تخرجه باستمرار إنما هو معجزة، ولكننا اعتدنا عليها، فبدل أن نزداد قوةً في الإيمان وعزيمة في العقيدة رحنا نبتعد شيئاً فشيئاً عن آثار المعجزات مما تسَبَّب ببُعدنا عن خالق المعجزات.

ويمكن القول بأن كل ما في الوجود صغيراً كان أو كبيراً هو معجزة خلقها الله تعالى للعبرة والإستفادة وتثبيت العقيدة الحقّة والمحقّة.

فهذه البحار والأنهار والمطر والشمس والقمر والمخلوقات البرية والبحرية التي لا يمكن أن يحصي أعدادها إلا الخالق تعالى كل ذلك معجزة، فالطعام الذي نأكله والماء الذي نشربه وأحاسيسنا ومشاعرنا والقوة العاقلة فينا إنما هي معجزات، ولا بد هنا من أن نستذكر معنى قوله تعالى(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) {فصلت/53}

ولكي تقوى بداخلنا قوة آثار الإعجاز الدائم فلنستمع معاً إلى كلام أمير المؤمنين علي(ع) وهو يصف لنا خلق السموات والأرض وخلق البشر علَّ ذلك يكون أحد أكبر الأدوات المساعدة على إدراك معنى الإعجاز الدائم، قال(ع) في نهج البلاغة:

ثُمَّ أَنْشَأَ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الاَْجْوَاءِ، وَشَقَّ الاْرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الَهوَاءِ، فأَجازَ فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَراكِماً زَخَّارُهُ، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَها بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرنَهَا إِلَى حَدِّهِ، الهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ عَلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاء مُنْفَتِق، وَجَوٍّ مُنْفَهِق، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَموَات، جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْر عَمَد يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَار يَنْظِمُها، ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ، وَضِياءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً: في فَلَك دَائِر، وَسَقْف سَائِر، وَرَقِيم مَائِر.

ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاَْرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء وَوُصُول، وَأَعْضَاء وَفُصُول: أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْت مَعْدُود، وَأجَل مَعْلُوم، ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا، وَفِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَات يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، والاَذْوَاقِ والَمشَامِّ، وَالاَْلوَانِ وَالاْجْنَاس، مَعْجُوناً بطِينَةِ الاَْلوَانِ الُمخْتَلِفَةِ، وَالاَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالاَْضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ، والاْخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وَالبَلَّةِ وَالْجُمُودِ، وَالْمَساءَةِ وَالسُّرُورِ:

 

المُعْجِزَاتُ المُنْقَطِعَةُ

 

ويمكن التعبير عنها بالمعجزات الآنية، أي التي حدثت وانتهت وبقي مفعولها، وهي كثيرة جداً قد أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه كنار الخليل التي حولها الله إلى برد وسلام، وعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان وفلق بها البحر، وناقة صالح، وغيرها مما هو كثير ومتنوع، وهذا النوع من المعجزات هو موضوع بحثنا في هذا الكتاب.

وهذا النوع من المعجزات اختلف بحسب المدة الزمنية التي استقرت فيها، فتحويل العصا إلى ثعبان استمر وقتاً قصيراً وهو الوقت الذي استغرقته المواجهة بين الفريقين، ثم عادت العصا إلى حالتها الأولى، وكذا نار الخليل التي كانت وليدة جزء من النهار وهي المدة التي مكث فيها في وسط النيران.

وهناك معجزات استقرت أكثر كناقة صالح التي عاشت فترة زمنية تُعد بالأسابيع أو الأشهر، وكذا الذين شفاهم عيسى من العمى والبرص فلقد ذهبت المعجزات التي أُجريت لهم عند مماتهم.

والخلاصة هي أن المعجزات المنقطعة اختلفت فيما بينها بالنوع والزمن، أما المعجزات الدائمة فما زالت مستمرة حتى الآن.

أما الأشياء التي حدثت لها المعجزات فقد اختلفت فيما بينها بطول مدة بقائها أو اندثارها في وقت قصير، فالذين شفاهم عيسى بالمعجزة قد ماتوا بعد فترة كأي حيٍ منا، والطيور التي قطعها إبراهيم ثم عاشت فلا شك بأنها ماتت، والله أعلم، وأما سفينة نوح مثلاً فما زالت بعض بقاياها موجودة حتى عصرنا الحاضر، فالذين شفاهم عيسى، وطيور إبراهيم، وسفينة نوح وأكثر المعجزات هي في الوقع أدواتٌ انصب عليها الإعجاز، لأن الإعجاز عبارة عن قوة غيبية لا تُرى ولا تُحَسُّ.

فالطيور التي أحياها الله لإبراهيم لم تكن بحد ذاتها معجزة منقطعة_وإن كان بحد ذاتها معجزة دائمة كأي موجود آخر_ ولكن طرأ عليها الإعجاز لوقت معيّن ثم زال الإعجاز بهلاكها، وكذا الحال في سفينة نوح فإن الإعجاز طرأ عليها أثناء الطوفان، أما بعد انتهاء المهمة فقد انتهى الإعجاز وبقي الجسم الذي كان موضعاً للمعجزة، ووظيفة هذا الجسم هي تذكيرنا بالإعجاز، ولذا فإننا عندما ننظر إلى بقايا سفينة نوح نتذكر القدرة التي حملتها وحفظتها من الغرق وأن ذلك كان معجزة من الخالق سبحانه.

 

بَحْثٌ حَوْلَ الجِهَةِ الثَّانِيَة

 

والبحث هنا يقع حول تعدُّد أنواع المعجزات لدى النبي الواحد أو لدى جميع الأنبياء، وهناك أنبياء كان لهم معجزات كثيرة، وأنبياء كان لهم بضع معجزات إن لم يكن أقل، ولا شك بأن كثرة المعجزات أو قلتها أو تكرارها بنفسها أو تنوعها للنبي الواحد أو لكثير من الأنبياء إنما تم ذلك كله عن مصلحة يعلمها الله عز وجل، وأمام هذا الواقع تَحتَّم علينا الكلام حول نقاط عديدة ذات صلحة بهذه الجهة.

 

مَا هِيَ المُعْجِزَة

 

المعجزة هي الحدث الخارق للنواميس الطبيعة، وبمعنى آخر: هي العمل الخارج عن نطاق المألوف للأنظمة التكوينية وللأذهان.

فليس من العادة أن تتحول العصا إلى ثعبان، وليس منها أن تتحول النار إلى برد، ولا منها أن تخرج ناقة من بين الصخر، ولا منها أن ينفلق البحر.

وقد حصر تعريف المعجزة معناها الحقيقي وذلك لعدم الخلط بينها وبين السحر من جهة ، وبينها وبين الكرامة من جهة أخرى.

 

مَا هُوَ السحْرُ

 

السحر مجرد فنٍّ ووهمٍ، ولا صلة له مع الحقيقة أبداً، غاية ما في الأمر أن الساحر يسحر العيون فيريك شيئاً على غير واقعه، ولكنك إذا أتيت إلى هذا الشيء ولمسته بيدك لكنت لمستَ شيئاً على حقيقته، فلو أنك كنت في زمن المواجهة التي جرت بين موسى والسحرة واقتربت من تلك الحبال ولمستها لكنت لمستَ حبالاً وليس أفاعي، أما لو اقتربت من ثعبان موسى لالتهمك ولم يبق لك وجود حتى بعد أن عادت العصا إلى حالتها الأولى، والدليل هو أن الحبال التي ألقاها السحرة ورآها الناس أفاعي قد التهمتها عصا موسى، ولذا فإنه عندما عادت العصا إلى طبيعتها الأولى لم ترجع الحبال إلى السحرة ولم يبق لها وجود، ولعل هذا هو الذي أثبت للسحرة أن ما أتى به موسى ليس سحراً بل أمر حقيقي مائة بالمائة من دون أي شك.

ومن هنا يظهر لنا الفرق بين السحر والإعجاز، فالسحر وهم من دون شك، والمعجزة حقيقة من دون شك.

 

الفَرْقُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ وَالسحْر

يضطر الباحث لعقد مثل هذا الموضوع بسبب الأيدي الشريرة التي تحاول تشبيه المعجزة بالسحر بهدف زرع الشكوك في قلوب بعض الضعفاء، فلو لم يوجِّه المعاندون تهمهم الباطلة نحو المعجزة لما كان هناك حاجة لعقد هذا البحث من الأساس، ولكنهم عندما أشاروا إلى المعجزة بإصبع الإتهام أصبح لازماً علينا توضيح الأمر حذراً من أن تجرف تلك الأوهام بعض المؤمنين الذين لم يمكّنوا أنفسهم بسلاح العلم.

فلو لم يُتهم الأنبياء بالسحر لما اضطررنا إلى بيان الفرق بين السحر والمعجزة لأن الكفار والمعاندين قد أسسوا تلك الفكرة في عقول الناس بسبب وجود مشابهة ظاهرية بينهما، مع العلم أن السحر والمعجزة لا يشبه بعضهما بعضاً، ولكن الوهم قد لعب دوره بفعل أهل الضلال الذين صوروهما للناس أمراً واحداً.

والسبب في توجيه هذا الإتهام للمعجزة هو أن المعاندين رأوا نافذة على المعجزة واستطاعوا أن يتسللوا من خلالها إلى عقول البعض منا، وكانت تلك النافذة هي السحر الذي اعتاد الناس عليه من قبل فأصبح من الممكن لأصحاب الأغراض السيئة أن يزرعوا في عقول الناس تلك الفكرة التي لو بحثنا عنها قليلاً لما وجدنا لها واقعاً في عالم المعجزات كما أشرنا.

والنتيجة هي أن الساحر كاذب والنبي صادق، والسحر خيال، والمعجزة واقع.

مَا هِيَ الْكَرَامَةُ وَمَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ المُعْجِزَة

بين المعجزة والسحر لا يوجد أية نقطة تلاقٍ ولا وجهٌ من وجوه المشابهة، أما بين المعجزة والكرامة فإنه يوجد مثل ذلك، لأن الكرامة أمر منسجم مع قوانين الطبيعة إلا أنه مميَّز نوعاً ما عن الأمور الطبيعية الأخرى، فهو أصبح كرامة نتيجة لوجود هذا التمييز بينه وبين الأمور الطبيعية الأخرى.

ويمكن لنا القول بأن الكرامة مرتبطة بمسائل الطبيعة ارتباطاً وثيقاً بحيث لا ينفكان عن بعضهما البعض.

فمن خلال تعريف المعجزة الذي ذكرناه يظهر لنا الفارق بينهما، وهو أن المعجزة خارجة عن حدود الطبيعة، أما الكرامة فلا تتعداها.

ويمكن لنا أن نفهم حقيقة الكرامة من ضرب مثال لها فنقول:

شخص أقام صلاة الإستسقاء في وقت الجفاف فاستجاب الله له وأمطرت السماء، فهذه كرامة لأن طبيعة السماء أن تنزل الماء إلى الأرض ولكن في فصول معينة.

فإنزال الماء من السماء أمر طبيعي إلا أن المتميز عن الطبيعة هنا هو نزول الماء في غير وقته.

ونفهم من ذلك أن الكرامة ترتبط بالمعجزة من ناحية، وبالطبيعة من ناحية أخرى، ولولا ارتباطها بالطبيعة لكانت معجزة محضة.

ويمكن لنا أيضاً أن نميز بين المعجزة والكرامة بالتالي:

ليس من شأن العصا أن تتحول إلى ثعبان، فإذا أصبحت ثعباناً كان ذلك خارجاً عن حدود الطبيعة، وهذا يعني الإعجاز، أما نزول الماء من السماء فهو من شأن الطبيعة(بأمر الله) وقد استجاب الله عز وجل لفلان فأمر السماء بأن تمطر فحصل شيء غريب ولكن عن طريق النظام الكوني.

ووجه الغرابة هنا هو أن السماء أمطرت في غير وقت المطر.

ولا يمكن إدراج الكرامة تحت عنوان المعجزة بسبب ارتباطها بالنظام الكوني.

وفائدة هذا البحث هي أن الكرامة ليست حجة على البشر وإن ساعدت في تقريب الأمور.

نعم.. يمكن لنا أن نستفيد من خلال بيان الكرامة موعظة، وهي أن الله تعالى يستجيب لعباده المؤمنين فيدفعنا ذلك نحو توطيد العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى.

 

هَلْ ذَكَر القُرْآنُ جَمِيْعَ المُعْجِزَات

 

نعتقد أن حكم المعجزات في القرآن الكريم مشابه للأحكام والأحداث الأخرى التي ذُكر بعضها دون البعض، والمعلوم لدينا هو أن الكتاب العزيز لم يُشِر إلى تفاصيل كثير من الأحداث بل ولم يتعرّض إلى ذكر بعضها أصلاً.

فهناك آلاف الأنبياء لم يُشَر إلى ذكرهم في القرآن فضلاً عن عدم الإشارة إلى أحداثهم، غاية ما بيّنه هذا الكتاب العظيم هو أنه يوجد رسلٌ لم يحدّثنا عنهم كما في قوله الكريم(وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ){النساء/164} بل هناك واجبات كثيرة لم يحدّثنا القرآن عن تفاصيلها كالصلاة والصوم والحج.

وهذا ما يزيدنا اعتقاداً بأن هناك معجزات لأنبياء لم يُذكروا هم ومعجزاتهم، ومعجزات لأنبياء ذُكروا في القرآن ولم يجد الله تعالى مصلحة في ذكر بعض معجزاتهم، هذا بالإضافة إلى اعتقادنا في أن الله سبحانه قد سدّد أنبياءه بالمعجزات لكونها البرهان الأكبر على كون الأنبياء مرسَلين من عند الخالق القدير عز وجل، وبالإضافة أيضاً إلى أن المعجزات المذكورة في القرآن قد ذُكرت بشكل عام وهي من أهم المعجزات كحديث الله عن نار إبراهيم مثلاً.

 

الحِكْمَةُ مِنْ تَنَوُعِ المُعْجِزَات

 

هناك أنبياء كان لهم أكثر من معجزة كموسى(ع) الذي تعدَّت معجزاته الخمسة عشر، وأنبياء ربما كان لهم معجزة واحدة، وأنبياء لم يردنا عنهم ذلك، وعدم ورود أخبار معجزاتهم لا يعني عدم صدورها.

فالمعجزات منوّعة سواء كانت لنبي واحد أو لعدة أنبياء، فلو لم يكن للنبي سوى واحدة مع حاجة المقام والظرف إلى أكثر من معجزة فهذا ما سوف يفتح عليه الكلام يميناً وشمالاً، وهذا ما سوف تُوجّه إليه بسببه الإتهامات، وسوف يقول الناس إن هذا سحر قد تعلّمه فلو كان نبياً لأتى بأكثر من دليل، ولعل هذا من أبرز الأمثلة التي تكشف لنا عن ضرورة التنوع في المعجزات، ونفس هذا الكلام يجري فيما إذا جاء الأنبياء بمعجزة واحدة أو بمعجزات متشابهة في ظواهرها، ومن خلال قراءة القرآن الكريم سوف يظهر للقارئ تعدد تلك المعجزات وتنوعها حيث أشار القرآن إلى عشرات منها لا يشبه بعضها البعض الآخر.

 

دَوْرُ المُعْجِزَةِ فِيْ تَبْلِيْغِ الدَعْوَة

 

لا يمكن لعاقل أن يشك في الدور الكبير الذي تلعبه المعجزة في عملية تبليغ الرسالات السماوية وإثبات صدق ما بُعث به الأنبياء من الكتب والشرائع، وكأن الله سبحانه وتعالى قد حسم الموقف بالمعجزات حيث لا يمكن للمتمتع بالقوة العقلية أن ينكرها إلا إذا كان معانداً فعند ذلك لا تنفعه المعجزة ولا غيرها من أساليب الإقناع لأنه لا يريد أن يؤمن، وهناك فرق كبير بين من لا يعرف ومن لا يريد أن يعرف.

فلو دققنا في حقيقة أمر من استمر على الكفر بعد أن رأى المعجزات لوجدناه معانداً.

إن الذين وقفوا في وجه الأنبياء وعرقلوا مسيرة الإيمان هم المعاندون الذين وجّهوا الإتهامات الباطلة لأنبياء الله ووضعوا في طرقهم العثرات والعراقيل، واتهموهم بالكذب مرة وبالسحر مرة أخرى من أجل إبعاد الناس عنهم حيث لم يكن من مصلحتهم أن يؤمن الناس بالله الواحد.

كانوا يستفيدون من كفر الناس ببيعهم الأصنام وأخذ الربا منهم والإتجار بأنواع كثيرة من المحرمات.

إن دور المعجزة في إثبات الحق كبير، يمكن لنا أن نثبت ذلك من خلال عجز البشر عن مواجهتها وإذعان كثير من الناس بها.

ثم إن الإقدام على قتل الأنبياء لَدليل قاطع على أهمية المعجزة لأنهم لو قدروا على الوقوف بوجهها لفعلوا ذلك، ولكنهم عندما عجزوا عن تكذيب الأنبياء وإنكار المعجزات عمدوا إلى قتلهم لظنهم بأن ذلك هو الطريقة الوحيدة للقضاء على ما زرعه الأنبياء في قلوب الناس وعقولهم.

وهذا ما يكشف لنا عن كون الإعجاز أكبر سلاح امتلكه الأنبياء، ولولاه لما أثمرت جهودهم.

 

سَبَبُ حُدُوْثِ المُعْجِزَة

 

ومن جملة الحقائق التي ينبغي كشفها حول المعجزة هو سبب حصول المعجزة، فإن الأنبياء لم يبادروا إلى المعجزة إلا بعد أن طلب الناس منهم ذلك، فهي تحصل بناءاً على طلب الناس.

وكانوا يعلّقون إيمانهم بالله على حصول معجزة معيّنة، ولكنهم كانوا في الغالب يصرون على كفرهم وعنادهم مع العلم بأن المعجزة حدثت نزولاً عند رغبتهم، كما صنع قوم صالح عندما طلبوا منه القيام بمعجزة تُثبت لهم صدق نبوته فأتى بمعجزة الناقة التي حدثنا عنها القرآن الكريم في أكثر من سورة وكانت النتيجة أنهم عقروها تحدياً منهم لرب العالمين الذي أنزل عليهم العذاب وجعلهم عبر للناس.

ومن الطبيعي أن يطلب الناس الإعجاز من أي شخص يأتيهم بشريعة، فغير الأنبياء سقطوا، أما الأنبياء فقد صمدوا واستمروا وبلغوا الرسالة، وكان للمعجزة دور بالغ الأهمية في إحقاق الحق.

 

المُبَادَرَةُ بِالمُعْجِزَة

 

تارة كان الأنبياء(ع) يبادرون إلى إحداث المعجزة، وتارة كانوا ينتظرون طلب الناس لها لأن أثر المعجزة على النفوس بعض صدور طلبها أكبر من أثرها بالمبادرة، وتلك مصلحةٌ يحددها النبي بوحي من الله تعالى فهو يعرف أين تكمن المصلحة، ولكننا غالباً نسمع أو نقرأ بأن الأنبياء لم يأتوا بالمعجزات إلا بعد أن يطلبها الناس منهم، فكليم الله موسى(ع) استعمل كلتا الطريقتين، وهذا ما سوف نشير إليه لدى الحديث عن معجزاته، ثم إن المبادرة بالمعجزة قبل التمهيد لها يُشعر الناس للوهلة الأولى بأنها سحر، أما بعد التمهيد فلا تبقى فكرة السحرة حاكمة على الموقف.

أما المعاندون فلا فرق عندهم بين أن تصدر المعجزة مبادرة أو بعد الطلب لأنهم في جميع الأحوال سوف ينكرون الحق ويواجهون الحقيقة الواضحة ليعطّلوا عمل الأنبياء ويُفشلوا مهماتهم التبليغية والجهادية.

 

تَعْيِيْنُ نَوْعِ المُعْجِزَة

تارة تصدر المعجزة بطلبٍ من الناس، وتارة يبادر بها النبي من دون أن يطلبوها، وهذا مرتهن بالظرف المحيط بالنبي، ومرة يأتي طلب المعجزة عامّاً بمعنى أن يكون أمر تحديدها وتعيينها شكلاً ومضموناً بيد النبي، ومرة يكون تحديد نوعها ووقتها بناءاً على طلب هذه المجموعة أو تلك، فهنا أربع صور:

الصورة الأولى: وهي أن تأتي المعجزة بناءاً على طلب الناس كما يصنع بنوا إسرائيل مع موسى(ع) عندما كانوا يطلبون منه ذلك بشكل عام فلا يحددون النوع ولا الزمن، غاية ما يطلبونه هو المعجزة.

الصورة الثانية: وهي أن تحصل المعجزة مبادرة من النبي كما صنع موسى(ع) عندما دخل قصر فرعون فألقى العصا فتحولت إلى ثعبان فامتلأ قلب فرعون رعباً.

الصورة الثالثة: أن توضع الكرة في ملعب النبي فهو يأتي بها في أي وقت شاء وبأية هيئة ونوع ومضمون.

الصورة الرابعة: وهي أن يشترط الناس نوع المعجزة ووقت صدورها ومكان حدوثها، وهنا لا فرق بين أن تكون بالطلب أو المبادرة، وذلك كما صنعت ثمود بنبي الله صالح عندما طلبوا منه أن يُخرج لهم ناقة بأوصاف كذا من مكان كذا، ولم يرد أنهم حددوا الزمان أم لا.

 

أَسْبَابُ تَحْدِيْدِ نَوْعِ المُعْجِزَة

 

لا شك بأن آراء الناس مختلفة، فمنهم من يتفق مع الآخر في كل شيء أو يتفق معه ببعض ويختلف معه بالبعض الآخر، ومنهم من لا يتفق مع الآخر في شيء إطلاقاً.

وهذا الإختلاف في الرأي لا يختص بزمنٍ خاصٍ أو مجموعة بعينها بل هو سلوك يواكب البشر منذ انتشارهم على الأرض، وهذا ما شهدته البشرية عند بزوغها حيث لم يكن ابنا آدم(قابيل وهابيل) متفقَين في الرأي، ولم يكن آدم متفقاً مع قابيل أيضاً.

ففي عصر النبوات كانت الأهواء هي الحاكمة على الناس، لم يكن يجمعهم سوى المصلحة الخاصة حيث لم يكونوا يرون للمصلحة العامة مكاناً عندهم، والذي جمع كلمتهم على مواجهة الأنبياء إنما هو مصلحتهم من بقاء الوثنية التي كانت المصدر الأول لجمع ثرواتهم.

فلقد بعث الله إليهم الأنبياء، وهذا يعني وجود المعجزات الدالة على صدق هذا النبي أو ذاك، وكما عرفنا قبلاً أن بعض الناس هم الذين حددوا نوع المعجزة ومكانها وربما وقتها، وكان لهذا التحديد أسباب، فمنهم من كان هدفه من التحديد تعجيز النبي لظنه بأنه إما ساحر لا يعرف سوى هذا العمل المعيّن، وإما نبي ولكنه لا يملك سوى هذه المعجزة، ومنهم من كان هدفه الإستفادة من خيرات بعض المعجزات كأولئك الذين طلبوا المائدة والناقة فلقد ظهر فيما بعد أن منهم من كان هدفه الإستفادة من الطعام واللبن واللحم.

ومنهم من كان هدفه منطقياً فهو يريد أن يثبت عنده الحق لكي يؤمن، وهذا أعقل وأنزه هدف لدى صاحبه.

 

مُستَوَى تَأْثِيْرِ المُعْجِزَةِ عَلَى النَّاس

 

بغض النظر عن سبب حدوث المعجزة وزمانها ومكانها وجوهرها، فإن للمعجزات أثراً كبيراً على قلوب الناس كل الناس، ولا تستثني منهم أحداً لأنهم شاؤوا أم أبوا فلقد أذعنوا لها وإن أنكروها عناداً، حتى أن فرعون الذي ادعى الربوبية وأراد أن يقتل موسى ومن آمن معه فلقد كان في قرارة نفسه مذعناً بصدق موسى ولكن لم تكن مصلحته في أن يخضع للدعوة حرصاً منه على عرشه القائم على الظلم والجور، وهذا ما تستنبطه من خلال إعلانه الإيمان بعد أن أدركه الغرق لأنه لو لم يكن مذعناً من الأساس لما آمن حتى عند الغرق، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الناحية العقائدية الحساسة والدقيقة حيث قال(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ){يونس90/91}

فلو لم يكن عارفاً الحقيقة لما ردّ الله عليه بقوله(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) ولا يوصف الإنسان بالعاصي إلا إذا كان عالماً بالأمر ثم جحده أو عصاه.

أما الناس العاديون فمنهم من آمن بمجرد أن رأى المعجزة لأنه كان ينتظر الخلاص من ظلم الحكام، ومنهم من آمن مباشرة لأنه علم بالحق كالسحرة في زمن موسى، ومنهم من تأنى قليلاً ليتخذ القرار المناسب بعد دراسة للموقف، ومنهم من أصر على الكفر إما خوفاً من الحكام وإما أن مصلحته هو أيضاً تكمن خلف البقاء على الكفر.

والخلاصة هي أن الجميع تأثروا بالمعجزة، فمن لم يؤمن بها بعد حدوثها فلا شك بأنها زلزلت له معتقد الوثنية في داخله.

 

ضَرُوْرَةُ إِقَامَةِ البُرْهَان

لقد سدد الله تعالى أنبياءه بالمعجزات لتكون سلاحاً في أيديهم يواجهون به تكذيب الناس لهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر.

والله تعالى يعلم بما سوف يطلبه الناس من الأنبياء، ولهذا فقد سددهم بالمعجزة لأنها الطلب الأبرز الذي يريد الناس رؤيته.

ومن الطبيعي جداً أن يطلب الناس أدلة قاطعة على صدق ما أتى به الأنبياء، فكان من الضروري أن يقوم النبي بما يحسم الموقف ويقطع الطريق أمام المغرضين ليصبحوا مسؤولين أمام الله تعالى عن جميع تصرفاتهم تجاه الرسالة والرسل.

وقد انتشر في زمان النبوات سلوك دنيء من قِبل أناس ادعوا أنهم أنبياء، وقد سقطوا هم ودعواهم بسبب عجزهم عن الإتيان بالدليل القاطع، ولعل هذا السلوك قد دفع بالناس إلى أن يطلبوا الدليل القاطع قبل أي شيء، بل من واجب الناس أن يسألوا الأنبياء وغير الأنبياء عن الدليل كيلا يُستخف بشأن الرسالات السماوية وحامليها، ومن أشهر الذين ادعوا النبوة كذباً مسيلمة الكذاب الذي سُحق بفضل الله تعالى.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى