
الإِعْجَازُ عَلامَةٌ عَلَى النبُوة
من حق كل إنسان أن يطلب البرهان على أية دعوة تصدر من أي شخص مهما كان مستواه الديني والإجتماعي والأخلاقي بين الناس، ومهما كان تاريخه حافلاً بالمواقف الصادقة.
نعم.. قد ينفع هذا التاريخ كثيراً فيما لو أتى بالدليل القاطع على صدق دعواه، أما إذا لم يأت بالدليل فليس من واجب الناس أن يصدقوه أو يؤمنوا به لمجرد اجتماع تلك الصفات فيه، وهذا ضرْبٌ من ضروب النظام الحكيم المجعول لوظيفة النبوة
بل من الغباء أن ينجرف المرء وراء الوهم والهوى لمجرد أن صاحب هذه الدعوة أو تلك رجل جيد، والأشد غباءاً من ذلك هو أن ينكر المرء الدليل القاطع.
وبعد ذكر هذه المقدمة يمكننا القول بأنه ليس من واجب الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بعد إقامة الدليل، ولا يمكن أن يكون الرجل نبياً إلا إذا قام بالمعجزة على اختلاف أنواعها لأنها الدليل الوحيد على كون الداعي نبياً، وبغير المعجزة لا تقوم الحجة على البشر.
فلقد كان كلما بُعث نبي إلى قوم من الناس سألوه عن الدليل، بغض النظر عن العناد الذي قد يصدر من البعض بعد إقامة الحجة، نحن نبين هنا المطلب الطبيعي لكل إنسان تصله الدعوة.
ويمكن القول بأن جميع الناس الذين عاصروا الأنبياء قد طلبوا مثل ذلك، فمنهم من آمن، ومن الطبيعي أن يؤمن الإنسان بعد المعجزة، ومنهم من أصر على الكفر لأنه لا يريد أن يؤمن.
الأَدْوَارُ التِي يَلْعَبُهَا الإِعْجَازُ
لقد حصر بعضهم مهمة المعجزة في موضوع كونها دليلاً على صدق الداعي، وقد بيّنا ذلك، وقلنا بأن المعجزة دليل على صدق ما أتى به الأنبياء.
ولكننا نقول: لا ينبغي حصر دورها في هذا الموضوع فقط، وذلك لإمكان انحلال هذا الدور إلى أكثر من واحد:
الدور الأول: وهو الموضوع المتفق عليه بين الجميع، فلا يمكن لأحد أن ينكر هذا الدور لها.
الدور الثاني: وهو أن المعجزة قطعت الطريق أمام المغرضين الذين ادعوا النبوة لأنفسهم ولم يأتوا بالمعجزات، كمسيلمة الكذاب الذي نُعت بذلك لأنه لم يأت بالمعجزة، فلو أتى بها لكان نبياً، ولكنه وُصف بالكذاب حيث لم يأت بالدليل المطلوب من كل نبي يرسله الله إلى مجموعة من الناس.
فلو لم تكن المعجزة علامة على النبوة لإدعى النبوة في اليوم الواحد ألف شخص، وقد حصل هذا الإدعاء من البعض في عصرنا فأصبحوا موضع سخرية عند الناس.
ولو أننا دققنا قليلاً في حقيقة استهزاء الناس لهؤلاء لوجدنا أن سببه عدم وجود المعجزة، وكأنه أصبح هذا الأمر من المسلمات لدى جميع البشر من مسلمين وغير مسلمين.
الدور الثالث: وهو أن المعجزة مصدرٌ للعبرة والموعظة والتذكير بالله عز وجل.
وعلى فرض أن أحداً ادعى النبوة ولم يأت بالدليل، وكان في الواقع نبياً، ولم نؤمن به، لم نكن مطالَبين بشيء يوم القيامة لأنه لم يأت بالبرهان، وهذا من الفروض المستحيلة لأنه لم يبعث الله نبياً من دون دليل.
الدور الرابع: وهو بيان القدرة الإلهية المطلقة، وكأن لسان حال المعجزة يقول: إن الذي خلق هذه المعجزة هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهو الذي سوف يبعثكم أحياء في يوم القيامة.
السبَبُ فِيْ تِكْرَارِ الإِعْجَاز
قد يقوم النبي بمعجزة معينة فلا يكررها مرة ثانية كما صنع نبي الله صالح(ع) عندما أخرج لقومه ناقة من الجبل بقدرة الله تعالى، وقد يقوم بمعجزة أخرى من غير جنس الأولى، وهذا الأمر مرتهن بالظروف المحيطة به.
ولم يقم الأنبياء بشيء إلا إذا كان وراء ذلك حكمة إلهية قد ندركها أو لا ندركها.
ولا شك بأن هناك سبباً من تكرار نفس المعجزة أو عدم تكرارها بعينها.
ولكي نفهم حقيقة هذا الأمر لا بد من ضرب مثال نستعين به على بيان الحقيقة.
ومثال ذلك قوم صالح الذين أخرج لهم من الجبل ناقة شربوا من لبنها وأكلوا لحمها بعد أن اعتدوا عليها فلم يعد بوسعهم إنكار تلك المعجزة لأنهم لمسوا ذلك حقاً.
ولذلك عندما حاول بعضهم أن يكذب صالحاً قام إليه قومه وأسكتوه لأن الجميع رأوا الناقة وأكلوا منها وشربوا لبنها، فلا مجال لنكران تلك الحقيقة.
وفي مثل هذه الحالة لا يمكن الإتيان بنفس المعجزة حذراً من الإستخفاف بأمر الله تعالى لأن الذي تجرأ على ذبح الناقة في المرة الأولى لن يألو جهداً بذبحها في المرة الثانية.
ومن جهة ثانية فإن الذي أنكر نبوة صالح بعد أن رأى الناقة تخرج من الجبل لن يؤمن بها في المرة الثانية ولو أنها نزلت من السماء، فإنّ أثر المعجزة على النفس في المرة الأولى أعظم من وقْعِها عليها في المرة الثانية، ومَن لم يؤمن من المعجزة الأولى فلن يؤمن من المعجزة الثانية.
هذا مثال عدم تكرار نفس المعجزة بعينها، أما مثال تكرارها بعينها والفائدة من وراء ذلك فهم بنوا اسرائيل.
فلقد كرر موسى(ع) معجزة واحدة ثلاث مرات ولم يحصل الإستخفاف بها في المرة الثالثة فضلاً عن الثانية لأن الذين رأوا الآية في المرة الأولى غير الذين رأوها في المرة الثانية.
والمعجزة التي تكررت ثلاث مرات هي العصا التي حوّلها الله سبحانه وتعالى إلى ثعبان.
ففي المرة الأولى تحولت فيه إلى ثعبان كان ذلك في الوادي المقدس، وكانت معجزة من أجل موسى ليطمئن وينطلق بالدعوة، وفي المرة الثانية كان ذلك أمام فرعون وهامان وبعض جنودهما، ولكن في المرة الثالثة حصل ذلك أمام جميع الناس.
ففي مثل هذه الظروف لا بأس من تكرار نفس المعجزة لأن أثرها في المرات الثلاث واحد.
أما تكرارها في موضع لا يستدعي ذلك فقد ينزل بمستوى المعجزة إلى مستوى لا يليق بشأنها وشأن خالقها أو من كان واسطة فيها.
مُوَافَقَةُ المُعْجِزَةِ لأرْقَى فُنُوْنِ عَصْرِهَا
لكي تكون المعجزة ذات أثر فعّال أمام إنكار أهل الضلال لا بد أن تفوق أرقى فنون عصرها وعصرهم فإن ذلك يساعد كثيراً في عملية إثبات صدق الأنبياء بشكل أسرع.
وقد توقع الأنبياء(ع) حدوث مواجهات مع الأطراف الضالة الذين سوف يدَّعُون تَفَوُّقهم على الأنبياء في فنونهم وتجاراتهم وصناعاتهم ليثبتوا بذلك ضعف الأنبياء.
لقد ظنوا ذلك لجهلهم بما أتى به الأنبياء من المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة والتي لم يعرف الناس غيرها، فأتوا بالمعجزات لتكون حجة على المعاندين.
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يُقطع الطريق أمام المغرضين المستفيدين من بقاء الناس على الضلال والمستفيدين أيضاً من انحراف المؤمنين عن الحق فأجرى الله تعالى على أيدي أنبيائه معجزات فاقت أرقى فنون عصورها بحيث لم يكن لأحد أن ينكر صحة الأمر أو يواجهه مهما كان ذال مال وجاه وسلطة لأن المعجزة تشكل قوة غير عادية فلا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة.
ففي زمن كليم الله موسى(ع) اشتهر السحر الذي كان يعتبر الفن الأرقى والسلاح الأقوى في وجه أي خطر يهددهم، ولهذا السبب استعان فرعون بالسحرة رغم كثرة جنوده وقوته العسكرية، فأجرى الله تعالى على يد كليمه معجزة أشبهت السحر بظاهرها، ولكنها في الواقع تباينه وتغايره، فهي شيء، والسحر شيء آخر، ولذا فقد خضع السحرة لموسى بعد أن رأوا معجزته التي لم تكن سحراً، إذ لو كانت كذلك لما سجدوا لموسى وهم أعلم أهل زمانهم بهذا الفن.
وفي زمن روح الله عيسى(ع) اشتهر الطب فأجرى الله سبحانه على يديه معجزات فاقت أرقى مستويات هذا العلم مما كشف للناس عن حقيقة ما جاء به لأن الطب عاجز عن القيام بذلك.
وفي زمن حبيب الله محمد(ص) اشتهرت البلاغة والفصاحة فأتاهم بالقرآن الكريم الذي أعجز أهل البلاغة ببلاغته وأخرس ألسنة الفصاحة بفصاحته وقهر أهل الفكر بعمق معانيه.
ولقد كان لمشابهة المعجزة فنون عصرها أثر كبير على قلوب الناس الذين آمن منهم كثير لما رأوا ما عجز أعظمهم عن القيام بمثله.
ولا نعني بذلك ضرورة مشابهة المعجزة لفنون عصرها إذ قد تكون أجنبية عن ذلك كشق البحر وإخراج الناقة من الجبل، وهذه مصلحة يحددها الله تعالى.
الهَدَفُ مِنْ إِنْكَارِ المُعْجِزَات
لا يوجد هدف منطقي يدعو إلى رفض المعجزة وإنكارها، وإنما يوجد خلفيات سيئة نشأت بسبب أطماع أهل الكفر والعناد الذين جعلوا لكل قائم مائلاً ولكل حق باطلا.
ولا نعني بتلك الخلفيات ما هو خاص بالمعجزات فقط لأنه يوجد خلف كل إنكار للحق خلفية مثلها، وإنما خصصنا ذكر المعجزة هنا لكونها موضع كلامنا.
ولو تركنا الحكم هنا لأهل العقول المجردة عن كل عقيدة لحكموا على هؤلاء المنكرين بالخطأ والعقاب، وذلك لعدم وجود مبرر عقلي لهذا الإنكار الذي دلت القرائن والتصاريح على حقيقة خلفياته السيئة التي لا يراد منها سوى العناد الغير مبرَّر.
ولم تكن تلك الخلفيات موجودة في مجموعة دون أخرى أو في أمة دون أمة، بل كانت مسألة عامة لدى جميع الأمم عبر الزمن لأن سبب إنكار معجزات إبراهيم(ع) هو نفسه سبب إنكار معجزات موسى وعيسى وجميع الأنبياء قبلهم وبعدهم.
والقاسم المشترك بين جميع المنكرين هو الحفاظ على مواقعهم عند أقوامهم.
وإننا نعني بتلك المواقع المواقع السياسية والعسكرية والإقتصادية التي قام أكثرها على كفر الناس وانحرافهم.
فليس من مصلحة بائع الأوثان أن يؤمن الناس بإله واحد لأن هذا يعني وقف تجاراته القائمة على ثبات العقائد الباطلة واستمرارها، وهم على علم بعدم استحقاق الأوثان للعبادة، ولكن ليس من مصلحتهم أن يستغنوا عن تلك المعتقدات.
فمَنْ منّا يجزم بأن آزر كان مقتعاً بربوبية الأصنام؟ إن الشيء الذي اقتنع به هذا الرجل وأمثاله هو التجارة وكسب المال مهما كان طريق كسبه لأنهم لاحظوا النتيجة ولم يلاحظوا الوسيلة.
وليس من مصلحة بائع الخمر أن يَصدر حكم بتحريم شربه، وكذا الحال عند جميع أصحاب التجارات القائمة على الإنحراف.
ويمكن القول بأن أحداً لم يكن مقتنعاً اقتناعاً تاماً بربوبية الأصنام لأن العقل البشري لو خلي ونفسه لأدرك تلك الحقيقة التي لا يمكن أن تنكر بوجه من الوجوه.
وقد يكون سبب الرفض أمراً آخر، ولكن لا يمكن القول بأن نوعاً من الإنكار قد قام على أسس واضحة ومقبولة.
وهذا هو السبب الذي جعل بعض الناس يقتنعون بما جاء به الأنبياء بشكل سريع، ولعلهم كانوا ينتظرون الظرف المناسب لإعلان البراءة من الأوثان.
وبهذا تظهر لنا خلفيات إنكار المعجزات.
وقد ينكر الإنسان قولاً أو رأياً أو أمراً من الأمور الطبيعية، أما أنه ينكر أمراً خارقاً لنواميس الطبيعة فهذا ما لا يقبل به عقل سليم ولا يؤيده رأي سديد.
هَلْ انْتَهَتْ المُعْجِزَات
نحن نؤمن بأن المعجزة لا تحصل إلا على يد نبي، وقد ذكر القرآن الكريم كثيراً منها إلا أنه لا يمكن الجزم بعدم حدوث معجزة في عصر من العصور الآتية لأن الأمر بيد الله تعالى الذي إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون بإذنه.
إن آخر معجزة شهدها البشر كانت في زمن النبي الأكرم(ص) الذي أتى بأعظم معجزة عهدها البشر من عهد آدم وهي القرآن المجيد.
ولا يزال هناك مجموعات إسلامية تنتظر حصول معجزة يخلصهم الله بها من حروبهم ومشاكلهم وظلم الناس لهم.
وهذا يعني أن بعض الناس يؤمنون بحدوث معجزات جديدة، ولا ضير في ذلك لأننا سوف نشهد نحن أو أبناؤنا أو أحفادنا حدثاً عظيماً في وقت لا يعلمه إلا الله تعالى وهو خروج الإمام المهدي(عج) وعيسى المسيح(ع) اللذان سوف يملآن الأرض عدلاً.
وعلى حد علمنا لا نعلم غير هذه المعجزة في المستقبل لأن الإعجاز لا يتم إلا على يد نبي من الأنبياء.
ولا يعني نفي المعجزة أنه لا يوجد كرامات فإن هناك كرامات كثيرة قد حصلت وسوف تحصل في وقت من الأوقات.
مُطَابَقَةُ المُعْجِزَةِ للدعْوَةِ
قد يحصل إعجاز لفرد من الناس غير الأنبياء، غير أن هذا العمل لا يحمل عنوان المعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه لأن مطابقة المعجزة للدعوة شرط في صحتها وفي وجوب الإلتزام بمضامينها.
لقد أتى الأنبياء(ع) بمعجزات لتكون أدلة على صدق دعواهم لأن الطبيعة البشرية تفرض وجود المعجزات كما ذكرنا سابقاً.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية يجب أن تتطابق الدعوة مع المعجزة، بمعنى أنه إذا طلب القوم إخراج ناقة من الجبل ووافق النبي على ذلك بإذن الله تعالى يجب أن يُخرج لهم ناقة وليس شيئاً آخر، وإلا فلا تكون مطابِقة للواقع المطلوب، فلا يجب الإيمان بها حينئذ.
وقد يتساءل البعض حول طرح هذا الموضوع لظنه بأن الثمرة منه لا فائدة منها، مع أن الفائدة من وراء ذلك كبيرة، وقد حصل في الماضي ما يفرض علينا إثارة هذا الموضوع.
وقد عرفنا في السابق أن كثيراً من الناس ادعوا النبوة ولم يستطيعوا الإتيان بالمعجزة لأنهم ليسوا أنبياء فبطلت دعواهم نتيجة لعجزهم عن فعل المعجزة.
وقد عرفنا أيضاً بأن المعجزة هي الأمر الخارق لنواميس الطبيعة ولم نكمل التعريف هناك، لأن هناك شرطاً آخر في المعجزة لم يذكر في السابق، وهو مطابقة المعجزة للدعوة لأنه قد يحصل نوع خاص من الإعجاز على أيدي بعض الناس ولكن المراد منه تكذيبهم لا تصديقهم كما حصل لمسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة والقدرة على القيام بالمعجزة فحصلت على يده معجزة، ولكنها لم تكن مطابقة لدعواه.
لقد ادعى مسيلمة الكذاب النبوة فطلب الناس منه الإتيان بالمعجزة الدالة على صدق ما جاء به، فقال لهم ماذا تريدون مني أن أصنع لكم؟ قالوا إن رسول الله(ص) كان إذا تفل في بئر جافة فاضت بالمياه، فتفل مسيلمة في بئر كان فيها القليل من الماء فغارت المياه، وبذلك ازداد تحقير الناس له على كذبه فقال لهم: إن ما قمت به معجزة فآتوني بمن يفعل ذلك، فأدرك الناس كذبه من خلال عدم مطابقة معجزته لدعواه.
لقد تدخلت الإرادة الإلهية في تجفيف البئر ليعلم الناس بحقيقة الأمر الذي يسعى مسيلمة إلى تحقيقه.
ونحن بدورنا نفهم من ذلك أن الإعجاز قد يحصل على يد النبي ليكون علامة على صدق ما جاء به، وقد يحصل على يد غيرهم، ولا يسمى ذلك معجزة بالمعنى المعروف وإن كان على خلاف الطبيعة لأنه عند ذلك يحصل من أجل الكشف عن كذب أصحاب الإدعاءات الكاذبة.
الشيخ علي فقيه



