أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

نَبِي اللهِ شُعَيْب(ع)

 

نَبِي اللهِ شُعَيْب(ع)

 

يعود نسب نبي الله شعيب إلى إبراهيم الخليل(ع) وقيل بأنه ابن بنت لوط، وأياً يكن نسبه الطاهر فهو نبي من أنبياء الله بعثه إلى قومه ليدعوهم إلى الإيمان، فلا نقف عند شجرة النسب، وإنما نقف على المواقف النافعة والتاريخ المشرق الذي بفضله استفدنا الحكمة والعبرة، والذي به قويت إرادتنا واشتد ساعدنا وثبت بما ورد عنهم إيماننا بربنا وخشيتنا منه عبر بيان العاقبة سواء كانت عاقبة الأنبياء أم عاقبة أقوامهم الظالمين، فنحن نستفيد من الجهتين، نستفيد من الإيجاب الرغبة في الثبات على الإيمان والإخلاص، ومن السلب الحذر من الوقوع في العصيان.

وتُعتبر حياة نبي الله شعيب مهمة للغاية لأن القرآن الكريم قد أشار إليها في أكثر من سورة وبشكل واف وذلك لضرورة معرفتها والإستفادة منها لأنها مصدر من مصادر الإستفادة، ونقصد بالإستفادة استفادة الدروس والعبر والمواعظ والثبات على الحق مهما كان عدد أهل الباطل كبيراً.

معنى ذلك أن أحداث بعثته كثيرة ومليئة بالعبرة، وهذا ما يدفع بنا نحو التركيز على قضيته بشكل مميز نظراً لتركيز القرآن عليها، والتركيز القرآني على الشيء يدل على أهميته سواء كان هذا التركيز حول الإيجاب أو السلب حيث أشرنا في السابق إلى أن طالب المعرفة يستفيد من السلب والإيجاب.

نحن نستفيد من المؤمن المخلص ما نحافظ به على إيماننا وإخلاصنا، ونستفيد من نتيجة الكفر كيف نحذر من سطوات الشيطان.

وقد عودناكم عبر البحوث السابقة كيف نقف على المسائل المهمة وندخل إلى أعماقها لاستخراج ما أمكننا استخراجه، وهذه الطريقة التي استعملناها في قضية آدم ونوح وإبراهيم وأيوب ينبغي أننستعملها في قضية شعيب وغيرها من قضايا الأنبياء الذين سوف نأتي على ذكر أحداثهم في البحوث المقبلة بعون الله وتوفيقه، قال تعالى(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ)

ففي هذه الآية الكريمة يخبرنا القرآن أن الله تعالى أرسل إلى أهل مدين نبياً منهم، وليس من قرية أخرى أو ملة بعيدة، وهذه الحال معتمدة مع كل الأنبياء، ولأجل ذلك وصفه بأخاهم، وهو في الحقيقة ليس أخاً لهم بل هو من أهل مدينتهم، وهذا الإستعمال معتمد في جميع اللغات.

(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذه هي الوظيفة الموحَّدة بين جميع الأنبياء والرسل فإن كل نبي بعثه الله إلى قومه أو إلى العالم أجمع كان يدعوهم إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته مبيناً لهم أن هذا هو الصراط المستقيم وأنه ليس للإنسان إله غير الله، وهذا يعني الطعن المباشر بألوهية غيره من الأوثان والأشخاص، فلا يجوز للعبد أن يعبد عبداً أو مخلوقاً آخر فإن العبادة يجب أن تنحصر في الله وحده الذي لا شريك له في الخالقية والمعبودية والرازقيه وجميع شؤونه، وشعيب دعا أهل مدين إلى ما دعت له جميع الأنبياء أقوامها.

ونلاحظ بأن كل قوم كانوا يشتهرون بسلوك أو صفة معينة، فقوم نوح اشتهروا بالتكذيب والإستهزاء والسخرية، وقوم لوط اشتهروا بإتيان الرجال بدل النساء، وقوم موسى اشتهروا بعمل السحر، وأما أهل مدين قوم شعيب فلقد اشتهروا بأكل المال الحرام عبر البخس في الميزان، وهذا أمر حقير لدى الشعوب والأمم فضلاً عن حقارته وحرمته لدى الأديان السماوية، فهو غش وخيانة وسرقة.

ولأجل ذلك كانت الدعوة إلى ترك الغش في المكيال أول دعوة بعد الدعوة للإيمان لأنهم إذا لم يتخلصوا من هذا السلوك فلن ينفعهم إيمانهم بشيء على الإطلاق إذ لا يليق بالمؤمن أن يكون أكّالاً للحرام وبخاساً في المكيال، وهذا من صفات العار لدى الناس الذين يرفضون هذا السلوك بشدة.

وكما تعلَّم المؤمنون من المؤمنين السابقين ما يثبتهم على الإيمان فكذلك تعلم الفاسدون من المفسدين فن الفساد وجميع أشكاله وألوانه.

لأجل هذا قال لهم نبيهم شعيب(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ)

أنتم أهل معيشة رغيدة أراكم بخير فلا داعي لأن تبخسوا الناس أشياءهم فإنكم أغنياء عن هذا السلوك السيء.

 

حِوَارُ شُعَيْبٍ مَعْ أَهْلِ مَدْيَن

 

لقد دار بين شعيب وقومه ما دار بين جميع الأنبياء من جهة، وأقوامهم من جهة ثانية، وكما أشبهت وظائف الأنبياء بعضها فكذلك أشبه رد هذا القوم لرد غيرهم، وكأن الحدث واحد لم يتغير سوى الزمان والمكان وصور الوجوه، أما الدوافع والموانع والإتهامات فهي على حالها حيث توارثها الأبناء عن الآباء حتى قال كل جيل لاحق: هذا ما وجدنا عليه آباءنا: وقد رد القرآن عليهم بأسلوب رائع حيث قال لهم(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)

هذا ما حصل لنبي الله شعيب عندما دعا قومه إلى الإيمان(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ  وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ  بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)

لقد حذرهم العذاب في يوم الحساب إذا أصروا على الكفر ونقص المكيال واللعب بالوزن حيث كان هذا السلوك منتشراً بينهم بقوة، وقد شوهوا سمعتهم بهذا السلوك وأصبح ذكرهم مردّداً على كل لسان لأن البخس في الميزان أمر مرفوض في الموازين الإنسانية والإجتماعية قبل أن يكون مرفوضاً في الموازين الشرعية.

والذي يلفت النظر في هذه الآيات الكريمة من سورة هود هو التكرار المباشر للنهي عن البخس مما يشعر بتأكيد شعيب على هذه الدعوة، ففي الآية الرابعة والثمانين قال لهم(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) ثم في الآية الخامسة والثمانين قال لهم(أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) وفي نفس هذه الآية عاود النهي فقال(وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) وقد عبّر في نفس الآية عن كون البخس في المكيال فساد في الأرض حيث يقول عن لسان شعيب (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)

ولو أردنا أن نتأمل في الآية قليلاً لوجدنا فيها أمراً وثلاثة نواه، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عظم الموقف وقذارة هذا الأمر المنهي عنه بهذه الطريقة.

لقد أخبرهم بأن ما عند الله خير لهم وأبقى، وأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً، وبعد أن سمعوا الأمر والنهي والموعظة والنصيحة والإرشاد والتوجيه الصحيح لم يقبلوه ولم يلتزموا به بل خالفوه كما فعل أسلافهم مع الأنبياء السابقين ثم قالوا له(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) نحن لا نشك بأن الصلاة الحقيقية والمقبولة تنهى صاحبها عن ارتكاب الفحشاء وركوب المنكر(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ولو تأملنا قليلاً في هذه العبارة لأدركنا أن المقصود بقولهم(صلاتك) ليس الصلاة فقط بل المقصود هو الجهة التي يصلي لها شعيب، وهو الله تبارك وتعالى، وكأنهم أرادوا أن يقولوا له هل إلهك الذي تدعوننا إلى عبادته يأمرنا بأن نترك ما كان عليه آباؤنا من عبادة التماثيل.

وهنا أشير إلى موضوع الوثنية لأن ما كان يقوم به آباؤهم إنما هو عبادة الأوثان، وكذلك أشيرَ إلى مسألة الأموال فهل أن الدين الذي أتيت به ينهانا عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء، وهم يريدون أن يفعلوا بأموالهم المنكر، وهو البخس في المكيال والميزان، ولكن العبارة التي تحمل أكثر من معنى هي قوله تعالى حاكياً عنهم(إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) نحن نريد أن نعرف الهدف من هذه الفقرة، هل كان مدحاً لشعيب من قبل قومه أو أنه كان ذماً مبطّناً مثل الطرق التي يستعملها المستهزؤون عادة.

ولأجل إدراك المراد نقول:

أولاً: قد تكون هذه الفقرة(إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) موجّهة من الله لشعيب، ولا مانع من توجيه العبارات في ذيل الآيات المشابهة في الطريقة لطريقة هذه الآية فلا ينبغي الإعتقاد بأن هذه العبارة وجّهت له من جهة قومه لاحتمال أن تكون موجّهة له من قبل الله عز وجل الذي كان يخفف عن أنبيائه ورسله بهذه الطريقة.

واستعمالات القرآن المشابهة لهذا الأمر كثيرة جداً، منها: قوله تعالى(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ومنها قوله تعالى(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فلقد كان الكلام قبل هذه الفقرة وبعدها عن نساء النبي ثم توجه بهذه الطريقة لمدح أهل البيت(ع)، إذاًً.. هذه الإستعمالات موجودة في القرآن الكريم.

ثانياً: قد تكون هذه الفقرة صادرة عن قوم شعيب ولكنهم أرادوا بها الإستهزاء كما تقول للغبي يا ذكي أو للجاهل يا عالم أو للمجنون يا عاقل.

ثالثاً: قد تكون صادرة عنهم ولكن لم يُرَد بها المدح أو الذم وإنما يراد بها أنك يا شعيب أنت ذكي ورشيد ويجب أن تفهم بأننا لن نستغني عن أفعالنا هذه كيلا تقل ثرواتنا.

ويتابع شعيب(ع) حواره مع قومه ليصل معهم إلى نتائج واضحة وتكون دعوته لهم مثمرة ونافعة(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)

يبين شعيب لقومه أنه على بصيرة من الله وأنه يدعوهم إليه وعنده البينات على صدق نبوته، فطالما أنكم تعلمون أني على بصيرة من أمري فلماذا لا تؤمنون.

وقد أخبرهم بأن الله تعالى رزقه رزقاً حسناً حلالاً طيباً وهو غني عن الحرام فلا حجة لهم في بخس الناس أشياءهم فإنهم إن تخلوا عن تلك الممارسات البشعة فسوف يغنيهم الله من فضله كما أغنى نبيه شعيباً، وغنى شعيب لَأكبر دليل على كون البخس ليس سبباً من أسباب الرزق والإستغناء بل الحلال والإتكال على الله وحده هو طريق يؤدي بالعبد إلى الغنى المادي والمعنوي، وأعني به غنى النفس.

(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) لا أريد أن أنهاكم عن شيء وأنا أفعله فإنه من شروط الإصلاح أن يبدأ المصلح بنفسه ثم يتفرغ لغيره ليكون إصلاحه حينئذ ذا منفعة، فهو يقول لهم أنا أريد أن أنهاكم عن شيء لم أفعله ولا أريد أن أفعله.

ثم كشف لهم عن نواياه الحسنة فأخبرهم بأنه يريد الإصلاح فيهم بقدر المستطاع(إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) هذه هي الغاية الوحيدة مما يدعوهم إليه، فلقد صنع ذلك مستمداً العون والتوفيق من الله عز وجل.

ثم يتابع في وعظهم والنصح لهم علهم يرجعون عن الغي ويتبعون الحق(وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ) أنا أخشى عليكم إن تماديتم في الكفر والعصيان أن يهلككم الله بالطوفان كما صنع مع قوم نوح، أو تأخذكم الرجفة أو يأتيكم أنواع من العذاب كما حصل لقوم هود وصالح وقوم هود، مشيراً إلى أن عذاب قوم لوط ليس ببعيد عنكم، والسبب في ذلك هو أنهم ربما عاصروا عهد لوط، وليس ذلك بالأمر المستبعد لأن عهد لوط قريب جداً من عهد شعيب الذي هو سبط لوط أي ابن بنته.

هذه مواعظ حرك بها المشاعر وذكّر بها القوم ثم طلب منهم مباشرة أن يستغفروا الله ويتوبوا من ذنوبهم، وهو يريد بذلك أن يحفظهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولكنهم اختاروا الهلاك لأنفسهم رغم ظهور الحق وجلاء الحقيقة التي جاءهم بها شعيب الذي قال لهم(وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) هناك مجال للتوبة فإن رحمة الله واسعة، وهو حتى الآن لم يغلق عليكم أبواب رحمته، وعلى الرغم من وعظهم بهذه الطريقة المنطقية المؤثرة أجابوه بكلام سلبي كشفوا فيه عن تعصبهم للباطل وإصرارهم على ما كانوا عليه من الباطل، وأكثر من ذلك بدل أن يردوا إحسانه بالإحسان ويشكروه على نصحه فقد وجهوا له الإهانات المشحونة بالتهديد والوعيد(قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) لقد ادعوا أنهم لم يفهموا الكلام بل ولا يريدون أن يفهموا شيئاً، ولأن المنطق كان سليماً لم يستطيعوا أن يكذبوا شعيباً بشكل واضح وصريح، وإنما ادعوا أن عقولهم قاصرة عن فهم مراده فلجؤوا إلى تهديده بالرجم(ولولا رهطك لرجمناك) والرهط هم الأقارب والأرحام، ولعل أقاربه كانوا كثراً وأقوياء وكان القوم يحسبون لهم حساباً كما كان يحسب القرشيون ألف حساب لسيد البطحاء أبي طالب(ع) وعند ذلك بيّن لهم أن اتكاله في دعوته ليس على أقاربه وأرحامه لأنهم ليسوا أقوى من الله تعالى ولا هم أعز منه، ولا يريدهم أن يطيعوه من أجل رهطه بل أراد منهم ذلك من أجل أن الله تعالى يأمرهم بذلك(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)

لماذا اتخذتم الدين ظهرياً، أي نبذتموه وراء ظهوركم وهو أساس عزكم في الدنيا والآخرة.

(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) وعندما لم يسمعوا لقوله ولم يعبأوا بما قال استعمل معهم اللغة التي يفهمونها وهي لغة القوة والتهديد، وكأنه يقول لهم إستعملوا كل قوتكم ومكانتكم وأموالكم، أما أنا فسوف أعمل بما علّمني ربي، ولكن ترقبوا حلول العذاب إذا بقيتم مستمرين في الكفر ومتمادين في الطغيان.

وجاء اليوم الموعود وهم على عنادهم فأنزل الله عليهم عذاباً شديداً ولهم في الآخرة عذاب أشد وأكبر(وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ  كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) فقوله (بُعداً) أي أنه أبعدهم عن الرحمة كما أبعد قوم ثمود.

ولعلهم جمدوا وخرجت أرواحهم من أبدانهم بصيحة أصدرها ملك من الملائكة تشبه الصيحة التي سوف ترجع بعدها الأرواح إلى الأبدان يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

قِصةُ شُعَيْبٍ فِيْ سُوْرَةِ الأَعْرَاف

 

لقد ذُكرت هذه القصة المفيدة في أكثر من سورة، ففي البحوث الماضية تحدثنا عن قصة شعيب في سورة هود، وهنا سوف نذكر القصة بشكل موجز انطلاقاً من سورة الأعراف التي أشار فيها القرآن إلى نقاط هامة لم تُذكر في سورة هود، قال تعالى(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

لقد تكرر نفس المعنى من باب التأكيد على كون ما يفعله قومه هو أمر محرم ومبغوض يجب التخلي عنه لأنه آفة في المجتمع البشري، وهو سرقة الناس عبر بخسهم في المكيال والميزان(وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي لا تتوعدوا ولا تهددوا كل من ينصح لكم ويدعوكم إلى الخير والرحمة بل عليكم أن تردوا النصح بالإحسان وإعلان الإيمان، وإنه لا عذر لكم لأن الآيات واضحة والبراهين قاطعة فهي حجة عليكم في يوم الحساب، ولا تهددوا المؤمنين لتصدوهم عن سبيل الله وتشككوا الناس بالهداية والحق، وهو معنى قوله وتبغونها عوجاً، (وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) هناك مجموعة آمنت بالله ومجموعة أصرت على الكفر فلا تهددوا المؤمنين واصبروا وسوف تعلمون عما قريب من هو على الحق، أنتم أم هم، هذا كلام لا ينبغي أن يرده أحد فهو خال من التهديد والوعيد والتجريح، وهو طريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله حيث استعملوا في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة، ولكن القوم واجهوا الإحسان بالإساءة ولم يجدوا كلاماً منطقياً ينتقضون به كلام شعيب فأصروا على طريقتهم التي هي التهديد والوعيد(قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) وهنا خيّروا شعيباً والذين آمنوا بين أمرين، إما أن ترجعوا عن الإيمان وتعيشوا معنا كما كنا قبل دعوة شعيب، وإما أن تخرجوا من قريتنا، فلا نريد بيننا مَن هم على غير عقيدتنا، ولقد كانت عقيدتهم واضحة البطلان.

(أولو كنا كارهين) يعني هل تستغنون أنتم عن حريتكم كما تريدون أن تصنعوا معنا، هذا منطق نبوي سليم وليس لهم أن يردوه بمنطق مثله لانتفاء أن يكون هناك ما يشبه هذا المنطق، ثم بينوا للقوم استمرارهم على الإيمان وأنهم لا يتخلون عنه مهما كانت النتائج سلبية عليهم(قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)

لو استغنينا عن الهداية بعد أن هدانا الله لكنا كاذبين، ولقد نجانا الله عندما هدانا، وليس لنا أن نعود لأنه يجب على كل عبد أن يطيع خالقه الحق، ونحن متوكلون على الله تعالى، فهو يفتح بيننا وبين القوم الظالمين، وهو القادر على أن ينجينا من سطواتهم وكيدهم.

وبعد أن سمع الكفار هذا الكلام من المؤمنين قالوا لهم(وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ) إذا استمريتم على دين شعيب فسوف تخسرون، ولعل هذا كان تهديداً مباشراً للمؤمنين الذين وطَّنوا أنفسهم على تحمُّل المصاعب والشدائد في سبيل الإيمان.

ولقد منّ الله على المؤمنين حيث نجاهم من القوم الظالمين بعد أن أنزل بهم العذاب الأليم في هذه الدنيا كمدخل للعذاب الأبدي في يوم الحساب(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)

وقد بُعث شعيب(ع) مرة أخرى إلى أصحاب الأيكة الذين أحمى الله مناخهم ثم أظلهم بغمامة فلما جلسوا تحتها أحرقهم جميعاً لأنهم جحدوا الحق وأنكروا الرسالات السماوية كما فعل أهل مدين، وفي ذلك قال تعالى(كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ  إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ  إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ  فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ  وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ  أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ  وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ  وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ  قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ  وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ  فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ  قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ  فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ  وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى