
هَلْ كانَ الناسُ بَعِيْدِيْنَ عَنْ نَوَايَا يَزِيْد
إن من العوامل المساعدة على إدراك الحقيقة وفهم المطلوب هو دراسة الأوضاع التي كانت عليها الأمة في تلك المرحلة، فلا يمكن الحكم على الجميع بأنهم قصّروا في واجباتهم لأن هناك موانع كانت تحول بين الحقيقة وبعض الناس، فلا يجوز أن نظلم أحداً عبر إلقاء الإتهامات يميناً وشمالاً، كما لا يجوز أن نبرئ الجميع في وقت واحد لأن العمل على تبرئة الجميع فيه ظلم للحسين وأصحابه ونهجه المبارك وقضيته العالية.
ولأجل ذلك لزم تصنيف الأمة في ذلك العهد إلى عدة أصناف أو طبقات:
الطبقة الأولى: وهي التي اطلعت على سير الوضع القائم فعرفوا كل ما يدور في الأوساط اليزيدية والأوساط الحسينية والأوساط المحايدة.
الطبقة الثانية: وهي الطبقة التي كانت على اطلاع واسع لأوضاع الوسط اليزيدي فقط، وما كان يدور في داخل قصور الأمراء والعمّال والحكام.
الطبقة الثالثة: وهي طبقة عرفت كل شيء إلا أنها وقفت موقف المتفرج الذي لا يعنيه كل ما يحدث على الساحة، ومنها من أشبه أبا هريرة في النظر إلى النتائج والحكم أو اتخاذ القرار على أساس النتيجة، وهؤلاء أحد المعنيين بقوله تعالى(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
الطبقة الرابعة: وهي التي لا علم لها بكل ما يجري على أرض الواقع.
الطبقة الخامسة: وهي التي عرفت الحقيقة وأنكرتها خوفاً على النفس والمعيشة.
الطبقة السادسة: وهي التي عرفت الحقيقة واتبعتها وضحت في سبيلها.
الطبقة السابعة: وهي التي مالت بالقلب إلى الحسين دون أن تقدم النصرة له ولثورته المباركة.
الطبقة الثامنة: وهي التي مالت بالقلب والعمل إلى النهج اليزيدي وكان لها دور بارز على الساحة وربما كان لها دور مباشر في ارتكاب مجزرة كربلاء.
أما الطبقة الأولى: فهم أناس غلب عليهم الهوى وامتنعوا عن مناصرة الحق إما خوفاً من عقاب يزيد أو خوفاً على تجاراتهم وممتلكاتهم، وربما كان الدافع عندهم خوفهم على ذويهم، وأياً كان السبب فإن هؤلاء مشتركون في تلك الجريمة لأنهم سمعوا نداء الخليفة الحق ولم يلبوه فعصوا الله عز وجل في ذلك.
وأما الطبقة الثانية: فلا شك بأنهم ميزوا بين المظلوم والظالم لأن نفس اطلاعهم على أخبار الوسط اليزيدي سوف يجعلهم عالمين بالنوايا الحاقدة التي يريد يزيد أن ينفذها، وبناءاً على ذلك يكون حكم هذه الطبقة حكم الطبقة الأولى.
وأما الطبقة الثالثة: وهم مجموعة جبناء استحبوا الفاني على الباقي وآثروا العيش الذليل على الموت العزيز وفضّلوا أن يعيشوا بلا دين وبلا كرامة على أن يحملوا السيف ويجاهدوا في سبيل الله عز وجل، فهؤلاء أهل الدنيا الذين يتمركزون على الجبال وفي داخل الحصون فمن كان النصر حليفه ادعوا أنهم معه، وحالتهم تشبه أحوال جهات كثيرة في زماننا الحاضر، حيث أسسوا مؤسسات وجمعيات وأحزاب دون أن يبذلوا شيئاً للوطن.
وأما الطبقة الرابعة: فهؤلاء معذورون أثناء الجهل فقط، فمن عرف الحق بعد ارتكاب تلك المجزرة ولم يقف في وجه الظالم كان حكمه كحكم غيره من الطبقات المذكورة.
وأما الطبقة الخامسة: وهو مجموعة أيقنوا بأن الحسين على حق وأن يزيداً ظلمه ولكنهم تقاعصوا عن نصرة دينهم وإمامهم فكانوا من الهالكين، ولا فرق بينهم وبين من حز الرأس الشريف من الوريد إلى الوريد لأن الراضي بفعل قوم شريك لهم.
وأما الطبقة السادسة: وهم الذين خرجوا مع الإمام الحسين من المدينة بدافع الجهاد والنصرة، ومنهم الذين التحقوا به في الطريق، ومنهم كذلك الذين لحقوا بالإمام إلى كربلاء بدافع النصرة، وهؤلاء الذين لحقوا بالإمام منهم من أدركه على قيد الحياة وقام بالواجب ومنهم من وصل إلى كربلاء بعد انقضاء الأمر، ولكنهم لم يجعلوا من ذلك ذريعة لأنفسهم حيث أنهم عملوا على نصرة النهج الذي رسمه الإمام(ع) بثورته المجيدة.
وأما الطبقة السابعة: فإن أجمل تعبير في وصفهم هو أن قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه، وهؤلاء شركاء في تلك الجريمة البشعة لأن الدين لا يحتاج إلى قول فارغ بل هو بحاجة إلى من يقول ويفعل بل إلى من يفعل قبل أن يقول.
وأما الطبقة الثامنة: وهم قتلة الإمام الحسين، ويكفي في بيان قبحهم أنهم أجهزوا على إمام زمانهم وقتلوه.
الشيخ علي فقيه



